أزمة السياسة في الصومال (4)

من صور أزمة السياسة في الصومال القصور الدستوري والنقص التشريعي؛ حيث تعد الجذور الأساسية للنزاعات السياسية والخلافات العميقة عدم وجود قاعدة قانونية وأساس تشريعي أو وضوح هذه القاعدة القانونية لتنظيم العملية السياسية في الدولة، إن ما ينظم حدود وصلاحيات الهيئات الدولية والعلاقات بينها هو الدستور المؤقت الذي أقرته جمعية تأسيسية مكونة من 825 فردا يمثلون كافة فئات الشعب وشرائحه، ويقسم الدستور المؤقت السلطات الثلاث في البلاد، السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وتهيمن السلطة التشريعية على باقي السلطات؛ أما السلطة التنفيذية فيرأسها رئيس الحكومة الذي يعينه الرئيس ولا يستطيع عزله، أما السلطة القضائية فتعاني من عدم اكتمال هيكلها وقلة القضاة وندرة الأدوات اللوجستية اللازمة لعملها فضلا عن الأمن المفقود لعناصر القضاة.

وقد بدأت عملية مراجعة الدستور المؤقت حسب توصيات الجمعية التأسيسية والآراء التي تم جمعها من فئات الشعب المختلفة والجدير بالذكر أن مجلس الوزراء أقر اللجنة المستقلة لمراجعة الدستور المؤقت والمكونة من خمسة أعضاء وصادق البرلمان عليها لتبدأ عملها فورا، وأمام هذه اللجنة وأعضاء البرلمان مهمات جسيمة تتعلق بمصير هذا الوطن ويتوقف عليها حاضره ومستقبل أجياله، ونأمل أن ينجحوا في المسئوليات الملقاة على عاتقهم.

إن صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة متشابكة ويصعب الفصل فيها؛ فمهمة الرئيس الأساسية حسب الدستور المؤقت هي التنسيق بين السلطات الثلاث ومتابعة أدائها وحماية الدستور فضلا أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ويملك سلطة إعلان الحرب وحالة الطوارئ إلى جانب عدد من الواجبات الدستورية الأخرى، أما رئيس الحكومة فيتولى السلطة التنفيذية وأهم واجباته هي رسم السياسات العامة من جميع النواحي وتنفيذها والإشراف عليها والموافقة على القرارات الإدارية واقتراح مشاريع القوانين وإعداد الميزانية العامة إلى جانب عدد من الوجبات الدستورية المنصوص عليها في الدستور المؤقتأما من الناحية العملية فنرى أن عدم وضوح المسئولية التنفيذية التي يتشارك فيها الرئيس ورئيس الحكومة تؤدي إلى نشوب الخلافات التي أصبحت معتادة، وتعد مصدر إزعاج دستوري، ويجب علاجه دستوريا. فمنذ العام 2000 م مر على البلاد أربعة رؤساء للجمهورية و10 رؤساء حكومات دارت بينهم سجالات وخلافات مريرة عطلت أداء المهام الحكومية.

أنظمة الحكم السياسي

A. النظام البرلماني B. النظام الرئاسي C. النظام المختلط D. النظام المجلسي

النظام البرلماني

يقوم على مبدأ فصل السلطات مع تعاونها وتعد السلطة التشريعية هي الأهم من بين السلطات، ويسمح فيه بجمع عضوية البرلمان مع الوزارة، وتكون السلطة التنفيذية لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الدولة له سلطة معنوية ولا يتمتع بسلطات فعلية تنفيذية بينما رئيس الحكومة يتولى السلطات الحقيقية وأفضل مثال لهذا النظام هو بريطانيا.

النظام الرئاسي

يتمتع رئيس الجمهورية في ظل النظام الرئاسي بصلاحيات واسعة ويعاونه في ذلك نائب رئيس الجمهورية، وهو رئيس الدولة ورئيس الحكومة في ذات الوقت ويملك مع البرلمان سلطة تشريعية في إصدار المراسم الجمهورية بحيث تراقب كل سلطة الأخرى فقرارات رئيس الجمهورية بصفته رئيس السلطة التنفيذية تحتاج إلى مصادقة البرلمان عليها ، كما أن قرارات البرلمان تحتاج إلى توقيع الرئيس عليها، ومبدأ فصل السلطات فيها مطبق فيه بأقصى حد ممكن؛ حيث يتصف بالفصل الشديد بين السلطات الثلاث واستقلالية كل سلطة عن الأخرى ومثال هذا النظام في الولايات المتحدة الأمريكية.

النظام المختلط

يجمع بين سمات النظام الرئاسي والبرلماني ويوزع السلطات التنفيذية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة؛ حيث يختلف عن النظام البرلماني بأن رئيس الدولة ليس منصب معنوي وكذلك عن الرئاسي بأن مجلس الوزراء خاضع بالكامل لرقابة السلطة التشريعية ( البرلمان ) ومثال هذا النظام في تركيا وتونس.

النظام المجلسي

يقوم على دمج السلطتين التشريعية والتنفيذية في سلطة واحدة طُبق لأول مرة في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر ولم يدم طويلا ، ويقوم هذا النظام على تركيز السلطة بيد البرلمان وتبعية السلطة التنفيذية للبرلمان وأفضل مثال لي هذا النظام في سويسرا.

النظام السياسي في الصومال حاليا لم يستقر بعد لكون الدستور مؤقت، وعندما يكتمل الدستور سيساهم بشكل كبير في حل النزاعات التي مصدرها من الدستور، ولحل هذه المعضلة ( الخلاف في السلطة التنفيذية ) التي أضحت روتينا في المسرح السياسي الصومالي من المستحسن إجراء تعديل دستوري لتغيير نظام الحكم من النظام المختلط ( البرلماني – الرئاسي ) إلى نظام رئاسي بحت لتحديد المسئولية التنفيذية بشكل واضح وصريح وإزاحة الالتباس وأسباب النزاع بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وحتى يسهل الأداء الإداري من قمة الهرم السياسي والإداري إلى القاعدة الجماهيرية، ففي النظام الرئاسي رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورئيس الحكومة ولديه صلاحيات واسعة يستطيع إنجاز ما تعهد به للناخبين في برنامجه ويعاونه في ذلك نائب رئيس الجمهورية الذي يختاره الرئيس في حملته الانتخابية ويكون بينهما انسجام تام، ومن الصعب أن ينشأ خلاف بين الرئيس ونائبه لوضوح الصلاحيات من الأساس، أما في الوضع الراهن فإن رئيس الجمهورية يعين رئيس حكومة بتوازنات قبلية معروفة ولا يستطيع دستوريا عزل رئيس الحكومة إلا بموافقة البرلمان، ومن هنا يصيب الشلل السلطة التنفيذية التي لديها رأسين لا تضمن أنهما يسيران على ذات الخط، وفي غالب الأمر يسيران على خطين غير متوازيين مما يحتم اصطدامها.

يتخوف البعض من النظام الرئاسي؛ لأنه سيقود إلى تفرد الرئيس ومعه حاشيته وبطانته في استئثار الثروات والنفوذ، وهنا نرجع إلى الدوامة المفرغة، وهي القبلية التي سأتناولها لاحقا، وهذا التخوف لا يستند إلى أراضي صلبة فلم يمر على الصومال أن جربت النظام الرئاسي إلا في ظل النظام العسكري بحيث انطبعت في الذاكرة الصومالية أن النظام الرئاسي شر مستطير يجب أن لا نفكر فيه أبدا، فاختزال سيئات النظام الرئاسي في ظل تجربة الحكم العسكري غير صائبة فلم يكن هناك برلمان يمكن أن يراقب أداء السلطة التنفيذية ويصدر التشريعات المناسبة، أما حاليا فالرئيس لم يعد زعيما فرديا وإنما هو منتخب من الشعب مباشرة أو بشكل غير مباشر .

ومن أنماط الأزمة أيضا أن مبدأ الفصل بين السلطات غير مطبق لأن أعضاء في السلطة التشريعية هم أيضا أعضاء في السلطة التنفيذية، وهذا الخلط يصب في تعطيل العمل الحكومي ويغطي على الفساد والمحسوبية ويقضي على الشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد لعدم وجود تقاليد حزبية راسخة كالتي توجد في النظام البرلماني البريطاني.

إن استقلالية القضاء مهمة لحفظ الأمن والاستقرار والفصل بين المتنازعين؛ لأنه لا يمكن أن تكون الجهة التي تصدر هي التي تحكم وهي التي تنفذ، فاستقلال القضاء مهم لاستمرار الحكم وتلبية أدنى حد من قناعات المجتمع؛ لأن الدولة قائمة على الشعب، فبالشعب تكون الدولة؛ لأن الدولة مكونة من ثلاثة عناصر الشعب والأرض والسيادة، فالشعب هو قاعدة هذا المثلث.

وللحديث تتمة…

%d مدونون معجبون بهذه: