فصل فى العلاقات الصومالية السعودية

لم تكن العلاقات الصومالية السعودية على مايرام منذ أن استولى الجيش على السلطة فى أكتوبر ١٩٦٩م، والإطاحة بحكومة عبد الرشيد شرماركى – إبراهيم عقال . على العكس كانت العلاقات حميمية فى العهد الذى سبقه . وكان الرئيس آدن عبدا لله يقيم علاقات شخصية ممتازة مع الملك فيصل بن عبد العزيز، وكذلك كانت العلاقات مع خلفه عبد الرشيد على شرماركى.

وفى ظل حكم الأخير منحت الحكومة السعودية قرضا قدره خمسون مليون دولار، استعمل كله لأغراض انتخابية لضمان نجاح مرشحى الحزب الحاكم الذى كان يرأسه محمد إبراهيم عقال فى المعركة الانتخابية الأخيرة، الأمر الذى يظهر أين كان يميل قلب السعودية فى معادلة القوى المتصارعة فى الخريطة السياسية الصومالية، وأعنى بذلك الصراع بين عبد الرشيد شرماركى وعبدالرزاق حاج حسين.

ثم إن التزام الاتحاد السوفيتى بمساعدة الصومال على إنشاء جيش وطنى وتسليحه وتدريبه كان موضع استياء الدول المجاورة والغربية، وكذلك السعودية التى لم تكن تقيم علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتى فحسب، بل كانت تعاديه أيضا لأسباب عقائدية من بينها دمغ النظام السوفيتى بالإلحاد، ناهيك عن كونها، عضوا فعالا فى التحالف الغربي.

ولذلك فإن تحرك الجيش لانتزاع السلطة اعتبر انتصارا للمعسكر الشرقى على حساب الغربى الذى كان يعول على محمد إبراهيم عقال لإنهاء سطوة السوفيت على الجيش، وقد كانت له تصريحات مشهورة، كما كتب مقالات فى هذا الصدد قبل أن يشغل رئاسة الوزراء يدعو فيها إلى الاستغناء عن الدعم السوفيتى للقوات المسلحة الصومالية.

وقد رافقتُ – شخصيا – وفدا كبيرا برئاسة وزير الخارجية حينئذ عمر عرته غالب فى أوائل عام ١٩٧٠م بصفتى رئيسا لشركة الخطوط الجوية الصومالية ضمن وفد كبير من ممثلى الوزارات المختلفة فى أول اتصال رسمى للنظام الجديد مع السعودية سعيا وراء تعزيز العلاقات الثنائية.

وأذكر كيف أن وزير الخارجية السعودى حينئذ عمر السقاف فى جلسة المفاوضات، وكذلك فى مأدبة العشاء التى أقيمت على شرف الوزير الصومالى، كان يردد بلا مراعاة للمجاملات الدبلوماسية شروط بلاده فى التعامل مع الصومال فى إقامة علاقات طبيعية معها، وهى كلها كانت تصب فى خانة رفض العلاقات المتميزة التى كانت تربط الصومال بالاتحاد السوفيتى.

ثم أعلنت السلطة الجديدة فى عام ١٩٧٠م الاشتراكية العلمية (الماركسية اللينينية) كعقيدة سياسية واقتصادية واجتماعية لنظام الحكم، وكانت انعكاساتها فى السياسة الخارجية تصنيف العالم إلى دول تقدمية وأخرى رجعية، ولما كانت السعودية تكرس كل سياستها الخارجية – انطلاقا من تحالفها مع الولايات المتحدة – لمحاربة الإلحاد، فإن هذا الواقع الجديد على مقربة من حدودها – علاوة على تطورات مماثلة فى اليمن الجنوبى – شكل كابوسا مزعجا يقض مضاجعها ويؤرق هواجس أمنها. ولذلك بدأت وسائل الإعلام السعودية تصب جام غضبها على النظام السياسى الصومالى ولا تتورع عن تعييره بأقذع الأوصاف، مما رفع من حدة التوتر بين البلدين. واستمر الصراع بينهما بين شد وجذب دون هوادة إلى أن قرر الصومال فجأة الانضمام إلى جامعة الدول العربية فى عام ١٩٧٤م –أمام دهشة العالم وعدم اكتراث الرأى العام الوطنى – الذى وجد ترحيبا حارا من المملكة العربية السعودية.

ويرجع هذا الترحيب إلى أن المعسكر المعادى للكتلة السوفيتية شعر بأن الصومال يعيش فى عزلة دولية، وأن الاتحاد السوفيتى يفرض عليه مزيدا من الضغوط التى لايستطيع أن يتحملها، كما أنه لا يقدر على تلبية كل احتياجاته، وأنه يبحث عن نافذة للتنفس منها تخفف عنه اختناقات العزلة والقبضة الحديدية للاتحاد السوفيتي. ورأى هذا المعسكر إتاحة الفرصة له وتوسيعها لتمكينه من تنويع علاقاته الدولية والإفلات من هذا الحصار.

لقد أدى هذا القرار إلى تحسن طفيف فى العلاقات الثنائية، ومع ذلك لم يغير الصومال قيد أنملة فى سياساته الداخلية القائمة على الاشتراكية العلمية، والخارجية المرتكزة على التحالف مع الاتحاد السوفيتي.

ثم قام الصومال بإبرام معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتى فى عام ١٩٧٤م التى بموجبها منح الاتحاد السوفيتى تسهيلات بحرية وعسكرية فى ميناء بربرة ومطارها، التى رفعت من درجة حرارة التوتر إلى آفاق أبعد مدى، إذ اعتبرت السعودية هذه القاعدة تهديدا لأمنها القومي.

وأذكر أنه فى تلك الفترة، كنت عضوا فى وفد رسمى إلى السعودية بصفتى مديرا للإدارة العربية بوزارة الخارجية برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة عثمان جيلى الذى كان يحمل رسالة خاصة من الرئيس محمد زياد برى إلى الملك فيصل بن عبد العزيز.

وفى مقابلة مع الملك قام رئيس الوفد بنقل تحيات الرئيس إلى مضيفه، ثم بعد أن عرض عليه بإيجاز الأوضاع السيئة بسبب الجفاف الذى أدى إلى تدهور الأحوال البيئية، ونزوح عشرات الآلاف من المواطنين من مساقط رأسهم إلى مناطق نائية حيث تتوفر وسائل العيش فى حدها الأدنى، أعرب عن تطلع بلاده إلى مساعدة عاجلة من الملك الكريم.

رحب الملك فيصل بمقدم الوفد، ثم تكلم بإسهاب وباستفاضة عن أواصر الأخوة والدين والتاريخ والثقافة التى تربط السعودية بالصومال، وأن السعودية كانت وستظل أبدا تقف مع الصومال فى السرّاء والضرّاء وتشد من أزره، ولن تتخلّى عنه أبدا، وستقدم إليه كلّ دعم ممكن.

ثم تكلّم بانفعال وبألم شديد عن القاعدة السوفيتية فى بربره، وقال “إنها موجهة إلينا لحصارنا وتهديد أمننا القومي ومنع تصدير مواردنا البترولية إلى الخارج، ذلك أنه بسبب التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، وبعد أن وسعنا من خياراتنا بتحويل تصدير البترول عبر البحر الأحمر، أنتم تقيمون قواعد عسكرية سوفيتية فى بلادكم قى بربرة للسيطرة على باب المندب، ومن ثم إغلاق البحر الأحمر علينا وحرماننا من نقل البترول عبره، وبالتالى خنقنا وحصارنا. “ثم أبدى ترحيبه بأي إعادة للنظر فى موقفنا من هذه القاعدة التى من وجهة نظره تشكل عملا عدائيا ضد بلاده.”

وأعلن عند نهاية الحديث عن تبرعه بمبلغ عشرة مليون دولار للصومال لمساعدته فى الخروج من ضائقته الاقتصادية.

وكان التمثيل الدبلوماسي السعودى فى الصومال فى أدنى مستوياته. وظلّت العلاقات بينهما باردة، مشحونة بالتوتر، إلى أن وقعت الواقعة المشهورة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى للمرأة حيث خطب الرئيس زياد برى مشيدا بدور الصومال فى قيادة العالم الإسلامي في تحقيق المساواة القانونية المطلقة في نطاق الأحوال الشخصية، ولاسيما فيما يتعلق بالإرث. وكان رد الفعل الشعبي لهذا الإعلان عاصفا وعنيفا، إذ هبت انتفاضة عفوية عارمة، وتجمع الناس فى المساجد من كل حدب وصوب يخطبون من المنابر منددين بهذا القانون الذى اعتبروه مخالفا لنصوص القرآن الصريحة الخاصة بتوزيع الميراث بين الرجل والمرأة “للذكر مثل حظ الأنثيين”،

واعتبروه كفرا وتجديفا، ودعوا إلى حمل السلاح لإسقاط النظام. واهتزت صورة الحكومة أمام الرأى العام ، وكان لابد من عمل شيء ما لفرض النظام واستعادة هيبة الدولة، واعتقلت الحكومة عشرة من القادة الدينيين ممن اعتبرتهم من المحرضين، وأمرت بإعدامهم فورا بدون محاكمة.

لقد كانت لهذه العملية وقع الصاعقة على الرأي العام الوطنى، لكنها استطاعت فرض السيطرة وضبط الأمور وتفادى السقوط إلى هاوية المجهول.

أمّا صداها في العالم الإسلامى فقد كان هادرا كحمم البركان، حيث كانت الإدانة شاملة، وكانت الجوامع والمساجد تكرس جزءا من شعائر العبادة للترحم على أرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن العقيدة، داعية لإنزال عقاب الله على الخارجين عن الدين.

وكانت السعودية بنظامها ومؤسساتها الدينية وإعلامها تتولّى قيادة الإدانة والتشهير بالنظام الصومالى، واستغلت هذه الحادثة لعزله ومحاصرته. وتدهورت العلاقات فيما بينهما إلى ما يشبه القطيعة.

ثم دعت الحكومة الصومالية إلى عقد مؤتمر القمة العربى فى مقدشو، وكان ذلك بإيعاز من مصر التى كانت لا تريد عقد المؤتمر فى القاهرة، من بينها تحفظ دول عربية مهمة على عقده فيها، ولأنها كانت غارقة فى مفاوضات كامب ديفيد بينها وبين إسرائيل بوساطة أمريكية، ولا تريد التشويش عليها فى مساعيها لتحقيق أهدافها السياسية .

أمّا مواقف الدول العربية فقد كانت متباينة من هذه الدعوة، فقد كان أغلب الدول العربية تنظر بعين الشك والريبة إلى الصومال بسبب تحالفه الوثيق مع السوفيت، وتعتبره مخلب قط للمصالح الاستراتيجية السوفيتية، ثم إنه لم يرد الاعتبار للغة العربية بجعلها لغة رسمية، بعد أن فقدت هذه الصفة عند اتخاذ قرار جعل اللغة الصومالية لغة رسمية وحيدة للدولة، وأخيرا وليس آخرا، وهذا موقف السعودية بصفة خاصة، بسبب السياسات الصومالية إجمالا، ولا سيما استياؤها من قانون الأحوال الشخصية الخاص بالإرث، وإعدامها لعشرة من رجال الدين، كما أن عقد هذا المؤتمر يضفى على النظام الصومالى المشروعية والمصداقية ورد الاعتبار.

مهما يكن عقد اجتماع مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية ، ولكن فى أدنى مستوياته بدون حضور معظم الوزراء. ورغم التحفظات على مكان انعقاده، إلاّ أن السبب الرئيسى لعدم نجاحه هو الصراع الرهيب بين مصر وخصومها الذى أدى إلى شل لا المؤتمر فحسب، بل الجامعة العربية كلها إثر زيارة الرئيس أنور السادات لإسرائيل، ودخوله فى مفاوضات مباشرة لإبرام صفقة سلام معها دون الاعتداد بوحدة المصير مع تحرير الجولان السورية وكذلك فلسطين.

وقد تزامن عقد المؤتمر مع انطلاق المفاوضات التى كانت جارية بين مصر برئاسة الرئيس أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل برئاسة مناحيم بيجين بوساطة الرئيس الأمريكى جيمى كارتر فى كامب ديفيد. وكان الاضطراب والقلق وفقدان الاتجاه هو الذى يخيم فى أروقة المؤتمر وفى قاعات الاجتماعات. وكان الانزعاج شديدا من أن تقدم مصر، الدولة العربية الكبرى فى الجامعة العربية على إبرام صلح منفرد مع إسرائيل، وبذلك تنفض يدها عن قضية العرب الأولى، ألا وهى القضية الفلسطينية. وكان الخوف من أن يتم كل هذا خلال انعقاد المؤتمر، ولذلك كانت الأنظار مشدودة إلى كامب ديفيد خشية أن تقع الواقعة ولمّا يختم المؤتمر أعماله. وكان الاجتماع فاشلا من حيث أنه لم يحقق أية نتيجة. أما من وجهة النظر الصومالية فقد كان اجتماعا ناجحا من منطلق الخروج من العزلة وتحسين صورة الصومال فى العالم العربي. وبعد انتهاء اجتماع المجلس بقليل، تم إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وقرر العرب فى اجتماع عاجل للجامعة العربية فى بغداد ، تجميد عضوية مصر فيها، ونقل مقر الجامعة مؤقتا إلى تونس.

أما عقد المؤتمر على مستوى القمة، فقد كان لذلك قصة أخرى، لقد كان من المفروض أن يعقد مباشرة بعد اجتماع مجلس الجامعة على مستوى الوزراء بقليل. إلاّ أن ذلك لم يحدث، بسبب تردد أو رفض غالبية الدول العربية للأسباب السالفة الذكر التى أشرنا إليها. كما أن الصومال وقف إلى جانب مصر جنبا إلى جنب مع السودان وعمان بعد حصول القطيعة الكبرى بين مصر والدول العربية، وبهذا الموقف انعزل الصومال عن التيار العربى العام، وفقد عطفه، وبالتالى إمكانية عقد المؤتمر فى مقديشو.

أما المواجهة الكبرى فقد كانت بين الصومال والسعودية، وقد سافر وزير الخارجية عمر عرته غالب عدة مرات إلى الرياض ناقلا رسالة شخصية من الرئيس زياد برى إلى العاهل السعودي خالد بن عبد العزيز يحثه فيها على المشاركة الشخصية فى مؤتمر القمة العربى . وقد كان الرد السعودي دبلوماسيا وضبابيا، وألح الجانب الصومالي مرارا وتكرارا فى زيارات لاحقة بتلبية هذا الطلب، ولما بلغ اليأس أشده قام الرئيس زياد بنفسه بشد الرحال إلى الرياض ليضع ثقله ووزنه فى تعزيز المسعى الصومالي ، وهنا أبلغ السعوديون ضيفهم بحزم وقوة أنهم لايوافقون على عقد هذا المؤتمر فى مقديشو، الأمرالذى ترك إحساسا بالكرامة الجريحة.

صحيح أن الجانب السعودى استغل هذه الفرصة لتصفية الحساب مع الصومال، الذى يمقت نظامها أشد المقت، لكن الجانب الصومالى غفل عن فهم حقيقة سياسية مهمة، أن إمكانية عقد مؤتمر القمة العربى كانت غير قائمة، بل مستحيلة بسبب البون الشاسع فى وجهات النظر والانشقاق الكبير بين مصر ومؤيديها من جهة وسائر الدول العربية من جهة أخرى بشأن كامب ديفيد، بل أصبحت العلاقات العربية- العربية تزداد تأزما وارتباكا وتعقيدا بعد التوقيع على المعاهدة المصرية الإسرائيلية.

ثم بعدئذ، بدأت السعودية تقيم جسور التعاون مع حركات التمرد كجبهة الخلاص الديمقراطى الصومالي التى كان مقرها فى أديس أبابا، ومنها تبث إذاعتها، كما كانت على اتصال بالعناصر الشمالية المتذمرة الهاربة من مقديشو، ولم يكن يتعدى هذا التعاون تقديم التشجيع والمساعدة المالية دون تقديم أى دعم عسكرى أو التنسيق مع إثيوبيا، ولكن أثره على الحكومة الصومالية كان فظيعا ومحبطا.

وكانت وسائل الإعلام السعودية تشن باستمرار حملات ضارية ضد النظام الصومالى موجهة إليه كل أنواع التهم والأوصاف.

فى ظل هذه الظروف كان الود مفقودا تماما والقطيعة شاملة بين الطرفين. وكان الرد الصومالى على هذه الهجمة مريرا وخجولا، لكن الغضب والغيظ كان يملأ صدور أولى الأمر، لكن لم تكن فى اليد حيلة ، ولم يكن من الممكن معاملتها بالمثل، إذ لم يكن هناك توازن فى القوى بين الطرفين، وظلت الرغبة فى تسوية الحساب مع السعودية أمنية مكتومة.

وفى نفس الفترة بدأت الأوضاع تتغير فى إثيوبيا بعد الاضطرابات العاصفة التى داهمت البلاد منذ عام ١٩٧٤م، وأدت إلى سقوط نظام الإمبراطور هيلاسيلاسى، وسيطرة العسكر وانتصار منغستو هيلامريم على كل خصومه، واختياره للماركسية الليلينية كنظام للحكم، وبدء المذابح الجماعية ، وتغييره لتحالفاته الدولية بإعلانه العداء للغرب بصفة عامة وللولايات المتحدة بصفة خاصة، وتصفية القاعدة العسكرية الأمريكية فى أسمرة ، وإبرامه لتحالف جديد مع الاتحاد السوفيتى وسائر الدول الاشتراكية.

وتزامن مع انهيار الأوضاع السياسية فى إثيوبيا اشتداد حركات المقاومة المسلحة فى الصومال الغربى وفى أروميا وفى إقليم عفر وفى أرتريا، وأخذت جبهة تحرير الصومال الغربى تحقق انتصارات ميدانية باهرة بتأييد ضمنى من مقديشو.

ولاشك أن التقارب والتحالف الإثيوبي السوفيتى خلق أزمة حقيقية للنظام السياسي فى مقديشو. إذ أن الحافز والمبرر للعلاقات السوفيتية الصومالية الوثيقة هو تأمين البلاد وحمايتها من الأطماع الإثيوبية، أما وأن الاتحاد السوفيتى قد انحاز للعدو التاريخى للصومال، واعتبره الطرف المفضل فى معادلة الصراع الصومالي الإثيوبي، فإن الاتحاد السوفيتى بذلك لا يكون مناقضا لكل التزاماته تجاه الصومال، بل أصبحت مصالحه متماثلة مع مصالح العدو التاريخى. وبذلك فإن التحالف الصومالى السوفيتى يكون قد فقد روحه ومغزاه.

وفى مسعى يائس للوقيعة بين الاتحاد السوفيتى وإثيوبيا بدأ الصومال يرفع من حدة الضغوط على إثيوبيا بتشجيعه حركات المقاومة على تكثيف عملياتها القتالية، وكان السوفيت يردون على ذلك بمضاعفة مساعداتها العسكرية والاقتصادية والمالية لإثيوبيا.

وبدأت الهوة تتسع شيئا فشيئا بين الاتحاد السوفيتى والصومال. وفى هذه الفترة أخذت وسائل الإعلام العالمية، ولاسيما الأمريكية منها، تغطى الصراع الصومالى الإثيوبي بكثافة وتسهب فى شرح أبعاده التاريخية، وتناصر وجهة النظر الصومالية فيما يتعلق بتحرير الصومال الغربى، الأمر الذى رفع من معنويات الحكومة الصومالية التى كانت معزولة، والتى كانت تحس بالخطر من انقضاض الاتحاد السوفيتى عليها، لاسيما وأن خبراءه العسكريين كانوا يشرفون ويدربون كل فروع الجيش الصومالى، وكانوا على علاقة ود وصداقة مع عدد غفير من كبار الضباط.

زيارة الأمير سعود الفيصل المفاجئة

فى ذروة احتدام الخلاف السوفيتى الصومالى بسبب تأييد الأخير لحركات المقاومة فى الإمبراطورية الإثيوبية، وفى الوقت الذى بدأ فيه السوفيت يفقدون صبرهم ويرسلون التهديدات المبطنة بقطع المساعدات التى يقدمونها إلى الصومال لو لم يغير الصومال سياساته تجاه إثيوبيا، وكان ذلك فى الربع الثانى من عام ١٩٧٧م ، كنت فى مكتبى فى وزارة الخارجية عندما تلقيت مكالمة هاتفية عاجلة من السفارة الصومالية فى جدة، تعلم بأن وزير الخارجية السعودى ألأمير سعود الفيصل، قد أقلع بطائرته الخاصة فى طريقه إلى مقديشو، فى زيارة عمل، وأنه سيصل العاصمة الصومالية فى الساعة الواحدة ظهرا، أى بعد أربع ساعات تقريبا.

لقد ذهلت مما سمعت، ولم أصدق نفسى، إذ أن الجمود فى العلاقات بين البلدين كما أسلفت كان كاملا . وكانت السفارة السعودية لا تمارس إلاّ أعمالا إدارية ، ولم يكن بها أي مسئول سياسي أو دبلوماسي.، ولذلك لم يكن هناك أي ممثل من السفارة السعودية لاستقبال الأمير السعودى عند وصوله فى المطار.

أبلغت عبد الرحمن جامع برى الذى كان مديرا عاما لوزارة الخارجية، والذى كان يمارس أيضا أعمال وزير الخارجية بالانابة الذى قام بدوره بإحاطة الرئيس علما بالموضوع. وقد وجه الأخير بتكوين وفد برئاسة الجنرال أحمد سليمان رئيس جهاز الأمن القومى وعضوية عبد الرحمن جامع برى وكاتب هذه السطور لاستقباله فى المطار. وأوصى بعقد لقاء تمهيدى معه لمعرفة الغرض من زيارته ، ثم هو سيقوم باستقباله فى مساء نفس اليوم فى الساعة السابعة مساء.

وبعد أن وصل الأمير سعود الفيصل إلى دار الضيافة فى “فيلا صوماليا”، وبعد أن استراح قليلا لمدة ساعة، عقد لقاء بين الطرفين حوالى الساعة الثانية بعد الظهر.

بدأ الإجتماع بأن رحب أحمد سليمان بالأمير السعودى، ثم تطرق إلى حركة المقاومة المسلحة فى إقليم الأوجادين التى بدأت تحقق انتصارت عسكرية باهرة، وأنه بسبب تأييد الصومال لهذه الحركة يواجه ضغوطا سوفيتية هائلة، التى لا يستطيع الصمود لها بسبب اعتماده على الاتحاد السوفيتى فى تدريب القوات المسلحة ومصدره الوحيد للسلاح والمورد الوحيد للطاقة بالمجان، والذى يقوم بتشييد مشاريع زراعية وصناعية كبيرة، من بينها مشروع سد فانولى الذى سيوسع الرقعة الزراعية ويرفع من قدرات الطاقة الكهربائية للبلاد. وباختصار، فإن البلاد تعتمد اعتمادا كليا على الاتحاد السوفيتى، وأن هذه المصالح كلها معرضة للخطر، وأن السوفيت يهددون بقطعها لواستمر تأييد الدولة لحركة تحرير الصومال الغربى.

رد عليه الأمير بالإعراب عن تقديره على حسن الضيافة، وعلى عرضه الجيد للنقاط التى أثارها وعن تفهمه لها، وتأييده لجبهة تحرير الصومال الغربى، وأنه يسعده وجوده فى مقديشو ليطلع عن كثب على مواقف الصومال. وأنه يشعر بأن العلاقات الصومالية السعودية تمر بأزمة، وأنه قدم إلى الصومال لبحث وسائل تبديد سوء التفاهم وتجاوزه والانطلاق إلى آفاق أرحب من الوفاق والتعاون والتضامن . وأضاف: نحن نعلم أن السوفيت بدأوا يساعدون إثيوبيا، ويقيمون علاقات تحالف معها، وأنه ليس بعيدا أن ينتقم منكم السوفيت بقطع كل المساعدات التى يقدمونها إليكم.

وبعد أن استمع الرئيس زياد برى إلى تقرير عن المحادثات مع الأمير السعودى، قام باستقباله فى الساعة السابعة مساء فى مقر إقامته بقيادة القوات المسلحة. وقد اشترك فى الاجتماع كذلك علاوة على الجنرال أحمد سليمان وعبد الرحمن جامع برى وكاتب هذه السطور والجنرال إسماعيل على أبوبكر نائب رئيس الجمهورية وعدد آخر من أعضاء مجلس الثورة الذين كانوا فى مكتب الرئيس بالصدفة. ولما كان الرئيس على اطلاع مسبق بالغرض من زيارة الأمير السعودى، فإنه لم يكن مكترثا بأن يسمع منه الرسالة التى يحملها، وإنما انتهز هذه الفرصة لينفس عن نفسه كل معاناته ونقمته من العداء والإهانات التى تعرض لها الصومال من النظام السعودى. ولم يكن الرئيس فى اختياره للكلمات دبلوماسيا، بل كان صريحا إلى أقصى الدرجات، كما لو كان يريد أن يثأر من كلّ الإساءات التى وجهت إليه شخصيا طيلة الأعوام الممتدة من العلاقات المتوترة . وكان الرئيس منفعلا جدا فى بسطه لعرضه.

أما الضيف السعودي فقد كان هادئا رابط الجأش غير مكترث على الإطلاق، بارد الأعصاب رغم الكلمات القاسية التى كانت تتدفق من الرئيس. وعندما أنهى الرئيس حديثه، قال: أرجو المعذرة ، إذا كنت قد جرحت مشاعرك !!

قال الأمير السعودى، كلا، ثم كلا . إننى جئت إلى هنا لكي أستمع وأفهم، سعيا وراء تبديد كل ما ينغص صفو العلاقات فيما بيننا، وقد استوعبت الكثير من حديثك الصريح، وآسف إذا كنتم غاضبين علينا إلى هذه الدرجة. وإذا كنتم قد استهجنتم بعض تصرفاتنا ومواقفنا تجاهكم، فلم يكن ذلك إلاّ من منطلق الغيرة والحرص على الروابط المشتركة التى تجمعنا بكم، روابط الدين الحنيف . لقد شعرنا بأن هذه الروابط كادت أن تنفصم بسبب بعض ممارساتكم (يقصد تبنى الماركسية اللينينية وقانون الأحوال الشخصية)، لذلك عبرنا عن مشاعرنا المخلصة خوفا من انقطاع هذه الأواصر الحميمة. فإذا كنا قد أفصحنا عن قيمنا المشتركة ربما بطريقة فظة وقاسية أدت إلى استفزازكم وغضبكم، فإننا نأسف لذلك. وأن هذه الصراحة من جانبكم ستساعدنا على رأب الصدع، وإصلاح ذات البين.

ثم استعرض الأوضاع فى القرن الإفريقى والصراع السوفيتى الأمريكي والثورة الدموية فى إثيوبيا.

وكان مما قاله، إن الاتحاد السوفيتي يسعى وراء إقامة أحلاف عسكرية ليحكم قبضته وسيطرته على العالم، ومن بينها الممرات المائية المهمة، ومصادر الطاقة، بينما الولايات المتحدة تبحث عن شراكات اقتصادية وعن استثمارات بغية خلق الثروات والانتفاع بها، وأن استيلاء الاتحاد السوفيتي على إثيوبيا يشكل خطرا على الجميع.

ثم أشار إلى أن الاتحاد السوفيتى ربما ينتقم من الصومال بسبب تأييده لجبهة تحرير الصومال الغربي، وفى هذه الحالة، فإن السعودية وحلفائها على استعداد للوفاء بالتزاماتها، بتعويض مد الصومال بالبترول، وبالسلاح، وبكل ما يحتاجه من دعم اقتصادي .

وبهذه المناسبة، فإن الحكومة السعودية تعلن تأييدها لجبهة تحرير الصومال الغربى وتتبرع لها بمبلغ عشرة مليون دولار، وقام بإخراج شيك بهذا المبلغ من جيبه وتسليمه للرئيس.

وبعدئذ، طلب الأمير من الرئيس أن ينفض الاجتماع الموسع، وأن يتحول إلى جلسة سرية مقصورة عليهما فقط. واستمرت المحادثات بينهما لمدة ساعتين تماما، ولم يتسرب أي شيء عنها.

وقد تساءلت :لماذا هذا الاجتماع الخاص، وقد قال الأمير كل شيء فى الاجتماع العلني. إننى أتصور أن الأمير منفردا، مارس ضغوطا أكثر وقطع عهودا بتحمل التزامات محددة مقابل تدخل الصومال عسكريا فى الأوجادين لدعم جبهة تحرير الصومال الغربي، كما حصل على تعهدات رسمية من الرئيس بالموافقة.

بدا الرئيس بعد هذا الاجتماع أكثر ثقة بالنفس، لاسيما وأنه قد رجع قبله بقليل عن اجتماع عقد فى عدن بجمهورية اليمن الديمقراطية محبطا بعد أن هدده الرئيس الكوبى فيديل كاسترو بقطع المساعدات السوفيتية لو استمر الصومال فى سياساته المعادية لإيثوبيا بعد أن فشل فى مساعيه فى التوفيق بين الرئيس زياد برى والرئيس الإثيوبى منغستو هيلامريم .

ولقد أصرت المملكة العربية السعودية منذ بداية الثورة أن تكون المساعدة التى تقدمها للصومال فى تحدى واضح لفلسفة نظام الحكم تشييد جامع كبير، أطلق عليه “جامع التضامن الإسلامى”، وكانت زيارة الأمير سعود الفيصل لمقديشو فرصة لافتتاح هذا الجامع الذى يرمز إلى بدء عهد جديد وأفول عهد كرست السعودية نفسها لمحاربته.

ولمتابعة نتائج هذه الزيارة، بعد حدوث تطورات مهمة، ولتبادل وجهات النظر مع الجانب السعودى، قام الرئيس زياد برى بزيارة عمل للرياض. وفى طريقه إليها مرّ بجيبوتى بعد إعلان استقلالها مباشرة فى يونيو ١٩٧٧م بأربعة أيام، ليكون أول رئيس دولة يزورها مهنئا الرئيس حسن جوليد بهذه المناسبة السعيدة.

وكان سعيدا بهذه الزيارة، إذ أنه اعتبر هذا الاستقلال تتويجا لجهوده الدبلوماسية وتأييده للنضال المسلح لجبهة تحرير الصومال الفرنسى التى كان مقرها فى مقديشو. ومن حقه أن يفتخر بهذا الإنجاز، فقد كانت قضية ساحل الصومال الفر نسى معقدة لتماثل وجهات النظر الإثيوبية والفرنسية وأطراف داخلية وقوى أخرى إقليمية ودولية ضد هذا الاستقلال، ولقد كان تأييده للنضال المسلح لحركة التحرير سببا فى احتكاك مباشر مع الجيش الفرنسى عندما طارد عملية اختطاف أطفال فرنسيين من قبل تلك الجبهة باختراق حدود الجمهورية فى حادثة مشهورة عرفت بحادثة لوي عدى، التى هزت مشاعر الشعب الفرنسى، وجعلت الحكومة تغير سياساتها بعد أن أدركت فشل سياسة الاستعمار المباشر. وكان هذا المزج بين العمل الدبلوماسى الدؤوب والكفاح المسلح الدائم، هو الذى أدى إلى تحقيق هذا النصر. وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن الجانب الفرنسى قبل بالتصور الصومالى لتحقيق الاستقلال، واعترف بمشروعية جبهة تحرير الصومال الفرنسى التى اشتركت فى أول وزارة أنشئت لحكومة جيبوتى.

وخلال وجوده فى جيبوتى بذل مساعى حميدة للتوفيق بين رئيس الجمهورية حسن جوليد ورئيس الوزراء أحمد دينى اللذين رغم تعاونهما الوثيق فى معركة الاستقلال، اشتبكا فى صراع مرير حول توزيع السلطات فيما بينهما، إذ كان الأخير يريد أن يستحوذ على كل السلطات، وأن يجبر الأخير على الاكتفاء بصلاحيات شكلية. وقد تكللت جهوده بالتوفيق، ولو إلى حين.

ومن جيبوتى انطلقنا إلى الرياض حيث استقبل الوفد الرئاسى من قبل الملك خالد بن عبد العزيز وولى عهده الأمير فهد بن عبد العزيز ووزير الخارجية سعود الفيصل. وفى الاجتماع الرسمى الذى عقد فى اليوم اللاحق لوصولنا، وبعد تبادل كلمات الترحيب، بدأ الرئيس فى تقديم تقرير عن العلاقات الصومالية السوفيتية والصراع الإثيوبى الصومالى.

كنت أنا أقوم بدور المترجم، وفجأة أعلن الرئيس وبدون مقدمات وبلهجة حازمة وفى زهو بأنه أعطى الأوامر البارحة فى الساعة الثانية عشر مساء للجيش الصومالى باقتحام المواقع الأمامية لتمركزات الجيش الإثيوبى فى عمق الأوجادين.

يالهول المفاجأة! لقد أصبت بالدهشة والذهول ! وقلت فى نفسى إنه إعلان بالحرب!

أما الجانب السعودى فقد استمع إلى هذا البلاغ بلامبالاة وعدم اكتراث، دون إبداء أي مشاعر بالاهتمام أوالاندهاش أو الاستفسار، ولم تظهر على وجوهم أي شكل من أشكال الانفعال ترحيبا أو استهجانا. وعندما بهت زياد برى من رد الفعل السلبى الغريب، كرر الرئيس الإعلان ضاغطا على كلامه. ومع ذلك، لم يصدر من الجانب السعودى ما يدل على أي اهتمام بالموضوع، ولما فوجئ بهذا البرود، أعاد تكرار الخبر بتشديد أكبر. وطبعا، كان الرد السعودى اللامبالاة المطلقة . وعندئذ، وبإحباط شديد غير اتجاه الحديث.

كان الرئيس يتوقع أن يحتفى الجانب السعودى بما كان يبشرهم به من أنباء تسرهم وتبهجهم، كان يتصور أنهم سيستقبلون ما أبلغهم به بترحيب ونشوة وجذل. وكان ينتظر أن ترد السعودية جميله وحسن تصرفه ولفتته الكريمة بوعود سخية من الدعم المالى والاقتصادى والعسكرى، وبتحرك سعودى مع حلفائها فى الغرب عموما وفى الولايات المتحدة خصوصا بتعهدات مماثلة، والإلتزام بتأييد الصومال ضد إثيوبيا، لاسيما وأن إثيوبيا أبرمت علاقات تحالف مع الاتحاد السوفيتى، وألغت معاهدة التحالف التى كانت تربطها بالولايات المتحدة.

ولقد أمعنت النظر طويلا فى مغزى هذه اللامبالاة: فخرجت بافتراضين:

الإفتراض الأول: أن الجانب السعودى كان على علم بتحركات الجيش الصومالى من خلال وسائل الاستطلاع الأمريكية ومخابراتها، ولاشك أن السعودية أبلغت بهذه المعلومات، ولذلك فإن الإحاطة من الرئيس زياد برى لم تكن مفاجئة، وبالتالي غير جديرة بالاهتمام.

الافتراض الثانى : الشعور بالحرج وعدم الارتياح لتناقض الاستراتيجيات بين الطرفين وعدم التماثل فى الرؤية والمصالح بينهما، ففى الوقت الذى كان الصومال يريد تحرير بلاده، كانت السعودية وحلفاؤها ترى زعزعة الاستقرار فى منطقة القرن الإفريقى وإسقاط النظم الماركسية فى كل من الصومال وإثيوبيا واليمن الديمقراطية، دون المساس بالسيادة الإقليمية للدول. وهذه المعلومات كانت متوفرة ومنشورة فى وسائل الإعلام عندئذ.

على كل حال كان التدخل الصومالى فى الأوجادين فى مراحله الأولى، واقتصرت المحادثات على العموميات والوعود بتلبية الحاجات الاقتصادية والعسكرية والبترولية، ذلك لأن الجانب الصومالى لم يقرر بعد التخلص من معاهدة الصداقة والتعاون التى تربطه بالاتحاد السوفيتى، ولم يكن الأمل مفقودا فى إعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين.

استطاع الصومال التقدم بسرعة فى عمق الأوجادين، وأن يقتحم أبواب هرر وديردوة فى أقل من ستة أشهر، لكنه استنزف كل طاقاته العسكرية ومخزونه من السلاح والذخيرة، وفقد القدرة على تجديد ما خسره من هذه المعدات، وأصبحت العلاقات السوفيتية الصومالية تتدهور أكثر فأكثر.

حاول السوفيت لآخر مرة رأب الصدع، ووجهوا دعوة للقيادة الصومالية لإرسال وفد على مستوى عال إلى موسكو للتباحث مع الجانب السوفيتى. وقد كلف السيد حسين قاسم وزير الثروة المعدنية للتوجه إلى موسكو للقيام بهذه المهمة.

وقد أعطى السوفيت أهمية كبرى لهذه المفاوضات على عكس الجانب الصومالى، إذ ترأس الوفد السوفيتى الرجل الثانى فى هرم السلطة هو كوسيجين رئيس الوزراء السوفيتى بنفسه، أما الوفد الصومالى فقد ترأسه وزير متواضع الدرجة، معروف بميوله الأمريكية الذى كان سابقا موظفا كبيرا فى شركة بترولية أمريكية، ولم يكن متمتعا بصلاحيات محددة، الأمر الذى يشير إلى أين تتجه الريح فى الصومال، وبمجرد عدم اشتراك الرئيس شخصيا فى هذه المفاوضات بحكم تركيبة السلطة فى الصومال يدل على أن الجانب الصومالى لم يكن معنيا إطلاقا بالوصول إلى تفاهم بأى شكل من الأشكال. وعاد الوفد بعد خمسة أيام بخفى حنين.

وقد سمعت من الأوساط الصومالية المطلعة أن السوفيت كانوا جادين فى التوفيق بين الصومال وإثيوبيا، وأنهم عرضوا وقف إطلاق النار مع استمرار بقاء القوات الصومالية فى المراكز التى كانوا يسيطرون عليها، والتفاوض حول الأراضى التى تعتبر صومالية بحتة، باستثناء هرر وأروميا وديردوة.

ومع جمود الوضع، وإصرار الغرب على عدم التجاوب مع الصومال، وعدم قدرة البلاد على تحمل عناء العبء العسكرى والاختناق الاقتصادى، والعزلة الدولية، بدأ الصومال يتكرر على مصر فى عهد الرئيس السادات وعلى السعودية لإنقاذه من هذه الورطة.

وأذكر فى زيارة خاطفة للرئيس إلى الرياض للتشاور والتنسيق كيف كان المستشار السياسي للملك خالد بن عبد العزيز الدكتور رشاد فرعون الذى كان يتكلم نيابة عن الجانب السعودى برئاسة الملك خالد بن عبد العزيز وعضوية ولى العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل يستعرض فى أداء تمثيلى وبطريقة مسرحية مهيجة قراءة معلومات وتقارير وبرقيات منسوبة إلى مصادر سرية وموثوقة حجم الطائرات والأسلحة المتطورة وجحافل القوات الخاصة التى كان يرسلها الاتحاد السوفيتى إلى الجبهة الإثيوبية للتصدى للقوات المسلحة الصومالية. ولم تكن هذه المعلومات صحيحة كما أثبتت الأيام، بل كانت مطبوخة و مقصودة للتأثير على الصومال لإقناعه على إلغاء معاهدة الصداقة والتعاون الصومالية السوفيتية.

وأمام اليأس الشديد، والضغوط السعودية المتشددة، والهلع من زيادة المساعدات السوفيتية لإثيوبيا والرغبة فى الأخذ بالثأر من السوفيت، قرر الصومال إلغاء معاهدة الصداقة والتعاون وسحب الخبراء السوفيت من الصومال فى ظرف ثمانية أيام.

وبهذا القرار الذى اعتبره السوفيت مهينا، وإثباتا لوجودهم كدولة عظمى، نزلوا بكل ثقلهم العسكري والاقتصادى والدبلوماسى لدعم الجبهة الإثيوبية ضد الصومال.

وكان هذا القرار بداية النهاية لهذه الحرب التى دفعنا إليها دون قراءة صحيحة للخريطة السياسة الدولية، والتى دفعنا ثمنها غاليا ولا نزال ندفعها حتى اليوم.

وقد علق كثير من المعلقين المحايدين بإشفاق عن هذا القرار بقولهم، بأن الصومال أساء فهم الموقف السوفيتى، إذ أنه لم يكن يريد الإساءة إلى الصومال، وإنما كان يريد أن يدفعه إلى موقف تفاوضى يؤدى إلى إقناع الطرفين بالتصالح وبحل وسط.

كان الأمريكيون أيضا مستائين من رعونة الموقف الصومالى وبعدم واقعيته، الذى أخذ يستمر فى إنكاره الاشتراك فى الحرب ونسبته إلى جبهة تحرير الصومال الغربى، وعدم وضوح أهدافه السياسية بمطالبته بأقاليم غير صومالية، وعدم الاتصال بهم لطرح موقف تفاوضى.

وقد سئل الرئيس الأمريكى جيمى كارتر حينئذ فى مؤتمر صحفى، لماذا لا تساعدون الصومال، وقد ضحى بكل شيئ، ولاسيما وأنه الآن فى وضع حرج؟ (فى تلميح إلى أنه حقق مصالح أمريكية بينما تخلت عنه الولايات المتحدة، وهو الآن يواجه الزحف الإثيوبى المدعوم سوفيتيا وكوبيا).

أجاب الرئيس الأمريكى، بأن الصومال لم يتصل بالولايات المتحدة قبل إلغاء هذه المعاهدة، ولم يتشاور معها، ولم يبرم اتفاقا معها، وإنما انطلق لتحقيق طموحات وطنية بحته، وأنه فى علاقاته مع الولايات المتحدة غير صريح، بل يحاول الالتفاف عليها ومناورتها. ولذلك فإننا غير معنيين بمساعدته.

وبعد ذلك بقليل، قام كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى كل بمفرده بإرسال مذكرة إلى وزارة الخارجية شديدة اللهجة، متطابقة تماما فى المعنى وفى الألفاظ، تتضمن توجيه إنذار بسحب القوات الصومالية إلى حدود جمهورية الصومال الديمقراطية فى ظرف ٤٨ ساعة، وإلاّ فإن القوتين العظميين ستقومان بعمل عسكرى مشترك لإجبار الصومال على الامتثال لهذا الإنذار.

كما قام كل من السفير الأمريكى والسفير السوفيتى المعتمدين فى مقديشو بمقابلة الرئيس زياد برى فى مكتبه، وإبلاغه هذه الرسالة شفاهة، وتسليمه المذكرة المشار إليها.

وعلى الفور، قام الرئيس زياد برى بإصدار التعليمات إلى القوات المسلحة بالانسحاب إلى داخل حدود جمهورية الصومال الديمقراطية.

ولا أجد ما أختتم به هذه المذكرات خيرا من الاستشهاد بهذه الفقرة من محاضرة ألقاها الدكتور شالوكى بيتوكى، الأستاذ بجامعة لندن بمدرسة لندن الإقتصادية بتاريخ ٢٨ فبراير ٢٠٠٨، واصفا التطورات فى أعقاب هذا الانسحاب بما يلى:

“إن ما يجرى فى الصومال ليس وليد اليوم، وإنما بدأ خلال الحرب الباردة التى كان الصومال ضحيتها، فبعد أن شجع الغرب الأخير على تغيير تحالفاته، ووعده بتعويضه عن فقدان السلاح السوفيتى وورطه فى حرب غير محسوبة العواقب، تخلّى عنه، وخذله، ولم يف بوعوده، بل وقف يساند إثيوبيا. وتنافس الغرب والشرق على كسب ود إثيوبيا. وبعدما أصبح الصومال منزوع السلاح، أصبحت جبهته مكشوفة للاستفزازات والاعتداءات الإثيوبية. ودأبت إثيوبيا على إنهاكه تارة بالمواجهة المباشرة، وأخرى بتسليح المليشات التى تعمل فى داخل الجمهورية الصومالية. وواصلت إثيوبيا هذه الحرب حتى اليوم. إن ما جرى ويجرى فى الصومال طيلة السبعة عشر عاما، لم يكن شأنا داخليا صوماليا محضا، وإنما كانت معركة مفتوحة الجبهات لعبت الأطراف الأجنبية فيها الدور الرئيسى”

12 تعليق

  1. السلام عليكم سعادة السفير انا باحث مصري في العلاقات الصومالية السوفيتية في تلك الفترة هل من الممكن ان ترسل لي اي معلومات او مقالات تساعدني في امام البحث عن اسرار هذه العلاقة

    • السلام عليكم سعادة السفير انا طالب دكتوراه من العراق موضوع اطروحتي موقف الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي من الصراع في القرن الافريقي 1964 – 1982 هل بالامكان مساعدتي في هذا الموضوع لا سيما وانك تمتلك معلومات قيمة لها دور كبير في اتمام المووضع على احسن وجه . لك مني خالص الشكر والتقدير

  2. The Arabs have taken billions of dollars out of this country… and now they must put it back!
    It is ebb and flow, tidal gravity. It is ecological balance!
    You are an old man… who thinks in terms of nations and peoples.
    There are no nations. There are no peoples.
    There are no Russians. There are no Arabs.
    There are no Third Worlds. There is no West.
    There is only one holistic system of systems!
    One vast and immane, interwoven, interacting, multi-variant, multinational dominion of dollars!
    Petrol dollars, electro dollars, multi-dollars.
    Reichsmarks, rins, rubles, pounds and shekels!
    It is the international system of currency which determines the totality of life on this planet.
    That is the natural order of things today.
    That is the atomic, and subatomic, and galactic structure of things today.
    And you have meddled with the primal forces of nature!.

    كلام ذكر عام 1978

  3. السلام عليكم

    هناك سؤال يتردد فى مخيلتى منذ أن أنهار الصومال كدولة وبات يعرف بالدولة الفاشلة ولا أجد لها جوابا! ولم أرى أنسب من توجيهها الى سعادة السفير محمد شريف كونه من ضمن الفئة التى تخصهم السؤال الا وهم شاهدى حقبتين مهمتيين فى التاريخ الصومالى , حقبة الإزدهار وحقبة الإندثار او الفشل التام (fiasco ). أخص بالذكر هذه الفئة لأنهم كانوا أصحاب القرار فى عهد الإزدهار ولهم مساهمات إيجابية فى أوج عصر النهضة الصومالية.
    السؤال : الا تكون مقارنة صعبة بما كانت الصومال فى منتصف السبعيينات من القرن الماضى وبما آلت إليه؟ أين أنتم بما يحدث ؟ لماذا لا تحالون أن تعودوا البلد الى ما كان عليه او حتى محاولات؟ لا نراكم تعقدون ندوات مثلا وتحاولوا إيجاد حلول ولم نرى أدلة وشواهد قاطعة ترفضون بها الواقع العالى , على العكس كثير من السياسيين المخضرمين إندمجوا مع الواقع المرير وأتهموا بولاءات قبلية أو حزبية. أليس لديكم حنين الى الماضى القريب حين كانت الصومال الدولة الوحيدة التى أهانت القوتيين العظميين آنذاك , طردت أميركا وطردت الإتحاد السوفيتى , إذا كان جواب نعم فما الذى تفعلونه تجاه ذلك, النظام السابق لم يكن كله سلبي وإنما كان يوما دولة لها إعتباراتها الدولية وكانت تلعب دور كبير إبان عهد الحرب الباردة وحتى يقال أن الحرب الباردة بدأت فى الصومال وإنتهت به. إذن ليس كل من كان فى النظام منبوذ بل بالعكس نخبة المجتمع الصومالي كانوا من ضمن النظام لإنه كان دولة متكاملة فى وقت من الأوقات. كيف تمكنتم من جعل الصومال بلد متطور ومتكامل , هل تدلوننا الطريق حتى نعود ولو نسبة بسيطة الى ماكان البلد عليه, كيف سمحتم أن يهدم ما بنيتم, أليس لديكم مسؤلية تاريخية وأن لاتسمحوا أن يقود البلد من يفكر فى مصلحتة الشخصية وأن يحكم حتى ولو تحول البلد الى كومة من القمامة ولا يتردد أن يجلب أعداء البلد فى سبيل أن يحكم؟ أين وطنيتكم ؟ أين غيرتكم على البلد؟ ألستم نفس الأشخاص الذين كان يهابهم أعداءنا ولايستطيعون مقالبلتهم أو مواجهتهم, أليست مقارنة صعبة حال السياسى الصومالى فى السبعينات وحاله الآن؟
    مادمتم على قيد الحياة هناك أمل وهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتقكم كخبراء لترشيد الجيل الجديد وخاصة بما يسمى السياسيين؟ تذكروا ! الصومال .. الصومال.. الصومال.. وأي حال بت يا صومال!
    اسف للإأطالة وكلامى ليس موجه لشخص السفير ولكن موجه بشكل عاما الى سياسيينا المخضرمين منطلقا من ثوابت وطنيه وقومية.

    .

  4. عبدالواحد شافعى

    شكرا جزيلا لسعادة السفير فقد سلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخنا وأطلعنا على ما شاهده مما يدور وراء الكواليس ولا يطلع عليه الناس عادة. شهلدات حية وتوثيق مهم للتاريخ، وألف شكر مرة أخرى لسعادة السفير

  5. تحية لسعادة السفير واصدي إليه جزيل الشكر وموفور العرفان على شهادته للعصر، فقد افادنا بمعلومات في غاية الأهمية

  6. بارك الله يا سيادة الشفير و اطال الله عمرك
    والله ادليت شهادة صادقة و بدقة وبدون تحيز وتخبط افدتنا معلومات ضخمة جدا ومهمة في نفس الوقت
    كثر الله امثالك نحن بحاجة ماسة بمثل هذة المعلومات النادرة والتى يصعب تحيصلها هذه الايام العويصة

    نحن نريد منك اكثار مثل هذة المقالات التى تحمل في طياتها تراث هام جدا علما اننا لم نكن حاضرين تلك الفترة
    بكوننا صغارا او غير مولودين لذا نرجوا من سعادتك الزيادة و الاكثار

    و اشكرك مرات عدة
    طاب سعيكم الى اللقاء

  7. بسم الله الرحمن الرحيم

    شكرا لسعادة السفير. حقا إنه موضوع شيق يسلط الضوء على جزء مهم من التاريخ الصومالي..ربما لم يعجبه البعض قوة وبسالة الجيش الصومالي وتآمروا عليه ليطيحوه وقد تمكنوا ذلك مؤقتا..لكنهم نسوا أن الصومالي هو الصومالي ولايحب أن يعلوا عليه أحد مهما ترآى لبعض أن وقت أفوله الى الأبد فد حان.
    سعادة السفير لكم دور كبير تلعبوه لتوضحوا الجيل الجدي كيف د أن الصومال كان يوما بلد يحسب له ألف حساب ومازال برغم مآسيه.

  8. سعادة السفير أشكرك كل الشكر علي هذا التاريخ المهم وهذه الهدية التي قدمت الينا، وما أحوجنا أن نعرف ماكان يدور في دهاليز الدبلوماسية خصوصا تلك الحقب الصعبة التي مرت بنا وما زلنا نكتوي بنارها. ننتظر منك المزيد، ونشكرك ألف مرة.

  9. مواطن من جمهوية الصومال الفدرالية

    أشكرك سعادة السفير محمد شريف محمود على كتابة مقالة توضح للشعب الصومالي حقيقة خسارة جيشها الوطني امام كوبا والسوفيتي

    حتى بالحظة لاخيرة كانت السوفيت تهتم للصومال ولم تتركه نهائياً لكن بحيلة من الطرف السعودي ولأمريكي اخرجه الصومال من معاهدة بينه وبين السوفيت

    بدليل إلى لأن نرى نظرة السعودية بعدم لأكتراث للحالة الصومالية لسبب الكره من نظام سياد بري

    لكن مع هاذي لأمور سوف يعود الصومال شائوا أما ابو وسوف ترجع هيبة وقوة الصومال وأني أراء قريب جداً

%d مدونون معجبون بهذه: