أزمة السياسة في الصومال (13)

يميل الصوماليون إلى الهجرة واستكشاف المجهول بطبيعتهم والبحث عن مغامرات جديدة تختلف عما ألفوه، ولهذا فقد انتشر الصوماليون في أصقاع المعمورة منذ أمد بعيد؛ ولكن موجات الهجرة بدأت ترتفع وتيرتها في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما دخل الصومال في أزمة سياسية بعد أن عم الشعب سخط عام لتدهور الأوضاع المعيشية ودخول البلاد في حرب طاحنة مع إيثوبيا، وعندما وضعت الحرب أوزارها أفرزت ظهور الجبهات المعارضة المسلحة والتي لعب فيها المغتربون دور القيادة والتمويل وتحديدا الرعيل الأول من المغتربين في البلدان العربية، وخاصة الخليج العربي إضافة إلى المغتربين في بريطانيا، وبدونهم لم يكن بالإمكان نجاح المعارضة المسلحة في تقويض عرى النظام العسكري لمحمد زياد بري.
ففي البداية ظهرت جبهة الخلاص الديمقراطية الصومالية (SSDF) التي كان من قيادتها العقيد عبد الله يوسف أحمد ، ورغم نجاح النظام العسكري في قمع وإخماد نشاط هذه الجبهة إلا أنه سرعان ما ظهرت جبهة الحركة الوطنية الصومالية (SNM) ومن قياداتها الرئيس الحالي لصوماللاند والتي جوبهت بذات الحزم من قبل النظام في عام 1988، ولسوء حظ النظام فلم يستطع التقاط أنفاسه ومراجعة حساباته حتى ظهرت جبهة المؤتمر الصومالي الموحد (USC) ومن قياداتها الجنرال محمد فارح عيديد والذي نجح في إسقاط النظام العسكري بقيادة محمد زياد بري.

لقد لعب المغتربون دورا حاسما في إسقاط النظام العسكري سياسيا وعسكريا واقتصاديا وإعلاميا، وللأسف الشديد لم يفكروا في إيجاد البديل للنظام، لقد كان جل همهم ليسقط النظام وليأت إبليس بعد ذلك !!! لم تكن لدى المعارضة المسلحة إستراتيجية سياسية موحدة وإنما كان لدى كل فصيل مشروع سياسي خاص به، يحلم فيه بحكم الصومال لوحده وقهر الفصائل الأخرى أو الانفصال عن بقية الصومال والخروج من دوامة النزاع.

بعد سقوط النظام واندلاع الحرب الأهلية في بداية التسعينيات من القرن الماضي بدأت موجات الهجرة الجماعية للصوماليين فيما يمكن وصفه بظهور الجيل الثاني من المغتربين إلى شتى بقاع العالم، ولاسيما إلى الدول الغربية التي تعد الوجهة المفضلة لأكثر المهاجرين وأرض أحلامهم لتحقيق طموحاتهم وأمنياتهم في أرض المهجر بعيدا عن الأهل والأحباب وشعارهم إن ضاقت بنا أرضنا فأرض الله واسعة نمشي في مناكبها ونأكل من رزقه، ويتمثلون قول الشاعر :

لعمري ما ضاغت بلاد بأهلها …. ولكن أحلام الرجال تضيق
ولهذا آثر المغتربون ترك أوطانهم مجبرين غير مخيرين، يبحثون عن فرص النجاة بأنفسهم وتغيير أحوالهم إلى واقع أفضل في بلاد الغربة :

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ مِنْ رَاحَة فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرب

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ
والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ
والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى في أَمَاكِنِهِ والعودُ في أرضه نوعً من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ

المغتربون الصوماليون لهم تأثير واضح على الحياة العامة في الصومال بكل مناحيها، بما ذلك أزمة السياسة في البلاد، وتفوق التحويلات التي يرسلها المغتربون الصوماليون إلى بلادهم المعونات الأجنبية التي تقدمها جهات المانحين حيث يبلغ حجمها 1.3 مليار دولار سنويا ويستفيد منها نحو 40% من الصوماليين حسب وكالة رويترز، ولكن دور المغتربين الصوماليين في الخارج سيف ذو حدين، فرغم بعض الإيجابيات التي تحسب للمغتربين في انتشال البلاد من مستويات الفقر المدقع وإضافتهم للحياة العامة تجاربهم وخبراتهم التي اكتسبوها من بلاد المهجر، إلا أن الملاحظ تغير النظرة الإيجابية عن المغتربين؛ وهنا يجب أن نميز بين نوعين من المغتربين فئة تجنست بالجنسيات الأجنبية وأخرى لم تحمل جنسيات أجنبية ويسوغ المغتربون حملهم لجنسيات أجنبية لضرورات التنقل لعدم اعتراف دول كثيرة لجواز السفر الصومالي ! ولا يعرفون أنهم بذلك يساهمون في القضاء على الهوية الوطنية لبلادهم إن كانوا يفقهون.

ومع تحسن الأوضاع في البلاد؛ بدأ المغتربون في العودة إلى بلادهم والانخراط في أنشطة المجتمع ومحاولة قيادته مما خلق بعض الصدام الذي يرد منشؤه إلى اختلاف طريقة التفكير والاختلاف الثقافي ، ويشكو السكان المحليون من تصرفات فئة من المغتربين ومن سلوكياتهم الفجة التي لا تمس بشيء للعادات والتقاليد المتأصلة في نفوس الصوماليين؛ والتي اكتسبوها من بلاد الغربة، ويلاحظ المراقبون تزايد التذمر الشعبي والسخط العام من المغتربين، ففئة الشباب يبدون امتعاضهم من المغتربين الذين أخذوا فرصهم في التوظيف دون وجه حق لدى الدوائر الرسمية وصولا الزواج، وهذا التغول في شؤون حياة المواطنين للمغتربين له تداعيات وانعكاسات لا تحمد عقباها، ويخشى الخبراء من أن تتفشى الكراهية تجاه المغتربين لتصل إلى حد الظاهرة مما يمكن أن نطلق عليه ( Diaspora-phobia) أي العقدة من المغتربين. يبرز الدور المتعاظم للمغتربين الصوماليين في الإدارة العامة والأمن والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والإعلام.

2 تعليقان

  1. كلما زاد تجوال الإنسان في العالم كلما فتحت له آفاق. فالصومالي جال في الأرض وهذا شيء يمتاز فيه ولكن ذلك لا يعطيه الحق بأن يأتي بطائرة ويتسلم الأمور مباشرة، عليه أن يتواضع للوطن، ويتعرف على الوطن والمواطن ويرتقي سلم الإنجاز درجة درجة . شكرآ لك

    • عبد الرحمن عيسى

      أوافقك الرأي 100% وأزيد لا بد من سن تشريعات تكفل حقوق الجميع من المواطنين مغتربين وغير مغتربين في مجالات السياسة والإقتصاد والشؤون الإجماعية لضمان الحقوق وتكافؤ الفرص كي لا يكون الشأن السياسي والإقصادي دولة بفئة دون غيرها
      وشكرا على الإسهام القيم

%d مدونون معجبون بهذه: