أزمة السياسة في الصومال (9)

بدأ العمل بشكل رسمي في تطبيق مبدأ المحاصصة القبلية في الصومال في مؤتمر عرتا في جيبوتي عام 2000م الذي أسس لاستعادة الصومال مؤسساته الدولية لتمثيله في محافل المنظمات الدولية والإقليمية بعد غياب عقد من الزمان عن الساحات الدولية والغرق في مستنقع الحرب الأهلية ومآسي اللجوء والمجاعة؛ ويرى الخبراء والمتابعين للشأن الصومالي أحد أهم أسباب تخلف الصومال في المسار السياسي وعدم لحاقة في ركب التقدم والحضارة والنهوض على غرار جيرانه في منطقة القرن الأفريقي فضلا عن العالم المتحضر في الفترة الأخيرة إنما يرجع إلى قاعدة 4.5 المعمول بها في تقاسم المناصب السياسية والتي تخالف أبسط مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الطبيعية وذلك لتكريسها في وضع الشخص الغير المناسب في غير المكان المناسب وإسناد الأمر إلى غير أهله في كثير من الأحيان.

ويجادل المؤيدون لهذه الفكرة أنها كانت ضرورية في ظروف بروزها ومرحلتها وأن مصمميها أرادوا لها أن تكون ذات طابع مؤقت حتى يتسنى للصومال بناء هياكل دولته وتطوير آلية أخرى لتمثيل شعبه على أساس العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية بغض النظر عن حجم القبيلة أو اللون أو أي معيار آخر يكرس تهميش طرف أو مكون من مكونات الشعب الصومالي على حساب بقية المكونات الاجتماعية للشعب الصومالي ويضيفون أن هذه القاعدة ليست قاعدة عادلة ومنصفة ولكنها تعد حلا مؤقتا لتجاوز الظروف الدقيقة التي كان يمر بها الصومال حينذاك، وبالرغم من حسن نوايا مهندسي فكرة قاعدة ال 4.5 فإنهم وإن نجحوا في بداية إعادة دولة صومالية إلى الوجود إلا أن الكيان المولود وفق صيغة المحاصصة القبلية البغيضة 4.5 ولد مشوها وغير قابل للنمو والتطور ؛ لأن بذوره كانت تحمل عوامل تمنع ظروف النمو الطبيعي وتحمل في طياتها عوامل الفشل أكثر مما تتيح فرص النجاح، مع أن المروجين لقاعدة 4.5 يذهبون إلى أن داء المجتمع الصومالي هي القبلية فهذا يتطلب أن يكون العلاج من نفس طبيعة الداء وهنا يذكرني بقصة أبي نواس مع الخمر عندما يقول:
دَعْ عَنْكَ لوْمِي فإنَّ اللوْمَ إغراءُ     وَدَاوِني بالتي كانَتْ هيَ الداءُ
يرد أبو نواس على الوعاظ ويقول لهم :

كفوا عن لومي فلومكم يزيدني بالخمر تعلقا ….. وإن كان من دواء فليس إلا من جنس الداء.

أما المجتمع الصومالي فقد وصل به الإدمان على القبلية منتهاه حتى أصبح لا يسمع إلى نصائح العلماء والمفكرين عندما يلومون القبلية ويتحدثون عن سوآءتها وما أوصلت الصومال إليه من مأزق، والغريب أن كل هذا يزيدهم شغفا بمعشوقهم القبلية التي أهلكت الحرث والنسل وعاثت فسادا في الأرض.

والحقيقة أن داء المجمع الصومالي ليست القبلية وإنما القبلية نتاج طبيعي للظلم الاجتماعي والغبن الذي طال فئات كثيرة من المجتمع وأدى في النهاية إلى ثورة شعبية ضلت طريقها لافتقادها إلى القيادة ولا يمكن معالجة الخطأ بخطأ أقبح وإنما المطلوب تصحيح الخطأ وتصويب الخلل وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.

مسوغات العمل بقاعدة 4.5

في مؤتمر عرتا في جيبوتي كانت العقبة الكبرى في تأسيس برلمان صومالي يعيد الصومال إلى المحافل الدولية كانت هذه العقبة في كيفية اختيار أعضاء البرلمان، وعلى أي معيار ، هل على معيار مناطقي أو على أساس المحافظات ال 18 ونواحيها المعروفة أم على أساس قبلي، بعد مناقشات مضنية وجدل طويل أنهك الوفود وكاد يفشل المؤتمر توصلت هذه الوفود إلى تسوية بصيغة 4 قبائل كبيرة تحصل على نسب متساوية من الحصص بينما القبيلة الخامسة تحصل على نصف حصة التي هي عبارة عن تجمع للأقليات الغير منتمية إلى أي من القبائل الأربع المهيمنة على الوضع السياسي واستقرت لاختيار أعضاء البرلمان على أساس قبلي ثم توسع الأمر إلى أن شمل كل منصب سياسي ثم توسع بشكل جنوني إلى أن وصل حتى في اختيار الفنيين ضاربا عرض الحائط بعنصر الكفاءة وتساوي المواطنين في فرصة تمثيل بلادهم سواء في المناصب السياسية والفنية حتى أن أحد الساخرين تحدث في تطبيق ال 4.5 في الفريق الوطني لكرة القدم ! وما لم يتم تدارك هذا الأمر فلن يصل الصومال إلى مستوى دولة.

ربما كان مقبولا تبرير الأمر في بدايته والتغاضي عنه على قاعدة أن ما لا يدرك كله لا يترك جله ولكن بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان لا يلوح فيها بالأفق أي تقدم في العملية السياسية في البلاد، أليس من المشروع إعادة النظر في جدوى هذه القاعدة للصومال! ألا يمكن للعقل الصومالي أن يطور قواعد جديدة تحكم العملية السياسية أكثر عدلا وتحضرا من هذه القاعدة الخرقاء التي ثبت فشلها للقاصي والداني، نعم هذا ما ينادي به المثقفون أن هذه القاعدة أضرت بالبلاد والعباد ولكن كما يقول المثل أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام، ومن هذا المنطلق فما هو البديل المناسب لهذه القاعدة الظالمة ؟

وهذا هو السؤال المهم جدا الذي يحتاج إلى إجابة منا لأن الإجابة عليه تفتح باب الأمل للصوماليين للتحرر من قيود وعبودية هذه المحاصصة وتخلق فرصا لإبداع العقل الصومالي الذي أصبح متحجرا لإيمان جيل كامل بأن الفرص غير مواتية له للتأثير على حاضرة وصنع مستقبله بسبب هذه القاعدة.

%d مدونون معجبون بهذه: