عرض تقرير “الشاهد الدوري” حول الإسلاميين الصوماليين .. من الهامش إلى مركز الأحداث (١)

هذه سلسلة مقالات نشرتها الكاتبة في جريدة الأهرام المسائي، ونعيد نشرها هنا للفائدة

في عام‏2003‏ كانت نيروبي تستضيف مؤتمرا صوماليا للمصالحة بإشراف منظمة الإيجاد‏،‏ وحينها التقي السفير الكيني للصومال ـ وهو من أصل صومالي ـ ببعض الإسلاميين الصوماليين‏،‏ فشكوا له أنهم غير ممثلين في المؤتمر‏،‏ وانهم يريدون ان يبعثوا وفدا يمثلهم برئاسة شاب اسمه شريف شيخ أحمد فكان رد السفير‏:‏ أنتم علماء دين وليس لكم في السياسة مجال‏،

والأحسن لكم أن تتفرغوا للدين فتدعوا للناس وتقرأوا لهم القرآن‏،‏ فلم يستطع الإسلاميون جوابا‏….‏ ولكن في عام‏2009‏ كان هذا السفيرنفسه يستأذن ليدخل علي ذلك الشاب الإسلامي وهو رئيس لجمهورية الصومال‏.‏

قلة توثيق وتدوين التجارب السياسية الفاشلة في الصومال جعل التاريخ يعيد نفسه

هذا المشهد يحكي عن الطفرة التي قطعها الإسلاميون في الصومال من الهامش إلي مركز الأحداث‏،‏ وقد جعله مجموعة من الباحثين الصوماليين من مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية في لندن كمقدمة لتقريرهم الذي كان موضع نقاش في ندوة أقامها معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة مؤخرا‏،‏ وتكتسب كل من الندوة والتقرير أهميتهما نظرا لقلة المطروح بشأن الصومال باللغة العربية وقلة التوثيق والتدوين في الصومال عموما للتجارب السياسية‏،‏ ولعل هذا ما يجعل التجارب الفاشلة تعيد نفسها علي حد تعبير الباحث الصومالي الدكتور محمد أحمد شيخ علي رئيس تحرير التقرير‏،‏ ويكتسب التقرير أهميته أيضا بسبب تزايد الاهتمام بالصومال علي ضوء التطورات المتلاحقة بها‏،‏ والتي أصبحت تكتسب أهمية بالغة‏،‏ عقب وصول الإسلاميين إلي السلطة‏،‏ والاحتلال الأثيوبي للصومال‏،‏ وبعد أن أصبح الوضع الصومالي مهددا للأمن الإقليمي‏،‏ بل والعالمي بسبب تصاعد ظاهرة القرصنة‏،‏ ومخاوف من وجود القاعدة في الاراضي الصومالية‏.‏

غلاف "الشاهد الدوري" الذي أصدره مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإسلامية حول الإسلاميين في الصومال.

ويحاول التقرير الإجابة عن تساؤلات مهمة تتعلق بنشأة الإسلاميين في الصومال‏،‏ وطبيعة تكوينهم‏،‏ وارتباطاتهم الخارجية‏،‏ وأسباب الصراع الحالي بين الإسلاميين‏،‏ الموجودين في السلطة والآخرين بالمعارضة‏،‏ وما هو مستقبلهم في الحكم‏،‏ والقوي المرشحة للصعود كبديل لهم‏.‏

وعند الحديث عن الإسلاميين في الصومال‏،‏ فلابد من الوقوف عند الإسلام ذاته الذي يدين به الصوماليون منذ القرن الأول للهجرة‏،‏ بل إن معظم الصوماليين يصرون ويفخرون بأن الإسلام وصل إلي بلدهم قبل أن يصل إلي المدينة المنورة‏،‏ عبر الهجرتين الأولي والثانية إلي الحبشة المشهورتين في صدر الإسلام‏،‏ ولعل الصومال من البلاد النادرة التي لا توجد فيه ديانة أخري غير الإسلام‏،‏ ويتبع الشعب كله مذهبا واحدا هو المذهب الشافعي‏،‏ وكان التصوف والطرق الصوفية من القادرية والأحمدية وفروعهما سائدة في الصومال أكثر من أي شيء آخر‏،‏ وما إن بدأت المقاومة ضد الاحتلال الغربي كان علماء الصوفية هم رواد وطليعة الجهاد ضد هذا الاحتلال‏،‏ وكان السيد محمد بن عبدالله بن حسن نور عالم صوفي وأحد أبرز المجاهدين في الصومال ضد الإحتلالين البريطاني والإيطالي‏،‏ ومثله كان الشيخ حسن برسني الذي قاد ثورة مسلحة ضد الاستعمار الإيطالي‏،‏ والشيخ عبدالرحمن مرسل وغيرهم كثيرون‏.‏

وبالرغم من أن هؤلاء الشيوخ قادوا حركات مقاومة في الأساس‏،‏ إلا أن حركاتهم لم تكن بعيدة عن الفعل السياسي والاجتماعي‏،‏ رغم أن قادتها من رجال التصوف‏،‏ غير أن تصوفهم كان بعيدا عن المغالاة والخرافات‏،‏ مما جر عليهم أحيانا نقمة بعض علماء الصوفيين التقليديين‏.‏ ويري الأستاذ محمد الأمين محمد الهادي الباحث الصومالي ومدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية أن الحركة الإسلامية المعاصرة في الصومال بتياراتها المختلفة أسست قطيعة بينها وبين هذه الطليعة الإسلامية بنسب مختلفة‏،‏ فبدلا من أن تستلهم تجربة هذه النخبة من العلماء وأن تربط الشعب بسيرتهم الجهادية‏،‏ تبنت فهما أو تفسيرا للإسلام مستوردا من خارج البيئة الإجتماعية الصومالية‏،‏ إذ إن أكثر رموز هذه التيارات وكوادرها الأولي كانوا من الطلاب الذين تخرجوا من الأزهر الشريف والجامعات السعودية ثم الجامعات السودانية‏.‏ ويمكن تصنيف الإسلاميين في الصومال إلي‏3‏ أجيال‏،‏ جيل الرواد الذي تخرج من الأزهر أو درس في الحجاز بالحلقات العلمية في الحرم المكي‏،‏ وقد اقتصر دور هذا الجيل في اتباع الطرق السلمية في مواجهة مخططات الاستعمار لطمس الهوية العربية والإسلامية للمجتمع الصومالي‏،‏ وذلك من خلال الدروس العلمية والمحاضرات وخطب الجمعة واحياء المناسبات الوطنية والدينية وتوفير الكتب والمجلات الصادرة في الوطن العربي‏،‏ وقد ترك جيل الرواد هذا منظومة ثقافية فكرية‏،‏ وقدم أطروحات قوية في مجالات التعليم والثقافة والهوية والدستور والقوانين والعلاقات الخارجية‏،‏ وكلها تتمحور حول التمسك بالهوية العربية والإسلامية للشعب الصومالي‏،‏ غير أن هذه الجهود بالرغم من أهميتها انتهت كما يقول محمد الأمين محمد الهادي أو توقفت بانتهاء الحقبة الديمقراطية عشية الانقلاب العسكري في أكتوبر عام‏1969،‏ حيث دخلت الصومال عهدا جديدا شكلا ومضمونا أثر سلبا علي المشروع الإسلامي فيها الذي انتقل من العلنية إلي السرية ومن السلم إلي العنف ومن التدرج والمرحلية إلي الراديكالية ومن المواءمة بين المحلي والمستورد‏،‏ وبين التراث والإجتهادات العصرية‏،‏ إلي التقليد والانبهار بالتراث والاجتهادات القادمة من الأقطار الأخري دون تمحيص‏.‏

وفي أواخر الستينيات ظهر جيل آخر من الإسلاميين في الصومال مغاير للجيل الأول‏،‏ حيث برزت في هذه الفترة التنظيمات الإسلامية‏،‏ ومن أبرزها منظمة النهضة وكانت علي ما يبدو متأثرة بفكر حركة الإخوان المسلمين في مصر‏،‏ وحركة الأهل التي بدأت علي شكل طريقة صوفية‏،‏ وكان هدفها الرئيسي الحفاظ علي السلوكيات وأخلاقيات الشباب في مواجهة الثقافة الوافدة‏،‏ وعندما اشتدت قبضة السلطة العسكرية تحولت الحركة من العلنية إلي السرية‏،‏ وانتشرت أفكارها وتعاليمها في أوساط الشباب في المدارس والجامعات وحلقات المساجد‏،‏ وأدي تشدد السلطة في التعامل مع هذه الجماعة واعتقال قياداتها وكوادرها إلي هجرة كثيرين منهم إلي السعودية والسودان‏،‏ وإلي بروز تيارات دعوية داخلها‏،‏ حيث خرجت من رحم هذه الحركة كما يقول الباحث الصومالي محمد الأمين محمد الهادي مجموعتان رئيسيتان‏،‏ إحداهما بقيت علي الفكر الإخواني‏،‏ والثانية مجموعة جنحت إلي التشدد والتكفير متأثرة بجماعة التكفير والهجرة في مصر‏.‏

ومن بين التنظيمات التي ظهرت في تلك الفترة حركة وحدة الشباب الإسلامي‏،‏ وقد ظهرت في شمال الصومال كرد فعل لأنشطة منظمة كتائب السلام الأمريكية التي بدأت تنشط في الصومال منذ بداية الستينات واستشعر المثقفون والصوماليون عموما خطر أنشطتها الثقافية والتبشيرية‏،‏ ونشطت هذه الحركة في الجوانب الفكرية والثقافية والإجتماعية والدعوية‏،‏ وقد قويت علاقة هذه الحركة بالتيار الإسلامي في الكويت‏،‏ وبعد الانقلاب العسكري عام‏1969‏ وتبنيه للتوجه الاشتراكي اتفقت هذه الحركة مع حركة الأهل في جنوب الصومال علي التوحد‏،‏ وحدثت مواجهات بين قيادات وكوادر الحركتين والسلطات عام‏1975‏ بعد إصداره لقانون الأحوال الشخصية الذي ساوي بين الذكر والأنثي في الميراث‏،‏ وترتب علي قمع الحركة بروز قيادات جديدة فيها تبنت منهج القطبيين‏،‏ ووضعوا استراتيجية للمواجهة مع السلطات‏،‏ والتي تصاعدت ما بين‏1976‏ و‏1978،‏ وترتب علي القمع الحكومي والانشقاقات في صفوف حركة الأهل في جنوب الصومال تسرب أفكار التشدد والتكفير إلي شباب الوحدة في الشمال أيضا‏،‏ وانضم أعضاء من الوحدة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين عام‏1982،‏ والذي دعمها عبر بعض المؤسسات الخيرية الخليجية‏.‏

وقد قامت القيادة الجديدة في الوحدة بمفاوضات مع الجماعة الإسلامية في الجنوب أسفرت عن اندماج بينهما عام‏1983‏ باسم الإتحاد الإسلامي الذي بدأ يمد علاقاته الخارجية بالحركات الإسلامية‏،‏ ولا سيما الحركة الإسلامية في السودان بقيادة الدكتور حسن الترابي‏،‏ ثم ما لبثت أن انشقت الحركتان‏،‏ وأستأثر بالإتحاد الإسلامي السلفيون‏،‏ الذين شهدت حركتهم ازدهارا بعد انتشار خريجي المدارس السعودية وعلماء السلفية والدعم الذي يلقونه‏،‏ رغم مخالفة خطهم للخط الإسلامي العام في المجتمع الصومالي المرتبط أصلا بالطرق الصوفية والمذهب الشافعي‏.‏ونشأت في تلك الفترة أيضا حركة الإصلاح الإسلامية عام‏1978‏ من قبل بعض المغتربين الصوماليين في السعودية منطلقة من فكر الإخوان المسلمين‏،‏ وكانت تهدف كما أعلنت لإقامة دولة اسلامية بالصومال وتوحيد الشعب الصومالي وتوحيد القوميات الإسلامية بالقرن الأفريقي‏،‏ وحرصت الحركة علي اظهار التمايز بينها وبين السلفيين وخاصة الإتحاد الإسلامي‏،‏ وكان قد لحق بالسلفية تشويه كبير من جراء مواجهاتها العلنية للعلماء التقليديين والمواجهات الدموية بالمدي داخل المساجد فيما سمي بتحرير المساجد من المبتدعة‏،‏ وكان من إنجازات حركة الإصلاح انشاء المجلس الصومالي للمصالحة بالتعاون مع زعماء العشائر والعلماء والطبقة المثقفة لنشر ثقافة التسامح وعقد المصالحات بين القبائل‏.‏ وفي أواخر عام‏1990‏ تمت عسكرة الدعوة الإسلامية في الصومال نتيجة عودة عدد قليل من الشباب الصومالي الذي سافر إلي أفغانستان إلي مقديشو‏،‏ وكانت الحكومة الصومالية تواجه تحديات كبيرة ومعارضة شعبية في الشمال والجنوب‏،‏ وتمردا عسكريا في كثير من المناطق‏،‏ وكانت المواجهة مع النظام تأخذ طابعا قبليا‏،‏ وفكر قادة حركة الإتحاد عن مستقبلهم فجاءهم صوت العائدين من الجهاد الأفغاني بأن عليهم أن يتسلحوا ليجاهدوا وينشئوا الدولة الإسلامية الصومالية‏،‏ ولم تكن هذه الدعوة تجد في البداية آذانا صاغية‏،‏ لكن بعد انهيار النظام الصومالي في أوائل عام‏1991‏ وتعرض كثير من الناس في العاصمة مقديشو إلي تصفية قبلية‏،‏ اضطر الكثير من شباب حركة الإتحاد الإسلامي لحمل السلاح والانخراط مع قبائلهم‏،‏ وتورطت الحركة في كثير من الحروب والمواجهات منذ سقوط الحكومة الصومالية أساءت إلي سمعتها وتلقت ضربات عسكرية كانت عواقبها تشظيها إلي عدد من الجماعات‏،‏ ونواصل‏.‏

%d مدونون معجبون بهذه: