أزمة السياسة في الصومال [12]

يتابع كثير من المواطنين والمهتمين في الشأن الصومالي بشغف تطورات المشهد السياسي الصومالي في ظل اقتراب السباق الرئاسي نحو القصر الجمهوري (فيلا صوماليا) ويتساءلون عن مصير البلاد بعد نهاية فترة ولاية الرئيس حسن شيخ محمود بعد أن كثر الحديث عن رؤية 2016 في إجراء انتخابات حرة ونزيهة لترسيخ قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ويشكك المراقبون في تحقيق تلك الرؤية وفق الجدول الزمني المتاح وحسب ما تدل عليه المؤشرات الأولية على الساحة الصومالية، والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو هل الحكومة الصومالية الحالية قادرة على توصيل البلاد إلى محطة 2016 بسلام، وهل ستقود البلاد إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ؟

الحكومة التي يقودها عمر شرماركي ورثت مشاكل جمة وملفات عويصة وعليها أعباء ثقيلة من أهمها قيادة البلاد نحو أجواء مستقرة سياسيا في المقام الأول ثم معالجة الملف الأمني والاقتصادي ومراجعة الدستور وتشكيل باقي الولايات الفيدرالية مما يجعل الحمل ثقيلا عليها ويصعِّب من مهمتها، وخاصة أن الوقت الممنوح لها قليل جدا ولا يتناسب مع المهام الجسام الملقاة على عاتقها، وقد لا تنجح في كل هذه الملفات الضخمة ولكن المهم أن لا تتراجع إلى الوراء.

يترقب الجميع عودة البرلمان الفيدرالي الصومالي من إجازته وبداية الدورة البرلمانية السادسة؛ حيث من المنتظر إصدار تشريعات مهمة بشأن رؤية 2016 وكذلك إنشاء لجان ضرورية لتنفيذ تلك الرؤية، وقد أضحى البرلمان الصومالي عقبة وجزءا من المشكلة في مرات كثيرة وخاصة في ملابسات تشكيل الحكومة الحالية التي رأت النور بعد ولادة عسيرة بعد أن انقسم البرلمان إلى كتل؛ كل واحدة منها تسعى إلى فرض مطالبها على رئيس الحكومة، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد السياسي أكثر مما كان معقدا، ولكن رئيس الحكومة نجح في احتواء أزمة البرلمان بتشكيل حكومة تكنوقراط ؛ حيث راعى توازن الكتل وضم إلى الحكومة عددا كبيرا من أعضاء البرلمان كنواب للوزراء ووزراء دولة، وبشكل عام يشكل النواب في مجلس الوزراء الحالي المكون من 66 عضوا بما فيهم رئيس الحكومة غالبية كبيرة ولكن الخوف يأتي من عودة الخلافات والأزمات التي يجيدها البرلمان كما يقول المثل العربي عادت حليمة إلى عادتها القديمة !!!

يذهب بعض المحللين أن اجتماع الرئيس الصومالي مع قيادات بعض الولايات في مقديشو ناقش هذه المسألة وتناول كيفية تحقيق رؤية 2016 من إجراء الإحصاء السكاني والاستفتاء على الدستور وتعيين لجنة الانتخابات وإصدار القوانين كقانون الأحزاب واللجان الأخرى الضرورية لتحقيق استحقاق 2016 وإجراء الانتخابات.

يجادل هؤلاء المراقبين بأنه يستحيل تنفيذ كل هذه الملفات المطلوب إنجازها في غضون أقل من 18 شهرا؛ ولهذا يؤكدون أن الاجتماع بحث البدائل المناسبة في حالة تأكد فشل تنفيذ الرؤية وفق الجدول الزمني المرسوم، وبالتالي فمن المطروح فكرة التمديد لفترة عامين للمؤسسات الدستورية من الرئاسة والحكومة والبرلمان التي ربما لن تحظى بموافقة الفرقاء السياسيين الطامحين في الوصول إلى القصر الرئاسي ( فيلا صوماليا ).

ومن المقرر عقد لقاء مماثل في غرووي حاضرة ولاية بونتلاند في القريب العاجل لإجراء جولة أخرى من التشاور حول عملية التحول السياسي المرتقبة وآلياتها والبدائل المطروحة، ومن بينها مسألة التمديد.

ولكن الرئيس الصومالي صرح بأن لا اتجاه للتمديد كما نوه بتجاوز اختيار النواب من زعماء العشائر وذلك لتطوير بدائل أخرى أكثر شرعية وشفافية إذا أدركنا باستحالة إجراء انتخابات في الظروف الحالية التي لم تكتمل فيها التشريعات واللجان اللازمة فضلا عن الترتيبات الأخرى من الأمن وإحصاء السكان وتقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن برزت إلى الواجهة في الآونة الأخيرة بعض المواقف التي تبدي مرونة لدراسة فكرة التمديد من بعض الأحزاب والتكتلات القائمة وذلك لعدم وجود الأرضية المناسبة والأجواء غير المهيأة للانتخابات مثل توفير الأمن وتمرير القوانين المنظمة للانتخابات وقانون الأحزاب. منها ما صرح به رئيس حزب المؤتمر ( كلن ) الأستاذ عبد القادر محمد عثمان لشبكة الشاهد في حوار نشر في 5 أبريل 2015 في معرض رده على سؤال عن البدائل المطروحة في عام 2016 حيث قال هناك مقترحات تبرز في الساحة مثل التمديد للبرلمان دون الرئاسة مع انتخاب قيادة جديدة للبلد، ونظام القوائم للأحزاب السياسية، ونظام زيادة عدد الذين يختارون أعضاء البرلمان من شيوخ القبائل فقط سابقا إلي نظام الفئات الاجتماعية مثل المثقفين والتجار والعلماء والشباب والمرأة وشيوخ القبائل ، وهذه كلها أفكار قيد الدراسة.

الجدير بالذكر أن قانون الأحزاب السياسية لم يصدر بعد من البرلمان الذي ينظم الممارسة الحزبية مما يجعل الأحزاب الموجودة على الساحة مشاريع أحزاب مستقبلية لعدم وجود الغطاء القانوني لها، كما أن البلاد لم تألف التجربة الحزبية بعد انقلاب العسكر وقضائه على التعددية الحزبية؛ وهذا أدى لنسيان التجربة الحزبية ولكن التجربة تحتاج إلى ضبط وتنقيح وتثقيف الجمهور بتقاليد الأحزاب السياسية واختلافها عن المؤسسة القبلية المعروفة للمواطنين أو الجماعات الإسلامية.

هناك سيناريوهين محتملين حدوثهما في العام 2016 ويتمثل الأول في إجراء شكل من أشكال الانتخاب بدعم من المجتمع الدولي للبرلمان الصومالي الذي بدوره سينتخب الرئيس لأن البلاد غير قادرة على إجراء انتخابات رئاسية إلى جانب البرلمان، أما الثاني وهو بقاء الأمر على ما هو عليه بصمود صيغة المحاصصة القبلية وبقاء شيوخ القبائل أسياد الموقف في المشهد السياسي الصومالي لعدم جاهزية الصومال لإجراء أي شكل من أشكال الانتخاب التي يعرفها العالم.

يدرك المتابعون للشأن السياسي الصومالي أن قاعدة المحاصصة القبلية 4.5 ستستمر في الأمد المنظور على الأقل لعام 2020 إذا لم تحدث انتكاسة ترجع الأوضاع إلى المربع الأول، ومع بدائية هذه الآلية التي يجري عليها الأمر في اختيار البرلمان الصومالي من زعماء عشائر لا يعرفون من أسس الدولة إلا القليل، فإنها تعد الآلية الوحيدة التي نالت ثقة الشعب الصومالي واكتسبت شرعية ورضا جماهيريا ليس لكونها حلا مثاليا ولكن لأن الناس ألفتها، ومن غير الواضح إذا تم تغيير هذه القاعدة أن البديل سينال القبول ؟

المتشائمون يخشون حدوث الأسوأ والرجوع إلى المربع الأول، ولكن المتفائلين يرون أنه مهما يحدث من عقبات ومشاكل تعترض مسيرة التحول الديموقراطي الهش المدعوم من المجتمع الدولي فإن الأوضاع لن تنتكس وتعود عقارب الساعة إلى الوراء، ومن المستحيل تنفيذ كل الاستحقاقات المطلوبة كما أن انتكاس الأوضاع ليس واردا ؛ لأن دوام الحال من المحال. والأمر المؤكد هو أن تحقيق رؤية 2016 ستنقل البلاد من حقبة الاقتتال والفشل إلى مرحلة الاستقرار والازدهار وتداول السلطة سلميا بأدوات حضارية وستجعل البلاد تتبوأ مكانتها الطبيعية في المنطقة والإقليم وفي المجتمع الدولي.

%d مدونون معجبون بهذه: