هل من ثورة محتملة في إثيوبيا ؟ 

قراءة سننية لأحداث الحراك في إثيوبيا :

في إثيوبيا ما زال الحراك قويا في الوسط الاجتماعي في هذه الأيام ، ووصلت ارتداداته إلى الخارج ، وقامت بعض الجهات المدعومة من النظام حراكا مضادا دعما للنظام في بعض الأقاليم وفي الخارج ، ويهدف هذا الحراك إحداث نوع من التغيير في البنية السياسية في هذه الدولة ، ولكن يوجد تحت الحراك ما هو أخطر ، وهو الغضب المكبوت في الذات الوطنية ، وخاصة لدي القومية الكبيرة ( الأورومية ) ذات الثقل السكاني ، ولدى القومية العميقة في الحكم ( الأمهرية ) ، ويوجد نوع من الغضب لدي الشعوب التي تعيش في هامش الحكم ، ولكنها ليست بإمكانها التعبير به في هذه المرحلة لأسباب مرتبطة ببنيتها السياسية الهشة ، وبغياب الطبقة المتوسطة من صفوفها ، والتي من شأنها قيادة العملية السياسية في الوطن .

هناك تساؤلان مهمان ، هل ثمة ثورة محتملة في هذا الوطن ؟ أم الأمر لا يعدو كونه فورة سياسية سوف تنتهي بالخمود في لحظة تالية ؟ لست في شك بأن لدينا قراءتان في الخريطة السياسية وهما :

– القراءة الرسمية والتي تشير بأن ثمة أخطاء سياسية جرت في المرحلة الماضية ، كما أن هناك أخطاء إدارية خطيرة حصلت في الوطن بعمد حينا ، وبغير عمد حينا آخر ، وهذا هو السبب الرئيسي لما يجري اليوم في الوطن ، وهذا يقتضي إلى القيام بالتصحيح الفوري دون أن نقوم على هدم المكتسبات ( الدولة العميقة الجديدة ) .
– القراءة غير الرسمية والتي تؤكد بأن ثمة ظلم سياسي ممنهج حصل في الوطن ضد الشعب الأثيوبي ، وخاصة ضد القوميات المهمة ، وذلك لأجل صناعة دولة بديلة عن الدولة التي تم تكوينها من خلال التحالف السياسي الذي تصالح في حكم الدولة ، في المرحلة الجديدة ، ومن هنا فلا بد من التصحيح الجذري لهذه المشكلة العميقة .

في عالم الثورات دراسات هامة تبحث لماذا تحصل ثورة في مكان ما ؟ هل الثورة تأتي فجأة بدون مقدمات ؟ أم لها سنن يمكن ملاحظتها في الأحداث قبل أن تقع ؟ وهل من الممكن إيجاد حل يوقف الثورة عند حدها قبل وقوعها ؟
في متابعتي لما يجري في هذا الوطن من أحداث خرجت من طور التحكم ، وما يطالبه الكثير من المواطنين فيه ، يجعل الأمر أكبر من أن يكون فورة سياسية ، ولكن شيئا ما في داخل الموضوع يجعل الموضوع كذلك دون الثورة ، فليس بالمستطاع أن نطلق ما يجري في إثيوبيا بالثورة ، ولكنها ليست كذلك بالفورة ، ولهذا فلا يطالب رجال التغيير إصلاحا ديكوريا كما ترغب الجهات الرسمية فعله ، ومن هنا فإن المنطق السياسي يحتاج منا إلى أن نفهم ظاهرة إثيوبيا من خلال قراءة فكرية لها علاقة بالسنن الاجتماعية التي تحكم الحياة .

يقول أحد الباحثين ديل يودر في المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية ، العدد ٣ رقم ١٩٢٦) : إن الثورات الحقيقية تحدث بعيدا تحت سطح الحياة الاجتماعية ، إنها التغيير في نظرة المواطنين إلى مسوغات المؤسسات والأعراف التي تقف في وجه حركة الحياة التي يطمحون إليها .

في هذا النص من هذا العالم الاجتماعي نلاحظ فيه ثلاثة أمور :

  1. الثورة لا تلاحظ في الحياة الاجتماعية من خلال مظاهرها العامة ، فقد تكون نوعا ما هادئة جدا من حيث المظهر .
  2. الثورة تختمر تحت سطح الحياة الاجتماعية ، فهناك سطح ، وهناك ما هو تحت السطح ، فالسياسيون في العالم المتخلف يتعاملون دوما ما هو موجود في السطح ، ولهذا يحاولون قهر التمرد بالقوة حينا ، وبالإغراء حينا آخر ، ولأجل التوصل إلى الحقيقة ، يحاول بعض المفكرين قراءة ما تحت السطح ليعرفوا من خلاله مآلات المسار السياسي .
  3. إن السبب الرئيسي في وقوع ثورة في مكان ما مرتبط في التغيير الذي يحصل في نظرة الناس وكيفية تفكيرهم ، وليس في شيء آخر ، فإذا تم حصول تغيير في نظرة الناس لمؤسسات الدولة ، فهذا يدل على وجود خميرة ثورية في النسيج الاجتماعي تنتظر لحظة الإقلاع فقط .

نرغب في قراءتنا أن لا نبتعد عن الموضوعية في الطرح والمناقشة ، وأن لا نكون أسير أهواء مرحلة ، بل يجب أن تكون لدينا قراءة نقدية لكل ما يقال في هذا الموضوع مستخدمين آليات البحث في العلوم السياسية والاجتماعية ، ولدينا اليوم فقه بدأ ينمو ويتكامل في العالم اليوم وهو (فقه الثورة) ، أو قل إن شئت ( علم الثورة) .

قلت في مرة سابقة ، إن إثيوبيا ليست دولة طبيعية ، ولكنها كذلك ليست دولة استثنائية ، وهذا الأمر يحتاج إلى نوع من التجلية لأجل الفهم السياسي ، لأنه لدينا شباب لا يفهمون السياسة ومصطلحاتها العلمية ، وبهذا يتيهون في مسالكها الوعرة .

الدولة في إثيوبيا ليست هبة المستعمر ، ونحن نعرف أن عالم ما بعد الاستعمار انقسم إلى شطرين ، عالم المركز ، وهو المستعمر ( بكسر الميم ) ، وعالم المستعمر ( بفتح الميم ) ومن هذا المنطلق لم تتعرض أثيوبيا مسألة الاستعمار ، ولكنها لم تخرج من إرادة الاستعمار الأوربي ورغباته ، فهي وإن كانت دولة ذات بعد تاريخي ، ولديها مخزون هائل في ثقافة الدولة ، ولكن هذا لم يخرجها من طبيعة الدولة غير الطبيعية ، فقد تحولت في المشروع الغربي إلى دولة (وظيفية) ، فهي إذا ليست دولة طبيعية من حيث التشكل السياسي للدول ، وليست دولة استثنائية من حيث أنها لم تكن هبة المستعمر ، ولكنها لأسباب جيو- سياسية صارت دولة وظيفية .

في القرنين الماضيين ، مرت الدولة في إثيوبيا مراحل سياسية خطيرة ، ولكنها لم تتعرض إلا قليلا السقوط كدولة ، كما أنها لم تتعرض للانكماش السياسي إلا قليلا ، بل كانت الدولة لديها قابلة للتمدد مستغلة الظروف الدولية في هذه المرحلة ، الفراغ الإسلامي الذي حصل نتيجة سقوط الدولة العثمانية ، وتقاطع المصالح مع الدول الغربية لأنها نجحت تسويق نفسها كدولة مسيحية في محيط إسلامي ، وهذا ما ساعد الدولة الأثيوبية في هذه المرحلة بالتمدد ، وعدم السقوط .

تغييرات سياسية كونية ، وتجدد في الدماء من الداخل

نلاحظ اليوم في الحراك السياسي في إثيوبيا أمرين هامين :

  1. هناك تجدد في المطالب السياسية ، فليس لدينا شعب يواجه الدولة ، كما أنه ليس لدينا دولة تواجه الشعب ، فإن زمن الدولة التي كانت تختفي في الشخص ، أو في المجموعة انتهى وإلى الأبد ، والسبب هو التغيير الذي حصل في نظرة المواطن إلى الدولة ومؤسساتها ، فجميع الشعب في القومية الأورومية ، وكذلك في القومية الأمهرية ، وكثير من المثقفين يريدون تغييرا حقيقيا في الدولة ، وهذا لا يخص طائفة دينية دون طائفة ، فهذا النوع من الإجماع طرأ في الساحة الإثيوبية لأسباب سنذكره لاحقا في هذا المقال .
  2. هناك تغييرات سياسية في الخريطة الكونية ، فالصراع الدولي لن يكون مرتبطا بعد اليوم في الجغرافيا السياسية فقط ، فهناك تغيير في اللعبة السياسية الدولية ، ولاحظنا هذه اللعبة في المناظرة الأخيرة بين المرشحين للرئاسة الأمريكية ، وقد أكد كل واحد منهما بأن الصين وتمددها بشكل مخيف ، وروسيا المُحتملة إلى الحلبة الدولية بقوة ، وتركيا وظهورها كقوة محورية هامة في الشرق الأوسط ، ووجود حالة من السخط العالمي في دول الهامش ، كل ذلك يخلق عالما جديدا ، ليس لأحد من البشر مهما أوتي من قوة التحكم في مساراته .

من الضروري بمكان ملاحظة هذين الأمرين ، وإلا فإننا سوف نواجه نوعا من التخبط في قراءة الملف الإثيوبي ، فهذا أيضا يجعلنا نقف أمام خريطة فكرية جديدة في إثيوبيا ، فمن الخطأ الإستراتيجي القراءة النمطية الأمريكية في هذه الدولة بدون أن نلاحظ التطور الكبير الذي يحصل في الوسط الاجتماعي والسياسي .

لقد حصل في إثيوبيا ثورة تعليمية كبرى ، ويعزى لهذا النظام الحالي الذي ، ومن حسنات هذا العهد أنه تكون ولأول مرة في التاريخ نخبة متعلمة كبيرة ، وقد حاول النظام تكوينها أيديولوجيا ، ولكن ذلك لم ينجح بشكل كامل ، ومن هنا يخاف النظام كثيرا أن الطبقة المتعلمة قد تقود في المرحلة المقبلة الثورة ، ولهذا نجد أن الحكومة ليست مستعدة حتى اليوم فتح الجامعات في عموم إثيوبيا ، لأنها كذلك تلاحظ الغصب المكبوت في الداخل ، ومن المعلوم في علوم سنة التاريخ كما يذكر الباحث بريتون بأن النخب المتعلمة التي لم تستطع الحكومات استيعابها سلميا وتهمشها لأسباب فكرية تقود عملية الثورة دائما .

لدينا خبراء في علم الثورة يؤكدون بأنها تقع في لحظة افتراق وقران ، والسؤال هو ، متى تأتي هذه اللحظة ؟ وهل جاءت اللحظة في زمن الحراك الإثيوبي ؟
يقول بريتون في تشريح الثورة : حين تفشل مؤسسات الدولة في التغيير ، قد ينشأ عنها عدم توازن نسبي ، وينشب ما يطلق عليه ثورة ، ويري الأستاذ دو توكفيل الفرنسي بأن تضخم جهاز الدولة المعاصرة ، وتدخلها في حياة الناس بشكل يومي وتفصيلي يؤدي إلى التمرد والثورة ، ويلاحظ المفكر الموريتاني الدكتور محمد الشنقيطي أن السبب في تفجير الثورات هو تخلف الدولة عن المجتمع .

في هذه القراءة المركزة لفقه الثورة ، وتاريخها ، وفهمها من خلال الحراك السياسي في أثيوبيا ، نستخلص منها ما يلي :

  1. الدولة هي مؤسسة هامة ، وضرورية ، ولكنها ليست أبدية الوجود ، كما أنها ليست مقدسة ومطلوبة لذاتها كما يشيع أدبيات الفقه السياسي في الفكر الإسلامي ما بعد الفقه الراشدي .
  2. الدولة ومؤسساتها تخدم الحياة ، وليس العكس ، والحياة متطورة جدا ، فإذا توقفت الدولة عن التطور ، تدخل في مرحلة الشيخوخة التي تحدث عنها كثيرا المفكر ابن خلدون في مقدمته ، وينتج منها انعدام التوازن الوظيفي .
  3. إن الثورة تأتي كنتيجة طبيعية لهذا التخلف والتوقف وفقا لبريتون ، وحينها تحاول الدولة أن تسبح عبئا ثقيلا على حياة الناس بدل أن تكون خادمة ، فهي تحاول من خلال القهر السياسي أن تكون مخدومة .
  4. تتحول الدولة من خلال فرضها نوعا من المواطنة ، وسلوكا سياسيا ممنهجا واحدا إلى جهاز أمني قوي ، وتحاول أن تكون وراء كل خطة ، وأن تعد أنفاس الناس ، وهذا يؤدي إلى استنزافها ، بل وإلى إخراجها من خريطة العمل السياسي الطبيعي .
  5. تصبح الدولة بكل مؤسساتها في لحظة ما خارج الفعل التاريخي ، وهو ما عبر عنه المفكر الموريتاني بتخلف الدولة عن المجتمع ، بل وتجد الدولة في حالة تآكل من حيث الشرعية ، ومن حيث العطاء والخدمات كمؤسسة كبرى وهامة وضرورية .

في متابعتنا للحراك السياسي في إثيوبيا لاحظنا ثلاثة أمور ، وهي من الأمور الهامة التي فجرت الحراك السياسي في هذا الوطن الهام وهي :

  • أن النظام السياسي اصطدم بحالة سياسية جديدة لم يكن مستعدا لها ، وهي وجود ظاهرة ( القاعدة الصلبة للتغيير ) وهي من قوميات متعددة ، ومن أفكار متباينة ، ومن اتباع ديانات مختلفة ، هذه الظاهرة أزعجته كثيرا ، ولهذا فهو يحاول كغيره من الأنظمة القمعية استخدام روح الطائفية لتمزيق صف الحراك السياسي.
  • أن الدولة تخلفت عن المجتمع في قضايا عدة ، من أبرزها أنها ليست دولة للجميع في المغانم والمغارم ، وأن النهضة العمرانية ليست متوازنة من حيث الكم والكيف ، وأن قومية في الوطن كونت كيانا موازيا ولكنه مكشوف جدا للقوميات الأخرى ، ولهذا فقد أصبحت الدولة متخلفة عن المجتمع في تطوره ونظرته المتطورة كذلك للدولة ومؤسساتها .
  • استخدم النظام الجهاز الأمني بشكل قاس جدا ضد معارضيه ، فهو من هدا الجانب يشبه النظام المصري ، ولكنه لم يتنبه لتلك الثورة الصامتة تحت السطح ، ولا يحاول تصحيح الأوضاع الأمنية بشكل سياسي معقول .

في إثيوبيا حالة سياسية بينية ، ليست فورة آنية يمكن للنظام إسكاتها بسهولة ، وليست كذلك ثورة جامحة حتى اليوم يمكن تغيير اللعبة السياسية لصالح الثوار ، ولكننا نؤكد بأن العودة إلى الوراء غير ممكن ، فهذا يعتبر بالنسبة لرجال الحراك انتحارا سياسيا ، ولا يفكر النظام الحاكم تغيير اللعبة بما يخلف ظرفا سياسيا يمكن للطرفين قبوله ، لأنه ما زال يعيش لحظة (الأنا المتضخمة) .
لا شك في أن الحراك ينبئ أن الوطن فوق بركان خامد قابل للانفجار في أي وقت ، ولكن الذكاء السياسي يتطلب من النظام أن لا ينسى التاريخ ، ففي التاريخ دروس كبيرة ، ولأهل الحراك كذلك أن يقرؤوا التاريخ ، ففيه دروس عظيمة ، ونحن نكتب كل ذلك عن إثيوبيا ، لأننا نلاحظ أولا أهميتها الجغرافية حيث تؤثر المنطقة كلها بشكل مباشر ، وأهميتها السكانية ، ثانيا ، لأن الوضع لا قدر الله ، إذا انفجر فان المنطقة كلها سوف تكون في كف عفريت ، ولأنها ، ثالثا دولة محورية هامة تعتبر في المنطقة مركزا سياسيا واقتصاديا ، فليس من الحكمة أن تتحول إلى دولة فاشلة كما تريد بعض الجهات .

في مقال لاحق ، سوف نتناول الحراك من الداخل .

%d مدونون معجبون بهذه: