أزمة السياسة في الصومال (10)

في الحلقة السابقة تحدثت عن إجحاف قاعدة المحاصصة القبلية وآثارها السلبية على الدولة والمجتمع وكيف أنها أقضت مضاجع جمهور كبير من المواطنين ومنعتهم من نيل أبسط حقوقهم المدنية والسياسية في التمثيل سواء في البرلمان أو في الحكومة أو المؤسسات الأخرى في الدولة لمجرد أنهم ينتمون إلى القبيلة الفلانية التي ليس لها حصة في هذا المنصب؛ لأنه محجوز للقبيلة العلانية حتى وإن لم يتوفر فيها المرشح الكفؤ لشغل ذلك المنصب، وهذا ما أشعر الكثير من الفئات بتهميش ممنهج ومرارة كبيرة مما كانت له تداعيات وخيمة على الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.

يذكر بعض المنظرين والمفكرين أن الفئات المهمشة بقاعدة 4.5 أكثر ميلا للتمرد على الحكومة وأقل ولاء من الفئات الأخرى ولديهم دوافع أكبر من غيرهم للانضمام إلى المتمردين الذين يكافحون ضد الدولة؛ لأنهم ببساطة لا يجدون لهم مكانا في هذه الدولة ويتساءلون ماذا قدمت الدولة لنا ؟ ، عندما يحاول أحد المواطنين الذي ينتمي إلى الفئات المهمشة خدمة بلاده يكون الجواب الصادم له أنت لا تصلح لتولي هذا المنصب ! أليس هذا دافع قوي للتمرد ؟ إن هيمنة فئات معينة على المسرح السياسي لانتمائهم إلى قبائل كبيرة واحتكارهم السلطة دون غيرهم لا يخدم مصلحة البلاد العليا ما دام جمهور كبير غير مقتنع بمفهوم الدولة على أساس المحاصصة البغيضة، كما أن التهميش السياسي يولد نزعات انفصالية نتيجة للشعور بالغبن، وهنا يتذكر المتابعون كيف غيَّر بروفيسور أحمد إسماعيل سمتر موقفه من الانفصال 180 درجة بعد خسارته للسباق الرئاسي في 2012 لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلة معينة ! أو على الأقل هذا ما يشعر به؛ حيث أطلق تصريحه الشهير بأن رئاسة الصومال تخضع لقاعدة الاحتكار الثنائي، ويعني به أن كتلين من الأربع الكبار تحتكران منصب رئاسة الجمهورية منذ الاستقلال.

إن التهميش السياسي من أهم الدوافع على التمرد ضد الدولة ويتقدم هذا العامل على بقية العوامل الأخرى بما فيها الانحراف الفكري والتدخلات الأجنبية والعوامل الاقتصادية، وهذا ليس كلاما إنشائيا بل هو واقع معاش يلمسه كل المتابعين للشأن الصومالي. وتجدر الإشارة إلى تفعيل صيغة معدلة من المحاصصة القبلية بجبر الكسر في قاعدة 4.5 إلى 5 فقط في تشكيل مجلس الوزراء منذ حكومة عبدي فارح شردون عند إنهاء الفترة الانتقالية في 2012، وبقيت قاعدة 4.5 صامدة في تشكيل البرلمان انتظارا لتحقيق رؤية 2016 في إجراء انتخابات مباشرة وإنهاء قاعدة المحاصصة القبلية بصيغتها القديمة والمعدلة؛ وبموجب هذا التعديل نالت الكتلة الخامسة حصة مساوية لباقي الكتل الأربعة الكبار في مجلس الوزراء؛ وإن كانت هذه خطوة في الاتجاه الصحيح في تحقيق بعض من العدالة الاجتماعية وتساوي المواطنين في الفرص لشغل منصب الوزير ولكنها لا تحل أزمة السياسة في الصومال ما دام مبدأ المحاصصة معمولا به؛ لأن الأصل الذي بني عليه باطل ويتنافى مع العدالة الطبيعية؛ وما بني على باطل فهو باطل.

وفي هذه السطور سأحاول في تقديم بعض الحلول والمقترحات في كيفية تخطي هذه القاعدة لعل المسؤولين وصناع القرار يتبنون هذه التوصيات لرفع الظلم عن المواطنين؛ لأن الله لا يديم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة؛ لأنه وضع سننا كونية غير قابلة للتبدل والنصوص في القرآن والسنة مليئة بالأدلة ومعروفة لنيل كل ذي حق حقه ومن هذه المقترحات :

  • إحصاء السكان
  • إنشاء دوائر انتخابية
  • تشكيل أحزاب
  • إجراء انتخابات

كل هذه المقترحات جميلة ولكن كيف يمكن تنفيذها على أرض الواقع في ظل التدهور الأمني والتفكك الاجتماعي وغياب الثقة تكون كل المبادرات لتجاوز الواقع الموجود ضربا من الخيال ومجرد اجتهادات ونظريات لأشخاص أقل ما يقال عنهم أنهم يحلمون أحلام اليقظة؛ ولكن إذا لم يكن بالإمكان إجراء إحصاء سكاني دقيق فيمكن إجراء ما يشبه ذلك وتقدير السكان وتقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية تتنافس عليها الأحزاب السياسية ليبرز منها الأصلح والأقدر على قيادة البلاد نحو النهوض واللحاق بركب الآخرين وتعويض ما فاتنا في سنوات الأزمة والحرب الأهلية.

إذا كان لا بد من سريان مبدأ المحاصصة فيمكن أن يقتصر العمل بصيغة المحاصصة في تقاسم المناصب العليا في الدولة التي تأتي بالانتخاب كرئيس الجمهورية ونائبه ورئاسة البرلمان أو بالاختيار كرئيس الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية كما جرى العرف السياسي بالرغم أن هذه المحاصصة غير منصوص عليها في الدستور ولكنها قاعدة عرفية متفق عليها في مؤتمرات المصالحة الصومالية.

%d مدونون معجبون بهذه: