الوضع الصومالي… نظرة من زاوية معاكسة (9)

 المثالية القاتلة:

من البديهي أن أي عمل إنساني يعتريه النقص والقصور والخلل ويبقى الكمال لله عز وجل في الأمور كلها، ولكن هناك من لا يفهم هذه القاعدة سواء بجهل أو تجاهل؛ فتراه يطالب بنتائج مثالية في كل خطوة تخطوها الحكومة الصومالية؛ وذلك من دون التفكير في أسباب ضعف المخرجات من رواسب المرحلة الصعبة التي مر بها هذا البلد خلال العقدين الماضيين.

(1)

وبشيء من التأمل البسيط فيما وصل إليه حالنا في الفترة السابقة ندرك أن ما تحقق حتى الآن على أرض الواقع من إنجازات في كافة المستويات نوع من المعجزة؛ لأننا نتمتع حاليا بدولة رسمية يرأسها إنسان متحضر له حضور مميز في المحافل الدولية والإقليمية إلى جانب حرصه على التشاور مع القريب والبعيد لتحسين الوضع المحلي، ومما يغيب عن البعض أن حسن التمثيل ذاته يعني لنا الكثير بالنظر إلى من كانوا يتصدرون المشهد السياسي من سفاكي الدماء بمن فيهم من خاضوا الحروب باسم الدين.

(2)

 يقال إن الإنسـان لكي يقـدر على تقبـل الواقـع وتكون لديـه قناعـة كافيـة بمجريات الأمور وبمن حوله ينبغي أن يضع نفسه في مواقف الآخرين، وعندها يمكن أن يتقبل واقعه بكل رحب وسرور؛ وعلى هذا الأساس فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نتساءله هو: ماذا لو كان أحدنا مكان المسؤول الذي ينتقده ويطالبه الاعتذار والاستقالة والاعتزال بسبب ظروف خارجة عن إرادته؟ ثم إنه في حياتنا الشخصية ما أكثر ما نفشل في التخلص من عاداتنا السيئة في مشاريعنا الخاصة، وكذلك المؤسسات الحكومية لن تكون نموذجية ما لم تمر بمراحل تدريجية وصولا إلى المستوى المنشود في إطار ما يسمى بخطط الارتقاء بالمشاريع.

(3)

وبهذا التفكير المنطقي نستطيع أن ندرك كم من الوقت نحتاج للوصول إلى مستوى بعض دول الجوار التي نعرف ما بها من أزمات وويلات لا تعد ولا تحصى رغم أنها كانت مستقرة أمنيا وربما سياسيا حين كنا نخوض في المعارك الأهلية خلال السنوات الماضية؛ وبالتالي بدل الانشغال في أن نجعل من الحبة قبة علينا أن نعمل معا وفق استراتيجية التحسين المستمر المستخدمة لدى الدول المتقدمة؛ وذلك بعيدا عن التهويل والمبالغة في النقد مما “يوهن العزائم ويقتل الطموح ويهدد المستقبل” وفق النظريات العلمية في مجال تطوير الأمم.

(4)

من المثالية القاتلة ما ينشره البعض من أن الجيش الصومالي مُهان إلى أقصى درجة في مقابل ترفيه الجيوش الإفريقية التي تقاتل معه في خندق واحد بسبب التفاوت الكبير في المرتبات والعلاوات؛ وذلك من غير ذكر حقائق أخرى ينبغي إيرادها في السياق ذاته، كأن نتساءل عن من يدفع المكافئات الممنوحة للقوات الأجنبية في الصومال، ومن للأرض التي يراد تحريرها، والتي يبذل فيها الأجانب الغالي والنفيس مقابل مستحقات شهرية تدفعها الهيئات الدولية؟ وهل نحن أدينا دورنا تجاه جيشنا من خلال دفع الضرائب المستحقة علينا لتحسين مستوى جيوشنا الباسلة؟ وأخير؛ من منا مستعد الآن أن يموت في بلد آخر بنفس المقابل الذي يأخذه الجندي الإفريقي في بلدنا ؟ أما الإهانة المذكورة في حق الجيش الصومالي فهي مسألة غير واردة وغير مقبولة لا أصلا ولا فصلا تماما كما لا يعني تقبُّل الواقع -الذي أدعو إليه – الرضوخ والسكوت عن تلاعب بعض المتنفذين في مؤسسات الدولة الصومالية الحالية؛ وإنما المقصود هو التصحيح بالتي هي أحسن.

(5)

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من المثقفين الصوماليين مصابون بضيق الأفق؛ لأنهم منشغلون بروايات مستهلكة تعبر عن أحلامهم المثالية؛ فصاروا جزءا من الدعاية المضادة لحملة إحياء الصومال الجديد، ومن ذلك أحاديثهم اليومية في المنتديات العامة وصفحات التواصل الاجتماعي الخاصة حول شخص احتُجز على حاجز عسكري لمدة ساعة، وأخرى تم ابتزازها دون خطأ من قبل من يرتدي زيا عسكريا، وما إلى ذلك من المهاترات الفارغة التي لا تعطي أي اعتبار للواقع الحقيقي للبلد، وكيف أن ابن عمهم – الذي يحمل سلاحه الأول باسم الحكومة – يحتاج إلى وقت لكي يفهم الفرق بين ما للوطن وما للقبيلة في بيئة مفعمة بالمآسي والتحديات التي يشيب لها الولدان بسبب ضياع الأمانة وضعف الإيمان بالله وحب الوطن.

تعليق واحد

  1. سلسلة “الوضع الصومالي ……. نظرة من زاوية معاكسة” مقالات متميزة جدا، وفيها بعض الأوصاف الدقيقة المطابقة لواقعنا المعاش فيه حاليا، ويكشف صاحبها جابنا من الحقائق التي يغفلها كثير ممن ينتاول مشاكل الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: