الإنتخابات االرئاسية الصومالية، وبداية العد التنازلي على رموزالنظام الحالي

تُمثّل الانتخابات الرئاسية المقبلة في المشهد السياسي الصومالي الأكثرأهمية، وربما اهتماما في الحياة السياسة الصومالية المعاصرة، حيث أنها تعقد ولأول مرة في العاصمة بعد أكثر من ثلاثة عقود لم يحدث فيهاما يمكن وصفة بالإنتخابات، إلى الدرجة التي يلاحظ فيها المراقب بأن هناك تحول في اهتمامات الناس الكلي من متابعة وقائع المواجهات المستمرة منذ السنوات في العاصمة وضواحيها إلى المشهد الانتخابي ، والتي يشعرفيها المواطن زوال مظاهرالحرب، وتوقف القصف المدمر، وانخفاض نسبة الانفجارات المروعة، واختفاء حركة المليشيات المخيفة  حتى أصبحت  توزيع النشرات الورقية    في أماكن التجمعات، وتعليق الصوروالملصقات في الشوارع الرئسية والمحطات الرئسية وفوق المباني الشاهقة، وتوالي عقد المناسبات التي يعلن فيها مرشح موقفه ، ويقدم برنامجه الانتخابي حالات عامة تسود في العاصمة .

وتبرز أهمية الانتخابات اهتمام أوأهمية الانتخاب من خلال مشاركة أكثر من عشرين مرشحا يأتي ثلاثة منهم فقط داخل النظام الحالي، والباقي من خارج المنظومة السياسية القائمة على الرغم من قلة  توافر الجدية بين المرشحين، وتكافوء الفرص بين المرشح المنتمي للنظام والموجود خارج النظام ، وكذلك تمايز انتماءت المرشحين الفكرية ، واختلاف برامجهم  السياسية ، وتفاوت موازينهم الشخصية الناتجة من تباين أرصدتهم الفردية ، على عكس الانتخابات الأخرى  الماضية التي كانت دائرة مشاركتها محصورة في زعماء الحرب وقيادات الجبهات المسلحة إتقاءا لشرهم أوخوفا على خطرهم وليس العكس كما يعتقده البعض، هذا فضلا عن قلة تأثيرتدخل الدول الأجنبية على صياغة أوصناعة المشهد الانتخابي، وخصوصا المجاورة التي كان أثر تواجدها ملموسا ولم يكن ملحوظا، بالإضافة إلى ذلك كله النزاعات القائمة في الآليات التي تم فيها انتخاب أعضاء االبرلمان الناتج ربما بسبب الفساد المستشري في العملية الاختيارية  والصلاحية المعطاة لزعماء العشائرفي حسم اختيارعضو ممثل القبيلة في البرلمان، وسلطة مبعوث الأمم المتحدة واللجنة الفنية في توقيف أوترجيح عضو على آخر ورد العضو الموقوف لسبب أولآخر إلى زعماء العشائر أوالقبيلة بهدف التبديل أو التحقيق.

ويعنى هذا أن الانتخابات تعبرنهاية سياسية مبكرة للمرشحين المنتمين في النظام ، وتمثل تحولاحقيقيا من مظاهرسادت     في العقدين الماضيين، وبداية مسارمختلف يمكن وصف معالمه اختفاء الوجوه القديمة التي مثلت رمزا للفساد والحروب والحكم غيرالرشيد، وبروزوجوه أكثرحظا في كسب ثقة الناس، وأعلى حرصا من إدراك ضرورة فصل السلطات عن بعضها البعض وفهم طبيعة علاقاتها التكاملية وليس التعارضية، وأوفراحتراما في أوساط المجتمع الصومالي بالدرجة الأولى .وهي الوجوه التي تكتسب احترامها من وثوق الذات وتأييد الشارع، ومعرفتها على طبيعة العمل الدولي، وقدرتها على التفاعل الأمثل معها بما يعكس إيجابا على تغييرالصورة النمطية والسلبية السائدة على مستوى البلاد والفرد المواطن، ويؤثر بالتالي على استقرار وتماسك الجبهة الداخلية، حيث أن اختيارالسيد جواري رئيسا للبرلمان يعتبرتأكيدا لهذ التحول الحقيقي باعتباره جديدا في الساحة السياسية وشخصية وطنية وقانونية  قديرة حاز ثقة نواب الشعب  علما بأنه لم  يدخل بعد في البرلمان طوال فترة حياته السياسية ماقبل هذه الانتخابات ، وذلك  في ظل العقدين الماضيين  .

وتعطي نتائج التصويت للسيد جوارى بأن يصبح رئيسا للبرلمان ضد أربعة  شخصيات بارزة في الساحة السياسية الصومالية  كان إثنين منهم (رؤساء ووزراء سابقين) ورشح الثالث منهم سابقا لرئاسة البرلمان ، وكاد أن يسحق على رئيس البرلمان المنتهية ولايته، والرابع من الشخصيات البرلمانية المعروفة بحركاته المتموجة إمكانية أوفهم كيف ستكون نتائج التصويت القادم لرئيس الجمهورية  دون أن يكون من الشرط حدوث التطابق بين الإثنين، حيث أن حصيلة التصويت  للمرشح الفائزلرئاسة البرلمان  تؤكد الرغبة الحقيقية بالتغييروالتحول السياسي النوعي ، وذلك من خلال التصويت للوجوه الجديدة التي تمثل رمزا للوطنية والخبرة واحترام المتفق والمكتوب  أيا كان بما فيها النصوص المنزلة ،  وشخصية توافقية قادرة على تفريق ما يمكن اختلافه على مالا يمكن اختلافه (المصالح العليا الثابتة) على مستوى البلاد، وثبت عدم صحة الفرضية  التي  تعاملت مع بعض النواب والمواطنيين على اعتبار أنهم سلعة تجارية يمكن بيع أصواتهم  وشراء ضميرهم، وربما حيوانا بشريا يمكن توجيهه إلى حيث يريد الموجه وليس ما يملي ضميره وإيمانه الشخصي أو الروحي وقناعاته الفردية  دون أن يقصد بذلك عدم تحفظه على أخذ المبلغ المالي الموزع  الذي هو في حاجة ملحة اليها على اعتبارأنه يعرف مصدرها ويعتبرأنها حقا يسترد بها في لحظة الحاجة بعد منعها في لحظات الإحتياج.

ومع ذلك  ينبغي  قراءة نتائج التصويت من خلال الزوايا التالية:

أولا: أن المعطيات الإفليمية تقف إلى جانب المرشحين الجدد، والذين لم يكونوا جزءا من المنظومة السياسية الفاشلة على أداء المهام الأسياسية المنصوصة في الميثاق المنسوخ، والاستفادة من الفرص المعروضة والمتاحة لهم بين الحين والآخر، والعاجزة عن مواجهة التحديات المصاحبة بفترات حكمهم الهزيلة، وذلك من خلال ممارساتهم العاثرة ، وخصوصا بعد وقوف إثيوبيا في موقف المراجعة  بإعادة ترتيب سياساتها القائمة على الاعتبارات الأمنية بالدرجة الأولى إثر وفاة رئيس وزرائها الراحل، واقتناع كينيا ضرورة حد أهدافها السياسية إلى حيث يقف جيشها الموجود على المناطق الحدودية ومنطقة جوبا السفلى، وجيبوتى التي تقف موقف اليائس من استجابة النظام الذي ولد في رحمها على طموحاتها القائمة بترسيخ الاستقرار وتكريس المصالحة السياسية، وتأكدت بأن ما راهنته من افترضات على أرض الواقع السياسي لم يكن قائما على ركائز واقعية، وربما أرضية صلبة. وأصبحت مع الزمن  تتبختر في أجواء الخلافات  بين أركان النظام  ورعونة مواقفهم  وضعف مناعتهم السياسية  خصوصا بعد تشبه قيادة رأس النظام كقبطان سفينة فقد السيطرة في وسط المياه، والأمواج المتلاطمة ، ومن ثم يقود السفينه إلى حيث هو نفسه لايعرف أكثر من غيره إلى أين تأخذه  تلاطم الأمواج.

ثانيا: إن استناد الصومال إلى دول عربية محيطة بها جغرافيا واجتاحت بها رياح التغييرالعاتية، وتعيش في ظل فصل ربيعي تميز بانتعاش ضميرشعوبها والرغبة في دخول التاريخ من بوابة أوسع نطاقا  وأدى في نهاية المطاف إلى طرد وقتل وسجن حكامها السابقين يجعلها غيربعيدة عن تأثر نتائج ذلك الربيع على الواقع السياسي، بل ويمكن وصف ما انتفضت به الشعوب العربية بداية متأخرة عن ما تمرد به الشعب الصومالي قبل عقدين من الزمان ، وان الاختلاف بينهما يكمن  فقط في طبيعة  الوسائل ودرجة الوعي وليس إلا، حيث أن القاسم المشترك بين تلك الأنظمة العربية والنظام الصومالي يبدو في العجز عن تلبية طموحات شعوبها، وتضييق نطاق مجال الحريات، وإضعاف استقلالية القرارالوطني، مما يعني أن المجتمع الصومالي يقف في موقف لايقبل الوضع الذي ساد في الفترة الماضية  وتميز بالانفلات الأمني ونسيان الكرامة.

ثالثا: أن التشكيلة الجديدة  للبرلمان الصومالي الجديد مختلفة تمام الاختلاف عن التشكيلات السابقة، حيث أن غالبية الأعضاء جدد في عضوية البرلمان، ويحملون شهادات  ثانوية وجامعية، وتتوسط أعمارهم ما بين 30و50، برئاسة شخصية قانونية تريد على ما يبدو من خطواته الأولى وسيرته الذاتية إبقاء دور البرلمان في وظائفه الأساسية المتمثلة في التشريع والرقابة فقط ، والإبعاد عن الدور البعيد عن وظائفه الأساسية ، الأمر الذي يمكن فهمه من خلال  تلك الخصائص  خدمتها للتغيير المأمول وتجاوز الماضي المزري.

غير أن هذا لايعنى اطلاقا عدم وجود تحديات كبرى ماثلة أمام النظام القادم ، حيث أن  حسن الاختيار للفريق الرئاسي ، ورئاسة مجلس الوزراء وموظفي الدولة عموما، وردم الفجوة بين القاعدة (المجتمع) والقمة (القيادة )خدمة للأمن الاجتماعي،وذلك بهدف استعادة الثقة المفتقدة بين أركان النظام  ، والبناء الحقيقي لمؤسسات الدولة ، وإعادة الهيكلة في أجهزة الأمن ومفاصل منظومة الجيش، ومحاربة الفساد وأقنعته، والعمل على جدولة وجود القوات الأجنبية على الأراضي الصومالية  كلها تحديات تؤكد العمل بها إثبات الفرق بين القائم والقادم، والاتجاه نحو اتخاذ مسار مختلف يؤدي إلى تصحيح الأخطاء الماضية وتحسين العلاقة بين مؤسسات الدولة على بعضها البعض من ناحية ، وبين الصومال والمجتمع الدولي  من ناحية أخرى ، خصوصا في ظل وجود معطيات إقليمية أكثراستجابة على المطالب الواقعية الآتية من نظام مدعوم من قبل مجتمعه ، والأهم من ذلك ربما كله وضوح في الرؤية، وطرح خطاب  ذولون وإيقاع  معين يركز الحلول ، ويمس هموم الناس ، ويتفاعل مع اليوميات للمواطن العادي ، ويقدم معالجات محددة.

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: