أزمة السياسة في الصومال (5)

ومن المعضلات السياسية التي تثير جدلا واسعا لم ينته صداه إلى الآن مسألة الفدرالية في البلاد وفدرلة البلاد حسب ما ينص عليه الدستور المؤقت، ويوجد في البلاد مناهضون للفدرالية كما يوجد مؤيدون لها، والمشكلة أن أي فريق من هؤلاء لا يرى ما يجمع بينه والآخر، في الأسابيع الماضية لم ينجح البرلمان الفدرالي الصومالي في تشكيل لجنة الحدود وفدرلة البلاد المنوطة بإعداد آلية لفدرلة البلاد وتشكيل الولايات الفدرالية مما يعكس حجم الخلافات والشكوك بين أعضاء البرلمان الذين يمثلون المجتمع الصومالي، وهذا الإخفاق إن دل على شيء فإنما يدل على غياب الرؤية السياسية للبرلمان الصومالي والسياسيين المهتمين في الشأن الصومالي؛ حيث جل همهم في تولي المناصب وإحراز المكاسب القبلية الضيقة.

تغيرت الخارطة السياسية والديموغرافية في العقود الثلاثة الأخيرة في الصومال؛ حيث لم يعد الصومال كما كان بلدا موحدا له سلطة مركزية على كامل التراب الصومالي، وإنما أصبح كيانات كل كيان منها يتمتع بالاستقلال الذاتي الفعلي الذي فرضه الأمر الواقع وأملتها الظروف؛ فخطر التفكك يهدد وحدة التراب الصومالية، فهناك ولاية صوماليلاند (في الشمال الغربي) تسعى جاهدة للانفصال عن باقي الصومال، وهناك بونتلاند (الشمال الشرقي ) لا تقل شأنا عن صوماليلاند فعلاقتها مجمدة مع الحكومة الفدرالية من أيام الرئيس فرولي، وولاية جوبا لا نستطيع التنبؤ بصمود اتفاق أديس أبابا وولاية جنوب غرب الصومال بشقيها الثلاث والست، وولاية شبيلي وولاية وسط الصومال، كلها نواة لولايات فدرالية لدولة فدرالية مستقبلية، ويخشى الفريق المناهض للفدرالية أن هذه التطورات تعد اللبنات الأولى لتقسيم الصومال وتقطيع أوصاله والقضاء نهائيا على حلم صومال موحد مستقر سيد على نفسه، ولكن الفريق المؤيد للفدرالية يرى أن الفدرالية ليست خطرا على البلاد وإنما هي فرصة لبناء صومال جديد يسود فيه الاستقرار والسلام بحيث يلبي حاجات المواطنين بعد أن فشل النظام المركزي في الصومال ولم تجد الأقاليم البعيدة عن المركز حصتها في مشاريع التنمية وبناء البنية التحتية.

الجدل حول النظام الفدرالي هو حديث الساعة في هذه الأيام بعد أن أثار النزعات القبلية التي أضحت داء المجتمع الصومالي وتسعى كل قبيلة إلى الحصول على أكبر قدر من الأراضي لتنال حظوتها ونفوذها في النظام السياسي الذي يقوم للأسف الشديد على أسس قبلية بدائية تجاوزها القطار وعفى عليها الدهر، ويرى الأستاذ عبد الرحمن توريري أن النظام الفدرالي آلية جديدة لتفتيت الصومال المهدد والمثقل بالأزمات الذي انهارت مؤسسات الدولة وتدهورت القيم المجتمعية والديموغرافية لديه، وكان فى وحل مستنقع الصراع القبلي القبلي منذ عقدين ولهذا يصبح الكلام عن الفدرالية لعلاج جذور مشاكله ضربا من الجنون إن لم يكن تآمرا على كيانه ومصيره.

وترى الكاتبة سمية عبد القادر أن الصومال في طريقها إلى الفدرالية مهما اعترض المعترضون، وأن أعلى المعترضين صوتاً سيدرك قريباً أن الكلمة الأخيرة ستكون للواقع لا التنظير؛ فالفيدرالية في النّهاية صمّام أمان الصومال الوحيد في ظل ما شهدته من سوء توزيع للدّخل القومي وإقصاء لأراضي شاسعة من الوطن وتمركز كلّ مساعي التنمية في العاصمة، وهذا ما خلق الوضع الراهن الذي لا علاج له سوى الفيدرالية! . إن النظام الفدرالي يناسب مجتمع يعاني من عدم الثقة المتبادلة، ومجتمعنا قبلي ورعوي والمزارعون فيه قلة، وأنسب نظام لإعادة الدولة ومؤسساتها.

الحقيقة أن تطبيق النظام الفدرالي من عدمه ليست لب الموضوع؛ فالمسألة تتعلق برغبة الأطراف الفاعلة في المسرح السياسي الصومالي بالوصول إلى حلول وتسويات تتطلب تقديم التنازلات لصالح الوطن؟ ودليل ذلك أن الأزمة في البلاد تقارب إتمام العقد الثالث، ومسألة الفدرالية بدأت في العام 2004 فلماذا لم يتوصلوا إلى حلول ناجعة إذا كانت الفدرالية هي التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد ؟ وإذا كانت الفدرالية الحل الناجح للأزمة الصومالية فلماذا لم تشهد البلاد رخاء وسلاما ونهضة ؟ ،إذا فالفدرالية ليست جذر المشكلة والطامة الكبرى وإنما هي أداة من بين عدة أدوات يمكن استخدامها لحل الأزمة الصومالية والأيام ستكشف أن هذه الأداة صالحة للاستخدام أم لا .

3 تعليقات

  1. تعليقي السابق على هذا المقال في الشاهد, شاركته مع اصدقائي في صفحتي في الفيسبوك وقد علق أحد اصدقائي وذكر في تعليقه اشارة إلى الأخت الفاضلة سمية شولي, وترويجها للخيار الفيدرالي في الصومال, وهو ما دفعني لكتابة هذا التعليق للاستدراك والتوضيح.

    وما أحب أن أشير له هنا, أن تعليقي كان رؤية شخصية على العبارة التي علقت عليها في هذا المقال للكاتب عبدالرحمن عيسى, بغض النظر عن من يؤمن برؤية التي عقبت عليها, لاسيما وأني فهمت من تعليق صديقي أنه يؤيد رؤية تختلف عن رؤية الكاتبة المذكورة, ولا أرى شخصيا في تعدد الرؤى اشكالية, إلى أنني مع خيار المركزية التي تتيح للأقاليم صلاحيات داخلية واسعة, على غرار النظام المركزي الفرنسي, كما أرى أن الفيدرالية الأنسب لصومال أن تقوم على 18 محافظة فيدرالية وتلك رؤية شخصية, كبديل لمشاريع الفيدرالية الجارية في الصومال.

    إلى أن ما أرغب أن اشير إليه في هذا التعليق هو ضرورة تجاوز التشخيص ومناقشة الأفكار خاصة وأني لم أعلق عن خيار الفيدرالية في تعليقي السابق, علما أني أكن فائق المحبة والاحترام لكاتبتنا الرائعة سمية الشيخ شولي, والله يكثر من أمثالها.

  2. وترى الكاتبة سمية عبد القادر أن الصومال في طريقها إلى الفدرالية مهما اعترض المعترضون، وأن أعلى المعترضين صوتاً سيدرك قريباً أن الكلمة الأخيرة ستكون للواقع لا التنظير؛ فالفيدرالية في النّهاية صمّام أمان الصومال الوحيد في ظل ما شهدته من سوء توزيع للدّخل القومي وإقصاء لأراضي شاسعة من الوطن وتمركز كلّ مساعي التنمية في العاصمة، وهذا ما خلق الوضع الراهن الذي لا علاج له سوى الفيدرالية! . إن النظام الفدرالي يناسب مجتمع يعاني من عدم الثقة المتبادلة، ومجتمعنا قبلي ورعوي “والمزارعون فيه قلة، وأنسب نظام لإعادة الدولة ومؤسساتها.
    …………………………………………………………………………………………

    الفقرة الواردة أعلاه,هي جزء من مقال الكاتب عبدالرحمن عيسى,أزمة السياسة في الصومال5

    وقد توقفت عند مقولة “تمركز كل مساعي التنمية في العاصمة”, واعتقد ان هذه المقولة مجافية لحقائق التاريخ وهي مقولة منتشرة في الأوساط الصومالية, ومن كثرة ترديدها اصبحت كحقيقة مسلمة من قبل الكثير من الصوماليين, والمقولة تحمل في طياتها الخبث والتبرير للمشاعر الانعزالية لتمرير مخططات سياسية تاخد شرعيتها الزائفة استنادا من المقولة!

    إلى أن الواقع التاريخي الذي مرت به الصومال ما بين الفترة 1960-1991 يؤكد أن العاصمة مقديشو لم تشهد تمركز التنمية فيها, حيث أن كل ما تم بنائه في العاصمة خلال تلك الفترة لم يتجاوز منشآت الدولة الصومالية المركزية والتي بناائها ايضا في بقية المدن وبدرجات متفاوتة نظر لمساحاتها وحجم التواجد السكاني بها, ناهيك عن تعمير المواطنيين المنتمين لجميع المناطق للعاصمة, وهذه الأخيرة فتمثل بخيارات شخصية.

    أما مشاريع التنمية الزراعية,الصناعية والثروة الحيوانية, فقد شيدت انطلاقا من مخططات تنموية وتم بنائها في مناطق تتناسب طبيعتها الجغرافية مع تلك المشاريع.

    إلى أن الكثيريين من الصوماليين يخلطون ما بين العائدات التي صرفت على مشاريع التنمية العامة, وما بين الموارد المالية التي تصرفت فيها نخب سياسية حاكمة وإدارية,حيث نُهبت تلك الموارد من قبل أفراد باسم مركزية الدولة.

    وبتالي,فهل تتحمل مدينة مقديشو وسكانها الحاليين تلك الممارسات التي قام بها المتنفذون؟

    الحديث عن هذا الموضوع يطول ويمكن لقائل القول أن الأمور بعد انهيار الدولة الصومالية تغيرت على صعد شتى, ممكن تفهم ذلك, أما الإيحاء بأن قبيلة الهويي نالت جهود التنمية في العاصمة حينها وبمعزل عن بقية الصوماليين, فذلك منطق لا يقبله إلى صاحبه!

  3. شكرا استاد عبدالرحمن واري ان مقالك في مقامه حيث هناك من يريدون افشال الفيدرالية في الصومال او علي الاقل تصويرها بصورة خاطئة لكن فدرلة الصومال امر يجبرنا الواقع . واقول لمناهضي الفيدرالية هيا الي الفيدرالية ولا يفوتكم القطار ولم يبق في الفيدرالية سوي اقليم فيدرالي واحد وهو اقاليم هيران وشبيلي الوسطي وجلجدود، واخرهم وﻻية جنوبب غربي الصومال المكونة من باي وبكول وشبيلي السفلي .

%d مدونون معجبون بهذه: