أزمة السياسة في الصومال [14]

يبرز الدور المتعاظم للمغتربين الصوماليين في بلاد المهجر بمجالات الإدارة العامة والأمن والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والإعلام. ففي المجال الإداري نرى أن أغلب مرشحي الرئاسة السابقين والمحتملين من المغتربين في شمال أمريكا وأوروبا فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نشير إلى محمد عبد الله محمد ( فرماجو )، عبد الله أحمد عدو وغيرهم إضافة إلى أنهم يشكلون غالبية أعضاء البرلمان الفدرالي الحالي ( نحو 75 % ) وكذلك ما يقارب هذه النسبة في مجلس الوزراء إضافة إلى نسبة لا بأس بها في سلك قطاع الموظفين المدنيين في الدوائر الحكومية الرسمية؛ إلا أن النسبة تقل كلما اتجهنا نحو أسفل الهرم الإداري للحكومة.

أما في المجال الأمني، فهناك اتهامات بوقوف المغتربين ضد جهود جلب الأمن والاستقرار بشكل مباشر وغير مباشر، فعدد من التفجيرات الانتحارية في البلاد نفذها مغتربون قدموا من بلاد أوروبا وأمريكا وليس هذا فحسب؛ فهناك دراسات أمنية تشير إلى أن التمويل الذي تستخدمه الحركات المتمردة يأتي من المغتربين أيضا.

أما من الناحية الاقتصادية فإن أغلب المغتربين عوضا عن استثمار أموالهم في بلادهم يستثمرون في بلاد أخرى متحججين بالظروف الأمنية رغم أن الوضع الأمني لن يتحسن إلا إذا تم ضخ أموال طائلة في البلاد لخلق آلاف من فرص العمل، وخاصة لفئة الشباب المعرضين إما للهجرة غير الشرعية أو الانخراط في الأنشطة الإجرامية؛ وذلك لقلة أو انعدام الفرص المتاحة أمامهم، أما المشاريع التي أتوا بها فليست بمشاريع إنتاجية تساهم في نمو الاقتصاد الصومالي كالمشاريع الزراعية والإنتاج الحيواني والمشاريع الصناعية التي من شأنها أن توفر مئات من فرص العمل للبسطاء؛ ولكنهم للأسف يستثمرون في مشاريع ريعية كبناء فنادق ومطاعم سبعة نجوم، ومما يزيد الطين بلة أن العاملين في هذه المشاريع أجانب في الوقت الذي يرزخ فيه المواطنون من ظاهرة تفشي البطالة وانعدام فرص العمل.

أما من الناحية الاجتماعية فإن السلوكيات التي أتوا بها أصبحت غير مقبولة من المجتمع المحلي أدبيا، وقد اشتكى منها عمدة مقديشو السابق – الذي للمفارقة أيضا يعد من المغتربين – من هذه الثقافات الدخيلة على المجتمع الصومالي. ويعزي بعض المحللين إلى أن أزمة السياسة في البلاد إنما ترجع -جزئيا – إلى تولي المغتربين زمام القيادة، وخاصة الذين يعيشون انفصاما مع واقع وهموم المواطنين المحليين؛ وبالتالي لا يمكن لهم فهم مجريات وخفايا البيئة الحقيقية التي يعيش فيها المواطن البسيط ناهيك أن يأتوا بحلول تفضي إلى تجاوز الواقع المرير.

وتتجه سهام اللوم للمغتربين بعدم الولاء للبلد والعلم بل ويزيد البعض بأن معظمهم يعملون لصالح الدول التي يحملون جنسيتها ولا يهتمون لتحقيق المصالح الصومالية، ويتعاملون مع الصومال بمنطق المتعاقد مع شركة بل وأقل من ذلك، وعندما يفقد المسؤول المغترب منصبه لا يمكث في البلاد أكثر من شهر وإنما يغادر إلى بلده الأصلي (الذي يحمل جنسيته) ويترك المواطنين يقاسون ويلات ظروفهم ضاربا عرض الحائط ما كان يتشدق به من إظهار وطنيته الزائفة وعنترياته المزعومة ويقول في نفسه ما لي ولهم! إن لي بلدا آخر أفضل من هذا البلد التعيس !!!

ولهذا فقد تعالت الأصوات المطالبة لوضع حد لتغول المغتربين في رسم سياسة البلاد بعيدا عن مصالح الشعب والأمن القومي للوطن بما أن هؤلاء السياسيين يحملون جنسيات أجنبية وقد أقسموا بولاء الطاعة لعلم غير العلم الصومالي، وقد نادى فئة من سياسيي الداخل بسن تشريع من البرلمان في قانون الجنسية بعدم ترشح مزدوجي الجنسية للمناصب السياسية والأمنية التي تمس السيادة والأمن الوطني ووضع لجنة الانتخابات لوائح تشترط أن يحمل المرشح لمنصب سياسي رفيع كالرئاسة والوزارة وعضوية البرلمان بأن يحمل الجنسية الصومالية دون غيرها، ونادى آخرون بأن يتنازل المرشح الراغب في تولي منصب سياسي رفيع عن جنسية الأجنبية وذلك بكتابة إشعار خطي للدولة التي جنسته يشعرهم فيها بتنازله عن هذه الجنسية لصالح الجنسية الصومالية، ولكن المؤسف أن مفوض لجنة الانتخابات الوطنية وأكثر أعضائها أيضا من المغتربين مما يوضح حجم التأثير للمغتربين الصوماليين في سياسة البلد.

وحتى لا يلتبس الأمر على البعض، فالتشريع المقترح لا يشمل المغتربين غير الطامحين في الانخراط بلعبة السياسة، فهؤلاء يمكنهم أن يحملوا جنسية أجنبية طالما بقوا بعيدين عن تولي منصب سياسي أو أمني حساس.

4 تعليقات

  1. شكرآ أستاذ عبد الرحمن على هذا الطرح الجيد .ولكن إذا كان الحديث عن روح الولاء والانتماء لهذا الوطن أعتقد وهذا رأي بأن الحديث يستهدف المغتربين و المقيمين على حد سواء ولكن المغترب يتفوق على المقيم بأن له انتماءات متعددة بعضها تحتاج تفسير . لك مني جزيل الشكر

  2. ايه والله صدقت ايها الكاتب وبارك الله فيك … ومقال في الصميم

%d مدونون معجبون بهذه: