مؤتمر لندن ضيافة أم إضافة؟

أعلنت الحكومة البريطانية في ديسمبر من العام الماضي أنها ستستضيف مؤتمرا دوليا حول الصومال في 23 فبراير 2012 في مبادرة أطلقها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وسيشارك في المؤتمر- بالاضافة إلى الوفود الصومالية – أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية من الدول المانحة والمهتمة في الشأن الصومالي، ومن أبرز الشخصيات الدولية التي ستكون حاضرة في المؤتمر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردغان وأمين عام الجامعة العربية نبيل العربي ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون، والجدير بالذكر أن مؤتمر لندن يأتي بعد تزايد الاهتمام العالمي بالشأن الصومالي في الآونة الأخيرة، وذلك بالتزامن مع تحقيق الحكومة الانتقالية نجاحات مهمة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية في العاصمة وغيرها من الأقاليم.

وسيناقش المؤتمر القضية الصومالية بكل جوانبها وأبعادها وتعقيداتها، وهو الأول من نوعه الذي يعقد في أوروبا، ويختلف عن باقي المؤتمرات التي عقدت من أجل الصومال أنه ليس مؤتمرا للمصالحة الصومالية بقدر ما هو معني بوضع الاستراتيجية الدولية الأنسب للتعامل مع الأزمة الصومالية، والسير وفق هذه الاستراتيجية في المرحلة المقبلة، والمهمة الأبرز للمؤتمر هي كما يقول منظموه لفت انتباه المجتمع الدولي للأزمة الصومالية وحشد الدعم اللازم للحكومة الصومالية وتسليط الضوء على معاناة الشعب الصومالي طيلة العقدين الماضيين، وأنه حان الوقت لمساعدة الصوماليين على الخروج من دوامة العنف والإرهاب والقرصنة والمجاعة، حيث أن المجتمع الصومالي بات مستعدا لحل أزمته أكثر من أي وقت مضى، ولذلك يجب على المجتمع الدولي أن لا يضيع هذه الفرصة كما ضاعت الفرص السابقة نتيجة المعالجات الخاطئة المبنية على فرضيات مغلوطة إما عن جهل وعدم معرفة في خبايا الثقافة الصومالية أو عن قصد وسوء نية لتصفية حسابات بين القوى الكبرى ليس للصوماليين فيها ناقة ولا جمل، وكانت النتيجة عدم تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في حفظ الأمن والسلم تجاه الصوماليين.

إن ما شجع بريطانيا لطرح مبادرتها في الشأن الصومالي هو أمران مترابطان:

تخوف بريطانيا من تداعيات الأزمة في الصومال، حيث أن الجالية الصومالية في بريطانيا كبيرة ومتنامية، ولحركة الشباب مناصرون وأتباع في هذه الجالية التي من الممكن أن تنفذ هجمات إرهابية في داخل بريطانيا.

نجاح حلف شمال الأطلسي في الإطاحة بنظام القذافي الذي كانت له صلات بالجماعات المتطرفة في العالم، وتؤمن بريطانيا أنه من الممكن القضاء على الإرهاب والقرصنة في الصومال في حال توحد المجتمع الدولي في القضية الصومالية، وذلك بتوفير الدعم اللازم للحكومة الصومالية لتكون قادرة على القيام بواجباتها في حفظ الأمن والسلم الدوليين.

انضمام حركة الشباب لتنظيم القاعدة

في خطوة مفاجئة في توقيتها وإن لم تكن مستغربة في أبجدياتها، أعلنت حركة الشباب اندماجها تنظيميا بالقاعدة في 9 فبراير الجاري قبل أيام قليلة من مؤتمر لندن في ما يبدوا للمراقبين أنه رد استباقي على ما سيصدر عن هذا المؤتمر ، وقد أعلن الناطق باسم الحركة رفضه لمؤتمر لندن واصفا إياه بالمكيدة والمؤامرة ضد المجاهدين والمسلمين، وقال متابعا إن هذا المؤتمر مخصص لتقاسم ونهب الخيرات والثروات الصومالية.

ويرى المتابعون للشأن الصومالي أن هذه الخطوة من حركة الشباب قصد منها رفع معنويات جنود الحركة المنهارة وللتخفيف من مقررات مؤتمر لندن المتوقعة، والحركة خسرت الكثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها، إضافة إلى فقدانها الموارد التي كانت تفرض على المواطنين تحت مسميات عديدة كزكوات ودعم ما تسميه المجهود الحربي للمجاهدين، كما أنها ترسل رسالة إلى القوات الحكومية والإفريقية العاملة في حفظ السلام لإرهابهم وتخويفهم بتنظيم القاعدة.

ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أنه في الوقت الذي قبلت حركة طالبان الحاضن الطبيعي لتنظيم القاعدة إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة ومع الحكومة الأفغانية نجد أن حركة الشباب تتصلب في مواقفها وتصعد من لهجتها وذلك بانضمامها إلى تنظيم القاعدة الذي ضعف كثيرا بعد مقتل زعيمه وعدد من قياداته، ويرى بعض المحللين أن تنظيم القاعدة هو المستفيد الأكبر من هذا الانضمام بينما حركة الشباب تستفيد من ناحية التمويل.

الجامعة العربية ومؤتمر لندن

عقدت الجامعة العربية اجتماعا حول الصومال في مقرها بالقاهرة على مستوى المندوبين لتنسيق مواقفهم قبل مؤتمر لندن بأربعة أيام، ويتوقع أن يضطلع العرب بدور محوري في القضية الصومالية في المرحلة المقبلة لما يمتلكونه من إمكانيات مالية كبيرة في الوقت الذي تتخبط فيه أوروبا والولايات المتحدة في أزمتهم المالية.

ومن المهم الاشارة إلى الدور العربي الإيجابي في حل الأزمة الإنسانية الأخيرة من المنظمات الخيرية العربية، وهو ما أشاد به الصوماليون وثمنوا الإغاثات التي أتت من أشقائه، إلا أنه يتطلع إلى الانخراط في الجهود السياسية التي هي الأساس لكل هذه المعاناة.

الجدير بالذكر أن تحرك الجامعة يأتي بعد التغييرات المهمة التي طرأت على المنطقة العربية من الربيع العربي الذي لا زالت حلقاته مستمرة، وهذه التحولات فعلت من دور الجامعة وحولتها من نادي الحكام إلى جامعة تهتم بالشعوب العربية وتطلعها إلى الحرية والديموقراطية، وفي هذا السياق فإن الشعب الصومالي يأمل من الجامعة العربية الدور الذي يستحقه من الاهتمام بقضيته أسوة بباقي الشعوب العربية.

الدور التركي في القضية الصومالية

يدين الصوماليون إلى الأتراك ورئيس حكومتهم رجب طيب أردغان بالكثير من الفضل للفته أنظار العالم إلى الصومال بالزيارة التاريخية التي قام بها إلى العاصمة الصومالية مقيشو في أغسطس من العام الماضي والتي فتحت الباب الذي كان موصدا وتتابعت وتلاحقت بعدها الزيارات الدولية إلى الصومال، وما مؤتمر لندن إلا ثمرة من هذه الزيارة ، ولهذا فإن أي جهد في الصومال لا بد وأن تكون أنقرة جزءا منه لسبقها في الساحة الصومالية ودورها المحوري والقيادي في حل الأزمة الإنسانية في البلاد، إضافة إلى تعهدها بتنفيذ الكثير من المشاريع التنموية والاستثمارية بعيدة المدى مع الحكومة الصومالية.

الأتراك حاضرون في المؤتمر بقوة، ويطرحون وجهة نظرهم في حل المعضلة الصومالية لما اكتسبوه من احترام الشعب الصومالي وذلك باحتكاكهم عن قرب للشعب الصومالي ومعايشتهم الظروف على أرض الواقع، وسينظمون مؤتمرا في اسطنبول لإعادة بناء المرافق العامة الحكومية من الوزارات والطرق والمستشفيات والمدارس.

الخلاصة

السؤال المهم الذي يتساءله المراقبون والمتابعون ما الذي يختلف في مؤتمر لندن هذه المرة ؟ هل سيكون مجرد ضيافة في فنادق خمسة نجوم أم فعلا مزيد إضافة ستغير من منحى الأزمة الصومالية ؟

الملاحظ أن الدولة البريطانية حضرت لهذا المؤتمر تحضيرا جيدا منذ ديسمبر الماضي، وهذا يشي بالأهمية التي توليها بريطانيا بنجاح المؤتمر لتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى إذا عرفنا أن الدول العظمى ليست بجمعيات خيرية تحتسب الأجر من الله عز وجل وإنما تحركها داوفع المصلحة الاستراتيجية البحتة، ولهذا فإن فشل المؤتمر ضربة قاصمة لظهر بريطانيا ولا يمكن أن تقبل به. ومن ناحية أخرى فإن الحكومة الصومالية تعلق آمالها العريضة في نجاح المؤتمر وترى فيه فرصة سانحة لوقوف المجتمع الدولي معها للقيام بوظائفها في حفظ أمن المواطنين واستقرارهم ولحصولها على الموارد اللازمة لهذه المهمات.

وأخيرا فمن الأهمية بمكان الاشارة إلى تشكك كثير من المثقفين والمواطنين من نوايا بريطانيا الحقيقية في مبادرتها في غضون أنباء تتردد عن اعتزامها إدخال الصومال تحت الوصاية لكونها دولة فاشلة بإمتياز في انتهاك واضح لسيادة الصومال وأخبار أخرى تشير إلى تقسيم الصومال إلى دويلات ضعيفة ومتنازعة، وكل هذا سيتضح في الأيام القليلة القادمة إذا كانت هذه المخاوف في محلها أو هي مبالغات صحفية ، ويقول الشاعر العربي طرفة ابن العبد:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود

تعليق واحد

  1. لا اعرف لماذا نحن المسلمون نعول على الغرب كثيرا؟!!!
    طز ومليون طز في امريكا وبريطانيا! وطز بالذي يرمي بنفسه عليهم مثل بائعة الهوى عندما ترى بعض الدراهم!!!
    الامة الاسلامية امة استقلال وليست امة تبعية واسال الله تعالى ان ينصر الشعب الصومالي على اعدائه من الغرب والحكومة الموالية

    ——
    يقية التعليق تم حذفه من قبل المحرر لمخالفته لشروط التعليق. (المحرر)

%d مدونون معجبون بهذه: