أين الخلل في الوضع الصومالي الراهن [2]

عند أفول نجم الدكتاتورية والحكم العسكري انهارت البنية التحتية للبلاد، وأثبتت التجارب المختلفة التي أعقب ذلك من السنين العجاف الطويلة بأن الصومال لا يمكن أن يُحكم في هذه الفترة بحكم مركزي أو شمولي كما ذكرنا في الحلقة الماضية؛ لأن البلد مفكك وغير موحد عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؛ ناهيك عن ما تعاني البلاد اليوم من الاختلاف والتباين في الفصائل والكتل السياسية التي ترفع لافتات شبه وطنية.

ومن المفارقات أنّ مرض الاختلاف العضال لم تسلم منه حتى تلك المنظومات التي تحمل شعارات إسلامية، ولو في داخل حركة معينة واحدة بحيث لم تنج أي حركة من هذا التشرذم والاختلاف، ومما يؤسفنا أيضا توقع بعض المراقبين باتساع الهوة فيما بين هذه التكتلات يوماً بعد يوم حسب قراءة المختصين في مجريات الأحداث والحركات المعاصرة، ولعل ذلك مرده إلى تأثيرات الحكم الشمولي البائد وسوء تطبيقه.

وقد أثبتت التجارب أن الديمقراطية الليبرالية التنافسية بقوالبها المختلفة حتى وإن تزينت بلباس الفيدرالية بدون مرتكزات وآلية تُحفظ عليها لا تعيش طويلاً في المناخ السياسي الصومالي الحالي في ظل استمرار فقدان أرضية تمهيدية تصون النظام السياسي وتكون حزام أمان تحتمي به من الانهيار والسقوط.

وما نسمعه بين فينة وأخرى من وسائل الإعلام المحلية من شكاوى ونداءات تأتي من أهلنا في مناطق مستقرة وآمنة تبنت على نظام مستقل منفصل، وأخرى تعيش ضمن النظام الفيدرالي لا يبشر بالخير، ولم يكن بديلاً عمّا جرت عليه البلاد من قبل، ومن الغريب أن نرى هؤلاء وهم يفتخرون بتطبيق ذلك وممارسته على أرض الواقع، وكأنّهم يرفضون الحكم الشمولي للبلاد ككل، ولكنهم متشبثون به ويهرولون إليه لتطبيقه على بقعة معينة من البلاد تحت أعلام جديدة؛ سواء كان على طابع استقلالي انفصالي من معلن من جانب واحد ، أو ضمن النظام الفيدرالي الإقليمي وفق ما هو مدون في دستورهم المفضل لديهم، وهذا عجب العجاب.

والحقيقة إنّ الغليان السياسي والتوتر العصبي في التكتلات والأقاليم في أرجاء الوطن بدون استثناء مرده – حسب رأيي – ليس فقط عدم احترام الدستور المختار وحمايته من التلاعب والاحتكار، وإنما هناك انعدام التربية السياسية وتذوقها عند ممارستها في الأرض الواقع ، وبدلاً من الإبداع فيها والمرونة بمحاكاتها يتطفل البعض في أمور مصيرية كان من المفروض التحفظ بشأنها ليس لأجل الوطن والمواطن فحسب، وإنما لحفظ كرامة أنفسهم و مستقبلهم السياسي، وبذلك يسود الأمن والأمان في البلاد والعباد.

إنّ مجتمعنا يفتقد دعائم قوية يعتمد عليه تجاه النظام الحر أو الاختيار النزيه الشفاف، وهو ما يسمى حرية اختيار المصير (الثقافة الديمقراطية) في القرى والأرياف قبل المدن والحضر، وهذا الأمر عكس سلباً على المناخ السياسي على البلاد.

إن الفترة التي أعقبت استقلال البلاد والتي تميزت بممارسة النظام الديمقراطي والتعددية الحزبية هي فترة لم يتم بناؤها على ركائز أساسية؛ لأن الساحة كانت خالية عن الأحزاب الناضجة ذات الأفق الواسع؛ على الرغم من أن الساحة الصومالية لم تكن خالية من الأحزاب وحرية القول وممارسة الحياة السياسية، إلا أن انشغال الساسة والأحزاب في استحواذ المناصب والتنافس الحزبي المذموم جعلها لا تستند إلى مقومات أساسية، بالإضافة إلى تزايد التفكير القبلي والمناطقي الذي صبغ الساحة بألوان وعناوين خاوية لا معنى لها. وإذا رجعنا إلى مرحلة الحسم العسكري فكلنا نعرف كيف أنّه كلما يلتقي أهل الصومال في لقاء عام مشترك يعترف كل واحد منهم بأنّ الأزمة الصومالية لا بد لها حل سلمي بعيد عن العنف والحسم العسكري، وذلك نتيجة لتجارب سلبية سابقة في أكثر من موقع في البلاد. ولكننا مع الأسف نرى أنه سرعان ما ينفجر بركان الحرب والنزاعات المسلحة بين الإخوة الأشقاء بدون مبررات مقنعة.

 فقد كان من المفروض أن يتعظ أهلنا بتلك المحاولات الفاشلة التي كانت تهدف إلى الحسم العسكري مهما كان لونها وشعارها؛ لأنّنا مسلمون وشركاء في الوطن، وحتى إن تلك المحاولات العسكرية من قبل جماعة الاتحاد الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي زادت الطين بلة، سواء في جنوب البلاد بما فيها كيسمايو ولوق وبوساسو أو حتى في منطقة الإقليم الإيثوبي الخامس المعروف بأغادينيا؛ بسبب انعدام الاستراتيجية وبُعد النظر، بالإضافة إلى عدم التعاون أو الاندماج مع الجبهات التحريرية الأخرى والتي ما زالت حتى يومنا هذا تكافح وتجاهد لتحرير الوطن من أيدي الأحباش الغاصبين رغم استسلام من رفع شعار الجهاد والكفاح بالأمس وهرولته إلى المحتل، بل ومن خلال تلك المحاولات خسرت أمتنا أرواحاً كثيرةً وأموالاً طائلةً بغير مبرر، وكنا غنى عنها.

ونعتقد بأنّ أزمة الصومال لا تنفصم عن مشلكة الأوغادين ولا يمكن لها حلاً خالداً ينعم به أهل ما كان يُعرف بجمهورية الصومال حتى يأمنوا من الخنجر الحبشي في ظهرهم ، وحتى ينعم أهلنا هناك ( الصومال الغربي) الحرية والاستقرار السياسي بعيداً عن التسلط الحبشي وغشيان أذيال الاستعمار الذين يعتدون على حقوق الإنسان والحيوان ليل النهار.

وأخيرا نخلص إلى القول بأن من يحلم بتحقيق مآربه بوسيلة عسكرية سيفشل ويؤول حلمه إلى أضغاث أحلام، والكل يعرف بأن أمتنا رأت الحرب ومرارتها في أبشع صورها، أما الفصائل الإسلامية اليوم فإنها تفتقر إلى استراتيحية واضحة للتعامل مع القضايا الشائكة في الداخل والخارج، وبما أنها بمختلف مشاربها لم تحسن التعامل فيما بينها؛ فكيف يكون الأمر عندما يتعلق بالوطن ومستقبل الأمة…وللحديث بقية.

%d مدونون معجبون بهذه: