عرض تقرير “الشاهد الدوري” حول الإسلاميين الصوماليين .. من الهامش إلى مركز الأحداث (٣)

نجحت المحاكم خلال فترة حكمها القصيرة فى:
•    نشر الأمن
•    هزيمة أمراء الحرب
•    إقامة العدل ورد المظالم
•    جولات تفاوض مع الحكومة برعاية الجامعة العربية
•    نفى صلتها بالقاعدة وطالبان
•    إزالة أكوام القمامة المتراكمة فى شوارع مقديشو
•    إعادة فتح الميناء والمطار الدوليين
•    إصلاح وترميم المبانى الحكومية ومراكز الشرطة

وفشلت المحاكم فى:
•    محاولات فرض مفاهيمها المتشددة للدين بالقوة
•    حظر الفنون والغناء والموسيقى ومشاهدة الأفلام
•    منع مشاهدة كأس العالم
•    منع بعض الموالد الصوفية
•    إنزال العلم الصومالى عند إستيلائهم على كسمايو وقتل 18 أسيرا جريحا
•    الإخفاق فى وضع برنامج سياسى أو إقتصادى ..وكانت الإرتجالية سيدة الموقف
•    استهانت بقوة أثيوبيا العسكرية فدحرت فى أسبوعين
•    التصريحات المضادة من قياداتها أرسلت رسائل سلبية للداخل والخارج
•    الخلاف الأيدولوجى بين المتشددين والمعتدلين وإنعدام الخبرة أضعفاها
•    قصور معيب فى فهم الواقع الدولى والإقليمى

بدأ الإهتمام الغربى بالمحاكم الإسلامية فى عام 1994،حيث استرعت إنتباه المتابعين للشأن الصومالى، بعد أن أثبتت قدرتها الفائقة على إعادة الأمن فى شمال العاصمة الصومالية مقديشو، وبدأت الإشارات إلى أهمية دورها والخوف من تنامى قوتها وإستغلالها من قبل القوى الإسلامية لإثبات جدارتها بالحكم، ويقول الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى مدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية : أن أثيوبيا هى التى غذت هذه المخاوف، وسعت إلى تضخيم خطر المحاكم الإسلامية وخطورة دورها، وربطت بينها وبين حركة الإتحاد الإسلامى التى حاربتها فى الأوجادين وداخل الصومال، إلى أن تمكنت من إقناع أمريكا بوضعها تحت قائمة المنظمات الإرهابية فى العالم، وكانت الهجمات الإرهابية التى لحقت بالسفارات الأمريكية فى نيروبى ودار السلام أيضا قد ساهمت بشكل جدى فى وضع الإتحاد الإسلامى ضمن اللائحة الأمريكية للتنظيمات الإرهابية.

ونظرا لدور المحاكم فى استتباب الأمن فى المناطق التى توجد فيها وإلتفاف الشعب الصومالى وزعماء العشائر حولها لم يكن من الممكن ضربها مباشرة بسهولة، فبدأ التعرف بهم عن كثب من قبل الإتحاد الأوروبى، الذين التقى ممثله بمسئولى المحاكم واستمع إليهم، وأخبرهم أن المجتمع الدولى لايريد التدخل فى شئونهم الدينية، ووعدهم بأنه سيبلغ تقريرا عن جهودهم إلى الجهات الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الصومالى، وطمأنهم بنفى أن يكون من ضمن الإتفاقية المبرمة بين أثيوبيا وحسين عيديد مايشير إلى الهجوم على المحاكم والقضاء عليها.

وفى هذا الوقت إزداد إهتمام الدراسات الغربية بدور المحاكم ومستقبلها فى الصومال، وخاصة بعد الدور الذى لعبته الحركات الإسلامية فى مؤتمر عرتة، ولم يغب فى التقارير التى كانت تصدرها الأمم المتحدة الحديث المتوجس عن دور المحاكم الإسلامية وإمكانية إتخاذ الإسلاميين من هذه المحاكم مطية للوصول إلى الحكم، وتابع المراقبون الغربيون المتوجسون خوفا من اى دور إسلامى سياسى فى الصومال مسيرة المحاكم الإسلامية إلى جانب دراستهم للإسلاميين فى الصومال بشكل عام، وقد وضعوا فى الحسبان إستيلاء الإسلاميين على الشأن السياسى الصومالى عن طريق المحاكم الشرعية، ولكنهم استبعدوا أن يتمكن هؤلاء من الإنفراد بالحكم، وفى تحليله لسيناريوهات ماستؤؤل إليه الأمور بعد إنتها الفترة الإنتقالية لحكومة عرتة التى رأسها عبد القاسم صلاد حسن وضع كين منخاوس خبير الشئون الصومالية “سيناريو الإسلاميين “،وأشار إلى إمكانية إستخدام المحاكم الإسلامية سلطة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن ونفوذهم فى الحكومة الإنتقالية، ولكنه استبعد أن يسيطر الإسلاميون على الحكم فى الصومال، مرجعا ذلك إلى طبيعة الثقافة الصومالية، التى لاترضى بالتطبيق الصارم للشريعة حسب رايه، ولعلم الإسلاميين بأن ذلك من شأنه أن يتسبب فى تدخل أثيوبى مباشر فى الشئون الصومالية، لما ستراه من تهديد لمصالحها، ورأى فى تحليله أن الإسلاميين رغم إختلافهم وتبايناتهم يتبعون إستراتيجية مشتركة طويلة الأجل لصالح إعداد المجتمع الصومالى لتقبل حكومة إسلامية فى نهاية المطاف، وإذا صح هذا الهدف فإن الإسلاميين سيستمرون فى تفضيل العمل تحت غطاء إدارات علمانية بدلا من التحدى السافر لها.

وكثفت الولايات المتحدة وأثيوبيا رصدها للمحاكم الإسلامية وتحركاتها وتطورها من قوة تقليدية قبلية إلى قوة ذات خطاب عابر لمعادلة القبيلة التى تحكم السياسة الصومالية، ولاسيما حين لاحظت أن الأشخاص الذين تتهمهم بالإرهاب وبالخصوص أولئك الذين كانوا قادة الإتحاد الإسلامى من قبل إندمجوا إندماجا عضويا مع المحاكم الإسلامية أو دخلوا العمل فى المجال المدنى بكثافة، وهو المجال الأكثر تاثيرا على المجتمع وأكثر كسبا لجموع الشعب، وكان قد بدا ملحوظا بعد تأسيس مجلس إتحاد المحاكم الإسلامية الذى ضم 11 محكمة من بين 14 كانت موجودة فى العاصمة مقديشو أن المحاكم فى سبيلها لأن تصبح قوة سياسية خارج إطار القبيلة التى ترعرعت فيها وكانت محكومة بتوازناتها، ويمكن فى أى وقت أن تثور عليها، حيث أصبح للمحاكم كيان مستقل وإدارة تنسق بينها ولاتخضع لسلطة القبيلة، وهنا أحس المتوجسون من المشروع الإسلامى بالخطر الداهم فبدأوا خطواتهم وإستعداداتهم لوضع هذا المشروع ضمن خطتهم لمحاربة الإرهاب.
ورغم الأخطاء الكبيرة التى تؤخذ على المحاكم الإسلامية خلال فترة حكمها القصير التى تبلغ ستة أشهر، فإنه يحسب لها أنها إستطاعت إعادة الطمأنينة للمواطنين

الصوماليين فأمنوا على أنفسهم وأموالهم، بعد أن بسطت نفوذها وسيطرتها الكاملة على معظم محافظات جنوب الصومال، والتى كانت تسيطر عليها فى السابق الميلشيات القبلية أو العصابات التابعة لأمراء الحرب فى مقديشو، إما لقطع الطرق أو الجباية أو تحصيل الإتاوات من العربات والناس، فعادت حركة المرور فى مقديشو إلى طبيعتها خلال فترة حكم المحاكم، ودبت الحياة فى شوارع ومناطق كانت مهجورة لأنها كانت مأوى للعصابات ومعاقل للمجرمين، كما تمكنت المحاكم من إعادة الثقة بالنفس لدى قطاعات واسعة من الصوماليين والإيمان بقدرتهم على تحقيق الأمن والسلام والتنمية دون مساعدة من أحد، ورفع هذا من طموحات الشعب الصومالى الذى بدأ يستعيد بعض أمجاده، وركز على عوامل وحدته، وكتب الكثير من الصوماليين قصائد تمجيد للوطنية والهوية الإسلامية والعربية ونبذ العنصرية والقبلية، ولقيت خطوات المحاكم برد المظالم ترحيبا شعبيا كبيرا، وأدى إلى وقوف كثير من المستضعفين معها.

وقد حرصت قيادات المحاكم الإسلامية على إخفاء رغبتها فى الوصول إلى الحكم، وكانوا يؤكدون فى أحاديثهم للإعلام على أن مهمتهم التى جاءوا من أجلها هى إقامة العدل والنظام ورد المظالم، وبجانب ذلك إعترفت المحاكم الإسلامية بالحكومة الإنتقالية ودعتها إلى الحوار والتفاوض فى جولات ثلاث فى الخرطوم برعاية الجامعة العربية عام 2006،وخارجيا حرصت قيادات المحاكم على النأى بنفسها عن الإرتباط بأى تنظيم خارجى، فنفوا علاقتهم يطالبان والقاعدة، بل ورد الشيخ شريف بنفسه عندما أصدر اسامة بن لادن شريطا يحاول فيه ربط مايحدث فى الصومال بتنظيمه، وحرصوا حرصا شديدا على نفى أن تكون الصومال ملاذا للإرهابيين، بل سنوا قانونا يساعدهم على معرفة هوية كل أجنبى يدخل البلاد ووجهته ومهمته، وحاولت بكل جهدها أن تعيد القضية الصومالية إلى محيطها العربى والإسلامى وتخرجها من يد أثيوبيا والإيجاد والغرب، ولكن الأنظمة العربية وفقا للباحث الصومالي محمد الأمين محمد الهادى: لم تتلقفها ولم تتفهمها بل توجست منها، خوفا من أن تكون عاملا لإيقاظ القوى المعارضة الداخلية فى بلدانها، ويقول الباحث الصومالى: من إيجابيات المحاكم الإسلامية خلال فترة حكمها أنها قامت بفتح وتشغيل مطار وميناء مقديشو الدوليين، بعد أن كانا مغلقين منذ إنسحاب القوات الأمريكية من الصومال عام 1995بسبب النزاع على إدارتهما بين أمراء الحرب، وأنها قامت بترميمهما وجعلهما صالحين للعمل، فأصبح كل منهما مفتوحا أمام الرحلات الدولية والملاحة العالمية، ويضيف :أن المحاكم نجحت كذلك من الناحية الإغاثية أثناء الفيضانات وفى إزالة الأكوام المتراكمة من القمامة فى شوار مقديشو ومن إصلاح وترميم المبانى الحكومية ومراكز الشرطة، وساعدها فى كل ماقامت به من إنجازات فى فترة حكمها الوجيزة التى لاتتعدى ستة أشهر رغم المصاعب والمخاطر والتهديدات التى كانت تواجهها داخليا وخارجيا وخلافا لما كان عليه حال الحكومات السابقة لها أنها كانت تحظى بدعم الشعب، وتحمل رسالة روحية أخلاقية، إضافة إلى إخلاص عدد من قيادتها.

ورغم هذه النجاحات التى حققتها المحاكم فقد كان لها العديد من الإخفاقات، فقد فشلت المحاكم فى التعامل مع الطبقات الإجتماعية المختلفة التى تشكل المجتمع الصومالى، فقد حاولت بعض عناصرها أن تفرض بعض مفاهيمها المتشددة للدين بالقوة مما سبب للمحاكم سمعة سيئة فى العالم، وحاولت بعض الدوائر الغربية والمعادين لها فى الصومال وخارجها إستغلال ذلك لتصويرها كنظام همجى غير واقعى أوطالبانى النزعة، ويقول الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى : أن هذه الممارسات كانت فى معظم الأحيان ترتكبها مجموعات وعناصر حركة شباب المجاهدين فى المحاكم، وعلى سبيل المثال لا الحصر قامت هذه العناصر بحظر الفنون والغناء والموسيقى وإغلاق بعض البيوت التى تعرض فيها الأفلام وتسمى مجازا بالسينما، كما قامت بمنع مشاهدة كأس العالم، وفرضت فهمها للدين فى بعض لمناطق بشكل متعسف جدا أغضب المجتمع، كما حدث فى مدينة براوة، حيث قامت بمهاجمة أكبر مولد صوفى للشيخ نورين بن أحمد صابر وهو من علماء وفقهاء القرن الثامن عشر، فضربوا الناس وفرقوهم بالقوة وصادروا المولد الكهربائى للمسجد وبعثروا الأطعمة التى توزع للزوار، وهددوا القائمين على المولد من إقامته ثانية، ولكن عندما وصل ذلك لقيادات المحاكم أبدوا اسفهم واعتذروا وأكدوا انهم لم يصدروا أوامر بذلك وسمحوا للناس بمواصلة المولد، وكانت هناك موالد تقام فى مناطق اخرى دون أن تعترض عليها المحاكم، بل وتقدم الشيخ شريف بعضها، وهذا يدل على أنه لم تكن هناك سياسة واحدة متبعة فى معظم القضايا، وانها كانت تعتمد على مزاج وفهم الإدارة القائمة فى هذه المدينة أو تلك.

ويرى الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى : أن من الخطايا التى اقترفتها عناصر المحاكم الإسلامية أنها أنزلت العلم الصومالى عندما استولت المحاكم على كسمايو، ورفعوا راية سوداء مكتوب فى وسطها كلمة التوحيد، وكانت هذه الراية غريبة على الصوماليين، فانتشر الخبر وظن الناس أن المحاكم ضد العلم وضد الوطنية الصومالية، وفى كسمايو أيضا قامت هذه العناصر بقتل 18 أسيرا جريحا من أسرى المعارك التى خاضوها ضد حاكم كسمايو قبل المحاكم برى هيرالى، حيث قتلوهم وهم راقدون فى المستشفى فى مدينة بؤالى، وأثارت هذه القضية ضجة كبيرة، ووعدت المحاكم بمعاقبة مقترفى هذه الجريمة البشعة، ولكن لم يسمع أحد أنهم فتحوا تحقيقا أو عاقبوا أحدا عليها، وتم التركيز على هذه الأخطاء فى الإعلام الغربى لتصوير المحاكم بصورة همجية بربرية .

ومن الناحية السياسية: أجمع الكثيرون ممن كتبوا عن المحاكم سواء من الموالين أو المعارضين لها أنها فشلت فى وضع سياسة أو برنامج سياسى يعبر عن إستراتيجية سياسية موحدة تنطلق منها، ولذلك كانت الإرتجالية هى سيد الموقف، ولولا أن الشعب كان يثق بها ثقة كبيرة لفشلت منذ أو يوم من حكمها، وكانت هذه الإرتجالية واضحة فى فوضى التصريحات التى تصدر من قادة المحاكم من الصف الأول والثانى، ولم يعين ناطق رسمى بإسمها بحيث تكون التصريحات موحدة، فكان كل واحد من قادتها يرى لنفسه الحق فى أن يصرح بما يشاء وقتما يشاء دون الرجوع إلى القيادة، مما خلق إضطرابا فى المواقف فى الكثير من القضايا الداخلية والخارجية، ففى نفس الوقت الذى كان يتحدث فيه الشيخ شريف أنه لن يهاجم المناطق الآمنة التى تقع تحت سلطة صومالى لاند أو بونت لاند، كانت هناك تصريحات مضادة من الشيخ حسن تركى ويوسف إندعدى، وكان الشيخ شريف يصرح أيضا أن المحاكم لاتريد فرض حكم إسلامى وأنه سيترك الشعب يختار النظام الذى يحكمه بينما كان الشيخ حسن طاهر أويس يؤكد أنهم يسعون إلى إنشاء دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية فى الصومال، وحينما كان يؤكد البعض من المعتدلين أنهم لايسعون إلى مهاجمة دول الجوار وأنهم يحترمون الحدود القائمة وأن كل مايهمهم هو إستعادة بلدهم الصومال، كانت قيادات حركة شباب المجاهدين أمثال آدم حاشى عير ومختار روبو يؤكدون أنهم يريدون توحيد المسلمين فى القرن الأفريقى فى دولة إسلامية جديدة، وهذا ماجعل الرسائل المرسلة إلى الخارج والداخل غير واضحة ومتناقضة وتنذر بالخطر حينا وتبعث الطمأنينة حينا.

وكانت خطوة التوسع العسكرى والوصول إلى مشارف بيداوا رسالة إلى الحكومة الإنتقالية بأن الخناق بدأ يضيق عليها، ورسالة أيضا إلى من يدعمها فى الخارج وهى أثيوبيا، وقد أدت هذه السياسة إلى نتائج عكسية إذ عجلت من الخطوات الأثيوبية لممارسة الإحتلال المباشر، بعد أن تأكدت أن قوات المحاكم على وشك أن تتبتلع حليفتها الحكومة الإنتقالية.

ومن الناحية الإدارية أخفقت المحاكم الإسلامية فى إنشاء إدارة مدنية للعاصمة مقديشو التى هى أول ماسيطرت عليها، وقد ذكر أحد قيادات المحاكم أنهم كانوا يؤجلون ذلك بسبب خشيتهم أن ينظر الناس إلى قبيلة من سيعين فى هذا المنصب، وأنهم كانوا يدرسون إسناد المهمة إلى رجل من الأقليات وليس ممن ينتمون إلى القبائل الكبيرة المتصارعة داخل العاصمة، وكانت الفوضى الإدارية ملحوظة حتى داخل المحاكم نفسها، ففى كثير من الأحيان من الممكن أن ترفض مجموعة من الشباب الأغرار مايصدر من أوامر من قيادة المحاكم أو تنفذ سياسات لم تستشر فيها أحدا، كما لم تقم المحاكم بالإستفادة من الكوادر السياسية والعسكرية والإقتصادية والإدارية الموجودة داخل الصومال مع إستعدادهم للعمل معها، وفسر بعض المراقبين ذلك بأن هناك عناصر من المحاكم حالت دون ذلك خوفا على مشروعها أن يغير مساره أو يستولى عليه آخرون.

ومن الناحية العسكرية ظنت مجموعات من المحاكم الإسلامية أن الإنتصارات التى حققتها ضد أمراء الحرب يمكن أن تتحقق حتى مع أثيوبيا، وأغرتها نشوة النصر فاستخفت بالقوة العسكرية لأثيوبيا، وكانت تصدر إشارات مقلقة من قبل بعض المتشددين داخل المحاكم توحى بأنها تشكل خطرا على أثيوبيا، ولم يكن قد سجل للمحاكم الإسلامية أثناء معاركها مع أمراء الحرب، وكان مؤكدا طبقا لذلك ونظرا للدعم الشعبى الذى اكتسبته أنه كان بإمكانها إبتلاع الحكومة والإدارات المحلية فى بونت لاند وصومالى لاند، وقد بدأت الأرض تهتز تحت اقدام هذه السلطات فأحست بالخطر أمام تقدم المحاكم الإسلامية، ولذلك زاد إرتماؤها فى حضن أثيوبيا، لكن الفشل العسكرى للمحاكم وعدم التخطيط والإرتجالية بدأت تتضح عندما ووجهت قواتها بالقوات الأثيوبية الغازية، التى لم تأخذ أكثر من أسبوعين لدحر قوات المحاكم من جميع البلدات والمحافظات التى استولت عليها ودخول العاصمة مقديشو بعد هروب قادة المحاكم إلى كسمايو، وتعقبهم على مشارف الحدود الكينية.

ومن الناحية الإقتصادية: فشلت المحاكم الإسلامية رغم نجاحها فى إعادة فتح المطار والميناء الدوليين من وضع سياسة إقتصادية ولو مبدئية ولم تتخذ خطوات لإنشاء نظام الجمارك على البضائع التى تدخل البلاد وفرض الضرائب على التجارة الداخلية، وكان هذا سيساعدها على توفير الكثير من الخدمات للشعب، وكذلك فى توفير رواتب للعاملين بها.

ويرى تقرير لمركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية أن معظم الإخفاقات والأخطاء التى كانت تقع فيها المحاكم الإسلامية تعود إلى الأسباب التالية:

  1. الخلاف الأيدولوجى بين مكونات المحاكم الإسلامية، وهو الذى انسحب على كثير من آدائها على جميع المستويات، وكان هم القيادة هو عدم إغضاب أى مكون من هذه المكونات، حتى لاينفرط عقدها، وهى التى كانت تواجه تحديات خارجية وداخلية .
  2. إنعدام الخبرة السياسية والإدارية لدى الكثير ممن كانوا يعملون ضمن المحاكم الإسلامية، وكانت فى بعض الأحيان تصل إلى حد السذاجة .
  3. رؤية الأشياء من زاوية واحدة، أو الرؤية ذات البعد الواحد، فلم يضعوا فى الحسبان ماتريده القوة الخارجية، بل وضعوا نصب أعينهم مايريدون هم تحقيقه فقط، وكان هناك قصور معيب فى فهم الواقع الدولى والإقليمى والتوازنات التى تحكم العلاقات الدولية، فكانت رؤيتهم رؤية قاصرة وذات بعد واحد .
  4. الخوف على المشروع جنى كثيرا على المشروع نفسه، فالقائمون عليه لم يكونوا على مستوى الحدث الذى تصدروا له، وخوفهم من أن يسيطر عليه المستغلون والنفعيون حرمهم من الإستعانة بخبرتهم .
  5. كان واضحا للمتابعين والمراقبين أن هناك تجاذبا بين تيارين رئيسيين فى داخل المحاكم الإسلامية، تيار يمثل طرفا متشددا ذا فكر سلفى جهادى يسعى إلى توسيع دائرة الحرب داخليا وخارجيا، وتيار يمثل الأطراف الساعية إلى الإصلاح الداخلى مع جميع شرائح المجتمع وإنجاح المشروع الإسلامى عبر الحوار والتصالح مع جميع الأطراف بمافيها الحكومة ودول الجوار والمجتمع الدولى، ويضع أولوياته فى إنتشال الشعب مما أوقعته فيه قوى الشر الداخلية والخارجية، ولكن التصعيد الخارجى والجهل الداخلى جعل التيار المتشدد يصعد صوته وتعلو نبرته، ويقوم بتصرفات شنيعة فى الداخل فتكالبت عليه القوى الداخلية والخارجية مستعينة ببعضها البعض .

ونواصل فى الحلقة القادمة .

%d مدونون معجبون بهذه: