الوضع الصومالي… نظرة من زاوية معاكسة (11)

هيبة الدولة:

 يختلف مفهوم هيبة الدولة بحسب الفلسفة الفكرية التي تنطلق منها الدولة نفسها في بناء مستقبلها وتعزيز قيمها في المجالات المختلفة؛ وبذلك تتباين الاهتمامات والأولويات والخطوط الحمراء ، وكذا ردود الأفعال من نظام إلى آخر عند الانتقاص من هيبة وكرامة الوطن والشعب، ولكن عندما يغيب كيان الدولة المتماسك أو ينبني على قوائم أجنبية تهتز بمجرد التلويح بالانسحاب تصبح الهيبة ذاتها صفة بلا موصوف.

(1)

وحينما تحدث أزمة تمس كرامة الشعب – كالتي حدثت مؤخرا في كينيا بسبب الاعتقالات التعسفية التي لا تزال مستمرة ضد الصوماليين في كينيا – يشعر الناس مدى الحاجة إلى كيان حكومي مستقل في قراراته وقادر على الرد السريع حفاظا على كرامة مواطنيه مهما كلفه ذلك من تضحيات على كافة الأصعدة، ومن هنا نسأل.. ما الذي منع الحكومة الصومالية أن تكون على مستوى طموح شعبها، وما مدى مسؤولية الشعب نفسه في خلق الواقع المحرج الذي تواجهه الحكومة من حين لآخر ؟ وماهي الخسارة التي تلحق الحكومة في حال اتخاذ قرار سريع تجاه دولة واحدة من الدول المتحالفة معها في حربها ضد الإرهاب في الصومال ؟ وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن أكثر الناس يحبون إلقاء اللوم على الدولة في جميع المواقف دون التفكّر في العوامل المسببة إلى تباطئ قراراتها، ولكن لو فكرنا في الأمر بطريقة إيجابية مختلفة لكنا قد أدركنا أن حكومتنا في وضع محرج لا يُحسد عليها باعتبارها عالة على غيرها في حماية أمنها الداخلي فضلا عن صناعة قرارات حاسمة ضد الاستفزازات الخارجية ؟

(2)

وبطبيعة الحال تتحقق هيبة الدولة حينما يتكاتف الجميع من أجل النهوض بالوطن حتى يتحقق الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات؛ فيصير البلد مرهوب الجانب، عظيم القدر ، يحسب له الأعداء والأصدقاء ألف حساب؛ ولا خلاف في أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج من المتاهة والمستنقع النتن المليء بالفيروسات القاتلة من الجهل والتعصب والتشرذم القبلي الذي يكاد يلجمنا إلجاما، وإن طريق العودة إلى سابق عهدنا يبدأ من الاحترام المتبادل فيما بين الجميع “حكومة وشعبا” وفق قاعدة “احترم نفسك يحترمك الآخرون”.

(3)

وعلى المستوى الداخلي فإن مدلول الهيبة المراد استعادتها لا يعني الاعتداء على حقوق المواطنين وتخويفهم تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة، وإنما يتم استعادتها من خلال تطبيق القانون بحزم مع تسليط العقاب على المتسببين في التطاول على الحكومة وأنظمتها ورموزها وكذلك جيشها الذي يستعيد عافيته كلما وجد من شعبه دعما ماديا ومعنويا يُغنيه عن مدِّ يده إلى من يُفترض أن يبطش بها، وبالتالي يمكن أن نخلُص إلى القول في هذه النقطة إلى أنه كلما تمكننَّا من إدراك المسؤولية المشتركة تجاه الحفاظ على كرامة المواطن وهيبة الدولة كلما تجاوزنا هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

(4)

وعلى العموم فإن هذه المفارقة تؤكد لنا أيضا نتيجة مفادها أن دولة الصومال في صراع لاستعادة ما ضاع بأيدي أبنائها من مقومات المؤسسات الحكومية معتمدةً بنسبة كبيرة على سواعد غيرها في ظل ظروف يتباكى البعض على الهيبة المفقودة دون بذل الجهد المنشود في إعادة كيان قوي متماسك وقادر على حماية كرامة المواطنين في الداخل والخارج؛ وخير دليل على الحركة العكسية ما تشهده الساحة المحلية من تكريس للتفرق وتمزيق المجتمع الصومالي إلى كنتونات على شكل ولايات قبلية متحفزة للاقتتال الداخلي أكثر من استعدادها للتكامل مع النظام المركزي للحفاظ على المصالح العامة المشتركة وفق استراتيجية وطنية هادفة لفرض سيادة القانون وبسط الأمن وسلطة الدولة على كامل التراب الوطني.

تعليق واحد

  1. شكرا للكاتب القدير، فالدويلة مهانة كما أن شعبها مهاون! فصاحب الدار عاجز عن اصلاح داره، لا زم تحاسب للموازين الدولية ألف حساب، ويجب على الدويلة أن يكون لها اولويات تنظر فيها المصالح والمفاسد حسب العلاقات الدولية والبرتكوىلات النفاقية، فيظهر لي أن مكان الجراحة بدأت تأخذ مجراها الصحيح. لا هيبة لبلد ليس له جيش وطني، ولا هيبة لبلد بلا شعب، وثروته في يد غيره، يعمر غير أرضه، ويزرع زراعة غير مثمرة ،لا هيبة لبلد لا يعرف شعبه وقيادته الوطنية!! سلام على الدنيا

%d مدونون معجبون بهذه: