التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي عبر بوابة كينيا

شكلت “عملية مومباسا” بكينيا طعنة حقيقية لجهاز الاستخبارات “الإسرائيلي” بالخارج “الموساد”، ليس فقط بسبب ضرب هدفين إسرائيليين في آن واحد، ولكن لكون كينيا تمثل معقل رجال “الموساد” ومركز انطلاق إلى باقي دول القرن الأفريقي ومنطقة البحيرات، خصوصاً أن جهاز الاستخبارات “الإسرائيلي” قد كثف من وجوده بالتعاون مع الولايات المتحدة في كينيا بعد استهداف السفارة الأمريكية بنيروبي عام 1998 وذلك بحجة مكافحة الإرهاب.

لا يمكن وصف الحالة التي انتابت قادة “إسرائيل” بأقل من ( الصدمة ) نتيجة الضربة القوية التي استهدف بها مقاتلون من تنظيم القاعدة فندق سياحي يملكه رجل أعمال إسرائيلي وكذلك إطلاق صاروخين باتجاه طائرة “إسرائيلية” تقل 270 راكباً في طريقها إلى تل أبيب.فقد قال رئيس مجلس الأمن القومي “الإسرائيلي” ” أفراييم هاليفي ” يجب على إسرائيل أن تعتبر العملية في مومباسا وكأنها انتهت بكارثة”.وقد اعترف “الإسرائيليون” بفشل جهاز الموساد حيث عبر الأمين العام لحزب العمل “أوفير بينس” عن هذا الفشل بقوله للإذاعة العامة ” لقد فشلت أجهزت الاستخبارات في تحذير الإسرائيليين الذين كانوا في مومباسا من الإعداد لتنفيذ هجمات في حين كان الأستراليون والألمان والأمريكيون على علم بذلك”.

البدايات الأولى للتغلغل “الإسرائيلي” بكينيا

بدأ التغلغل الصهيوني في كينيا قبل عهد الاستقلال، أي في فترة حكم الاستعمار البريطاني. ففي عام 1913 عرضت بريطانيا علي الحركة الصهيونية مشروعاً يقضي بإقامة وطن قومي لليهود في كينيا، وعليه بدأت هجرة بعض الأسر اليهودية إلى المنطقة بينما عملت الحكومة البريطانية الاستعمارية علي استقطاع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لصالح الأسر اليهودية التي وصلت إلى الأراضي الكينية.

لقد جاء في كتاب (صهيون في أفريقيا ) الذي صدر عام 1968 عن صحيفة (جويش قايبلشين سوسيتي) أن “تشمبرلن” وزير المستعمرات البريطانية حث “ثيودور هيرتزل” زعيم الحركة الصهيونية علي توجيه جهود الحركة إلى شرق أفريقيا لإقامة استيطان يهودي هناك.

وبالفعل وصلت مجموعات يهودية منذ ذلك الحين بغرض تحويل كينيا إلى وطن قومي لليهود، إلا أن الفكرة رفضت بعد تداولها في الحركة الصهيونية كما رفضت مشاريع أخري لإقامة “الوطن القومي” في أوغندا وجنوب السودان، حيث تم إرساء مشروع الوطن القومي في فلسطين.

ومنذ المرحلة الأولي للهجرة زاد عدد اليهود المهاجرين إلي كينيا عن ستة آلاف شخص ظلوا علي علاقة تربطهم مع المنظمات اليهودية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. أما التقديرات الحالية فتشير إلي وجود ثلاثة آلاف أسرة إسرائيلية هناك، بالإضافة إلى وجود معبد يهودي في ضواحي نيروبي.

العلاقات السياسية

بعد استقلال كينيا بشهر واحد فقط وانتخاب جومو كينياتا رئيسا لها، قامت غولدا مائير رئيسة وزراء “إسرائيل” بزيارة إلى كينيا وتقدمت لكينياتا بهدية شخصية، فكانت تلك المناسبة فاتحة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وترسخت العلاقة فيما بعد حتى افتتحت سفارة “إسرائيلية” بنيروبي.

لقد ارتبط كينياتا بعلاقات وطيدة مع زعماء إسرائيل خصوصاً بن غوريون وغولدا مائير وأشكول. كما استطاع الكيان الإسرائيلي أن يشكل قاعدة عريضة من الموالين له من الصفوة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية ممن كانوا قد تلقوا تعليماً وتدريباً في “إسرائيل”.

تنشط السفارة “الإسرائيلية” في الأنشطة الخيرية وعمل ملاجئ الأيتام بقصد توفير وجه حضاري “لإسرائيل”. هذا وقد نشط حاخامات اليهود هناك في التبشير لليهودية مما سبب اعتناق آلاف الكينيين للديانة اليهودية فكان لهم أثر ونفوذ سياسي قوي وقد كانوا ذراع “إسرائيل” في كينيا بل في الدول الأفريقية المجاورة.

النشاط الاستخباري والعسكري

يهدف الوجود “الإسرائيلي” في كينيا إلى تشكيل محور استخباري ( نيروبي ـ أديس أبابا ) يمكن لإسرائيل من خلاله تطويق الأمن القومي العربي عموما، وتهديد الأمن المائي المصري بغرض ممارسة الضغط علي مصر. وذلك عبر اختراق ما يسمى بدول ( الاندوجو) وهي الدول المطلة على نهر النيل.

لقد توج النشاط الاستخباري “الإسرائيلي” في كينيا عام 1976 بعملية انطلاق الكماندوز “الإسرائيلي” من كينيا الي أوغندا لاقتحام طائرة تابعة لشركة آير فرانس، والتي كانت تحمل 83 إسرائيلياً من إجمالي 229 راكباً اختطفتهم مجموعة فلسطينية بغرض مبادلتهم بأسري فلسطينيين.

وفي أعقاب تفجير السفارة الأمريكية في كينيا عام 1998 نشط جهاز الموساد في العمل بكينيا تحت مبرر مكافحة الإرهاب.

وقد ظلت الاستخبارات “الإسرائيلية” تدير عملياتها في أفريقيا انطلاقاً من كينيا. ومن أهم هذه العمليات الاتجار بالسلاح للقوى المتمردة وجلب الماس وبيعه من خلال الشركات البلجيكية إلى أوروبا، ودعم أنظمة الحكم الدكتاتورية، وكذلك دعم الحركات المتمردة الموالية للولايات المتحدة، كما حصل مع حركة يونيتا في أنغولا، والتي أنهت تمردها باتفاق سلام مع الحكومة.

هناك عدد كبير من المستشارين والخبراء الإسرائيليين يعملون في صفوف القوات الكينية لتدريب عناصرها ومدهم بالسلاح خصوصاً “سلاح الطيران” وهذا يتضح من خلال أسلحة الجيش الكيني – إسرائيلية الصنع – خصوصاً الطائرات والزوارق الحربية والمدفعية والأجهزة الإلكترونية ومعدات الاتصال.

اختراقات اقتصادية

يحتل آلاف “الإسرائيليين” مراكز اقتصادية مهمة في كينيا خصوصاً في التجارة وأعمال الصيرفة وإدارة المزارع والمشروعات الخدمية.

وتحتكر الشركات “الإسرائيلية” معظم الأنشطة الاقتصادية في كينيا، حيث يتضح ذلك من خلال فوز هذه الشركات بعقود بلغ إجمالي قيمتها عام 1981 إلى 250 مليون دولار. وفيما يلي أهم الشركات “الإسرائيلية” في كينيا وميادين عملها:-

  1. شركة “سوليل بونيه” – وتتفرع هذه الشركة من شركة سوليل بونيه للبناء- الشركة الأم- منذ عام 1957 أي مع بدء الغزو “الإسرائيلي” للقارة الأفريقية. وتعمل في عدة مجالات تتعلق بقطاعات التشييد، منها شق الطرق وإقامة المطارات والموانئ وتشييد المباني السكنية والحكومية.
  2. شركة “أجريد أب” وهي شركة متخصصة في مجال تطوير الزراعة، ووجدت هذه الشركة أرضاً خصبة لنشاطها في القارة الأفريقية خصوصاً في مجال استصلاح الأراضي وإقامة المزارع التجريبية واستخدام الوسائل الزراعية الحديثة وطرق الري المتطورة، وقد أوفدت الشركة عدداً من خبرائها للعمل في تطوير مشروعات زراعية في كينيا وغيرها من الدول الأفريقية. كما ذكر “يهوشاع تدمور” المحرر في صحيفة دافار أن مشروعات تقدر قيمتها بمئة مليون دولار تم تنفيذها فقط في مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية، وكان يترأس هذه الشركة ” أدموني ” المسؤول السابق عن الاستيطان في الوكالة اليهودية.
  3. شركة “كور” – وهي من أكبر المجمعات الصناعية التي يملكها الهستدروت ” نقابة العمال” وتقوم بإنتاج المعدات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية والمعدنية ولها نشاط بكينيا.
  4. شركة “كور سحار” – تعمل في مجال التصدير ولها فرع في كينيا وذكر المسؤول المالي في الشركة “نفتالين بلومنتال ” أن صادرات الشركة إلى الدول الأفريقية تشكل 10% من مجموع الصادرات “الإسرائيلية” إلى الدول الأفريقية.
  5. شركة “موتورلا” – وتتخصص هذه الشركة في مد شبكات الكهرباء والمياه، وتوريد أجهزة السيطرة المائية، وبدأت الشركة نشاطها عام 1968 في غانا ثم امتد نشاطها الى عدد من دول غرب وشرق إفريقيا من ضمنها كينيا.
  6. شركة “تروم أسيست” – وهي شركة لإنتاج المباني الجاهزة وقد بدأت هذه الشركة نشاطها في السبعينيات حيث تقوم بتزويد عدد من الدول الأفريقية وعلى الأخص كينيا بالأبنية الجاهزة ومنها الفيلات وتحتفظ الشركة بعدد من الموظفين التابعين لها في كينيا وغيرها.
  7. شركة فنادق إفريقيا ” ملونوت ” وهي شركة للهندسة المعمارية تقوم ببناء الفنادق والاستراحات لتشجيع السياحة، وأنشأت هذه الشركة فنادق ومراكز سياحية في كينيا.
  8. شركة “موشي مئير” – وهي شركة للمقاولات الإنشائية تقوم هذه الشركة بتنفيذ مشروعات كإقامة الفنادق والمسابح، وحصلت الشركة على مناقصات تقدر ببضع ملايين من الدولارات، كمشروع بناء رفييرا ومسابح في كل من النيجر ونيجيريا وكينيا وغيرها.
  9. شركة “كرمل” للمواد الكيماوية وتختص بإنتاج المواد الكيماوية، لها مشروعات في شرق أفريقيا وبلغت استثماراتها في كينيا حتى منتصف عام 1971 مبلغ 170 مليون دولار.

إن اختيار كينيا بالذات لتنفيذ عمليات تستهدف الوجود الإسرائيلي فيها، إنما يعني ضرب الحلم “الإسرائيلي” في أعتى معاقله الأفريقية، وأن الموساد “الإسرائيلي” لم يعد قادراً على حماية المؤسسات الصهيونية أو المواطنين الذين يحملون الجوازات “الإسرائيلية”، ولا حتى مجرد التكهن والتحذير من وقوع هجمات تستهدفهم، كما يشير إلى فشل التعاون الأمني بين المخابرات الأمريكية وجهاز الموساد خصوصاً منذ عام 1998 أي بعد تفجير السفارة الأمريكية بالعاصمة نيروبي. الأمر الذي يدعو للتكهن بوقوع المزيد من هذه العمليات خصوصاً بعد تعهد القاعدة – الجهة التي أعلنت مسئوليتها عن الهجوم – بشن مزيد من الهجمات.

* مركز الراصد للدراسات في الخرطوم

2 تعليقان

  1. لا لثقافة النسيان تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل ودور العرب بقلم يوسف حجازي

  2. يا اخي اتقي الله اول دولة تعاملت مع اسرائيل فى العالم هي مصر والتبادل التجاري بالمليارات وتصدير الغاز والاستثمارات وتفكيك دول القرن الافريقي والمؤمرات ضد الصومال مع دولة عربية كبرى حتي لا يستخرج الصومال بتروله وكذلك لسرائيل علاقات قوية مع دولة قطر والمغرب وكل الاستخبارات الاسرائيلية تحرس اليوم الاسر المالكة والممالك فى دول الخليج .
    قلت فى المقال “يهدف الوجود “الإسرائيلي” في كينيا إلى تشكيل محور استخباري ( نيروبي ـ أديس أبابا ) يمكن لإسرائيل من خلاله تطويق الأمن القومي العربي عموما، وتهديد الأمن المائي المصري بغرض ممارسة الضغط علي مصر. وذلك عبر اختراق ما يسمى بدول ( الاندوجو) وهي الدول المطلة على نهر النيل.
    تهديد الامن المائي المصري اثبت المصريين عندما قاموا بزيارة الى اثيوبيا والاثيوبيين بانها كانت خدعة حسني مبارك المخلوع العميل الاسرائيلي.. اتدرى ان سد الالفية او ما يعرف بسد النهضة فى اثيوبيا انتهت دراسة الجدوى عام ١٩٦٤ ولكن مصر واسرئيل اتفقا على تجميد هذا العمل بان تقوم مصر بعرقلة الوحدة العربية وعدم تحقيق حلم الفلسطيين بدولة وتقوم اسرئيل بالضغط على البنوك العالمية لكي لا تمول هذا المشروع ..هذه هي الحقيقة يا اخي .
    وتعلم جيدا اذا قرات الكتاب المسموع : سري جدا / عمليتي موسى و سبأ
    تأليف : محمد مكاوي
    أسرار تهجير يهود أثيوبيا (الفلاشا) ودور المخابرات الإسرائيلية والأمريكية ودور بعض الشخصيات العربية وحكومة جعفر نميري
    يهود الفلاشا يتناول فضيحة تهجير يهود الفلاشا عبر الأراضي السودانية في عهد الرئيس جعفر النميري .
    وكان قد أصدر مركز “الزيتونة للدراسات والاستشارات” كتاباً جديداً بعنوان “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا: السودان نموذجاً”، للباحث عامر خليل عامر.
    كما يتناول الكتاب رؤية “إسرائيل” للسودان كدولة، مستعرضاً تاريخ علاقة “إسرائيل” مع السياسيين السودانيين، التي يشير إلى أنها بدأت في وقت مبكر من عقد خمسينيات القرن الماضي، موضحاً أن الحرص الإسرائيلي على إقامة علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع السودان تركّز من خلال استراتيجية إسرائيلية أساسية مفادها توظيف “إسرائيل” للعلاقة مع السودان في عهد الرئيس السابق جعفر النميري في تهجير يهود الفلاشا.
    اتدري ان اول دولة قامت بطرد السفارة الاسرائيلية هي اثيوبيا فى السبعينيات كانت اثيوبيا ولكن ما قامت به مصر بتوقيع اتفاقية كام ديفيد نسف حلم الافارقة وعادت اسرائيل مرة اخرى الى افريقيا وهذه حقيقة مهمة جدا ويجب ان تعلم يا اخي العزيز العرب اول من قاموا بخداع الافارقة ..وكانت النتيجة سقوط الامبراطور وتدمير اثيوبيا بالحروب الاهلي لمدة اكثر من ٣٠ عاما

    وقول الكاتب “إن اختيار كينيا بالذات لتنفيذ عمليات تستهدف الوجود الإسرائيلي فيها” يا اخي ابحث عن هذه المعاقل فى الدول العربية فى منتجعات لبنان وسوريا ومنتجع شرم الشيخ فى مصر والابراج فى دول الخليج وليس كينيا الفقيرة والخ .
    واثبتت اسرائيل تواجدها الاقتصادي والدبلوماسي في كل من اثيوبيا واريتريا وكينيا والسودان واوغند وجيبوتي وتحركت تجاه الصومال تحت غطاء انساني حيث اقامت في هذا البلد مراكز عدة لتقديم مساعدات للصوماليين عبر صناديق عديدة تدعمها المنظمات الصهيونية العالمية ومنظمات باسماء عربية كذلك وانت تعلم ذلك .
    واخيرا علمنا ان العقيد معمر القذافي كانت له علاقات سرية وتعاون مع دولة اسرائيل اهلا وسهلا والكثير قادم ..اذن كيف نطالب الافارقة بعدم التعاون مع اسرائيل حرم والله .واذا ضربنا الحلم الاسرائيلي فى افريقيا من الذي يضرب الحلم الاسرائليي الكثيف فى الدول العربية المختلفة !!

%d مدونون معجبون بهذه: