مؤتمر جرووي التشاوري بين المأمول والمعقول

نظمت الأمم المتحدة الجولة الأولى من المؤتمر التشاوري للمصالحة الصومالية في الفترة من 4-6 من سبتمبر لعام 2011 في العاصمة الصومالية مقديشو، على أن تستكمل الجولة الثانية في جرووي حاضرة إقليم بونتلاند الصومالي، بعد سلسلة مؤتمرات المصالحة الصومالية في الخارج، والتي بلغ عددها عدد سنوات الأزمة في الصومال منذ بداية التسعينيات.

شارك في المؤتمر جميع الأطراف الفاعلة على الساحة الصومالية من الحكومة الانتقالية الفدرالية والبرلمان والمجتمع المدني وعلماء الدين وأعيان العشائر والمنظمات الشبابية والنسائية، للوصول إلى رؤية مستقبلية لحل المعضلة الصومالية، وبناء الدولة الديموقراطية وتحقيق الأمن والاستقرار والمصالحة الوطنية وكتابة الدستور الدائم والتداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية وإحترام حقوق الإنسان وحرية الإعلام.

بعد أربعة أيام من النقاشات المحتدمة والخلافات المريرة، توصل المجتمعون الى خارطة طريق لحل المعضلة الصومالية، تتكون من بنود أربعة، وهي:

  1. تحقيق الأمن والاستقرار
  2. تعزيزالمصالحة الوطنية
  3. كتابة الدستور
  4. ممارسة الحكم الرشيد

حيث تعهد المؤتمرون أن يعاودوا اجتماعهم في مدينة جرووي للخروج من المأزق الراهن، والأفق المسدود على الحل في الصومال.

والآن وقد بدأت الجولة الثانية من المؤتمر في جرووي، والذي يحظى برعاية الأمم المتحدة وبتأييد المجتمع الدولي، فالسؤال الذي يطرح نفسه ما هو المأمول من هذا المؤتمر ؟ وهل يستجيب لتطلعات وآمال جماهير الشعب الصومالي في الاستقرار السياسي والاقتصادي ؟، والمواطن البسيط فقد الثقة في السياسيين الحاليين ومل وسئم من استمرار الأزمة في بلاده ولسان حاله يتمثل بقول الشاعر :

بلادي وإن جارت علي عزيزة… وأهلي وإن ضنوا علي كرام

لا يعول كثير من المتابعين والمحللين للشأن الصومالي على لقاء جرووي، للخروج بنتائج حاسمة وملموسة لأسباب كثيرة، منها التباينات الشديدة في المواقف بين الفرفاء الصوماليين، وحجم الأزمة في البلاد واتساعها أفقيا ورأسيا، إلا أن المحللين ذاتهم يقرون بان اللقاء فرصة كبيرة للوصول إلى حلول توافقية ومحاولة جيدة لتعميق ثقافة الحوار وتكريس الديموقراطية بإبداء الرأي والرأي الاخر، وجسر الهوة بين الاطراف المتباعدة على قاعدة التعاون في المشتركات قبل الشروع في الامور الخلافية والمثيرة للجدل.

إن غياب حركة الشباب عن العملية السياسية ورفضها المشاركة في الحكومة الفدرالية الانتقالية، وإصرارها على خروج القوات الافريقية العاملة لحفظ السلام في الصومال يعد أهم وأبرز التحديات التي تواجه الحكومة إلى جانب الخلافات الموجودة لمكونات الحكومة والبرلمان الحاليين، والجمود السياسي الذي يمارسه بعض السياسيين لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، وهذا ما يعطل اداء الحكومة في المجالات المختلفة.

ويمكن تلخيص أهم الخطوات المنتظرة من هذا المؤتمر، هي إصلاح البرلمان كما ونوعا، إذ أن عدد أعضاء البرلمان الحالي يبلغ 550 عضو، وهذا عدد كبير جدا بالنسبة الى الصومال الذي لا يتجاوز عدد سكانه العشرة ملايين نسمة، وخاصة إذا أخذ في الإعتبار ضعف الموارد نتيجة الكوارث الطبيعية والبشرية المتتالية في العقدين الأخيرين، كما أن أغلب البرلمانيين الحاليين لا يتمتعون بالكفاءات اللازمة لعملهم، سواء الكفاءات العلمية والمعايير المهنية والاخلاقية.

كما أن الأولوية الأخرى أمام المؤتمرين، هي إنهاء الفترة الانتقالية بحلول آب /أغسطس من 2012 وإنتخاب برلمان جديد على أسس ومعايير جديدة، تقوم على الكفاءات والبرامج الوطنية، وسيقوم البرلمان بدوره بإنتخاب رئيس للبلاد تكون مهمتة الأولى تسمية رئيس الحكومة والذي بدوره يشكل حكومة جديدة تنال ثقة البرلمان حسب الميثاق الوطني المعمول به في الوقت الراهن، وهو تحد إذا قدر له النجاح فإنه كفيل بخروج الصومال من أزمته وتحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي وتدفق الاستثمارات الأجنبية.

ومن المؤكد أن وقوف المجتمع الدولي مع الصومال والمساعدة الفعالة في العملية السياسية ضروري للتقدم الذي أحرز في الفترة السابقة، والمضي قدما نحو حلحلة الأوضاع السياسية المعقدة، بعد تجاهل طويل للوضع في الصومال، وهذا ما نلاحظه في الزيارات الأخيرة التي قامت بها شخصيات دولية، بدءا بالزيارة التاريخية التي قام بها دولة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردغان إلى العاصمة الصومالية مقديشو في أغسطس 2011، وصولا إلى الزيارة المهمة لمعالي الأمين العام للأمم المتحدة بان غي مون للعاصمة في العاشر من ديسمبر 2011، وهي أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة منذ عام 1993، حيث قام الامين العام الأسبق بطرس غالي بزيارة الصومال في ذلك العام.

الصوماليون يتطلعون الى دور عربي ملموس في المجال السياسي، وخاصة بعد النجاح العربي الذي تحقق في المجال الإنساني في أزمة الجفاف والمجاعة الاخيرة وما لقيه من إشادة من المجتمع الصومالي بكافة فئاته وأطيافه، إن الدور العربي في الصومال يمكن أن يسهم في التوصل إلى حل شامل ونهائي في ظل الظروف والمستجدات التي تمر بها الأمة العربية، مما أصطلح علي تسميته بالربيع العربي الذي إجتاح الدول العربية، والتحركات المصاحبة لهذا الربيع العربي من جامعة الدول العربية في أكثر من دولة عربية.

في ضوء ما تقدم فإن المأمول من هذا المؤتمر التشاوري ليس بالأمر السهل والهين، والذي يمكن حله في أيام معدودة، وإنما يحتاج إلى لقاءات عديدة ومزيدا من التشاور، إلا أنه يمكن إعتباره خطوة في الإتجاه الصحيح، ويمكن البناء عليها مستقبلا بصورة أشمل وأكثر عمقا.

ومن المعقول أن لا ينتظر أي مراقب أو باحث في الشأن السياسي الصومالي، أن يخرج المؤتمرون بوصفة سحرية جاهزة، لتطبيقها على أرض الواقع، ولكن المنتظر هو الحد الأدنى من النجاح، وحتى أن بعض المحللين يعتقدون بأن مجرد إنعقاد المؤتمر في جرووي يعد نجاحا، بالنظر إلى اللغط الذي حدث في أزمة البرلمان، حيث أن بعض أعضاء البرلمان إجتمعوا أثناء غياب رئيس البرلمان في زيارة رسمية إلى إيطاليا وأعلنوا عزله، ما أدى إلى شكوك في إنعقاد المؤتمر من أساسه، إلا أن إصرار القيادات العليا في البلاد وتمسكها بالمؤتمر هو الذي حسم الأمر.

هل ينجح مؤتمر جرووي التشاوري وينقل الصومال من مرحلة إلى أخرى، ويكون مفصلا يكون ما بعده ليس كما قبله ؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام القادمة، فانتظروا إنا منتظرون!

3 تعليقات

  1. بعد سلام.
    اري انهم ليسو جديين انهاء المشاكل التي بينهم كالصوماليين اولا.
    واعتقد انهم مثل العصافير التي تجتمع تحت الاشجار فى النهار، وعندما يقترب منها شخص تطير كل واحدة على جهة لا يعرفهاالآخرون .
    والدليل على دالك انهم اتفقوا على اللا يتفقوا حتي تشرق الشمس غربا .
    وهناك فرقاء يريدون اغتصاء سياسة البلد من شماله الى جنوبه .

    اشكرا كثيرا اختي عبد الرحمن على طرح فكرتك الغالية .

  2. أستاد عبد الرحمن….. أشكرك جزيلا الشكر علي هذا المفال التحللي الرائع وانا شخصيا وبدون مبالغات اتفق معك في هذا التحليل ……..

  3. مواطن بونتلاندي

    إن عقد هذا المؤتمر في بونتلاند دليل على استقرار وأمان بونتلاند ، بعكس ما يشيعه بعض المتحاملين على بونتلاند .
    حتى أن الشباب الارهابيون من غيظهم وحنقهم هددوا بالهجوم على المؤتمر ، ونسوا أن في بونتلاند جيشا وشعبا قويا وقادرا على حفظ أمنه واستقراره

%d مدونون معجبون بهذه: