أزمة السياسة في الصومال (6)

ومن صور أزمة السياسة في البلاد أن السلطة الرابعة في البلاد(الصحافة الصومالية) باتت جزءا من المشكلة في تعقيد المشهد السياسي الصومالي وذلك لعدم وجود قيود قانونية لضبط ممارسات الصحافة الصومالية بأقسامها المختلفة المرئي منها والمسموع والمكتوب؛ وتضطلع الصحافة على دور مهم في عملية البناء والإصلاح أو الهدم والفساد، فهي سيف ذو حدين، ولهذا ينبغي أن يحمل الإعلام رسالة سامية ورؤية وطنية نابعة من الشعب وإلى الشعب، ويجب أن يتحلى الصحفيون بالحس الوطني وروح المسئولية فليسوا هم إلا مترجمين حقيقيين عن آمال وآلام المجتمع الذي يخدمونه.

الإعلام الصومالي يعاني من أمراض كثيرة بوسائله المتنوعة ووسائطه المختلفة وبشقيه الحكومي والمستقل لأن كليهما يقاسون الويلات التي يتعرض لها الشعب الصومالي، فكما هو معلوم أصبح الصومال أخطر بلد على الصحفيين؛ حيث قتل العديد من الصحفيين وراحوا ضحية أعمال العنف مثلهم مثل بقية شرائح المجتمع.

أصبحت الصحافة تؤدي مهام خارجة عن إطار عملها الطبيعي والمألوف؛ حيث تجاوزت الخطوط الحمراء مستفيدة من أجواء الفوضى ومسيئة لمبدأ حرية التعبير الذي هو أصيل ومكفول بالدستور الصومالي المؤقت، وكمثال على الممارسات الخارجة عن نطاق عمل الصحافة أنها أصبحت محاكم تفصل في الشكاوى والدعاوي كالنزاع على الأراضي وغيرها من الدعاوي القانونية، فتحول بعض الصحفيين إلى قضاة يصدرون الأحكام!، كما أنها أضحت منبرا للاعتداء على الأفراد والهيئات وأصبح الشغل الشاغل لمعظم الصحفيين الخوض في خصوصيات الناس دون مراعاة لحرمة هذه الخصوصيات، والمبالغات في تضخيم الجوانب السلبية وتقزيم الإيجابيات وتصويرها بعديمة الفائدة والجدوى، وأصبحت المؤسسات الإعلامية في أيدي أشخاص وجماعات لها أهداف خاصة وتستخدم المؤسسات الإعلامية المملوكة لها في تحقيق مصالحها الذاتية بعيدا عن القانون والنظام. وللإنصاف فإن بعض هذه المؤسسات تحاول أن تكون بمستوى الطموح وتستحق التشجيع والمؤازرة حتى لا ننزلق في فخ العموميات وإطلاق التهم جزافا ونقع في المحظور الذي نسعى إلى علاجه، ولكن ما دام في الساحة انفلات إعلامي؛ فإن الناس لا ترى الإعلام المتزن والنزيه؛ لأن الإعلام الهابط أخلاقيا وسياسيا يشوه من سمعة الصحفيين الشرفاء. وللسلطة الرابعة أهمية كبيرة على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية؛ ولهذا نحذر من خطر الإعلام المنفلت والذي لا يلتزم بميثاق الشرف الصحفي فضلا عن القانون.

يجب تبني سياسة إعلامية تقوم على الثوابت الوطنية ومبادئ الدستور لإحقاق الحق وقول الحقيقة وليس تزوير الحقائق، ويجدر أن تمارس الصحافة أدوار التوجيه والتعبئة الجماهيرية وتوعية الشعب على أهمية الحفاظ على وحدة وكرامة البلد ووضعها فوق كل اعتبار، كما أن تعليم الصحفيين وتدريبهم على مهارات الصحافة وأخلاقيات المهنة من الموضوعية والحيادية ونقل الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقصان، وكيفية ممارستها دون إلحاق الأذى بأحد، وبما أنها مهنة المتاعب فيجب أن يكون الهدف الأول والدرس المستفاد أن لا خبر أهم من حياتك أيها الصحفي، الدرس الثاني أن الحيادية والموضوعية لا تعني نشر أو إذاعة الإشاعات و التقارير المغرضة أو الأخبار الكاذبة أو ما يثير الفتنة في المجتمع سعيا وراء الإثارة أو ما يظنون أنه سبق صحفي يزلزل الدنيا، والدرس الثالث هو حمل رسالة السلام ونشر قيم التسامح ونشر المعرفة بين المجتمع.

الحكومة أكملت صياغة قانون الصحافة والمطبوعات بعد بذل جهود مضنية استمرت لأعوام؛ حيث تشاورت مع المعنيين بالأمر من الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني، والقانون يراعي حقوق حرية التعبير والفكر ويضع حدا للتعدي على الهيئات والأفراد بقصد التشهير أو التشفي أو أي إساءة أخرى يجرمها القانون وينتظر مصادقة البرلمان عليه حتى يصبح نافذا وملزما لكل الجهات، وللأسف نسمع جهات تعارض إصدار هذا القانون بحجة أنه يكمم أفواه الصحفيين وينتهك حرية الفكر والتعبير ! غريب أمر هؤلاء هل يريدون الاستمرار بدون قانون أو نظام؟ على الأغلب نعم، إنهم ذات الجهات المتسببة في هدم القيم المجتمعية التي اعتاد الناس عليها من التسامح وقبول الآخر وذلك في زرعهم الفرقة والشقاق بين المجتمع الواحد ونشر الكراهية حتى آلت الأوضاع إلى ما آلت إليه اليوم.

إن الإعلام الحر والمستقل والمسئول علامة على رقي المجتمعات المتحضرة، ويساهم على نهضة شعبها وحكومتها؛ لأنه المرآة التي تعكس هذا المجتمع على حقيقته دون إطراء أو ازدراء، وتشجع روح الإبداع والابتكار في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وفي بلادنا ما أحوجنا إلى إعلام مسئول يحمل هموم الشعب في الاستقرار والسلام والتنمية والازدهار الاقتصادي.

تعليق واحد

  1. بالنظر إلى خبرتي في العمل الصحفي فإن تقييمي لهذا المقال هو أنه حائز على نسبة 90% حسب تقييمي الشخصي حيث سلط الضوء على نواقص العمل الصحفي لتلافيها والوصول إلى مستوى طموحات الشعب الصومالي، ولكني أضيف بعض النقاط
    1. صحيح أن الأفراد والهيئات لهم حرمة وخصوصيات ولكن الصحافة يجب أن تكشف ملفات الفساد والتربح غير الشرعي وتسلط الضوء على نقاط الضعف للمسئولين والشخصيات العامة في المجتمع لأنهم ملك للجميع وهذا لا يعد إنتهاكا للخصوصيات
    2. شدد صاحب المقال على تحقيق آمال وطموحات الوطن، ولكن هذا لا يتأتى إلا إذا امتلكت الحكومة برنامج يرتكز على طموحات وأماني جماهير الشعب وعندها يمكن أن تقف الصحافة إلى جانب الحكومة وإلا فإن الحكومة تكون في واد والصحافة في واد ثان

%d مدونون معجبون بهذه: