على نار هادئة

من عجائب الصدف أنني كنت البارحة قد نشرت مقالا حول ضرورة الدعم العربي للشعب الصومالي، و كأن القدر يثبت لي أننا و ريثما نحن نتحدث، فإن الأخر في الطرف الثاني يعمل ويحقق وينجز، فسمعت مساء اليوم في نشرة الأخبار العربية من البي بي السي، أن رئيس الحكومة الكيني (أودينجا) قد قام بزيارة لدولة إسرائيل، ووعدته رئاستها بما يسره ، فقد كان طالبًا دعمها في حربه التي تقودها قواته منتهكة السيادة الصومالية، على حركة الشباب، في ظل حكومة الـ(لا حول ولا طَول) القابعة في حصونها، فوجدت أنه قد أصبح شعبنا، جاهزًا أن يطبخ تمامًا بعد أن تم نقعه في (خل) الفوضى لعقدين، كيف لا وقد اكتمل وضع الأثافي الأربع للنار، التي ستحرقه حتى يفقد الحس والوعي.

فعن يمينه حكومة بكل محتواها عبارة عن دمى عديمة القدرة قليلة الهمة، عاجزة حتى عن الخروج من دائرة الاستجداء، منساقة في المؤامرات الداخلية حقيرة الأهداف، دنيئة المرامي قصيرة النظر، فكأنها نعجة حارس لباب حظيرة نعاج، تحبس أخواتها لتلقى التقدير والثناء من الذئب، الذي أقرها على دورها الموغل في الدناءة.

وقد كان واضحًا ماهيتها منذ اليوم الأول، ليلة وضعوا الشيخ الأسير شريف، مرشحًا للرئاسة ـ هكذاـ بقدرة قادرٍ، ناهيك عن المسرحية المقززة، التي كان المذكور جزءًا منها، فإما يا شعب الصومال المسكين تقبل بالشيخ الأسير، أو نوكلكم لابن الرجل الذي خرب الدولة، وجعلها نهبًا لكل من ركب ثورة الشعب، وهم يعلمون أن هذا الشعب قد اكتفى من العيش تحت نير العبودية، بعد أن غدت البلاد مزرعة للجنرال وأبنائه والمقربين والزبانية والمنافقين والجلادين لعقدين أظلم من جحر ضب، فكان ذلك العرض أشد مناظر الاستخفاف بشعبنا بعثًا على الغثيان.

والناس حينها كانوا لازالوا يضحكون ـ في سذاجة ـ من منظر المحتل الإثيوبي والجنرال ابن يوسف الذي دعاه، وهما يتزاحمان ويتصارعان على المخرج الحرج الذي تسنى لهما، بعد أن بلغت قلوبهما الحناجر، ممثلة بالمبادرة الجيبوتية للخروج من البلاد، تداركًا للخسارة الفادحة الفاضحة التي منيا بها في كرامتهما وشرفهما ، ويضاف إلى ذلك الخسائر المالية والبشرية، التي مني بها نظام ملس، ما قاد لتوتر في العلاقة مع الضامن للعملية، وأعني بذلك إدارة المأفون بوش الابن.

أما الإثفية الثانية الموضوعة بعناية واقتدار، فكانت حركة الشباب الإسلامية، وقد تحولت فجأة إلى فصيل متورط في الصراع السياسي الدنيئ، وأصبح لهم قنوات تمويل مجهولة، غير ما كان حين كان الرجال يتبرعون بقوت أبنائهم لهم، وكانت النساء تنزع حليها، لتجهيز مقاتل في سبيل الله، و بعد أن كانت مركز استقطاب لكل من يريد التضحية بنفسه في سبيل الله، ودفاعًا عن المستضعفين، والوطن والحرمات، فكأنما مسخ الله القوم، حتى استمرؤوا دماء المسلمين، يفجرون ما يفجرون، ويقاتلون في الأسواق والبقع المكتظة بالأبرياء، من نساء وأطفال وطلبة، وباعة ومتسوقين.

فانقلب الرضى إلى سخط عليهم، والدعاء لهم عليهم، تلعنهم إلى يوم القيامة كل قطرة دم سفكوها بلا ذنب ودون أي وجه حق، فأصبح جل دورهم من ناحية التسبب في ترويع الآمنين، متطورًا ذاك المنحى إلى التسبب ـ تحت أعينهم ـ بموت المتضورين جوعا من كارثة المجاعة، والعجز عن شراء الغذاء، التي انفجرت هذا العام، حين أمروا بما يمنع وصول المساعدات حينًا، وقيامهم إثر ذاك بحبس المحتاجين في المناطق التابعة لهم، عن الذهاب إلى حيث يوجد العون حينًا أخر، ومن الناحية الأخرى استمروا في ممارسة ذات الخطأ الذي دعى الإثيوبي لدخول البلاد، بسبب الاستفزاز والحرب الكلامية التي يجيدونها، دون أن تكون بين أيديهم أي أدوات لتنفيذ تهديداتهم، بما يتجاوز التفجيرات الجبانة، وهو ما جعلهم مبررًا قائمًا دائمًا، لدخول الأجانب بلادنا جيئة وذهابًا، دون أن يقدروا على صدهم، سوى بحرب المدن مختبين بين أبناء شعبهم، ومعرضين المدنيين الأبرياء مرة تلو أخرى للقتل والإصابة وقطع موارد الرزق الضئيلة أصلاً دون تورعٍ أو خشية من الله أو أي رادع.

ثم تأتي الإثفية الثالثة، وهي التجاهل العربي والإسلامي للمسألة الصومالية، ونحن مدركون أن بعضًا من أهم جوانب الأزمة الصومالية، كون البلاد محسوبة على العرب، إذ أنها عضو في الجامعة العربية، ومن حيث المبدأ كان الانضمام للجامعة العربية مسألة حيوية، وأساسية للشعب الصومالي، فله صلات قربى مع العرب، وهو محاصر في حدوده من قبل جارين، أحدهما ابن مدلل للغرب ذو غالبية مسيحية وأعني به كينيا، وقاعدة استخبارية مهمة للبريطانيين والأمريكان كذلك، والثاني إثيوبيا المفضلة لدى الغرب والشرق، لأنها تطبق باقتدار على خناق وادي النيل، ولولا أن الله منح بلادنا شواطئ طويلة، لفنينا بالحصار دون أن يدري بنا أحد.

ولا يخفى على القارئ لكتب الجغرافيا، أن الصومالييون يعيشون حالة من الاحتقان، قائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فشعبهم مفرق على جانبي حدود البلاد، وهم في كل من كينيا وإثيوبيا مواطنون من الدرجة الثانية، وولاءهم مشكوك بامره، كيف لا وقد اختاروا هم وغيرهم أن تكون سيادة الأرض التي يسكنونها صومالية منذ ترسيم الحدود، فوجب عليهم هم وصوماليي الداخل دفع الثمن باهظًا، دون أن يجدوا حليفًا، او مبادرة فعلية تجعل المتآمرين على بلدنا، يحسبون حساب من هو واقف مع الصوماليين، يدعم سياسيًا و أمنيًا حقوقهم في العيش الكريم.

فكل ما يطلبه الصوماليون اليوم، برهة من الزمن تمكنهم من العمل على استخراج خيرات بلادهم، دون أن تجتاحهم المصائب والنكبات كلما قامت لهم قائمة، ونحن كذلك نرى الأيادي الاجنبية تمول الفئات المحاربة للاستقرر، وحالة العمالة الواضحة لمعظم مكونات المؤسسة الحكومية الضعيفة أصلا، فجل ما يطلبه الصومالي اليوم، تقوية الجيش الصومالي بحيث لا يعود من داعٍ لأي شكل من أشكال الوجود الأجنبي، وتجفيف موارد حركة الشباب، عبر تتبع مصادر تمويلها وتسليحها وقطع الطريق عليها، وإلقاء القبض على المتورطين حيثما كانوا، ومحاكمتهم بجرائم الحرب ضد الإنسانية وتمويل الإرهاب.

الإثفية الرابعة وتلك التي أحب أن أسميها (أم الأثافي) ، هي سلبية الشعب الصومالي، وانسياقه خلف كل ناعق، خاصة أن مشكلة التحيز القبلي، و ما تفرزه من التعصب الأعمى لمن يحبون الظهور كرموز للفئة التي ولدوا منها، فهناك أمور يجب حلها و حلحلتها، فالتحالف مع الأجنبي جريمة تدنو من الخيانة العظمى، وإن كانت الحكومة الحالية تمارسها دون خجل أو حياء، وحالة التجييش القبلي الحاصل في الأقاليم، إنما هي استغلال للروح الحرة لفئات الشعب، واستثمار حالة انعدام الثقة، وتدنيس للحرمات وخروج واضح عن الشرع.

ولا تخفى علينا الجرائم اليومية المرتكبة في الأقاليم الوسطى وبونت لاند، بهدف تدعيم امتيازات فئات على حساب أخرى، وليست جريمة قصف أحياء في جالكعيو من قبل قادة بونتلاند عنا ببعيد ، وليس ما يقوم به رئيس أرض الصومال من لعبة قبلية قذرة سوى، نتيجة لرد الفعل القبلي الذي أدى لترجيح سلفه ـ المتنفع القابع في أديس ـ إثر الانتخابات السابقة، والذي أدى في المحصلة، إلى نجاحه فيما بعد في الانتخابات الأخيرة، والاحتقان العشائري الحاصل نتيجة لدخول المال السياسي الفاسد المفسد، إلا عارضًا أكثر رقيًا وسلمية لذات المرض المزمن.

إننا نحن الصومالييون، نتنفس هواءًا عابقًا بالفساد الفكري، والبعد عن قيم الحق والعدالة، وكل ذلك يلوث أوراحنا، مهددًا السلم والاستقرار القائم في بعض ربوع بلادنا، و يهدد مستقبلنا جملة بالخطر، لأنه يجعلنا عرضة للكثير من الابتلاءات والمصائب، وقد آن الأوان للاعتراف بالجرائم والأخطاء، لنفتح مع الله و انفسنا والوطن صفحة جديدة، قد تمد في أمد تمتعنا بحريتنا، ما أمد الله لشعبنا في الوجود.

حتى ذلك الحين لا نستغربن أن قد أصبح الجسد الصومالي المقطع الأوصال، جاهزًا للطبخ وقد نصبت القدر الكينية تحملها كافة الأطراف المذكورة، لتبقى مستقرة مكانها و إن اهتزت تلك الأوصال في نزعها الأخير، والمخابرات الغربية تشرف على الطبخة، وتزن لها ما تحتاجه من ماء وملح وبهار، والتجاهل ينفخ النار تحتها، والأطراف المتنازعة قد جمعت على ظهورنا ـ نحن ـ ما يكفي من حطب، لتنضج وتصبح عماد الوليمة القادمة، التي تتداعى الأكل لقصعتها.

4 تعليقات

  1. المشكلة ايها الاخوة انني على الوجه الخصوص احترت في الامر الصومالي .. ولا اعرف من المفروض ان يكون او ما هي مؤهلات الرئيس القادم للصومال والذي نبتهل الى الله عز وجل ان تنصلح الامور على يديه ..
    1. هل هو النموذج الدكتاتوري ؟
    2. أم الاسلامي وانا ارفض رفضا تاماً لهذا النموذج لاننا بطريقة او باخرى سنشوه الاسلام ومضار هذا النموذج اكثر من نفعه .
    3. ولم يبقى لنا إلا الرجل السياسي وهذا رجل مطاطي فاليوم يكون في مائدتك وغداً في مائدة غيرك وليس له حدود ؟

    لذا ارى اننا نحن – سياسين وشعباً – ادمغتهم لم تنضج بعد وأننا مثل الاطفال الذين يلهون باكياس الدواء ، ولا يعلمون مدى خطورة هذه الادوية ، وعليه أرجه النموذج الدكتاتوري .. يا رجل حتى في حواراتنا نحن في اسفل القائمة .. وا اسفاً على نفسي وعلى قومي ..
    تحياتي لك استاذ محمود .

    • محمود محمد حسن عبدي

      سرني جدًا تعليقك
      ولفت نظري استفسارك حول الشكل المطلوب لحل المسألة الصومالية:
      ـ بتصوري الشخصي البسيط ، أن تجريب المجرب يدل على عقل مخربن والدكتاتورية جابت خبرنا، فليست خيارًا.
      ـ موضوع الإسلاميين، مسألة ذات حدين، بداية إذا كنا نتحدث عن حركة الشباب، فقد قطعوا كل حبل للتعاطف معهم، وأخرسوا كل لسان كان يلهج بالدفاع عنهم، لكن الرغبة في تطبيق الشريع التي تعتمد في تنفيذها القوي الحكيم والأمين، هي المظلة الوحيد لجمع شتات الصوماليين، وهنا سنصطدم بالمجتمع الدولي، الذي لن يطيق نجاح تجربة إسلامية، تعيد النظام إلى بقاع استطونتها الفوضى، الخلاصة أن ممثل التيار الإسلامي في الصومال مرفوض لأنه خالف الشريعة بسفك الدم الحرام، وأي طرف مدني جديد لتطبيق الشريعة أيل للخفاق لأن النظام الدولي الجديد لن يسمح له أو للراغبين فيه الاستمرار والنجاح ولو كلف ذلك أرواح ملايين الأبرياء.
      ـ أما من يسمون أنفسم بالساسة فليسوا ساسة، لماذا لأن السياسة هي فن الممكن، فما الممكن الذي يحاولون الوصول إليه وهم يجيرون مصلحة الوطن لإشباع رغباتهم في الألقاب، وتحقيق المكاسب من صفقات مشبوهة؟.
      الخلاصة نتابع وندعو ونثق بقوله تعالى(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)﴾ [الرعد]

  2. في السياسة ليس هناك مقدسات أو قواعد ثابتة ، إنّما هي مصالح ، والاختيار بين السيء والأسوء .
    ألاحظ – أيها الكاتب المبدع – أنك ناقم على كل التفاصيل الوضع الصومالي منذ الاستقلال وحتى اليوم وربما إلى الأبد ، لأنّ ابجديات السياسة الصومالية نابعة من واقع الانسان الصومالي وطريقة تفكيره ورؤيته المستقبلية .

    الحكمة مقدمة على الشجاعة دائما إلا في الوضع الصومالي ، فالشجاعة مقدمة على الحكمة ، وعندما لا حظ الرئيس عبدالله يوسف انفلات الأمور من يديه استقال بشجاعة وترك الساحة ، ولم يستمع لمستشاريه المنتفعين .
    الرئيس شريف عليه أن يمتلك الشجاعة التي لم يمتلكها يوما ، وعليه أن يستقيل ويترك السلطة لغيره ، فقد فشل وأفشل الاسلام السياسي ، وكشف عورة المتأسلمين عندما يصلون للكرسي .

    • محمود محمد حسن عبدي

      ملاحظتك إلى حد بعيد في محلها، لكنك أخفقت في افتراضك أنها أبدية، كما أنك أخفقت في تأويل سببها، إنني مؤمن تمامًا بخصوصية الوضع الصومالي، بل مؤمن بخصوصية الأوضاع الصومالية، ونقدي للممارسات الفاسدة في كل أقليم على حدة، ما هي إلا مقارنة بما كان قائمًا، وبين ما هو حاصل، أما مسألة الشجاعة التي أوردتها، فهذا رأيك، لكن التاريخ سيبقي الجنرال عبد الله يوسف مثالًا لمن لم يكن بحجم المنصب الذي فعل المستحيل للوصول إليه، و إن حارب لأجله ثلاثة عقود، ومن ثم أدخل العدو لعاصمة بلاده شأن العلقمي، وكان في خدمة قاتل أبناء شعبه شأن فيشي، ولماذا فعل ذلك ؟ لأن المحاكم الإسلامية جلبت مالم يستطع أن يأتي به عبدالله يوسف، جاءت بالأمن والأمل، ودمر الجنرال كل شيء لأن مصلحة الشعب لم تكن على مقاسه، لقد انحاز جنرالك الشجاع لأمراء الحرب الفاسدين، وعليه فقد أصبح عبئًا على مقام الرئاسة، وأصبحت حياته وحياة حاميته في خطر، فانسحب عائدًا لمسقط رأسه ثم المنفى الاختياري، ولو سألتني من الشجاع من رؤساء عصر الفتنة لقلت البروفسور عبدي قاسم صلاد حسن، الذي حاصره أمراء الحرب لأنه أبدى ما يليق برئيس من استقامة.

%d مدونون معجبون بهذه: