أين الخلل في الوضع الصومالي الراهن؟ [ الحلقة الثالثة والأخيرة]

فقد وُجه إليّ بعض الأسئلة في الفترة الأخيرة من قبل بعض الأحباب، وكانت جميعها تنصب على الوضع الصومالي الراهن والبحث عن حل يعالج الأزمة الحالية، وبعد استماعي لهذه الأسئلة تولَّد في داخلي أنّه لا بد من حل لكل مشكلة ، وما تعانيه الأمة الصومالية اليوم لا شك أنّه مرض عضال ، ولكن قناعتي وقناعة كل مسلم يؤمن بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، القائل: “لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءُ الدَّاء بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ” كما فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه. وبالفعل هذا يبعث فينا الأمل ويحثّنا على العمل للبحث عن الحل الدائم والعلاج الناجع لقضيتنا.

وانطلاقاً من هدي نبينا ونور حبيبنا محمد – صلى الله عليه وسلم – تقوت ثقتي في الموضوع ، وانطلق قلمي تجاه البحث عن الحل والتفكير العميق رغم أنني لست ممن يكتب عن الأمور السياسية والقضايا الشائكة؛ ولعل محاولتي قد تكون سببا لحماس وتشجُّع من هم أهل للأمر من أمتتنا؛ وهم كثُر.

ورغم قلة خبرتي في القضايا السياسة – كما أشرتُ – وما له علاقة بأزمة البلاد كنتُ مقتنعاً بأنّه يمكن حل أزمتنا إذا خلُصت النوايا وبُذلت جهود جبارة في الوصول إلى حل يرضى الجميع ويخرج الوطن من عنق الزجاج إلى بر الأمان والسلام.

وليس معنى ذلك أنّه من السهل إيجاد حل للمشكلة الصومالية أو إيجاد حلول مناسبة تضمن للجميع العدالة والعيش الكريم ، ولكن الأمر مرهون بالبحث الجاد والإرادة الصارمة ثم التوكل على الله العلي القدير. ولا شك إذا اجتهدت الأمة نحو ذلك فسوف تصل إلى نتيجة مطمْئنة، مع إيجاد آلية تصون هذا النظام وتحافظ علي أن لا ينهار كما أشرنا في السابق.

ولا شك أنّ هناك أكثر من صيغة يمكن تطبيقها في سبيل الوصول إلى معالجة حقيقية للأزمة الصومالية؛ لأننا نحتاج إلى أكثر من ورقة تبحث وتنقب الحلول الإبداعية لأزمتنا العصرية.

ومن بين تلك الحلول حسب رأيي المتواضع البحث عن صيغة ديمقراطية جديدة تناسب الصومال، وهي في تقديرنا الديمقراطية التوافقية، على غرار المصطلح الذي ظهر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي في السودان الشقيق على يد الدكتور آرند لايبهارت الأمريكي بهدف البحث عن استقرار للنظام الديمقراطي في مجتمعات تعاني من الانقسامات والنزاعات. وذكر الدكتور آرند بأنّ الديمقراطية التوافقية ترتكز على أربع ركائز: تحالف حكومي عريض تمثل فيه معظم القوى السياسية البرلمانية، تمثيل نسبي غالب يستوعب مختلف المجموعات السياسية، لا مركزية الحكم، حق النقض للأقليات في القرارات التي تتضرر منها.

ورغم اختلاف أوضاع الصومال عن الوضع السوداني الذي يشهد باختلاف الأديان واللغة والعرق والعادات وغير ذلك بعكس بلاد الصومال، إلا أنّ هذا الأمر يمكن تطبيقه على الصومال وبتغيير المناسب من خلال فدرالية تقوم على أقاليمه المختلفة، ورئيس للجمهورية ونائب له ورئيس للوزراء من أقاليم مختلفة وعدد محدود من مساعدين يمثلون الأقاليم، بالإضافة إلى تكوين تشكيلات في حكومات ومجالس الأقاليم، وهذا بعكس الحكم المركزي الذي يصعب تطبيقه في الواقع الراهن.

إنّ الشعب الصومالي يحتاج اليوم من يخدم له في قضاياه الأساسية والضرورية مما له علاقة بالبنية التحية التي انهارت عقب انهيار الدولة الصومالية بأكملها، وهذا الأمر ما زال مفقوداً حتى الآن ولا يوجد من يعطيه اهتماما، بل إنّ الأنظمة الحالية المركزية أو الإقليمية مهما كان لونها ومركزها منغمسون في إثبات الوجود والبحث عن استمرار السلطة بقدر الإمكان.

وعلى الرغم من علمنا بأنّ النظام السياسي الفيدرالي باهض التكلفة، ولكنّه أكثر واقعيةً من المحكم المركزي، بل وله بعض مزاياه الحسنة، ومن ذلك أن الحكومات الفيدرالية تكون قريبة من واقع الإقليم الذي تحكمه وتعاصر مشاكله ومزاياه بشكل أفضل مما لو كانت الحكومة مركزية، وخاصة في هذه الفترة التي تمر بلادنا، وهي مرحلة حرجة، ولكن بشرط أن يكون المجلس الفيدرالي المختار أحسن حالا من السلطة المركزية ، وأن يهتم بتطوير البلاد ورعاية مصالح العباد، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن على أرض الواقع في تلك المناطق التي رفعت شعار الفدرالية، بل ما نسمع كل يوم من صرخات وشكاوى الناس من ظلم جور صناع القرار في تلك المناطق شبه المستقلة يشكل أكبر دليل على زعمنا.

ولا مناص من أن تكون الهيئة المختارة تستطيع توفير تمثيل أفضل للمجتمع المحلي في حاجاته الضرورية ومرتكزاته المهمة، ولا شك أنّ ذلك سوف يكون عوناً للحكومة المركزية؛ لأنّها حكومة للجميع وجاءت برضى الأمة؛ وبالتالي تمّ تكوينها على هذا الأساس، وبهدف الاستجابة لما تحتاج إليه الأمة في كل الأقاليم.

وتحظى الأقليات العرقية والثقافية وغيرها ببعض المزايا التي تمكنها من تعليم لغاتها المحلية في نطاق إقليمها إلى جانب اللغة العامة التي يتكلم بها جميع الأقاليم، وهى اللغة الرسمية للبلاد، وتبقى اللغات المحلية في نطاق إقليم الأقليات؛ حيث أنه لا أحد يملك الحق في فرض لغته على الأغلبية، كما يقول ذلك بعض المختصين في هذا الشأن، بل و يصرح هؤلاء أيضاّ لكل إقليم الحق في تطبيق بعض السياسات التي ليست بالضرورة أن تطبق في الأقاليم الأخرى مثل نظم التعليم ونظم الصحة ونظم الضرائب ونظم الإعلام وغيرها. وهذا من جهة يشعر الناس بالانتماء للإقليم الذي عاشوا فيه وخبروا نظمه وتأقلموا معها.

 ومن ناحية أخرى ينبغي أن لا ننسى بأنّ النظام الفيدرالي يخلق الشعور بالانفصال ونسيان الانتماء الوطني العام،

بل يسبب أحياناً كثيرةً – ولاسيما في فترة الأزمات – تداخلا في صلاحيات ومسئوليات حكومة المركز وحكومات الأقاليم، وقد تقوم كل منها بذات الأعمال؛ مما يؤدى للتصادم وعدم استغلال الموارد بشكل صحيح، ومن هنا ينبغي أن يكون تطبيقه ما يناسب على الحالة الوطنية الخاصة لأهل الصومال طالما لا توجد فوارق في الدّين بل نتمتع بوحدة في خصائل كثيرة، وهو ما تفتخر به أمتنا بل ورأسمالها الحقيقي.

 وكان المفروض على هذه الأنظمة أن تضع خطة مرسومة لمعالجة مشكلة الفقر والبؤس التي تعاني جميع محافظات الصومال، وهذا لا يتأتى عبر الحكومات الفيدرالية وحدها، بل بتضافر الجميع؛ لأنّه أمر مرتبط بالاستثمار المالي الكبير من رجال الأعمال الوطنية والأجنبية والشركات العملاقة حتى تتحقق معالجة الفقر المدقع الذي تعاني منه الأمة الصومالية منذ أعوام عديدة، ولكي تتقوى الروح الوطنية ينبغي أن يتم الأمر على شكل متزن بعيداً عن أنانية وتركيز على مصالح الإقليم دون غيره.

 وكم كنت أحب أن أكون مخطئاً عند ما أقول إنّ أمتنا ليست حرة كريمة طالما يُحرَّك مصيرها السياسي بأيادي أجنبية، وطالما أنّ هذه الأيادي تعمل ظاهرةً وخفيةً.

 وأخيراً نختتم كتابتنا في هذه الحلقات بأنّه يصعب تحقيق أحلام سياسة نزيهة ترتكز على دعائم قوية بدون ثقافة الاختيار الحر النزيه، والأحزاب الناضجة، والطبقة الوسطى الداعمة، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المناسب؛ وغير ذلك مما يحقق للأمة الخير والرفاهية ويضمن لها الحرية والكرامة المنشودة.

%d مدونون معجبون بهذه: