الوضع الصومالي… نظرة من زاوية معاكسة (13)

المشهد الانتخابي القادم (1-2)

إن الحديث عن انتخابات عام 2016م يبدو مبكرا بعض الشيء؛ ولكننا إذا نظرنا إلى الوضع السياسي المتسم بالتنافر والتدابر تشتد الحاجة إلى التنويه بضرورة إعطاء أهمية قصوى لهذه القضية التي تتطلب تجيش جيش من الباحثين والخبراء والفنيين قبل الموعد المقرر بوقت كاف بهدف الانتهاء من ملفات عديدة ذات صلة بموضوع الانتخابات من الناحية التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى ضرورة جعل الناس يثقون بجدية الجهات الرسمية في تحقيق هذا الحلم الكبير الذي يمثل خيارا استراتيجيا نُثبت من خلاله وجودنا كأمة قادرة على النهوض من جديد على أسس ديمقراطية سليمة.

(1)

ومن المؤسف أن تُستنزف جهود بعض القوى السياسية في معارك جانبية؛ بحيث يتم اختزال الهموم في إسقاط الرئيس والتخلص من حاشيته دون التفكير في البدائل المتاحة وما يتطلب الأمر من جهد ووقت لتحقيق التوافق المنشود وملء الفراغ الذي ينجم عن أي تغيير مفاجئ محتمل في ظل أوضاع تتأزم وتميل إلى نحو مزيد الانقسام القبلي والمناطقي. وفي المقابل هناك قلة قليلة تقلقهم المسائل الجوهرية وما ستؤول إليه الأمور؛ وكيف أن حالة الاختناق السياسي القائمة قد تحول دون تحقيق طموحات الشعب على كافة المستويات؛ ومن ذلك خوفهم من أن تكون الانتخابات القادمة نفسها وبالا على الأمة الصومالية بدل أن تكون فرصة للتغيير وإفراز الأصلح من القوى السياسية الفاعلة على الساحة الصومالية.

(2)

ومع تزايد تزعزع الثقة المجتمعية بسبب التجاذبات والحروب اللامنتهية في الصومال هناك العديد من التساؤلات حول المشهد الانتخابي القادم عام 2016م، ومن بينها سؤال حول ما إذا كانت هناك إمكانية حقيقية لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد عام أو عامين من الآن؟ وهل هناك جهود موحدة كافية لتحقيق هذا الحلم الكبير أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد شعارات براقة جوفاء لا حقيقة لها في أرض الواقع ؟ وهل ضرر الانتخابات أكبر من نفعها كما ترى القوى الرافضة لها؛ وخاصة إذا لم يتم التفرغ لها في وقت مبكر، ولم يؤمن بها الجميع كوسيلة ضامنة للاستقرار السياسي والاجتماعي و تحقيق التداول السلمي للسطة؟ وإلى أي مدى تتوافر ضمانات تجعل الجميع يثقون في أنها ستكون انتخابات حرة ونزيهة علما أنها تُعتبر الانتخابات المباشرة الأولى بعد أكثر من أربعة عقود من الزمن؟ وأخيرا؛ كيف يتم ضبط وتحديد عدد الأحزاب المسموحة بها قانونيا إذا تم تفعيل نظام الأحزاب المقرر تبنيه دستوريا كأساس للعملية الانتخابية؟ وهل سنضطر إلى جعل الأحزاب خمسة طبقا لعدد القبائل الكبرى في الصومال حتى تكون أقل عدد ممكن (ومتفق عليه)؟

(3)

بعيدا عن الارتجالية والتخبط الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من التخلف في جميع المجالات ينبغي أن يدرك الجميع بأن عملية إجراء انتخابات توافقية يشارك فيها الشعب الصومالي في جميع المناطق ليست أقل أهمية من عملية الحرب على المتطرفين الإسلاميين وإخراجهم من الصومال، وبالتالي فإن إجراء انتخابات نزيهة تتطلب أقصى درجات الاستعداد والتعاون والتنسيق مع كافة الجهات المعنية وفق استراتيجية مشتركة تتبلور في إطار مواقف وتنازلات شجاعة وملموسة؛ وذلك تجسيدا لروح التفاهم على قاعدة العمل الوطني المشترك بهدف تحقيق خروج آمن من النفق المظلم الذي طال البقاء فيه. وأساس ذلك أن نفهم أن العالم لا يهتم بأن شخصا ما أو قبيلة معينة فشلت في حكم الصومال أو نجحت فيه، وإنما يُصنَّف الصومال كوحدة متماسكة ثم توضع في خانة أكثر الدول فشلا في العالم؛ كما حدث أكثر من مرة حسب تقارير مؤشرات التنمية العالمية في المجالات المختلفة.

(4)

 واليوم يتمثل التحدي الأكبر أمام الأحزاب السياسية – المسجلة (إعلاميا) والمراد تأسيسها لاحقا – في قدرتها على أن تتقدم بشخصيات مقبولة محليا وببرامج انتخابية مقنعة وطموحة تلبي احتياجات الناس الأساسية وتعزز ولاءهم للوطن، ويكون ذلك أقرب للتحقيق عندما يأتي رئيس الحزب نفسه بالانتخاب من خلال تنافس أعضاء كل حزب فيما بينهم – قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة – لانتخاب مرشحهم الرئاسي؛ بدل الانشغال في جمع الأموال لشراء ذمم الناخبين. وهذا أمر نثيره رغم كونه من الاحتمالات المستحيلة، و لكنه إذا تحقق يضيف نكهة خاصة للعملية الانتخابية التي تبدو في نظر الكثيرين حلما بعيد المنال بسبب كثرة من يراهن على عرقلتها من المعارضة المسلحة وغير المسلحة من الطابور الخامس؛ إلا أن النجاح فيها يرفع رصيدنا إلى مستوى أرقى وأفضل وسط الدول المشابهة لنا من حيث ضعف المستوى الأمني والنضج السياسي.

…………………

في الحلقة القادمة نقف على البدائل المتاحة في حال استحالة إجراء الانتخابات بأي شكل من الأشكال، مع محاولة الإجابة عن بعض التساؤلات المثارة حول الاستحقاق الانتخابي القادم (بالخير) إن شاء الله تعالى.

%d مدونون معجبون بهذه: