عرض تقرير “الشاهد الدوري” حول الإسلاميين الصوماليين .. من الهامش إلى مركز الأحداث (٢)

غلاف "الشاهد الدوري" الأول حول الإسلاميين الصوماليين

غلاف "الشاهد الدوري" الأول حول الإسلاميين الصوماليين

يختلف الباحثون في التاريخ لأول محاولة لاقامة محكمة اسلامية في الصومال‏،‏ فبينما يشير كثيرون الي ان اول محكمة اسلامية لتطبيق الشريعة بدأت بعد انهيار نظام سياد بري عام‏1991، حيث عمت الفوضي والقتل والنهب والاستيلاء علي الممتلكات‏،‏ يشير اخرون الي ان بدايتها كانت مع نزوح المواطنين في المناطق الشمالية الي القري والارياف ثم معسكرات اللاجئين في شرق اثيوبيا عام‏1988،‏ بعد دك المدن من قبل الحكومة المركزية في حربها مع الحركة الوطنية الصومالية المعارضة‏،‏ وان الحركة الوطنية هي التي كانت تقوم بتنفيذ الاحكام‏.

‏
قوات فارح عيديد تحول دون تطبيق اول عقوبة بجلد شاب وفتاة ارتكبا فعلا فاضحا

ويري الباحث الصومالي محمد الامين محمد الهادي مدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الاعلامية ان المحاكم كانت ضرورة املتها الظروف اثناء الحرب الاهلية والتشرد‏.‏ ويضيف‏:‏ ان هذه المحاكم الاسلامية ظلت تعمل في المنطقة بعد اعلان انفصال المناطق الشمالية الغربية من بقية الصومال تحت اسم جمهورية ارض الصومال عام‏1991،‏ ثم انحصر دورها لتصبح كمكاتب تديرها عناصر من الجماعات الاسلامية تختص في قضايا النزاعات المدنية دون الجنائية‏،‏ وتترك لأطراف النزاع تنفيذ الحكم الصادر منها‏،‏ حيث تفتقر الي سلطة تنفيذية للحكم‏.‏

اما المحاكم الاسلامية المعروفة في الجنوب‏،‏ والتي تطورت الي قوة سياسية في نهاية الامر فيري الباحث الصومالي انه يمكن التأريخ لها بانهيار الحكم المركزي في الصومال عام‏1991،‏ حيث اسهمت فوضي السلاح كثيرا في جعل الوضع اكثر تدهورا‏،‏ ويشير الي حدثين اسهما في حدوث فوضي السلاح وهما اولا هروب كل السجناء والمجرمين‏،‏ بعد ان هدمت السجون وحطمت من غضبة الشعب‏،‏ وثانيهما انتشار السلاح اثر انفراط عقد الجيش والتحاق كل فرد بقبيلته‏،‏ هذا الي جانب الاسلحة التي دخلت بها مليشيات الفصائل القبلية مثل المؤتمر الصومالي المتحد تحت قيادة الجنرال عيديد‏،‏ والتي دربت وسلحت في أثيوبيا‏.‏
وفي هذا الوضع العصيب فكر العقلاء في المجتمع الصومالي‏،‏ ولاسيما علماء الدين في كيفية كبح جماح هذه العصابات‏،‏ وبدأ التفكير في انشاء محاكم اسلامية تعتمد علي الفقة الاسلامي في الحكم بين الناس بالاسلام الذي يتفقون عليه‏،‏ ولاقت الفكرة رواجا بين الشعب‏،‏ لكنها لم تجد قبولا من امراء الحرب‏،‏ بل واجهوها وعرقلوا مسيرتها بشتي الطرق‏،‏ اذ رأوها منافسة لقوتهم العسكرية‏،‏ وقد بدأت التجربة بجنوب الصومال‏،‏ ثم امتدت الي المحافظات الاخري‏،‏ وتبنت جميع الحركات الاسلامية في الصومال الفكرة بعد ان لقيت رواجا وقبولا‏،‏ وروجت لها بشكل او بآخر باعتبارها مرحلة من المراحل لإعداد الشعب لتطبيق الشريعة وقبول الحكم الإسلامي الذي تسعي له تلك الجماعات‏،‏ ولم تلق فكرة المحاكم معارضة حتي من العلماء التقليديين في الصومال غير المرتبطين بتنظيم معين‏.‏
ويمكن القول ان المحاكم الإسلامية في الصومال مرت بأربع مراحل وفقا للدراسة التي اجراها مركز الشاهد للبحوث والدراسات الاعلامية بلندن‏،:

المرحلة الاولي: مرحلة البذرة‏،‏ وتبدأ من انهيار نظام الحكم في الصومال عام‏1991،‏ وحتي عام‏1994،‏ حيث ظهرت دعوات ومحاولات فردية من العلماء بعد انهيار مصالحة جيبوتي الاولي عام‏1991‏ التي اعقبها قتال مرير بين فصيلي المؤتمر الوطني الصومالي بقيادة علي مهدي والجنرال محمد فارح عيديد‏،‏ ونتج عن هذه الحرب انشطار العاصمة الي شطرين يسيطر علي جنوبها عيديد وعلي شمالها علي مهدي‏،‏ وكلاهما يعتمد علي عشيرته التي تؤازره‏،‏ وفي هذه الفترة حاول مجمع علماء الصومال بقيادة الشيخ محمد معلم حسن وهو اخواني صومالي انشاء محكمة لفض النزاعات بالاتفاق مع عدد من العشائر التي تقطن احد احياء جنوبي العاصمة‏،‏ وتم انشاؤها بالفعل‏،‏ واتخذت مقرا لها في مبني مدرسة جمال عبد الناصر‏،‏ ولكنها فشلت في تنفيذ اول حكم صدر منها بجلد شاب وشابة ادينا بارتكاب اعمال فاضحة‏،‏ وذلك بعد ان وقف امامها الجنرال محمد فارح عيديد رئيس المؤتمر الصومالي الموحد‏،‏ الذي حاصرت ميليشياته مكان تنفيذ العقوبة‏،‏ واجبرت المجتمعين من اعضاء المحكمة والحضور علي التفرق‏.‏
وفي العام التالي‏1992‏ تمكن بعض العلماء من افتتاح محكمة اسلامية اخري بحي المدينة جنوبي العاصمة مقديشو بقيادة الشيخ حامد زيار من قيادات الطريقة الاحمدية واحد الفقهاء المشهورين في الصومال‏،‏ وقد انحصرت مهمة هذه المحكمة في اعادة الامن والاستقرار في ذلك الحي الذي كثرت فيه حوادث القتل والنهب والاغتصاب‏،‏ فبدأ الناس في ممارسة انشطتهم اليومية دون خوف من اللصوص وقطاع الطرق‏،‏ واستمرت هذه المحكمة حتي عام ‏1999‏ دون ان يلتفت اليها الاعلام‏.‏

ثانيا مرحلة التكوين‏:‏ وتبدأ من اغسطس عام‏1994‏ بعد رحيل القوات الامريكية والقوات الغربية التي جاءت للصومال تحت مظلة الامم المتحدة‏،‏ وتم في هذا العام انشاء اول محكمة اسلامية في شمال العاصمة‏،‏ الذي كانت تسيطر عليه قوات علي مهدي‏،‏ تحت ضغوط من زعماء عشيرته وعلمائها بعد تصاعد موجات النهب والسلب وازدياد السطو علي البيوت وسرقة اموال الناس وانتشار الجرائم المنظمة‏،‏ واستعانت المحكمة بالميليشيات التابعة للعشيرة لتبسط نفوذها علي شمال العاصمة‏،‏ واستمرت ثلاث سنوات حتي عام‏1997،‏ ونفذت احكاما كثيرة من حدود الرجم والقصاص وقطع الايادي ورغم ماشاب أحكامها من عدم توافر مايجب توافره من المحاكمات العادلة إلا أنها أسهمت في استتباب الوضع وبسط الأمن والطمأنينة بين سكان شمال العاصمة‏،‏ فكان يضرب لها المثل في الأمان‏،‏ حتي أن المنظمات العالمية نقلت مكاتبها إلي هذا الشطر من العاصمة بسبب أمنها واستقرارها‏،‏ وصاحب ذلك نشاط عمراني ملحوظ‏.

‏
واحتذت بهذه المحكمة الكثير من المحافظات فأنشأت محاكم خاصة بها تعتمد أولا وأخيرا علي القبيلة الموجودة في المنطقة ودعمها لها‏،‏ وشهدت هذه الفترة نشاطا غير مسبوق في افتتاح المحاكم الإسلامية في كافة أنحاء الصومال‏،‏ ولاسيما في المحافظات الجنوبية والوسطي‏،‏ وكان التجار ورجال الأعمال يدعمون هذه المحاكم ماليا‏،‏ حتي تقوم بواجبها‏،‏ لما توفره لهم من جو آمن يمكنهم من ممارسة تجارتهم بشكل سليم‏،‏ وكان القاضي والموظفون في المحكمة عادة ماينتخبون من نفس القبيلة التي تقطن تلك المنطقة‏،‏ واستخدمت الميليشيات القبلية في تنفيذ أحكام القضاء‏،‏ وأصبح لهم زي خاص ويقومون بدور الشرطة في المنطقة‏،‏ لكن زعيم الحرب علي مهدي لم يرق له ان تنتقل جميع الصلاحيات لرئيس المحكمة‏،‏ ويكون ذكره أرفع من إسمه‏،‏ فنشبت منافسة قوية بينهما عام‏1997،‏ وكانت هناك ضغوط دولية علي علي مهدي للحيلولة دون استمرار عمل المحاكم الإسلامية‏،‏ حيث عقد اجتماع في نيروبي بحضور ممثلين للمخابرات الأمريكية طرح فيه قضية تصفية المحاكم الإسلامية‏،‏ وبعدها بدأ التلاسن في وسائل الإعلام المحلية بين الزعيمين اللذين يمثلان نفس العشيرة علي مهدي وعلي طيري‏،‏ ثم تطورت إلي معركة بين ميليشيات المحاكم وميليشيات علي مهدي‏،‏ واستعان مهدي حينها باثيوبيا لتفكيك الميلشيات التابعة للمحكمة‏،‏ وتمكن من القضاء عليها‏،‏ فصارت أثرا بعد عين في شمال العاصمة‏،‏ ولكنها استمرت في الوجود بشكل أضعف وعلي إستحياء في المحافظات الجنوبية الأخري‏.

‏
ثالثا مرحلة النمو والتمدد‏:‏ بينما كانت فكرة المحكمة الشرعية قد تضاءل دورها أوقضي عليها في شمال العاصمة مقديشو عام‏1997‏ شهد جنوبها في نفس العام ولادة أول محكمة بعد عامين من وفاة الجنرال محمد فارح عيديد‏،‏ الذي عارض طيلة حياته إنشاء محكمة إسلامية في منطقته‏،‏ وعندما انتقلت السلطة في المنطقة إلي ولده حسين عيديد الذي لم يكن يملك قوة وكاريزما والده حدثت خلافات داخل العشيرة‏،‏ فتدخل علي إثرها زعماء وعلماء العشيرة‏،‏ واقترحوا فكرة الاحتكام إلي الشريعة في فض المنازعات بين أبناء القبيلة‏،‏ وهو وماوجد ترحيبا من الجميع‏،‏ وتتابع افتتاح المحاكم في جنوب العاصمة بعدد العشائر القاطنة فيها‏،‏ حيث لكل عشير محكمة خاصة بها لردع مجرميها من إلحاق الأذي ببقية المواطنين‏.‏

ثم تطورت أعمال المحكمة إلي محاربة العصابات الإجرامية وقطاع الطرق بغض النظر عن انتمائهم العشائري أو القبلي‏،‏ وذلك بعد أن قامت المحاكم المختلفة بتنسيق أعمالها‏،‏ وكون مظلة تضم كافة المحاكم لتنظيم عملياتها الإدارية والأمنية والقضائية‏،‏ وفي عام‏1999‏ سميت هذه المظلة بـ المجلس الأعلي للمحاكم الإسلامية‏.‏
وفي عام‏2004‏ أنشئت محكمة في حي السي سي شمالي العاصمة‏،‏ وكان أخطر أحياء العاصمة في العمليات الإجرامية‏،‏ بعد حادثة مشهورة تعرض لها طالب من طلاب الشيخ شريف شيخ أحمد في مدرسة جوبا بحي التوفيق‏،‏ حيث اختطفته العصابات‏،‏ فقام الشيخ شريف شخصيا بمهمة البحث عنه والتفاوض مع خاطفيه‏،‏ وبعد تحريره فكر سكان المنطقة من عشيرة الأبجال بالتنسيق مع علماء العشيرة في إنشاء محكمة إسلامية لفض المنازعات وتوثيق العقود‏،‏وكونوا قوة لتنفيذ أحكامها والقبض علي المجرمين‏،‏ وآختاروا الشيخ شريف رئيسا لهذه المحكمة‏،‏ وخلال وقت قصير أصبح هذا الحي نموذجا في الأمن والإستقرار‏،‏ مما دفع الأحياء الأخري إلي تقليد الفكرة وإنشاء محاكم شبيهة‏.‏
ثالثا‏:‏ مرحلة الإحتواء والإحتضان‏:‏ بلغت المحاكم الإسلامية أوجها بعد أن شارك الإسلاميون بحضور ملفت في مؤتمر المصالحة الثالث عشر في جيبوتي بمدينة عرته عام‏2000،‏ حيث استطاع فيه المجتمع المدني الصومالي أن يكون أعلي صوتا من زعماء الحرب‏،‏ وتمخضت عن المؤتمرحكومة وحدة وطنية وجد الغلاميون لهم فيها نفوذا بسبب الميثاق الوطني ذي الطابع الإسلامي الذي اقر في المؤتمر‏،‏ ووعد رئيس الحكومة عبد القاسم صلاد حسن بتطبيق الشريعة الغسلامية‏،‏ كما استطاع العديد من أفراد الحركات الإسلامية الدخول في البرلمان‏،‏ ومن بينهم ممثلون من المحاكم الإسلامية‏،‏ فاعتمدت الحكومة الجديد علي المحاكم الإسلامية التي كانت موجودة في العاصمة لأنشاء الجهاز القضائي وأدمجت المحاكم تحت وزارة العدل‏،‏ كما أدمجت ميليشياتها في قوات الحكومة الوليدة‏.

‏
ويختلف تقويم المراقبين والباحثين لهذه الخطوة من الحكومة الإنتقالية حكومة عرته وإلي ماكانت تعمد إليه‏،‏ فهناك من يري أنها كانت تعمد إلي التخلص من قوة المحاكم عبر دمجها في الجهاز القضائي وتذويبها في مؤسسات الدولة‏،‏ وهناك من يري أنها كانت تعمد إلي اعتراف بدور الإسلاميين في السياسة الصومالية وموافقتهم علي جهودهم الرامية إلي أسلمة نظام الحكم ولاسيما مسألة تطبيق الشريعة التي يهتم بها الإسلاميون 
ويري الباحث الصومالي محمد الأمين محمد الهادي أن الحكومة كانت تعرف قوة الإسلاميين في الشارع الصومالي وخاصة المحاكم الإسلامية‏،‏ وتعرف كذلك مايحيط بالصومال من مخاوف القوي الكبري واتهامهم للإسلاميين بالإرهاب‏،‏ وربما أراد الرئيس الصومالي وقتها عبد القاسم صلاد حسن أن يؤكد أن الإسلاميين في الصومال يعملون ضمن الشرعية الحكومية المعترف بها‏،‏ وبذلك يكون قد احتواهم واحتضنهم‏.‏
ويضيف‏:‏ انه بسبب الضعف الذي اعتري حكومة عبد القاسم صلاد والضغوط والمؤامرات التي حاكتها أثيوبيا بالتنسيق مع أمراء الحرب ضدها تعرقلت مسيرتها فلم تتمكن من بسط سيطرتها علي جميع المناطق‏،‏ إلي أن إنتهت فترتها الإنتقالية وهي ثلاث سنوات في أواخر عام‏2003،‏ وكانت الحجة الكبيرة التي ترددها أثيوبيا وأمريكا وكذلك زعماء الحرب هي أن هذه الحكومة يسيطر عليها الإرهابيون والمقصود بهم الإسلاميون‏،‏ فبرز في العاصمة فراغ أمني لضعف الحكومة وانشغال أكثر السياسيين بالمؤتمر الذي بدأ في نيروبي عام‏2002‏ واستمر حتي عام‏2004،‏ وتزايدت ظاهرة اختطاف العصابات للمواطنين وطلب الفدية مقابل إطلاق سراحهم‏،‏ ولم يكن هناك بديل يملأ الفراغ ويحد من مشكلة الاختطاف سوي المحاكم الإسلامية‏،‏ فتمت عودتها الثالثة‏،‏ ولاسيما بعد أن تم تشكيل الحكومة التي انبثق عنها مؤتمر نيروبي مدعومة من أثيوبيا العدو التاريخي للصومال‏،‏ ومكونة من أمراء الحرب‏،‏ فضلا عن انها لم تستطع القيام بدورها وظلت في حالة شلل لما يقرب من العامين‏،‏ وفي هذه الفترة تأسس اتحاد المحاكم الإسلامية الذي اختير الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا له‏،‏ وذلك في عام‏2005،‏
وفي الحلقة القادمة نواصل رصد حركة الإسلاميين الصوماليين إلي أن وصلوا إلي سدة الحكم‏.‏

%d مدونون معجبون بهذه: