إخفاق الممارسة السياسية للوحدة

كنّا تكلّمنا في حوار سابق عن أنّه لا جدوى من تهافت الوحدويين الشماليين على العاصمة مقدشو،  قبل الوصول لمرحلة متقدمة في المفاوضات بين “أرض الصومال” و”الفيدرالية”، وقلّلنا كذلك  من قيمة وجود وزراء شماليين في الحكومة (المصغرة) الحالية، كوزيرة الخارجية الجديدة.

 وكان اعتبارنا تنصيب أولئك المسؤولين، مجرّد “تدفئة” للمقاعد الوزارية والنيابية، لحين اكتمال الحوار بين الطرفين والوصول لتسوية مرضية يتم بعدها “تسريح” أولئك الساسة عبر تعديل وزاري، وانتخابات نيابية عامة أو محدودة، ليحل مكانهم ساسة من “أصحاب الوزن والتأثير” في الشمال، على عكس الحاليين الذين يمثلون “اكسسوارًا” جميلًا يؤدي لإبراز الموقف المبدئيي القائل بأن: ( الدولة  الفيدراية ممثَّلة بالكل و ممثِّلة للكل) ـ لا أكثر ـ وقد أثار رأينا هذا حفيظة وحدويين مخلصين من الجنوب.

 لكن ما نحونا إليه قد أكدّه مؤخرًا وبعد شهور، ما ورد في تسجيل نُسِبَ إلى البرفيسور (أحمد إسماعيل سمتر)، مرشح الرئاسة السابق والمنحدر من الشمال، وعضو البرلمان الذي ترك العاصمة والبرلمان دون إذن، عائدًا إلى منفاه الاختياري من جديد، احتجاجًا على التعامل “الراسخ” معه ومع السياسيين الشماليين الوحدويين، كمجرّد ديكور لخلفية الوحدة، دون السماح لهم بأداء أدوارهم التي تخوّلهم بها مناصبهم ومسؤولياتهم في الحكومة الفيدرالية، ولا شكّ أن سلوك وزيرالخارجيية السابق البروفيسور”محمد عبدالله أومار” الذي بدا غاية في التردد وعدم الثقة، دلنا ومنذ برهة على ما يجري في أروقة الحكم بمقديشو.

ونحن حقيقة نستغرب أشدّ الاستغراب من وقوع أكاديميين مخضرمين أو سياسين كالمذكورين سابقًا، في ذلك المطب السخيف، فالوحدة مبدأ وممارسةُ مفاعيلها تحتاج لظروف ملائمة، ولم يكن حكيمًا في أي حال من الأحوال محاولة القفز إلى عربة السياسة في مقديشو، دون تنسيق مع من يُفترض بهم أنّهم يمثّلونهم. وعلى ذلك يبقى دور  المؤمنين بالوحدة من أبناء الشمال، خدمة مناطقهم التي ينتمون إليها بروحية التسامح، والقيام بدور توعوي يجب عليهم الالتزام به، لتمهيد السبيل نحو أن تكون استعادة الوحدة نتيجة حتمية للمفاوضات القادمة، وأن يكون ذلك بتجرّد ودون سعي للمزاحمة و التكالب على المناصب.

خيبته أم الخيبة فيه

خيبته أم الخيبة فيه

مع الاستعداد التام لمخرجات التفاوض، فإمًا وحدة رضيّة، أو استقلالًا مكللًا بالاعتراف الدولي، لأنه من السذاجة بمكان، الاندفاع نحو بحر من المجهولات السياسية، والصراعات الخفية بين أجنحة الطبقة السياسية في (مقديشو)، غير مسلّحين بشيء سوى حسن النوايا والنظريات العبقرية، بل المطلوب حضور “وازن”، وتأييد شعبي كبير، وهو ما لن يكون ممكنًا توفّره في ظل غياب تام للعمل السياسي الحزبي، وهيمنة العمل السياسي المتكئ على القبيلة.

وعليه فإن عددًا كبيرًا من الساسة الشماليين من حملة الشعارات الوحدوية ، وعبر ما يرتكبون من أخطاء تدل على عدم وعيهم  السياسي، فإنهم يسيؤون بدرجة كبيرة للمبدأ الوحدوي، وهم إذ يحاولون الحصول على مناصب في العاصمة الصومالية، فإنهم يسقطون أنفسهم في مأزق شديد، خلاصته أن يتحوّلوا إلى مجرّد “سُدادات” لملئ الشواغر التقليدية التي يفرزها ـ تلقائيًا ـ نظام المحاصصة القبلية (4,5) المقيت.

ولايمكننا في ظل ظروف كهذه إخفاء قناعتنا، بأن مهمّة الوحدويين تكمن في مساقط رؤسهم، ومناطق إنتمائهم العائلي، بأن يحاولوا تمرير ما يؤمنون به من العدالة والمساواة، ومكافأة المصلح ومعاقبة المسيء، بدءًا من أضيق نطاق وصولًا، للصورة الكاملة لشعبنا و قوميتنا، إذ لن يكون عمليًا، السعي لبدء التغيير من قمّة الهرم، كما يحاول فعله بعض المهووسين بالتسلق والانبطاح، فكما يجب السعي لاستعادة الوحدة، على المستوى السياسي الأعلى، يجب أن يكون الدرج الذي يتم صعوده، الاجتهاد في إزالة أسباب الفرقة القائمة، حتى في أماكن كـ”أرض الصومال”، ومحاولة تحقيق توافقات ودفع الحكم هناك دفعًا للقيام بتسويات ضرورية، وإن كان ذلك عبر إجراء عمل جراحي مؤلم، يحدّ من تأثير المحاصصة القبلية، التي يفشل الحكم هناك كثيرًا في مقاومتها، والتي يبدو أحيانًا أنه يحاول ترسيخها والاستفادة منها، عبر توتير الأجواء بتحرّكات غير محسوبة، تقوده للتراجع وخسارة مركز متقدّم سبق وتمّ تحقيقه.

وليكون مأخذنا على المهرولين في خضم حمّى المناصب نحو (مقديشو)، هو ذات مأخذنا على الطبقة الصومالية المثقّفة، وأكبر تجلّياتها أي التيارات الإسلامية، التي يتعمّد معظم مكوّناتها إغفال أهمية مواجهة المحاصصة القبلية، والسعي لتسريع تحوّل السياسة من حالة قبلية معتمدة على الابتزاز، إلى حالة أقرب تمثيلًا للشعب الساكن للأرض،  إلّا أننا نرى الجميع غارقين في محاولة اقتناص ما تلقي به السياسة القبلية من رشاوى ومنح، مكوّنة من مناصب وامتيازات شحيحة المردود المادي والمعنوي، ناهيك عن ما يقوم به البعض، من استغلال التوجه الوحدوي المعلن، لتصفية حسابات قبلية بائسة، ليحترق الجميع في أتون هذه المرحلة المؤسفة من تاريخ شعبنا، وسيكون مهمًا أن يدرك الجميع، أنه لن يتمّ نسيان شيء وأن الشعب سيبقى يذكر.

3 تعليقات

  1. مواطن من أرض الصومال

    الوحدة بين إقليمي الصومال (صوماليلاند والجنوب) ليست مقدسة ، ولم تنزل من السماء ، إنما هي تدبير بشري قام به بعض قادة الشمال حين تحرروا من الإستعمار ، فذهبوا للجنوب ، وسلموهم الجمل بما حمل ، وذلك ظنا منهم بأن هذه الوحدة ستأتي بالخير للجميع .

    ولكن التاريخ أثبت أنها أتت بالشر ، فتراجعوا عنها ، وأسـسوا دولتهم المستقلة ، فكانت نتيجتها الأمن والنماء .

    لهذا ، فأنا أتعجب ممن ما زال يدور حول الوحدة بين الإقليمين ، وكأنه يتوقع من هذه الوحدة خيرا لا يعلمه إلا الله وهو فقط .!
    يا أخي الدنيا دار نقوم نحن البشر بإدارة مصالحنا فيها ، والسياسة والحدود وشكل الدولة هي مجرد أدوات لتحقيق رفاهية البشر ، فإذا كانت صوماليلاند قد حققت ذلك بإستقلالها ، فلماذا تنبشون ورائها ، وتريدون إعادتها لتجربة فاشلة ؟.

    مرة أخرى ، الوحدة ليست مقدسة ، وليست منزلة من السماء ، ولكنها تدبير بشري ، مجرد وسيلة لهدف ، والهدف قد تحقق لصوماليلاند … خلاص .!… تذكروا .

    • محمود محمد حسن

      المقال كان عتبًا على من فشلوا في حمل مسؤولية ما أعلنوا أنهم قد ألقوه على عاتقهم من دفاع عن وحدة البلاد…

      وصدقت أخي أرضو الوحدة ليست مقدّسة، بل المهم ما فيه مصلحة البشر القاطنين لمساحة الأرض التي نتكلم عنها، المعضل هو أننا نمر بمرحلة اللاوحدة، فلا الوحدة قائمة بما يحقق المصلحة العامة، ولا استقلال أرض الصومال اكتمل بالاعتراف من قبل “مقديشو” ليعترف بها العالم، وتتحقق مصالح من يدفعون بالانتهاء التام للوحدة، وحتى وإن تم الاعتراف الدولي، فالباب يبقى مفتوحًا للتعاون و بذل الجهد لتحقيق ما هو أفضل لهذا الشعب الصومالي الحزين.
      ولا أظن أن باب الحديث عن الوحدة سيُغلَق، مادام الصوماليون يشتركون في اللسان والدين، لكن المفترض أن يبذل كل طرف من الجهد ما يسمح له بتحقيق ما يسعى إليه، ليكون ما يريده متحققًا على أرض الواقع بعيدًا عن الجدلوالمناكفات.

  2. شكرا للكاتب محمود حسن والله استقبرب واستقرب كيف صدر متل هذا الكلام رجل متفق ومحضرم مامعقول كيف يقول ذالك الا يعلم كلامه يفقد الشعبية والحشمة هو ندري ينتمي الي ارض الصومال ولكن كنت اظن تحرر من القبلية لانه رجل مرقوق وله مكانة في المجتمع كيف يمكن ذالك ان يصدر منه هذا الكلام الذي استقربته كتيرا المقيت الذي هو غير المقبول ولكن مشكلته مادام ينتمي الي الاقاليم الشمالية مادام كلهم شعب مريض وليس هذا كذبا انهم كلهم مرضانيين ويموتون الي الصوماليين الاخري وخاصة جنوب الصومال لذا قال هذا الكلام من دون نظر ما يترتب علي هذ ا لكلام اقول له يابرفسور فقدت نصف احترامي لك اسالك ان تفقدني النصف الاخر

%d مدونون معجبون بهذه: