مقترحات حول تطبيق الفيدرالية في الصومال

     من المعلوم أن مؤتمر المصالحة الصومالية في كينيـا -المعروف بمؤتمر امبغاتي-  والذي استمر قرابة سنتين 2004-2002 تمخضت عنه في نهاية المطاف حكومة صومالية فيدرالية مؤقتة قائمة على أساس ميثاق فيدرالي.

 وفي شهر أغسطس الماضي تمت إجازة دستور فيدرالي مؤقت في مقديشو على يد 825 عضوا يمثلون القبائل الصومالية الخمسة فيما سمي بالمؤتمر الدستوري،  وسواء أكان تبني النظام الفيدرالي خدعة نسجت للشعب الصومالي في حالك الظلام  وعلى غفلة من الشعب الصومالي، أم جاءت نتيجة لبحث مخلص وحل صادق تم العثور عليه بعد تقليب وجهات النظر في القضية المستعصية؛ حيث روعيت فيها مصالح البلاد القومية والأمنية والتنموية والتاريخية والتطلعات المستقبلية.

  وأيا كان الأمر فإن الحقيقة أن هذا القرار المصيري تم تمريره بغياب الشعب الصومالي، شأنه في ذلك شأن القرارات التي اتخذت باسمه في كثير من المؤتمرات التي نظمت وبغياب الإدارة الصومالية الحقيقية.

 بما أن الحكومة الاتحادية الصومالية الآن بصدد تشكيل ولايات اتحادية انطلاقا من النظام الفيدرالي،  فإنني   أقدم هذه الدراسة والتي تشمل بعض الموجهات والمقترحات المهمة حول تشكليل الولايات، علها تنفع أصحاب القرار في هذا الوطن العزيز.

 الثوابت التي ينبغي مراعاتها في تشكيل الولايات الاتحادية:

  1.  أن يتم وضع معايير وأهداف وطنية محكمة قبل الخوض في عملية تشكيل تلك الولايات، تلك المعايير التي تحافظ على وحدة البلاد وتكون قائمة على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات سواء فيما يتعلق بالشعب الصومالي عامة ومواطني تلك الولايات خاصة.
  2. أن تقود الحكومة الاتحادية بعملية تخطيط تلك الولايات ومعايير تشكيلها بالتشاور والتنيسق مع سكان تلك الولايات، و لا يترك الأمر لكل من هب ودب.
  3. أن يكون الهدف من فرض الفيدرالية فقط تقصير الظل الإداري وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار وتقسيم السلطة والثروة وتوزيع الخدمات الأساسية بين المناطق والأقاليم الصومالية على أسس عادلة.
  4. أن يقوم تشكيل الولاية على إرادة صومالية بحتة بعيدا عن التدخلات الخارجية والأطماع الإقليمية والدولية.
  5. أن تتم المحافظة على التنوع القبلي والسكاني الموجود في كل ولاية ولا يتم التركيز على الثقل السكاني لقبيلة معينة فقط مما لا يعيق الاندماج القومي ولا يكرس العشائرية والجهوية.
  6. الحرص على أن يخدم هذا النظام الاتحادي للمصالح العليا الأمنية والسياسية والاقتصادية والتنموية للصومال ككل ولأهل المنطقة، وألا يؤدي اختيار هذا النظام على تمزيق وتجزئة الشعب الصومالي وإضعاف قوته وارتهان قراراته لقوى أجنبية.

تشمل المصالح العليا لكل دولة والتي تمثل قيم أساسية أو غايات قومية تسعى كل دولة تحقيقها أو تعظيمها ومنع المساس منها طوال الوقت بما يلي:

  1. قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات العسكرية الخارجية (Defense).
  2. قدرة الدولة على تحقيق التنمية الشاملة والمتواصلة (Development)، خاصة  التنمية الاقتصادية التي تصاعدت أهميتها لتتحول إلى قضية أمن قومي بالنسبة لمعظم الدول، أي أن نمط حياة الشعوب ذاته يرتبط بها.
  3. قدرة الدولة على الاستقرار السياسي والاجتماعي الداخلي والحفاظ عليه (Stability)، لاسيما  وأن عدم الاستقرار الداخلي قد أصبح مصدر التهديد لأمن الدول في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ووصلت الأمور إلى مستويات حادة تطرح احتمالات الفوضى الداخلية أو الحرب الأهلية  كما في الصومال.
  4. قدرة  الدولة على الحفاظ على مكانة خاصة بها في النطاق الدولي والإقليمي، وبما يحقق الهيبة أو المكانة ( Prestige or Status)، وتدعم المكانة هذه قدرة الدولة على تحقيق أهدافها السابقة.
  5. أن يكون لعواصم الولايات اعتبارها الخاص الذي يعطي حقوقا مشتركة لكل أهل الولاية –  كالمنزلة الذي ستحظى به العاصمة القومية مقديشو – كما يعطي بعض الامتيازات لسكان موقع عاصمة الولاية الأصليين مثل أن يتم إسناد عمدة المدينة أو رئيس المحلية لمنحدرين من المنطقة.
  6. خارجيا: أن تتم المحافظة على سيادة البلاد وأن تكون الحكومة الاتحادية هي التي تمثل جميع الولايات على المستوى الدولي الخارجي، وألا تحاول أية ولاية تسويق نفسها والبحث عن مصالحها بعيدا عن الحكومة الاتحادية.
  7. أن يتم تأجيل تطبيق الحكم الفيدرالي إلى ما بعد الاستفتاء على الدستور الجديد من قبل جماهير الشعب الصومالي بعد أربع سنوات من عمر هذه الدولة.
  8. دراسة الحكم الفيدرالي ومراجعته وهل هو صالح لمستقبل الحكم في الصومال أم لا؟ وهل الأفضل أن يتم تأجيله حتى يتم الاستفتاء على الدستور الجديد بعد إجراء عملية  الإصلاح الدستوري. وأقدم هنا دراستي المختصرة حول هذا الأمر:

حجج أنصار الفدرالية في الصومال

فيما يبدو أن الكثيرين اقتنعوا أو على الأقل لم يعارضوا النظام الفيدرالي طالما أن الصومال:

  • مر بفترة حروب أهلية خلقت جوا من عدم التفاهم، وفقدان الثقة بين القبائل، ووجود المخاوف من عودة حكومة مستبدَّة (دكتاتورية)، وتصور هؤلاء أن النظام الفيدرالي ضروري للصومال والحالة هذه حتى يتسنى لكل منطقة أو قبيلة أن تتمكن بإدارة شئونها الخاصّة في منطقتها في حين تشارك المصالح العامة مع باقي الدولة.
  • إن انهيار النظام السابق مردّه غياب العدل، وسوء توزيع السلطة والثروة، لذا فالنظـام الفيدرالي سيقرر الحقوق الخاصة لكل منطقة أو عشيرة.
  • تقصير الظل الإداري وتقريب مراكز اتخاذ القرار وسرعة حل المشاكل من جانب حكومة الولاية بحيث تستجيب مشاكل المواطنين بشكل فوري.
  • توسيع مشاركة المواطنين وارتفاع اهتمامهم بمشاكل ولاياتهم.

 حجج الاتجاه المعارض على تطبيق النظام الفيدرالي في الصومال

 يقول معارضوا النظام الفيدرالي أن هذا النظام لا يصلح للصومال للأسباب الآتية:

  • إنه سيشكِّل مشكلة جديدة، تضاف إلى قائمة المعضلات السياسية المزمنة في الصومال، وستبرز آثاره  في رسم الحدود بين المناطق وفي توزيع السلطة والثروة بالذات.
  • النظام الفيدرالي لا يتناسب لبلد كالصومال؛ حيث تتوفر فيه كل عناصر الوحدة بين المواطنين من وحدة الدين واللغ ، واللّون والتقاليد المشتركة، والنظام الفدرالي يتناسب مع بلد توجد فيه الفوارق  والتباين بين السكان .
  • النظام الفدرالي لم يتم تبنيه عن دراسة واعية، وهو طارئ على الصومال، وتطبيقه بهذه الحماسة كفيل بفشله وإخفاقه  كما كان مصير الاشتراكية العلمية في العهد العسكري.
  • النظام الفيدرالي نظام  أجنبي مستورد مفروض على الصوماليين، وهذا من الدستور الذي وضعه والجهات الإقليمية التي كانت تدفعه وتقف خلفه، وأن هذه الفيدرالية لا تترجم عن رغبات المجتمع الصومالي، بل هي مؤامرة  في صورة حل، لفّقها الأعداء لتمزيق ما تبقى من هذ الجسم المنهك.
  • التكاليف المالية الباهظة: فالصومال بلد يعد من البلدان الفقيرة، وخزينة الدولة الصومالية لا تتحمل بتكاليف وأعباء النظام الفيدرالي المالية، والكفايات البشرية القادرة على إدارة الولايات واستغلال الثروات ضئيلة وغير كافية، وعليه فليس من المعقول والمقبول أن يوجد داخل هذا البلد الواحد عدد من الحكومات ذات سيادة تتمتع بالاستقلالية في شؤونها، يرأسها عدد من الرؤساء، ولكل حكومة عدد من الوزراء، وبرلمانات متعددة، ودساتير مختلفة.
  • إن الفيدرالية في الصومال تعتمد على التقسيمات العشائرية، وإن تطبيق الفيدرالية على أسس قبلية لا يمكن أن يأتي بحل سياسي للأسباب الآتية:
  1. إن القبيلة تنظيم بدائي لا يصلح لبناء دولة حديثة، وإذا تغلبت  القبيلة على الدولة فإن ذلك يؤدي إلى إعاقة مؤسسات الدولة مما يعيق الدولة عن أداء دورها وبالتالي ينجم عن ذلك ضياع الحقوق وانتشار الفوضى وعدم الاستقرار.
  2. إن الأساليب القبلية تعتمد على المحاباة والمحسوبية والفساد وعدم توفير فرص متساوية أمام الجميع، وهي نفس الأساليب التي أدت إلى انهيار الدولة في الصومال سابقا.
  3. إن القبلية كانت أمضى سلاح استخدمه الاستعمار في تفرقة الأمة الصومالية وتثبيت أقدامه، فالاستعمار عندما دخل البلاد كانت قد وقع اتفاقيات مع قيادات عشائرية كما استغل الاستعمار القبلية في مواجهة الحركات الوطنية التحررية الصومالية.
  4. أثبت التاريخ أنه كلما ترفع الصوماليون عن القبلية احرزوا انتصارات إسلامية ووطنية على مر التاريخ مما كان يؤدي  إلى تقوية المؤسسات العامة والمحافظة على حقوق الفرد والجماعة واستقرار الأوضاع السياسية وازدياد سمعة الأمة الصومالية في الداخل والخارج، بالمقابل كانت القبلية معولا للهدم والتدهور والتراجع عن الأهداف العليا في الصومال تاريخيا.
  5. إن تطبيق الفدرالية في الصومال الذي يعيش في مخلفات الحرب الأهلية، والانقسامات وتنافس النخب الانتهازية، والتدخلات الخارجية، فإن المرجح أن تورثه الفدرالية التمزق وضياع الوحدة.
  6. النظام الفيدرالي يؤدى إلى تقاعس الحكومات المحلية عن تنفيد قرارات الحكومة المركزية، وهذا  سيؤدي بدوره إلى ضياع هيبة الدولة ، وانفراط عقد النظام والطاعة؛ مما يخلق التوتر المستمر الذي يصل إلى الحرب.
  7. لا توجد ضمانات  لإقرار العدالة في مجال توزيع السلطة والثروة والمشاريع الإنمائية بين المناطق المنضوية تحت سقف الفدرالية ويوقف نهب المال العام المحدود في الصومال، وكذلك الفساد والمحسوبية، وهي نفس العلل التي سيقت الفدرالية من أجلها.
  8.  التوجـهات السياسية اليوم عالميا وإقليميـا  تتجه نحو التجمع والاتحاد، والابتعاد عن التفرق والانفراد، فالمجتمعات أدركت فشل التفرق والانفراد والتقوقع.  وهناك اليوم توجه أفريقي نحو الفدرالية على مستوى القارة، وحين يتحقق هذا قد تكون منطقة شرق إفريقيا وحدة فدرالية مع بقية القارة، فمن باب الأولى أن يحافظ الصومال على وحدته ويسعى بعد ذلك في الاتحاد مع بلدان أخرى فدراليا.
  9.  طالما أن الأمة الصومالية تعرضت للانهيار والتمزق الداخلي فلا حاجة إلى تعميق التمزيق وإشاعة الفرقة، وحين تعالج آثار الحزازات النَّاجمة عن الحروب الأهلية والظلم الاجتماعي يكون من الأنسب دراسة أي الطرق أنسب للحكم في الصومال.
  10. النظام الفيدرالي يقلل من شخصية المواطن الصومالي وطموحه، وهو طريق إلى قيام أنظمة محلية ضعيفة البناء قائمة على العصبية العرقية والقبلية ومتنازعة فيما بينها.  كما هو الحال في النزاع القائم بين صوماليلاند وبونتلاند وجل مدق كأقاليم بعضها أعلنت انفصالها والآخرين في الطريق.

 الخلاصة

إن الفدرالية في الصومال ينبغي أن تأتي نتيجة عن قناعة تامة للشعب الصومالي تصب في مصلحة وقوة وازدهار الصومال في المجالات المختلفة. لا أن تدفها قوى أجنبية اقليمية أو دولية ترى من مصلحتها تفتيت الصومال إلى كنتونات قبلية متنازعة ومرتبطة على تلك القوى الخارجية أكثر مما ترتبط بالحكومة الاتحادية بالمركز. وهذا ما يتم تحضيره في الوقت الحالي. ويصر على تطبيق الفدرالية – إضافة إلى القوى الخارجية-  نخب سياسية انتهازية صومالية تحلم فى تحقيق مصالحها الذاتية من وراء تطبيق الفدرالية.

إن الحل هو البحث عن العدالة في تقسيم السلطة والثروة عبر تحقيق مصالحة صومالية شاملة يتم فيها إجراء حوار وطني شامل ووضع دستور صومالي، يمثل عبارة عن عقد اجتماعي سياسي يتوافق ويجمع عليه ممثلوا الشعب الصومالي جميعا، والإفضل أن يتم تأجيل تطبيق الفيدرالية لما بعد الاستفتاء على الدستور الفيدارالي من قبل جماهير الشعب الصومالي.

                                                    والله ولي التوفيق والسداد.

3 تعليقات

  1. دع يا أخي عبد الرحمن ليكن الدكتور نفسه هو الذي يرد على تعليقي فأنا أعرف ما أقول وأتحمل مسئولية احتجاجي ..ولم أقل ذلك إلا بعدما استوثقت من الأمر ..ولعلك أيضا لم تقرأ الرابط الذي وضعته .

  2. عبد الرحمن محمود علي عيسى

    تحياتي للدكتور عبد القادروللاستاذ محمد عمر ،يا أستذ محمد عمر لم أعرف عن الدكتور عبد القادر عدم تأدية الأمانة إلى أهلها منذ أن عرفته،وتحليلي الشخصي أن الأمر لا يعدوا توافق أفكار وآراء الباحثين وهذ يحصل وليس بمستغرب إذا عرفنا أن المشكلة واحدة والباحثين يقيمان على الأراضي الصومالية ويحتكان بالمجتمع بكافة فئاته ويستمعان إلى كل الطبقات.
    أما تعليقي على موضوع الفدرالية في الصومال فأعتقد أن السؤال المهم هو كيف نطبق الفدرالية وليس الإعتراض على مبدأ الفدرالية فهذا لن يجدي في شيئ لأن الموضوع أصبح واقعا ملموسا وأعرف الكثير من المثقفين من جميع الاقاليم المختلفة الصومالية يعبرون عن مخاوفهم عن الفدرالية ولهم الحق في التعبير عن آرائهم ولكن لا أظن أن يتم التراجع عن مبدأ الفدرلة لجمهورية الصومال.
    بالمقابل المؤيدون للفدرالية ليسوا بقلة وهم أقرب إلى الواقع ودائما يقال أن السياسة هي فن الممكن وليس ثمة مكان للتنظير في هذ الموضوع.
    أما عن تغييب الشعب الصوما لي الذي ذكره الدكتور فلا أعتقد أنه صحيح لأني شخصيا كنت شاهدا لما جرى في التصديق على الدستور المؤقت بصفتي عضو الجمعية الدستورية (825) ومن المحا جمع كل الشعب على رأي واحد وأعتقد أن عينة ال 825 مثلت الشعب الصومالي بكل أطيافه وتوجهاته،وعلى كل حال سيستفتى الشعب على هذا الدستور في حال معالجة الاوضاع الامنية الصعبة.
    والله تعالى أعلم

  3. هل الدكتور عبد القادر المحترم لا يعرف قواعد البحث وإسناد الأقوال والآراء إلى أهلها أم أنه إذا أسند الأقوال إلى أهلها فإن ذلك ينقص من قيمة كتابته.. أرجو من كل قارئ أن يقارن بين الآراء الواردة في حجج المعارضين للفيدرالية والمؤيدين لها الواردة في مقاله وما ورد في تقريري عن ندوة في نيروبي ، وقد أوردت فيه تلك الآراء نقلا عن ندوة أخرى عن الفيدرالية في جاروي 23-25 من إبريل 2005. بعنوان: الصومال ..الفيدرالية في قفص الاتهام
    http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=2511&Itemid=26

    والدكتور تصرف في الموضوع من بدايته إلى نهايته وأودعه في مقاله ، ورغم تحذلق ولم يشر إليه
    حقا يعتبر فضيحة لم أتوقعها!

%d مدونون معجبون بهذه: