الدولة الصومالية الحديثة… إلى أين ؟

هل فعلا نحن على وشك عودة صومال موحد يقوم بقدميه من جديد ؟ أم هل يوجد هناك ما يمكن وصفه بالدولة – بالمفهوم القانوني – في الصومال ؟ أليس الصومال مقسما إلى كيانات ذات طابع إقليمي وقبلي تتمتع بولاء ورضى المحكومين وبالاعتراف الواقعي من الأشخاص القانونية الدولية الأخرى ؟

إن الصومال مرت عليه سنين عجاف وعقودا قاحلة من حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس وكوارث إنسانية هزت العالم من مجاعة وفقر وأخرى طبيعية – من جفاف وفيضانات – ، ناهيك عن حرمان أهلها من أبسط مقومات ومتطلبات الحياة في القرن والواحد والعشرين الذي يعتبر عصر تكنولوجيا والتطورات التقنية الهائلة. هذا بالإضافة إلى تمزق البلد في الداخل وتعرض وحدته الوطنية للتفكك ، وفقد سمعته ومكانته العالمية بالخارج بوصفة مأوى للإرهاب والقرصنة والمجاعة .

الصومال اليوم يحاول أن يودع تلك الحقبة المظلمة وطي صفحاتها السوداء ويدخل مرحلة جديده قد تكون من أصعب وأخطر مراحل تاريخه ، فالبلد رغم انه يتعافى تدريجيا من وطأة الحروب الداخلية والدمار الشامل الذي نتج عنها إلا إنه يواجه تحديات بالغة الخطورة قد تعيقه في طريقه نحو وصول استقرار سياسي ومؤسسي. وسأتناول في مقالتي بشكل مختصر أبرز تلك التحديات ومن بينها مشكلة نظام الحكم في البلد ودور القبيلة في مؤسسات الحكم وأيضا قضية أرض الصومال.

الصومال يدخل في عهد جديد يكون فيه دولة اتحادية- فيدرالية ذات مؤسسات سيادية مركزية واتحادية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن أن تتحقق التجربة الفيدرالية في بلد مثل الصومال ؟ فالصومال دولة لا تتجاور مساحته ا637،657 km² وسكانها لا يتعدى 12 مليون نسمة يتمتعون بتجانسهم العرقى واللغوي والديني والمذهبي ، بحيث ان الشعب الصومالي كله من القومية الصومالية والصومالية هي لغته الرسمية التي يتفاهمون بها والإسلام هو دين كل أبناءه ، إذن فالصومال دولة تكتسب كل عناصر الوحدة السكانية ولا تصلحها الفيدرالية كنظام حكم من الناحية الأنثروبولوجية و ليست بحاجة إلى توزيع مؤسساتها الدستورية.

 ومن البديهي أن يستند التقسيم الإداري للولايات التي ستتكون منها الدولة الاتحادية على معيار عشائري ، إذ لا توجد هناك تركيبة اجتماعية متغايرة في المجتمع الصومالي؛ لذا فان تطبيق الفيدرالية على أسس قبلية لا يمكن أن يأتي إلا بتفخيم دور القبيلة الذي هو تنظيم بدائي لا يصلح لبناء دولة حديثة، هذه واحدة .

ثانيا : إن الشعب الصومالي لم يختر النظام الفيدرالي كنظام حكم في البلد ، كما أنه لم يتم تبنيه عن دراسة واعية ، وإنما فرض عليه من قبل أطراف خارجية كانت تسعى لتحقيق هذا الغرض، وباركه بعض الساسة الطامحة لنيل مكاسب سياسية على مستويات أقل أو ربما لوضع حد للبطالة السياسية!

ثالثاالصومال محدود المواهب والكفاءات البشرية التي لديها القدرة في تطبيق هذا النظام المعقد، وليس لديه مؤسسات حكم لها خبرة إدارية في التغلب على صعوباته ، فضلا عن غياب حكومة مركزية قوية وجيش وطني قوى ومتماسك ، أضف إلى ذالك التكاليف المالية الباهظة لهذا النظام والصومال بلد يعد من البلدان الفقيرة، وخزينة الدولة الصومالية لا تتحمل بتكاليف وأعباء النظام الفيدرالي المالية. وبالتالي فإن تحقيق هذا النظام صعب بل وربما من شأنه أن يؤدى إلى تشطير البلد وتقسيمه إلى دويلات.

رابعا : إن تطبيق النظام الفيدرالي يأتي في ظل عدم وجود رؤية مستقبلية وإستراتيجية واضحة من قبل الحكومة المركزية الحالية وقبلها الحكومات الانتقالية ؛ حيث صرح الرئيس الحالي حسن شيح محمود أكثر من مرة بأن نظام تقسيم الولايات وترسيم حدودها سيتم تحديده بالدستور لا حقا ، علما بأن كل الولايات التي نشأت قامت.قبل كتابة الدستور الاتحادي ويجرى أيضا إنشاء الولايات الأخرى قبل إجراء الاستفتاء على هذا الدستور وكأن الحكومة تضع العربة قبل الحصان!

وأخيرا؛ هناك بعض المكونات السياسية الإقليمية التي لا تعترف بشرعية الحكومة المركزية كونها تمثل الو حدة الوطنية والسلطة العليا في الدولة و تمارس نفوذها السياسي معتبرة نفسها سلطة شرعية مستقلة و ذات سيادة …كأرض الصومال مثلا وبونت لاند التي لا تخلو علاقتها مع المركز بالشد والجذب ، ويمكن القول أن الفارق بين هاتين الإدارتين يكمن في أن التوجه العام في بونت لاند هو المحافظة على وحدة الصومال بأي شكل من الأشكال .ولكن من الناحية الفعلية فكلاهما يمارس سلطات تعتبر من صميم اختصاصات السلطة العامة خاصة في مجالات العلاقات الخارجية.

إذن فهل للفيدرالية مبرر بعد كل هذا؟

في الحقيقة النظام الفدرالي كفكرة يمكن اعتباره من أعظم عمليات الهندسة السياسية؛ وذلك لأنه يحاول أن يوفق بين هدفين سياسيين، يبدوان متناقضين: الهدف الأول هو تكوين حكومة مركزية قويه وفاعلة، والهدف الثاني هو المحافظة على شبه استقلالية حكومة الولايات. بمعنى آخر يمكن القول بأن النظام الفدرالي يقوم على أساس فكرة توزيع السلطات بين الحكومة المركزية، والحكومات الأخرى في الدولة.

ويتميز هذا النظام بإعطاء الحق لكل ولاية أو إقليم، بأن تكون لها سياساتها الخاصة بها، بما لا يتعارض مع الدستور الفدرالي، ولا يتعارض مع سياسات أو اتفاقيات الدولة الاتحادية. بمعنى أنه يمكن أن يكون للولايات سياسات تعليمية، أو إسكانية، أو صحية، أو ثقافية مختلفة عن بعضها البعض، بما لا يتعارض مع الدستور الفدرالي، وسياسات الحكومة الفدرالية. غالبا ما يكون هذا النظام هو الأنسب لحل مشكلة الحكم في الدول كبيرة الحجم جغرافيا لتوزيع مهامها الإدارية ويناسب أيضا الدول التي فيها العديد من الاختلافات العرقية، أو اللغوية، أو الدينية، أو الجهوية وإن كانت مساحتها صغيرة ولعل أحسن مثال على هذا، هو دولة سويسرا. أيضا هذا النظام سيحد من إمكانية انتشار الاستبداد والطغيان، ومنع إمكانية سيطرة مجموعة صغيرة على شؤون الحكم ببساطة. كما أنه يعزز روح التنافس الإيجابي في بناء الوطن بين أبناء الولايات المختلفة .

ويمكن أن يحل النظام الفيدرالي مشكلة الحكم في الصومال ؛ حيث يتعذر حاليا جمع الشمل بين الصوماليين وتوحيد البلد في ظل دولة موحدة ، فالتجارب المريرة التي ورثها الشعب الصومالي من الحروب الأهلية خلقت جوا من عدم التفاهم، وفقدان الثقة بين القبائل، وكذلك الأطياف والمكونات السياسية المختلفة . علاوة على ذلك هناك طرفان رئيسيان في مشروع المصالحة الصومالية وهما إدارتي أرض الصومال وبونت لاند ، وهده الأطراف لا تقبل مشروع “النظام الموحد” في البلد إذ لا يمكنهم إقناع الجماهير بترك الإعلام التي كانوا يحملونها ما يقارب ثلاثة عقود. لذا فإن هذا النظام يعتبر حل وسط بين التوجهات الانفصالية والوحدوية. على سبيل المثال لا يمكن أبدا إقناع الجماهير الشعبية في أرض الصومال التي يتم شحنها على مدى سنوات الأزمة الصومالية وما قبلها بالنعرات القبلية، أن تقبل بسهولة فكرة دمج أرض الصومال مع باقي البلد في نظام مركزي موحد .

إن مشكلة نظام الحكم ليست محصورة فقط على تطبيق الفيدرالية ولكن تكمن في بنا ء مؤسسات الحكم الرشيد والأجهزة البيروقراطية بشكل عام. كما أن اختيار نوع الحكم في الدولة يبقى مسألة تحتاج إلى النطر فيها.

 دور القبيلة في مؤسسات الحكم :

 بالإضافة إلى ما ذكرته من تحديات نظام الحكم وإشكالية تطبيق الفيدرالية في الصومال ، ثمة عوائق اخرى في طريق الدولة الصومالية الحديثة ومن أبرز تلك العوائق دور القبيلة في مؤسسات الحكم .

معلوم أن هناك قدرا من عدم التوافق بين مفهوم القبيلة التي يتحدد الانتماء لها وما يترتب على ذلك الانتماء من حقوق وواجبات من خلال نظام القرابة والعصبية وبين مفهوم الدولة الذي يتحدد الانتماء لها من خلال مفهوم المواطنة والانتماء الجغرافي· وكلما سارعت الدولة خطاها وحثت مساعيها نحو تكريس سلطتها وتعزيز هيمنتها كلما اتضحت حدة التناقض بينها وبين النظام القبلي. ان المؤسسة القبلية التي تمثل أهم الأقطاب الرئيسية بل العامل السياسي الرئيسي في معادلة التوازن السياسي في الصومال تشكل عائقا حقيقيا ليس أمام قيام نظام ديمقراطي فحسب بل أمام قيام مؤسسات مدنية تجسد سيادة دولة المؤسسات والقانون. فجميع المؤسسات الحكومية بما فيها السلطات الثلاث العليا في الدولة تشكلت على أسس قبلية بما يعرف بنظام المحاصصة! بل ومما يثير السخرية ان بعض المكونات السياسية تطالب بتقسيم الوظائف الحكومية بما فيها البعثات الدبلوماسية وفق نظام المحاصصة القبلية!

هده الظاهرة أثرت بشكل سلبي على السلوك السياسي للقادة الصومالية بحيث وجدوا أنفسهم في فخ تقاطع المصالح القومية مع مصالح القبيلة. فالعضو في مجلس الشعب والوزير في مجلس الوزراء أكثر ولاء لشيخ القبيلة من الوطن وبإمكانه أن يطالبهم بوقف العمل في مجلس الشعب أو في مجلس الوزراء كما حصل قبل فترة عندما طالب زعيم إحدى القبائل الصومالية الكبرى من الأعضاء البرلمانيين والوزراء المنتمين للقبيلة بعدم مداومة العمل في المكاتب الحكومية احتجاجا على قرار الحكومة بالحاق محافظة “شبيلى السفلى” بولاية جنوب غرب الصومال. وكان من المفترض أن يمثل الوزير والعضو في مجلس الأمة لكل الشعب وليس لقبيلة أو طائفة أو عائلة . وفي عصرنا الحاضر انتهى الصراع بين الدولة والقبيلة وحُسم لصالح الدولة، لكن دور القبيلة لم ينته تماما حيث تحولت إلى مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني الأكثر فاعلية داخل الدولة الحديثة في بعض الدول النامية . عموما على الصوماليين أن يدركوا أن لا تكون الدولة في يد القبيلة ولكن يجب أن تكون القبيلة في يد الدولة.

قضية أرض الصومال :

أعلنت أرض الصومال استقلالها من طرف واحد في 18 مايو/ أيار 1991 بعد مؤتمر جمع زعماء العشائر الشمالية ومقاتلو الحركة الوطنية الصومالية(SNM) خلال الفترة من 27 أبريل/ نيسان إلى 18 مايو/ أيار 1991، إذ اتفق زعماء العشائر الشمالية ومقاتلو SNM بعد مداولات استمرت شهرين على ضرورة بناء مؤسسات الإقليم وتنميته من خلال فك الارتباط مع باقي أجزاء الوطن الصومالي، وهو ما يعني من الناحية العملية إعلان الاستقلال من طرف واحد وذلك في أعقاب انهيار الدولة المركزية في الصومال. وتمارس أرض الصومال منذ ذلك الحين مهام وسلطات الدولة المستقلة، بالرغم من غياب الاعتراف القانوني بها، فلها علم ونشيد وطني ومؤسسات للحكم والإدارة. وتحاول النخبة الحاكمة بذل كل ما في وسعها للحصول على المشروعية الدولية.

ورغم أن تجربة أرض الصومال ، وما حققته من سلام واستقرار نسبى تعتبر قصة نجاح حقيقية في تبني حلول ذاتية للمشكلات الوطنية ، دون التدخل الخارجي مقارنة مع المناطق الجنوبية التي كانت تعيش تحت دوامة العنف وجحيم الحروب ، إلا إنها أخفقت في استمالة المجتمع الدولي للالتفات إلى مشروعها للحصول على الأهلية القانونية.

اليوم هناك تغيرات جيوسياسية هامة في أرض الصومال، فالإدارة تشكلت سابقا فيما يعرف بالمحمية البريطانية التي كانت تضم خمس محافظات وهى(أودل، توغدير،شمال الشرق، سول وسناغ) وعلى الرغم من وجود نزاع طويل بين إدارتي أرض الصومال وبنت لاند حول إدارة المحافظتين الأخيرتين، إلا أنه ظهرت في الآونة الأخيرة إدارة جديدة انتخبها أبناء هده المحافظات سميت ب”ولاية خاتمة الصومالية” برئاسة البروفسور على خليف جلير أحد السياسيين البارزين وأستاذ العلوم الإدارية في إحدى الجامعات الأمريكية، وقد شغل منصب رئيس الوزراء سابقا.

وقد شددت الإدارة الجديدة بزعامة جلير على ضرورة تحرير بقية المدن التي تسيطرها عليها إدارة أرض الصومال والتمسك بخيار الوحدة في ظل الدولة الاتحادية. كما ان هناك توجه مماثل في محافظة “أودل” التي ينحاز معظم سكانها فكرة الحفاظ على الوحدة، لإنشاء إدارة مستقلة عن أرض الصومال!

من جهة أخرى تجرى مفاوضات بين أدارة أرض الصومال والحكومة الصومالية فقد بدأت أول جولة من هذه المحادثات في فبراير من عام 2012، في لندن برعاية بريطانية ، تلاها لقاء جمع الرئيس الانتقالي آنذاك شيخ شريف ورئيس إدارة أرض الصومال محمود سيلانيو في الإمارات في يونيو/حزيران 2012، ثم انعقاد الجولة الثالثة من المفاوضات في أنقرة في شهر فبراير 2013 باستضافة تركية وبحضور كل من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس إدارة أرض الصومال، وفي إسطنبول عقدت الجولة الرابعة والأخيرة من المفاوضات .

على الرغم من أن المحادثات لم تتطرق إلى المواضيع الخلافية إلا أن إدارة أرض الصومال حققت نصرا دبلوماسيا على حساب الحكومة الصومالية في تلك المفاوضات وخاصة الأخيرة .

أولا :  إن إدارة أرض الصومال كسرت طوق العزلة السياسية وأظهرت لنفسها كطرف ند في المعادلة.

ثانيا:  أعطى الخطأ التكتيكي من جانب وفد الحكومة الصومالية في الجولة الثالثة فرصة الاعتراف لإدارة أرض الصومال؛ حيث نصب لأول مرة علم إدارة أرض بجانب علم الجمهورية الصومالية.

ثالثا: إن اشتراط أرض الصومال بتنديد نظام سياد برى ووصفه بالوحشي وقبول الوفد الصومالي بذلك يعتبر اعتذارا لطرف مساو واعترافا صريحا بمزاعم إدارة أرض الصومال.

إن إدارة ارض الصومال ربما تبدو في هذه المرحلة أكثر تجاوبا للحلول الوسطية ، إذ أن الوضع الداخلي فيها لم يعد كما كان في السابق ، حيث ظهرت مكونات جديده في ساحة الصراع تفرض النخبة الحاكمة في أرض الصومال سياسة أرض الواقع التي هي نفس أسلوب هده الجماعة منذ زمن في تعاملها مع الصومال. ويبدو أن الأساليب القديمة التي تعتمد على شحن الجماهير اليائسة وإطلاق وعود لبزوغ فجر جديد بإقامة دولة أرض الصومال لم تعد ذات جدوى. فالجماهير قد تعبت من حلم اليقظة الذي راودها طوال عقدين !. إن خيار الوحدة في ظل دولة صومالية اتحادية وديمقراطية وقوية هو الأنسب لحل قضية المناطق الشمالية وعودة صومال جديد برأيي لا يتم سوى عودة أجرائه المختلفة!

2 تعليقان

  1. هدا كلام مستهلك كاتب لم يأت بجديد العراق عنده نعرات طاءفيه قال الشاعر.. لابد لليل ان ينجلى ولابد للقيد ان ينكسر صابرين اصلحوا حالكم

  2. ماتحلم بة عزيزي الكاتب يسمى احلام العصافير وبالاخص الجزئية الاخيرة عن ارض الصومال شعبنا اختار طريقا يختلف عن ماتهذي بة في مقالك ونحن نعرف مصلحة شعبنا ولنا رؤيا لا يستطيع عقلك الصومالي المتواضع ايستعابها واخيرا اهتم بمشاكل صومالك العسيرة على العالم واترك ارض الصومال تشق طريق النجاح الذي اختارة ابنائها قبل ساستها بهدوء وسلام

%d مدونون معجبون بهذه: