عرض تقرير “الشاهد الدوري” حول الإسلاميين الصوماليين .. من الهامش إلى مركز الأحداث (٤)

إنهارت سلطة المحاكم الإسلامية فى الصومال أمام قوات الإحتلال الأثيوبى بعد ستة أشهر فقط  من حكمها، وسقطت سقوطا مدويا خلال أيام قليلة، وتفككت بنيتها وتلاشت مؤسساتها واختفت رموزها من الساحة الصومالية بصورة فاجئت الجميع، لتدخل الصومال بين عشية وضحاها تحت الإحتلال الأثيوبى، وبعد أيام من سقوط سلطة المحاكم بدأت تظهر تحركات عسكرية عشوائية من بقايا قوات المحاكم، يقول عنها محمود يوسف موسى الأستاذ فى جامعة هرجيسا :أن الناس ظنوها فى البداية حركة المذبوح التى سرعان ماتزول تحت ضربات القوات الأثيوبية وقوات الحكومة الإنتقالية المدعومة منها، غير أن هذه الحركات بدأت تنتظم وتنتشر فى كثير من المناطق الصومالية، وبعد فترة وجيزة أصبح لها جناح سياسى، يجمع إسلاميين بجانب وطنيين، ومن هنا تم تشكيل كيان سياسى عسكرى قاد نضالا وطنيا لتحرير الصومال من القوات الأثيوبية المحتلة، وسمى هذا الكيان نفسه “تحالف إعادة تحرير الصومال “،وقد نشط فى الساحة السياسية والدبلوماسية، وكانت له فى الميدان ميليشيات تقاوم وتقاتل الإحتلال، وكان خليطا من عناصر المحاكم الإسلامية وعناصر قبلية ووطنيين وإسلاميين من فصائل شتى، إلى جانب حركة الشباب التى إنفصلت من جسم المحاكم، وكان هدف المقاومة هو الجامع لهذا الطيف العسكرى .

وأصبح لهذه المقاومة حضورا قويا فى الميدان، مما اضطر الحكومة الأثيوبية والجهات الداعمة لها إلى أن تراجع حساباتها، مما مهد السبيل للإعتراف بالمقاومة كجهة سياسية لاغنى عنها فى تهدئة الأوضاع وترتيب البيت الصومالى من جديد، ومن ثم فتح المجتمع الدولى لها الأبواب لتحاور الحكومة الإنتقالية، وتشارك فى تسوية سياسية تخرج المنطقة من التوترات، وهو ماحدث بالفعل بعد سنة ونصف من المواجهات الدامية بين المقاومة الصومالية والقوات الأثيوبية .

ومما ساعد فى تشكيل وترتيب المقاومة الصومالية عسكريا وسياسيا بصورة سريعة هو نجاة قادة المحاكم الإسلامية الذين تمركزوا فى المناطق الجنوبية من الصومال، واستطاعوا لملمة شملهم وتجميع أسلحتهم ومعداتهم، مما مكنهم من نقلها مرة أخرى إلى مقديشو، كما ساعدهم كذلك إنتشار القيادات التى خرجت من الصومال إلى مناطق مختلفة من العالم، حيث أصبحت مصدر تمويل وبناء علاقات مساندة للمقاومة فى الداخل .

تشكيلات متوازية وتعثر

ويرى الباحث الصومالى محمود يوسف موسى أن هذه الجهود لم تخل من بعض التعثرات، التى أدت إلى قيام تشكيلات متوازية، تعمل فى ميدان المقاومة، دون أن يكون بينها تنسيق، حيث آثرت حركة الشباب عدم المشاركة فى لجنة المقاومة، بعد رفض إقتراحها الذى دعا إلى تأسيس تنظيم جديد يحل محل إتحاد المحاكم، وبالرغم مما شاب هذه المرحلة من عيوب فى تكوين المقاومة إلا أن المحصلة النهائية أنها إستطاعت إجبار قوات الإحتلال الأثيوبى على الرحيل من الصومال،ويعود ذلك إلعدة أسباب، أولها هو التعاطف الشعبى الكبير من الشعب الصومالى مع قوى المقاومة، وقد تجسدت تلك الثقة فى الدعم المادى والمعنوى الكبير للمقاتلين فى الميدان، وكذلك تأييد الجالية الصومالية فى المهجر، وماقامت به من تحركات دبلوماسية وتسيير مظاهرات حاشدة لكسب الرأى العام العالمى، مما أعطى المقاومة بعدا وطنيا وقوميا، تجاوز حدود العشائر والقبائل والمناطق، ووفر لها غطاء مكنها من الإستمرار فى عملياتها، حتى تمكنت من إجبار قوات الإحتلال على الرحيل .

و ساعد على ذلك أيضا الثقة فى نظام المحاكم وماحققته خلال فترة حكمها القصيرة من إنجازات، إضافة إلى الأرث النضالى والجهادى لدى الصوماليين ضد الإستعمار وتوافر الإمكانات القتالية، والأهم هو غياب أى مبرر منطقى للغزو الأثيوبى للصومال، الذى كان غزوا أحاديا وعاريا من الشرعية الدولية، وقد ادى ذلك إلى معارضة دولية لهذا لغزو، الذى جاء فى إطار مشروع إدارة الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الخاص بمكافحة الإرهاب، ولم تكن هناك قوة وطنية فى الصومال بإمكانها تبرير هذا الغزو أو الدفاع عنه، الأمر الذى أعطى للمقاومة قبولا فى الأوساط الإقليمية والدولية التى وقفت ضد الغزو الأثيوبى للصومال، وقد ألهبت العدوات التاريخية والحساسية القائمة بين الصومال وأثيوبيا خلال قرون عديدة المشاعر القومية لدى الشعب الصومالى، كما ارتفعت الأصوات داخل أثيوبيا بعد تزايد الخسائر فى صفوف القوات الأثيوبية بالصومال تطالب النظام الأثيوبى بترك الصومال وشأنها والتركيز على الشئون الداخلية فى بلاده .

لكن برغم كل هذه الفرص التى وجدتها المقاومة الصومالية إلا أنه كانت هناك مجموعة من العقبات أمامها وأبرزها وفقا للتقرير الذى أصدره مؤخرا مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية:غياب رؤية موحدة لدى الفصائل المكونة للمقاومة سواء على المستوى الفكرى أو مستوى الممارسة السياسية فى الميدان، وذلك أن التيارات الإسلامية والوطنية التى هبت للدفاع عن الصومال كانت تتفق فقط فى مواجهة الإحتلال الأثيوبى، ومن ثم كانت إجتهاداتها متباينة فى التعاطى مع التطورات  التى تشهدها الساحة، سواء من الناحية السياسية أو العسكرية، إضافة على ضيق الوعاء السياسى الذى احتضن المقاومة، إذ ان المكون الرئيسى للمقاومة كان إتحاد المحاكم الإسلامية، وبالرغم من النجاحات التى حققها فإنه لم يكن يتسع لمشروع سياسى عسكرى بإمكانه إستثمار التعاطف الذى وجدته المقاومة من القوى الإقليمية والدولية المناهضة لسياسة مكافحة الإرهاب، أو قيادة نضال عسكرى وسياسى .

ضغوط خارجية

وقد أدت الإستجابة السريعة للمجتمع الدولى لمطالب المقاومة وزجها بها قبل أن يكتمل عامها الأول فى أتون حراك سياسى ودبلوماسى إلى هزات عنيفة فى أطرها التنظيمية وجعلها عرضة لضغوط خارجية ومنازعات داخلية، إمهدت السبيل إلى التمايزات التى حدثت فى صفوفها، إضافة إلى ضغوط أريتريا التى استضافت المقاومة، والتى كان لها استراتيجياتها الخاصة تجاه التطورات بالمنطقة،وكان من الملاحظ أن أريتريا ترغب فى أن تظل المقاومة الصومالية ورقة رابحة فى يدها لتساوم بها مع خصومها على المستويين الإقليمى والدولى .

وبعد إنسحاب القوات الأثيوبية فى مطلع عام 2009 أصبحت الساحة الصومالية خالية لطرفى المقاومة الصومالية من الإسلاميين، الطرف الذى قبل التفاوض واستلم السلطة، والطرف الرافض الذى توعد أنه سيواصل القتال حتى النهاية، وبدلا من إستثمار هذه الفرصة التاريخية وتحويل النصر العسكرى الذى تحقق للمقاومة إلى نصر سياسى، والإصطفاف حول الدولة التى يرأسها الزعيم السابق للمقاومة الشيخ شريف شيخ أحمد وتصحيحها من الداخل، فضلت مجموعات من المقاومة المواجهة وحسم الأمور عسكريا مع رفاق دربهم فى النضال، ولم تجد النداءات المتكررة من العلماء ومن القطاعات المختلفة من الشعب الصومالى آذانا صاغية، وكانت النتيجة المباشرة لذلك أن تحولت الساحة الصومالية ال تى شهدت هدوءا نسبيا بعد إنسحاب قوات الإحتلال إلى ساحة معركة، تعج بموجات من الإقتتال والتناحر بين الأطراف الرافضة للصلح وبين الرئيس الشيخ شريف وقطاعات واسعة من قوى المقاومة للإحتلال التى أيدت الصلح .

ويرى الباحث الصومالى محمود يوسف موسى الأستاذ فى جامعة هرجبسا أن المقاومة الصومالية التى ظهرت كقوة فاعلة عسكريا وسياسيا فشلت فى تقديم مشروع إسلامى وطنى يمكن أن يخرج المجتمع الصومالى من المعاتاة الطويلة التى أنهكت حياته، ويقول :إنه يصعب على الدارس للحركات الإسلامية والمقاومة فى الصومال التنبؤ بمستقبلها السياسى، وذلك نتيجة إرتباطاتها الخارجية والإفلاس السياسى الذى تعانى منه، مما أورثها خلافات داخلية مزمنة، إضافة إلى المؤمرات الخارجية التى تفاقمت بسبب  تصرفاتها السياسية الضيقة، وإنشغالها بقضايا ثانوية صرفتها عن القضايا الإستراتيجية الكبيرة، ويتوقع الباحث أن العمر السياسى للتنظيمات السياسية الإسلامية ودورهم فى الساحة الصومالية لن يكون طويلا لعدة أسباب :أولها التدخلات الخارجية على المستويين الإقليمى والدولى،حيث يتفاقم بصورة متزايدة صراع المصالح والنفوذ بين القوى المختلفة فى الساحة الصومالية، مما سيزيد تفكيك وتشتيت البنى التنظيمية لهذه الحركات التى لم تتهيا بعد لمواجهة المخاطر المحيطة بوطنها، وثانيا بسبب ضيق الأطر التنظيمية وضيق الوعى السياسى لدى هذه التنظيمات، وثالثا بسبب الضباببية والغموض التى تكتنف البرامج والمشاريع التى ترغب فى طرحها، وكذلك عدم مطابقة سلوكها لما ترفعه من شعارات إسلامية، حيث تفتقر هى نفسها لتطبيق هذه الشعارات التى تدعو إليها، ولذا فإن مصير التنظيمات الإسلامية ومستقبلها السياسى فى الصومال مرهون بإستيعابها للتناقضات المحلية فى البيئة الصومالية والتطورات السياسية على المستوى الإقليمى والدولى والتعامل معها بحنكة والإستفادة من التجارب السابقة والراهنة .

معارضة الشباب المجاهدين

ومن جانبه يرى على عدو جبريل الكتبى الصحفى والباحث فى شئون شرق أفريقيا :أن أكبر تحد واجه إتفاقية جيبوتى التى أتت بحكومة الشيخ شريف هو معارضة معظم قوى المقاومة المسلحة لها المكونة من  تحالف إعادة تحرير الصومال جناح أسمرة ومجموعة راس كامبونى ومجموعة عانولى التى شكلت فيما بعد الحزب الإسلامى، بالإضافة إلى حركة شباب المجاهدين التى أبدت معارضتها القوية للإتفاقية، حيث عارضت هذه القوى أساسا التفاوض مع الحكومة السابقة بغض النظر عن النتائج التى تتمخض عنها، وهذه المعارضة لايمكن الإستهانة بها، ولم تال جهدا فى إفشال تنفيذ الإتفاقية وإفشال تحويلها إلى واقع ملموس فى الحياة السياسية والإجتماعية للمواطن الصومالى .

وقد وسعت حركة الشباب المجاهدين أقوى هذه الجماعات وأكثرها تطرفا عملياتها المسلحة عقب إتفاقية جيبوتى وتشكيل حكومة الشيخ شريف، وبسطت نفوذها على معظم مناطق جنوب الصومال وأحياء من العاصمة مقديشو، وهى تهدف من ذلك إلى خلق واقع على الأرض يجعل من تنفيذ الإتفاقية أمرا فى غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلا، وعلى الرغم من أن الإتفاقية تمت بتشجيع ورعاية الأمم المتحدة إلا أن الكتبى يرى ان المجتمع الدولى كان غير جاد فى إيجاد حل حقيقى للازمة الصومالية، فالإتفاق كان فى صيغته الأولية كان ينص على إرسال قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة تحل محل القوات الأثيوبية المنسحبة لسد الفراغ الأمنى، وقد بعث الطرفان اللذان وقعا الإتفاقية وفدا إلى إلى مجلس الأمن الدولى لتقديم طلب مشترك بخصوص ذلك، إلا أن الطرفين تيقنا فى النهاية من عدم إستعداد إستعداد مجلس الأمن لتوفير تلك القوات، مما حدا بهم إلى إعادة كتابة هذا البند فى صيغته الأخيرة، لتكليف قوات الإتحاد الأفريقى والمليشيات التابعة للحكومة وبحفظ الأمن بعد إنسحاب القوات الأثيوبية، ومن جانب آخر لم تتجاوز سياسة الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى تجاه الصومال هاجسها الأمنى من أن يصبح الصومال مأوى لمجموعات إرهابية تستغل فراغ السلطة، مع العلم أن جوهر الأزمة فى الصومال سياسى وليس أمنيا، ولكن الولايات المتحدة ليست راغبة فى الوقت الراهن لسبب أو لآخر فى إيجاد حل سياسى دائم للقضية الصومالية، وقد تكون هذه السياسة جزء من الفوضى الخلاقة التى وضعتها إدارة بوش الإبن لإدارة الصراع فى المناطق الساخنة من العالم، وبما أن الصراع فى الصومال لم يعد صوماليا، وإنما تتورط فيه قوى دولية وإقليمية لها مصالح متناقضة، فإن من الضرورة بمكان إشراك هذه القوة فى مسار التفاوض، إذ أنه بدون هذه المشاركة سيكون من الصعب تحقيق إنفراج حقيقى فى مصالحة وطنية صومالية ذات شأن .

زعيم لم يتشوه تاريخه

ويرى عبد الله عبد القادر محمد الأستاذ فى جامعة نيروبى :أن حكومة الشيخ شريف توافرت لديها فرصتان لم تتوافرا لأى من الحكومات الإنتقالية السابقة، وهى أولا العامل الداخلى المتمثل فى أنه ولأول مرة لم تكن هناك منطقة معينة أو قبيلة محددة تدعى أنها لاتعترف بالحكومة الإنتقالية أو تريد أن تحاربها بخلاف ماكان بحدث للحكومات الإنتقالية السابقة نويضاف إلى ذلك التاريخ القصير المشرق للشيخ شريف خلال ستة أشهر من حكمه عام 2006، فالرجل لم يكن زعيم حرب تشوه تاريخه، ولم يدخل فى صراع قبلى، سواء فى داخل عشيرته أو مع العشائر الأخرى، ومن جهة أخرى كان هناك تهيؤ فى المجال الداخلى، حيث كان المواطن الصومالى قد سئم من الحروب العبثية وتبعاتها الباهظة، وكان يبحث عن أى مخرج منها، أما العامل الخارجى فتمثل فى أن هذه الحكومة قد جاءت بعد أن استنفدت جميع المحاولات الأجنبية والتدخلات الخارجية بدءا بالتدخل الأمريكى فى ديسمبر عام 1992، الذى انتهى بفشل ذريع، ومرورا بزعماء الحرب الذين كانوا وكلاء لجهات خارجية، ثم توج التدخل الاجنبى بوصول عشرات الآلاف من القوات الأثيوبية مدججة بالسلاح، كما جاءت حكومة الشيخ شريف أيضا بعد فشل خمسة عشر مؤتمرا سياسيا عقد معظمها فى خارج الصومال، ورغم الإشارات العديدة التى تؤكد رغبة المجتمع الدولى فى دعم حكومة الشيخ شريف، إلا أن هذه الحكومة فى واقع الأمر هى فى موقع لايمكنها من الإستفادة من هذه الفرص بسبب المشكلات والصعوبات التى تواجهها، ومن بينها ما يتعلق بالإنسان الصومالى نفسه، وأخرى تتعلق بالمجتمع الدولى وبالحكومة الإنتقالية نفسها، والمشكلات التى تتعلق بالإنسان الصومالى تتعلق بجزء كبير من النخب الصومالية التى تحكم الآن أو تسعى إلى الحكم ليس لديها رؤى وطنية، كما أنها لا تمتلك مشروعا طموحا يحقق لها النجاح فى الأعمال الموكلة إليها، مما يعطيها فرصة الإستمرار فى المسرح السياسى، وهناك عاملان لايزلان يشكلان هاجسا بالنسبة لتلك النخب، وهو أولا العامل القبلى الذى يستخدم لأغراض شخصية، وأن السياسى الصومالى يستمد شرعيته من قبيلته وليس من وطنه أو من كفاءته الشخصية، وهذه المسألة لاتشكل عقبة لهذه الحكومة وحدها، بل كانت العقبة التى ساهمت كثيرا فى إنهيار الحكومات الإنتقالية السابقة، وقطعا ستسبب ضررا كبيرا فى بناء مستقبل صومالى تسوده العدالة وإحترام الإنسان، أما العامل الثانى فهو الإنتهازية، وهى التى تشكل الحافز الرئيسى لمعظم أو كثير من الذين يسعون لتولى مناصب فى الحكومة، وذلك أن فهمهم للسلطة والمسئولية يتمحور حول كيفية جمع أموال كثيرة تستخدم فى شراء المناصب لتشكيلات حكومية قادمة، وكأن كل واحد منهم موقن بأن الحكومة التى يعمل فى إطارها لامستقبل لها وأنها ذاهبة لامحالة .

الخطأ العظيم

أما المشكلات التى تتعلق بالمجتمع الدولى فتتمثل فى الأخطاء التى ارتكبها فى سعيه لحل الأزمة الصومالية، والخطا العظيم له يتلخص فى إيجاد ترتيبات لتشكيل حكومة خليط من أطياف كثيرة أقواها المقاومة الإسلامية مع حكومة عبد الله يوسف التى شارفت على الإنهيار، والمشكلة الأولى كانت إنقسام المعارضة حول الدخول فى مفاوضات مع الحكومة، مابين قائل أن هذه الحكومة سوف تزول ولاداعى للتفاوض معها، ومابين قائل أن هذه الحكومة مع ضعفها تتمتع بشرعية ومعترف بها دوليا، ولايمكن إزالتها بسهولة، وأن النظام الأساسى للتحالف لم يستبعد خيار السلام والدبلوماسية، والفريق الأخير مثل الاغلبية ووصف بالغعتدال برئاسة الشيخ شريف، وخاض المفاوضات مع الحكومة، وخرج رئيسا فى جيبوتى .

ويرى الباحث الصومالى عبد الله عبد القادر محمد الأستاذ فى جامعة نيروبى أن المجتمع الدولى كان يتوقع فوز نور عدى رئيس الوزراء فى حكومة عبد الله يوسف بالرئاسة، ورغم ذلك قبل بفوز الشيخ شريف بها بإعتباره اهون الشرين، وذلك لانه غير مصنف لديه فى خانة التطرف، كما ان لديه رصيدا شعبيا سيساهم فى تمكين الحكومة الجديدة على أرض الواقع، بالإضافة إلى رغبة المجتمع الدولى فى الخروج من المستنقع الصومالى الذى فشلوا فيه مرارا وتكرارا باقل الخسائر، ونظرا لأن الشيخ شريف لم يأت بإختيار المجتمع الدولى، كما أن خلفيته الثقافية وعلاقاته مع بعض الدول العربية مثل السودان وليبيا كان الغرب ينظر إليها بعين الشك والريبة، ولكن الشيخ شريف حرص من جانبه على توطيد علاقاته مع المجتمع الدولى من خلال تاكيده بأنه شخصية مستوعبة ومتفهمة للامور ذات الحساسية لدى القوى الإقليمية والدولية، ومن ثم قبل بإستمرار وجود القوات الأفريقية “أميصوم “فى مقديشو، وسكت عن تجاوزات الحكومة الأثيوبية وإعتداءاتها على الأراضى الصومالية، وشكل كل ذلك مؤشرا قويا لما تعرض له الشيخ شريف من ضغوط من قبل المجتمع الدولى ,وبالرغم من أهمية حرصه على تحسين علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية إلا أنه كان بإمكانه أن يفعل ذلك مع الإحتفاظ برصيده الشعبى، بل كان بإمكانه سخب البساط من تحت أقدام القوى المعارضة بأن يعلن فور إستلامه  للرئاسة عن جدولة إنسحاب قوات حفظ السلام الافريقية وتغيير قيادات الجيش والأمن فى الحكومات السابقة، وقد بررت قوى المعارضة عملياتها ضد الحكومة الجديدة بأن قوات حفظ السلام الأفريقية هى نفسها التى أعلن الشيخ شريف عليها الحرب قبل عامين نثم هاهو يتمسك بها اليوم ويدافع عن وجودها، واصفا إياها بأنها تحمى الحكومة الصومالية، والشىء نفسه ينطبق على بعض قادة الجيش الذين حاربوا المقاومة تحت رئاسة الشيخ شريف، ثم يستمرون فى حكمه وكان شيئا لم يكن، وبسبب هذه السياسات غير المتوازنة خسر الشيخ شريف رصيده الشعبى،حيث يشاهده المواطن الصومالى العادى محاطا بقوات الإتحاد الأفريقى وبقادة الأجهزة العسكرية والأمنية للحكومة السابقة، ويذهب إلى المطار بدبابات أوغندية، وربما أعطى هذا المشهد معارضيه فرصة للإستمرار فى عملياتهم المسلحة، بدعوى أن شيئا لم يتغير ,أنه يبيع القضية فى المزاد العلنى، وهناك تساؤلان يطرحان هنا بقوة نلما لم يضغط المجتمع الدولى على الشيخ شريف ليراجع زملاءه فى اسمرة ويصالحهم قبل مؤتمر جيبوتى، ولماذا لم تحدث تغييرات معقولة على أرض الواقع لدعم الشيخ شريف وتهيئة الجو له .

حالة عجز

أما المشكلة الثالثة فتتعلق ببنية الحكومة ذاتها، حيث عدم التجانس بين أعضائها، فهم لم يكونوا فى حزب واحد له برامجه،وليس لديهم برامج سياسية ونضالية مشتركة جعلتهم يتعارفون عن قرب بصورة قوية ومتينة، فضلا عن قلة الكفاءات العلمية للوزراء وأعضاء البرلمان وقلة الخبرة، وقد أعلنت حكومة الشيخ شريف تطبيق الشر يعة، ورغم ذلك إستمر معارضوها من رفاق الأمس من الإسلاميين فى إعلان الحرب عليها، وإستمرت هى فى حالة عجز عن أن تكون إدارة فعالة لحكم البلاد، وعن تحقيق إنجازات ملموسة فى الجوانب الضرورية للمواطنين فى مجالات الأمن والعدل والشئون الإنسانية والخدمات، وقد ظل النازحزن يقبعون فى أماكنهم إنتظارا للأمن والإستقرار الذى يعيدهم إلى مناطقهم الأصلية، وظهر داخل السلطة نفسها علامات توتر وخلافات كثيرة .

ويؤكد الباحث الصومالى عبد الله عبد القادر محمد الأستاذ بجامعة نيروبى رغم ذلك أن الفرص لازالت متاحة أمام حكومة الشيخ شريف، وأنها فى غالبها فرص لم تتوافر للحكومات الإنتقالية السابقة، ولكن هذه الفرص ترتبط بمدى تبنيها لسياسات محددة وواضحة تخدم المصالح العامة للشعب الصومالى، ويرى أن الفرص مازالت متاحة أمام الحكومة فى حالة تغيير وضعها الحالى، لأن المعارضة الإسلامية ليست قوية كما يبدو فى ظاهرها، وليس ذلك لأن المجتمع الدولى يناوئها ويصفها بالتشدد والإرهاب، بل لأن الإنسان الصومالى العادى الذى توقع كثيرا بقدوم الإسلاميين، ووقف فى البداية معهم واستبشر بمقدمهم خيرا، يراجع الآن موقفه من هذا الخطاب الدينى الإستئصالى الذى تتبناه المعارضة الإسلامية .وفى الحلقة الأخيرة الأسبوع المقبل نستقرىء مستقبل المعارضة الإسلامية المسلحة لحكومة الشيخ شريف .

%d مدونون معجبون بهذه: