أزمة السياسة في الصومال (11)

في الآونة الأخيرة تزايدت وتيرة إعلان إنشاء الأحزاب السياسية بشكل ملحوظ استعدادا لانتخابات عام 2016 المرتقبة؛ وفي هذه الحلقة سنسلط الضوء على تجربة الأحزاب السياسية مستعرضين إيجابيات التجربة وسلبياتها محاولين إعطاء التوصيات لأصحاب المبادرات الحزبية وصناع القرار السياسي في الحكومة والبرلمان لدعم التجربة وإثرائها وإزالة كافة العقبات والعراقيل التي أمامها.

إن بروز هذه الظاهرة يعد أمرا صحيا ومطلوبا من حيث المبدأ؛ ولكن التجربة تحتاج إلى تنظيم وتنقيح هذه الأحزاب في ظل عدم صدور قانون الأحزاب السياسية والتجمعات، وللصومال تاريخ سياسي في الأحزاب السياسية في ظل الحكم المدني الذي امتد من مرحلة الاحتلال مرورا بمرحلة الاستقلال إلى الانقلاب العسكري في عام 1969م بقيادة محمد زياد بري الذي طبق مرحلة الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع.

ففي مرحلة التعددية الحزبية السياسية من 1960- 1969 والتي اتسمت بالفوضى السياسية وشابها الكثير من المخالفات من حيث الشكل والمضمون من الفساد والقبلية بسبب حداثة التجربة وتعقيدات الثقافة القبلية المتجذرة في المجتمع حتى وصل عدد الأحزاب التي شاركت في انتخابات 1967م زهاء 83 حزبا مختلفا يحمل كل حزب راية قبيلة معينة مما أفقد التجربة زخمها وولد إحساسا عاما بالإحباط لدى العام والخاصة، وتسبب في نهاية المطاف بإنهاء مرحلة التعددية السياسية باستيلاء العسكر على الحكم في بلد عمره السياسي لا يكمل عقده الأول، لم يمهل العسكر انتظام الأحزاب السياسية وتقوية وترسيخ تقاليد الأحزاب والقيم الحزبية عندما وصلوا إلى سدة الحكم في عام 1969م عبر الانقلاب بقيادة محمد زياد بري الذي طبق مرحلة الحزب الواحد الشمولي، ويذهب المحللون إلى أن الانقلاب العسكري هو الذي قضى على التجربة الفتية للتعددية الحزبية قبل نضوجها.

في الوقت الراهن فإن تزايد وتيرة تشكيل الأحزاب السياسية في الصومال ظاهرة صحية في عمومها وتستحق التشجيع والمؤازرة؛ لأنها تلبي رغبات جمهور عريض من المواطنين وتعد آلية حضارية للتعبير عن الرأي وتقديم رؤية ورسالة وبرنامج سياسي للتغيير وإصلاح الأوضاع وتصحيح المسار السياسي، ولكن يجب الحذر من كثرة الأحزاب التي تفسد الأجواء السياسية ولتفادي هذا الأمر ينبغي على البرلمان وضع شروط ومتطلبات من شأنها ظهور أحزاب حقيقية تتنافس على إحداث التغيير والإصلاح المنشود.

وتعبيرا عن هذا الحذر يرى الكاتب عبد الله محمد علي في مقالته بشبكة الشاهد المعنونة بالأحزاب في الصومال.. هل نضع العربة أمام الحصان بتاريخ 3 مايو 2014 يقول فيها: إن تشكيل أحزاب وليدة في ظل الأوضاع الحالية تأتي في سياق عدم نضج الوعي السياسي الصومالي في ظل أزمة الدولة الحديثة بدون رؤية موضوعية لمكونات الأزمة العميقة الأمر الذي يزيد الأوضاع تعقيدا، وقد تتفاقم المشكلة أكثر حين تصبح هذه الكيانات أداة جديدة لإذكاء الصراع الصومالي المحتدم منذ عقود، بعض الناس تلتبس عليهم الأمور وذلك حينما يظنون أن من شأن الأحزاب أن تؤسس لمجتمع مدني حر ومتجانس من شأنه أن يؤسس لدولة مدنية حديثة بينما العكس هو الصحيح، فالمجتمع المدني الحر والمتجانس هو الذي يؤسس لأحزاب مدنية حرة من شأنها أن تؤسس لدولة مدنية حديثة.

ولكن من ناحية أخرى يرى آخرون أنه لا بد من إعطاء الفرصة للأحزاب الوليدة لتقوية ممارسة تجربة الأحزاب في الصومال واكتساب التقاليد الحزبية التي لا تأتي إلا بالممارسة كما يقول المثل أن أفضل طريقة لتعلم السباحة هي النزول إلى الماء؛ لأنها تمثل طوق النجاة الوحيد الذي بقي بعد أن فشلت تجربة أمراء الحرب وتجار الدين في التلاعب بمصائر الناس وعواطفهم واستغلال حسن نواياهم، إنها تجربة تستحق الإشادة وأن تمنح لها الفرصة حتى تؤتي أكلها لتعليم الشعب الثقافة الحزبية من التنظيم وتوفير قنوات المشاركة السياسية وإمكانية الحصول على تأييد الأفراد والجماعات للوصول إلى السلطة وحكم البلاد بالوسائل السلمية، إن وجود أحزاب سياسية – وإن كانت غير ناضجة – من شأنه أن يمنع تجنيد آلاف الشباب في شبكات العنف والقرصنة والجريمة المنظمة.

فكما يرى الأستاذ حمزة عبدي بري الأمين العام لحزب السلام والتنمية في حوار أجرته معه شبكة الشاهد؛ حيث قال في معرض حديثة عن إنجازات حزبه: استطعنا جمع مئات من المثقفين الصوماليين في داخل الوطن وخارجه من شتى القبائل والمناطق في إطار حزب سياسي وطني، وقمنا بتخريج جيل من الشباب والشابات وتدريبهم في الممارسة السياسية في الأطر الحزبية ونشر ثقافة السلام والتعايش بين أبناء المجتمع حتى وصل مرشح حزبنا إلى سدة الحكم بغض النظر عن كيفية تحقيق ذلك الأمر الذي كان يحلم به الجميع، كما نجحنا في استمرار أعمال الحزب وأنشطته المختلفة رغم عدم وجود الأساس الشرعي للأحزاب وضآلة الوعي الوطني بأهمية الحزب السياسي بالإضافة إلى عدم تلقي أي شكل من أشكال الدعم من أي جهة كانت باستثناء الأعضاء المسجلين لدى الحزب.

وعليه؛ فلا بد من دعم التجربة الحزبية في الصومال وتمكين الشباب من الانخراط بالأحزاب المختلفة والتنافس بالبرامج السياسية وخدمة المجتمع ، وبهذا الطريق يمكن تصحيح المسار السياسي وبناء مجتمع مدني حر؛ لأنه لا يمكن بناء مجتمع مدني تنبثق منه أحزاب تؤمن بالديمقراطية والحرية والتداول السلمي للسلطة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبرأيي لا بد أن يسبق بناء الأحزاب لبناء المجتمع المدني وذلك لوجود فئات لا تنتسب بالضرورة لأحزاب معينة وإنما تفضل الحياد وتأييد الحزب الذي تراه يناسب الظرف الراهن والمرحلة القائمة، وبالتالي فاللاعب الأساسي في ملعب السياسة هو الأحزاب والمجتمع المدني بمثابة الجمهور الذي يقوم بدور التشجيع والمساندة.

تختلف البلدان في طبيعة الأحزاب السياسية ودورها في قيادة الدولة والمجتمع، وتنقسم إلى ثلاث نظم حزبية من حيث عدد الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تهيمن عليها نظام الحزبين المهيمنين، أما في معظم البلدان الأوروبية فيوجد فيها أكثر من حزبين يتصارعون بالوسائل السلمية في حكم البلاد، أما الشكل الثالث للأحزاب فهو الحزب الواحد المسيطر على الحياة السياسية مع وجود أحزاب أخرى صغيرة إما تابعة له أو أنها غير مؤثرة في الساحة، وهذا النوع الأخير يكثر في الدول النامية، وعندما تنجح الصومال في تطبيق نظام الأحزاب السياسية فإن البيئة والمتغيرات على الأرض هي التي ستحكم شكل النظام الحزبي الذي سيسود في البلاد.

%d مدونون معجبون بهذه: