أين الخلل في الوضع الصومالي الراهن [1]

في السطور القادمة سوف ندندن حول أزمة الصومال وما أثير حولها من الحلول والمقترحات تجاه نوعية الحكم والنظام الذي سوف تتبناه البلاد، وآخره النظام الفيدرالي بدلاً من الحكم المركزي الشمولي بغية الوصول إلى نظام يؤدي إلى الاستقرار في البلاد، وإيجاد حل ناجع للمعضلة الصومالية التي استمرت سنين طويلة.

 وقد تساءل الناس إذا كانت الفيدرالية تنقذ البلاد أم لا؟ وكثير من متابعي الوضع الصومالي الراهن وأزمته العصرية يدرك بأنّ هذه الأسئلة وغيرها كانت جزءا مما كان يجري في أروقة مؤتمرات المصالحة داخل البلاد وخارجها منذ المحاولات الأولى لأهل الصومال؛ لإخماد نار الفتنة التي اشتعلت في البلاد، والتي أكلت الأخضر واليابس عقب انهيار السلطة المركزية ثم ما حدث من الانفلات الأمني.

 وحتى لحظة كتابة هذا المقال ما زالت الأمة تبحث عن كيفية خروج البلاد من هذه المحنة الكبيرة. ولم يأت من فراغ حدوث أكثر من عشرين مؤتمرا هدفه البحث عن طريق يؤدي إلى إيجاد حل سلمي للأزمة، وخلال ذلك أثيرت تساؤلات تنصب في هذا الاتجاه .. ومن ذلك: كيف يكون الحل للمعضلة الصومالية وأزمتها الراهنة؟ كيف الوصول إلى حل مناسب لمشكلة البلاد الحالية؛ من حيث النظام المتبع أو اختيار طريقة مناسبة للخروج عن محنة البلاد. كما تمّ طرح مسألة الفيدرالية بل وزجّت في الدستور الصومالي دون تفصيل أو توضيح ملامحها.

ثم فيما بعد تحول الأمر إلى تأييد هذا النوع من النظام وتطبيقه على أرض الواقع بحيث شرع بعض أجزاء من مجتمعنا إلى تأسيس ولايات وأقاليم ذات نفوذ محدد لا تخضع للسلطة المركزية. ولكن متى تكون الفيدرالية نافعة وتحل مشكلتنا السياسية؟ سؤال مهم جداً. وهل نحتاج إلى فترة معينة تكون أمتنا مهيأة لهذا الأمر؟ وبدلاً من أن نتساءل هذا الطراز من الأسئلة أو غيرها أصبحنا منقسمين ومشغولين بين مؤيد لهذا النظام أو معارض له، ومن الغريب أنّ كلا الفريقين يرفع لافتات وطنية ترمى إلى مصلحة الوطن والمواطن وإلى بحر العدالة والحرية.

ومن خلال قراءتي للمشهد الصومالي السياسي أرى بأنّ المعضلة الصومالية وأزمتها الراهنة المعاصرة ليست فقط أزمة دستور أو نظام معين صالح لإدارة البلاد وتوفير العدالة والمساواة بين أبناء البلد فحسب، وإنّما أيضاً إيجاد مناخ سياسي مناسب لتطبيق هذا النظام وكذا الآلية التي توفر هذا الجو وممارسة النشاط السياسي الشفاف دون المساس بكرامة الإنسان وشرف الوطن ومقدساته.

 فكلنا نعرف بأنّ هناك دولا طبقت النظام الفيدرالي وحققت نجاحاً باهراً، كما نعرف أيضاً دولاً أخرى اعتمدت على السلطة المركزية أو ما يسمى الحكم الشمولي وحققت أيضاً تقدماً في مجالات كثيرة متنوعة بما فيها المجال السياسي والاقتصادي، إذاً المشكلة ليست على النظام المعين المتفق عليه، والذي يتمّ بالتشاور والجلوس حول مائدة مستديرة، وإنّما المشكلة إيجاد أرضية صالحة لتطبيق هذا النظام والآلية التي تراعي لتطبيقه، وكذا المرجعية لحمايته ولصيانته والدفاع عنه.

لا شك أننا اليوم نحتاج إلى أي نظام يحقق للأمة الصومالية العدالة الاجتماعية فيما بينهم والعيش الكريم والمساواة في توزيع ثروات الوطن دون أن تستأثر وتحتكر فئة معينة لخيرات البلاد وثرواته. كما تحتاج الأمة إلى نظام يضمد الجرح العميق الذي أصابها تحت علم الجمهورية وباسم الوطن.

إن المتمعن في المسيرة السياسية للصومال يدرك بأنّ الصومال لم تجد منذ استقلالها استقراراً سياسياً على الرغم من إيجاد قيادة حكيمة قادت البلاد في بدايات عمر الدولة؛ ولكن لم يتحقق استقرار يبعث البهجة والشعور بالاستقرار السياسي، بدليل أن النظام الديمقراطي الذي اختاره الصومال لأول وهلة بات مآله إلى الانحطاط والفشل بكل سهولة قبل سقوطه على أيدي العسكر بسبب افتقاره إلى آلية تحافظ على المسيرة السياسية، مما يدل على أن مرتكزات هذا النظام كانت هشة ضعيفة، ولم تنقذه القيادة الحكيمة التي ساست البلاد في فترة قصيرة.

والآلية التي نعني هنا ليست القوة العسكرية أو نظام قضاء صارم، لأنّ النظام العسكري الذي قاد البلاد أطول فترة حكم شهدته البلاد لم يستطع الصمود والاستمرار على الرغم من أنّه كان يمتلك القوة العسكرية الجبارة، بل فشل في تحقيق الاستقرار والسلام والتنمية الاقتصادية والبشرية.

والحكم الرشيد الذي نطالب بتطبيقه والسير عليه لا يتأتى من اختيار نوع معين من الحكم، وكوادر وطنية تحرص على تنفيذه ليسود البلاد الرخاء والأمان فحسب، بل يكون ملموسا ومتمثلا في سلوك المجتمع بشرائحه المختلفة دون استثناء، بحيث يفهم كل واحد منهم بأنّ الوطن للجميع والمسؤولية ملقاة على عاتق الأمة بأكملها، وهذا الأمر لا يأتي بيوم وليلة وإنّما من خلال تربية ووعي راشد يتلقى الشخص خلال نموه منذ طفولته المبكرة عبر دوائر رياض الأطفال والمدرسة وغيرها؛ لأنّ بناء المجتمع وتنميته أهم ركائز الحكم الرشيد، وهي أهم من بناء الجدران والقصور والطرق المعبدة؛ لأنّ المجتمع الصالح أهم دعائم الحكم الرشيد والعامل القوي لبقاء الحياة الكريمة وشرف الأمة ، وما يجعل تضعف الدولة والحياة الكريمة والنظام الديمقراطي في أوطاننا بما فيها بلاد الصومال هو فقدان مجتمع رشيد وسطي داعم لمسيرة الأمة ومقدساتها ومستقبلها الوطني، وبالتالي فلا نستغرب إذا صارت الساحة السياسية الصومالية اليوم مرتعاً للأعداء والذئاب وموطن الغرباء من كل حدب وصوب.

%d مدونون معجبون بهذه: