الصومال… مأساة الواقع الراهن وملامح المستقبل

[no_toc] إن الحديث عن دولة مزقتها الحروب وأنهكتها الأزمات ووصلت على شفا كارثة إنسانية مؤلمة وحلت بها الكوارث الإجتماعية والسياسية والإنسانية وغيرها من أشكال المشاكل يبقى حديثا عن مستقبل غير معروف كما يقولها البعض‘ أو أوهاما تتشكل فقط عند صاحبها معتبرين أن الصومال وقعت في خور لا رجعة منه وأنها على مستهل جرف هار فتزول‘ هذا بالإضافة إلى مستقبل الوحدة الصومالية الذي يندرج إلى السلم السفلى كلما امتد الزمن ومضى الوقت- إلا أن يشاء الله- والذي يراه البعض شيئا مستحيلا ليس له واقع في عالم الحقائق ولا إمكانية في الوقت الحالي إلا أنني أؤمن عكس ذالك تماما فالمسألة كما أراها ليست إلا مسألة تحتاج فقط للإًصلاح الجدري في الامة دينيا وإجتماعيا وسياسيا كما أنها تحتاج إلى توعية من قبل المتعلمين من الأمة إلى المجتمع الصومالي.

بإذن الله سيكون هذا المقال عن بداية حقبة جديدة من تاريخ الصومال والأمة الصومالية مع تطورات الساحة العالمية ذات المصالح في الصومال‘ وأحاول بقدر إستطاعتي أن نتلمح القليل من الماضي والواقع الراهن وملامح إلى المستقبل مع التركيز على التطورات الراهنة في الساحة الوطنية.

الصومال والتدخل الإستعماري الجائر

إن توغل القوات الإيثيوبية المحتلّة داخل الأراضي الصومالية يعتبر صفحة ثانية سوداء في تاريخ الصومال لكن هذه المرة مع اضمحلال قوة المقاومة الإسلامية التي قاومت المستعمر عام 2006م ووجود الإفراط الديني من جانب الأوساط الإسلامية الأخرى التي كانت تحكم أجزاء كبيرة من الصومال بعد نهاية المحاكم الإسلامية وبالتالي تواجد واصطفاف الشريف مع الإحتلال الذي قاومه قبل سنوات يشكّل مهلكة وخطرا كبيرا يواجه المقاومة بكافة أشكالها بغض النظر عن آراءها وأفكارها‘ هذا في الوقت الذي ينادي بعض علماء ووجهاء البلد بمقاومة الإحتلال فأنا أتعجب منهم أشد العجب لأن الجرح لا يؤلم الميت ولا حياة لمن لا تنادي.

وكذلك إدخال وتبرير احتلال القوات الإفريقية المختلفة يعتبر جريمة نكراء ضد الشعب والأمة التي عُرفت بالجهاد والنضال الباسل فسبحان الله الذي له ملكوت السماوات والأراضين الذي جعل مجاهد الأمس خائن اليوم وأذلاء الأمة أشرافها فلا عجب لأنهم أصيبو بمرض الحول السياسي كما يسميه الدكتور راغب السرجاني.

ومن خلال قراءتي للأحداث والتطورات الجديدة يبدوا أن هنالك الكثير من التغيرات التي طرات على الساحة الصومالية بما فيها التصارع والإعلام العالمي الذي بدأ يتوجه نحو الصومال بصورة كيبرة جدا وهذا ما قد يؤدي إلى بداية مرحلة جديدة من تاريخ البلد هذا بجانب معاناة الشعب تحت الإحتلال الأممي الأمريكو أفريقي الذي يقصق الأحياء الشعبية في كل لحظة وثانية ويقتل المواطنين الأبرياء بدون أي مبرر وبالتالي حتى الحيوانات لم تنج من هؤلاء لما قاموا به من قتل أعداد كبيرة من الموارد الحيوانية بحجة أنها قد تحمل قنبلة اوتوماتيكية الذين لا يألون للمسلمين خبالا.

كما نعلم أن سياسة الإحتلال البشعة التي يمارسها تحت الديمقراطية وحفظ السلام ليست إلا شعارات هزلية يستخدمها في وقت مصلحته وينبذها لما تعارض أهدافه وإليك بعض النماذج المعاصرة من هذه السياسات[1] :-

النموذج الأول احتلال هايتي

كان هذا استعمارا أمريكيا بشعا وهجوما وحشيا على الشعب الهايتي الذي يعتبره شعبا زنجيا في أغلبه لا يستطيع إثبات وممارسة الحكم السياسي على حدّ قول روبرت لانسنج أحد كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية حينذاك ويضيف ” أن الجنس الزنجي ليس لديه قدرة سياسية ويفتقر الذكاء لإقامة حكم ذاتي وغني عن السؤال إذن الإقرار بأن هنالك نزوعا متأصلا في هذا الجنس للعودة إلى الحياة الهمجية ونبذ الحضارة وهو سلوك مرتبط بطبيعة خلقتهم ” سبحان الله ما أكبر بشاعة من هذا الكلام؟! أرأيتم معي السياسة الأمريكية على وجهها الحقيقي الذي يدعوا إلى الإنسانية والسلام والديمقراطية كغطاء لأعمالها الوحشية‘ لكنني لا أستغرب ما دام أن الله يقول في كتابه [ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا…] [ولتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركو…] وكذالك يقول المصطفى الحبيب في الحديث الشريف عن الامام أحمد في مسنده وابو داود في سننه وابو نعيم في حليته من حديث ثوبان (رضي الله عنه) انه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :[يوشك ان تتداعى عليكم الامم كما تتداعى الاكلة على قصعتها، قالوا: اومن قلة يارسول الله؟ قال (صلى الله عليه وسلم): بل انتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب اعدائكم منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وسلم) : حب الدنيا وكراهية الموت].

ويقول تشومسكي عن العملية الأممية التي سموها إعادة الأمل في الصومال مستشهدا بقول روبرت كابلن ” ومن ثم فمن الواجب أخذ تاريخ هايتي الدرامي كمثال تحذيري لأولئك الذين يمضون الآن بحماسة لتنفيذ عملية استعادة الأمل في الصومال” ويضيف أن ذالك ناتج عن الصعوبات التي يواجهونها خلال سعيهم نحو ما سموه “معالجة جسم سياسي مريض في أرض تنقصها أساسيات الثقافة السياسية الحديثة” وكذالك يقول محلل سياسي أمريكي بمجله تايمز ” أن قوات المارينز قامت في الصومال بدور عظيم حين أرست النظام وجمعت الضرائب وحلت النزاعات ووزعت الغذاء وراقبت النقد في الصحافة وحاكمت المشاغبين سياسيا في محاكم عسكرية.”

وأقصد من كل هذا أن اوضّح طبيعة سياسة الاحتلال التي يمارسها بشكل مختلف تماما في الإعلام حيث يتظاهر بالإعانات الإنسانية وحقوق الإنسان وبالتالي هذا يشكّل بيّنة على المعبّئين في عباءات الإحتلال والذين يهتفون بالشعارات الأمريكية والغربية عموما داخل البلاد.

النموذج الثاني العراق

نحن تماما أغنياء عما ارتكبه الإحتلال الأمريكي في العراق ولا أريد أن أتكلم عنها كتاريخ وإنما عن بعض الفجائع والوقائع الأليمة التي تحسّ الضمير فكانت والله مصيبة ما بعدها مصيبة والوقائع الأليمة التي ارتكبها الإحتلال على وجه معرفة أن هؤلاء لا عهد ولا وعد وأنهم أهلكوا الحرث والنسل مثل ما فعله التتار في بغداد وما ارتكبوه من الجرائم الوحشية في قتل النساء والأطفال وتدمير التراث الحضاري للأمة الإسلامية بأكملها بالتعاون مع بعض أمراء المسلمين حينذاك أمثال ناصر الأيوبي وأمير موصل وغيرهم من حكام الإمارات الإسلامية‘ ولم يكن من الغريب أن ينادي حاكم إمارة ميافرقين- في تركيا حاليا- بالجهاد رغم الظرةف والحصار الثلاثي من كل جهة لأن ذالك كان نموذجا مقثاليا لا يقبل التجريح ولا النقد ولأن الله يبعث من بين الأمم أناسا ملتزمين ومتمسكين بإسلامهم يهتفون بالحق وسط ظلمات الباطل.

كشف تقرير أعده أطباء عراقيون أن نساء مدينة الفلوجة أصبحن يشعرن بالهلع والخوف من الحمل والولادة وقررن إيقاف الإنجاب رحمة بأنفسهن وبمواليدهن, نتيجة آثار الحرب الأميركية الثانية علي الفلوجة في نوفمير 2004، واستخدمت فيها القوات الامريكية الأسلحة المحرمة دولياً ومنها قنابل اليورانيوم المنضب ومن جانبها قالت الناشطة الحقوقية العراقية أسماء الحيدري انه قبل الغزو الأميركي كانت هذه الظاهرة نادرة في الفلوجة، وبعد 2004 أصبحت الولادات المشوهة تسجل بمعدل حالة أو أكثر في اليوم.[2]

وبهذا أدعوا جميع أطياف الأمة بعدم الإنصياغ لمبررات الإستعمار الجديد في البلاد ومعاونية من خونة الدين والوطن وإنما يجب علينا السعي بأقصى الجهود بمقاومته فكريا وعسكريا حتى لا نكون شعبا يذكره التاريخ بالهمجية وذل العيش تحت ظلال الإستعمار بعد أن كان السيد محمد عبد الله حسن وغيره من أئمة الجهاد في الصومال رموزا عطرة للعزة والكرامة والنضال.

ومما أود أن أنوه إليه أن لا نرجع أسباب فشلنا كلها للمؤامرة الخارجية وإنما علينا أن نفكّر بالدرجة الأولى في نفوسنا وتزكيتها بحب الدين ثم الوطن وهكذا نستطيع أن نبني جسرا من الأمن والوحدة والعيش الكريم فوق بحيرة الإحتلال والإستعمار وأن نحترم الآخر ونعطيه الحق في تقرير مصيره.

التصارع العالمي نحو الصومال… الواقع والمآلات

يبدو أن هنالك الكثير من علامات التعجب حول الإهتمام العالمي الذي بدأت شرارته من مؤتمر لندن أو كما أسميه- مؤتمر برلين الثاني- لتقسيم بترول وموارد الصومال والذي تحدث عنه بالتفصيل الأستاذ محمد الأمين في تقريره الخاص وبالتالي يشكل هذا المؤتمر-في رأيي- بداية هيمنة جديدة على الصومال بالرغم من تبريرات البعض لهذا المؤتمر بمسوغ أنها قد تفتح مجالاً أو بابا من الإنفتاح العالمي أو الإستثمار الأجنبي في البلد‘ هذا بالإضافة إلى الإنتقادات الشديدة التي يوجهها البعض للحركات المسلحة في جنوب البلاد والذي جعلهم يؤيدون كل صالحةٍ وهاويةٍ ضد هؤلاء مما قد يشكل تصاعد مؤيدي هذا المؤتمر .

إن تركيا التي تبنت الوجه الثاني للمؤتمر قد تكون أقل تأثيراً وأكثر اهتماما بالقضية الصومالية-بصرف النظر عن مصالحها التي قد تكون قريبة للمعقولية- هذا بسبب عدّة عوامل أولها أن الشعب التركي شعب مسلم حكم العالم الإسلامي قرونا من الزمن‘ وبالتالي تشاركنا الأخوية في الإسلام وغيرها من مقتضيات الدين الإسلامي مما قد يعتبر عاملاً مهمّاً يجب إلهامه عند تفسير إيجابية أو سلبية الدور التركي المتصاعد في الصومال وثانيا تركيا هي الدولة الوحيدة التي حقّقت ونفّدت في كثير مما توعدت به ولهذا قامت بأدوار ستُذكر في تاريخ الصومال في الوقت الذي يشهد البلد معارك وحرب عصابات أساسها الكرّ والفرّ.

وبناء على كل هذا فإن العملية السياسية والإهتمام العالمي بالصومال قد تُدخل البلد بداية حقبة جديدة من التدخل الأجنبي والمعاناة بالعلم أن أمريكا واثيوبيا وغيرها من الأعداء لا يقومون- مهما كانت الظروف- مؤتمرا أو هيكلا إصلاحيا في الصومال لأن مصالح هؤلاء تزول مع قيام حكومة صومالية ذات سيادة كاملة على أراضيها يسودها الأمن والإستقرار والشورى والعدالة الإجتماعية وغيرها من أشكال ومعاني الإسلام الجليلة.

صومال الغد التي ننشدها

إن البعض قد يفسّر بكثرة الكلام حول المستقبل الذي ننشد إليه كلاماً تأخذه الرياح في مكان سحيق أو أنه لا أسااس له من الواقع أو المستقبل القريب لكنني أؤمن كل الإيمان أن المستقبل آت للصومال ولأهله. وما حلّ بالبلاد من الأزمات إنما هي عبارة مما اكتسبنناها بأيدينا يقول تبارك وتعالى [وما كان ربّك بظلام للعبيد] وكذالك يقول عز من قائل [وكذالك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة…] فعلينا يا إخواني أن نراجع الكثير من الحسابات وأن نزكّي أنفسنا بالإسلام وبمعاني الإيمان وأن لا يكون مسلمين بلا إسلام بل علينا أن نتمسّك بديننا الحنيف للحيلولة دون إعادة ما صنعناه بأيدينا هذا على الرغم من شعارات العلمانيين والمنتسبين إلى الديمقراطية الغربية الذين يدعون إلى الفجور والرذيلة فتارة يدعون إلى الديمقراطية والحرّية المطلقة وغيرها من الشعارات البلهاء وتارة يدعون إلى نبذ الحرية وكبت الشعوب التي تختار للإسلام دستورا ودينا فهؤلاء أفعالهم إنما هي كسرابٍ بقيعةٍ يحسبة الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا.

إن صومال الغد التي ننشدها هي صومال يسودها الرخاء والأمن والتكافل الإجتماعي بعيدة عن الحروب والمناوشان أو الإحتكاكات السلبية بين أهاليها بالإضافة إلى شعبٍ صومالي منظّم بالدرجة الأولى في كل أحواله يجعل من الدين زمام وقاعدة أموره ثم يكون لديه الروح الوطنية التي تؤمن بحق الدفاع عن الدين ثم الوطن.

وأخيرا أختم كلامي بهذه الكلمات التي وإن كانت لإنسان إبتدائي إلا أنها ممزوجة بعاطفة صادقة وبحلم يراود صديقه في كل حين.

أسبح باسم الله الرحمن
وأصلي على النبي الأمين
وأعلم أن للبلدان صوت
في رنين القلوب أصداء
فلي مع الصومال دهرٌ
قضيت فيه أجمل الأيام
فالجسم في غربةٍ إلا أن روحي
في وطن يناديني من كل فجّ
أيا صومال أبشري بخير
فإن لك رجال ستلقاهم
حلمٌ ولكنه حياتي
أن للصومال مستقبل باهر
تكون فيه نجمة عالم
يسوده التكافل والإخاء
وتبقى في الأفق نادية
بوحدة أوطان الإسلام
وقد كنا نردّد ألحانا
بلاد الإسلام أوطاني
وأن لي وطنٌ حبيب
له أدعوا وإليه أنتسب
وكنت أنشد للعلم مدائحا
مثل رمز العُلا رمز الوطن
وكان أبي في صغري يحدّثني
معالم دولة الصومال
وكنت أقول أنني سأبحر
لمقديشو وبوصاصو وبيدوا
فلما كبرت لم أجد لكل هذا
محمل صدق ولا واقعا
وجاء صديق من بلادي يسائلني
أيا سعيد هل أنت مجنونُ؟
وصار يردّد بعض أقواله
أننا انفصلنا عن الصومال
وحينئذٍ تذكرت مقولة الهشام
لماذا الفرقة الحقاء تحكمنا؟
فقال لي أليس الوطن الذي
حرمك من حقوقك جمعاء
فقلت له يا أخي إن للبلد جرج
يؤلمه كداءٍ عطال
وخذ للصومال نموذجا
لبلدٍ يداوي جرحه منفردا

وأحببت أخيرا في هذا الصدد أن أنوّه أن الأفكار التي أكتبها ليست إلا آراء من نفس بشرية غير معصومة جبلها الله على الخطأ والنسيان فما جاء في هذا المقال من خير فمن الله وما جاء فيه من شر فمني ومن الشيطان وأسأل الله أن يوفقنا بما فيه مرضاته وهداه وأن يجعلنا جميعا من الذين يفعلون ما يقولون.

---------------- هوامش -----------------------
  1. يمكنك الرجوع إلى كتاب النظام العالمي الجديد للأستاذ نعوم تشومسكي‘ الطبعة الثانية أغسطس 2009. []
  2. http://www.arabi.im/showthread.php?t=96651 []

تعليق واحد

  1. الاخ سعيد بارك الله ……..زز والله مقال ممتع

%d مدونون معجبون بهذه: