أزمة السياسة في الصومال (3)

بعد الهجوم على البرلمان الصومالي واستقالة وزير الأمن عن منصبه في خطوة نالت إعجاب الجميع؛ لأنها تدل على الإحساس بالمسئولية وبداية مسار جديد رسمه الوزير المستقيل للمسئولين وصناع القرار عديمي الشعور بالمسئولية ولسان حالهم يقول هل من مزيد؛ وحسب ما أذكر فإنها تعد أول استقالة على خلفية حدث مهم والاستقالة تنم عن حس المسئولية وليس إقرارا بالفشل حسبما فهمه البعض بدليل أن أي مسئول سيستلم هذا المنصب لن يكون قادرا على منع الهجمات الانتحارية.

بعد هذه الاستقالة توقع البعض تراجع الأزمة السياسية إلا أن العارفين في خبايا الأمور كانوا يدركون أن هذه الخطوة مع أهميتها لا تعد كافية ولا تروي غليل النواب الثائرين، وإنما يحتاج الوضع إلى إجراء تغيير جذري شامل في الجهاز الأمني والسياسي في البلاد وأعتقد أن استقالة وزير الأمن ستكون بدية القطرة للغيث القادم.

تصعيد النواب في الأزمة لا يساعد على إحداث تغيير في الأوضاع السياسية المتأزمة، وهذه الأجواء السياسية الملبدة بالشك وعدم الثقة تنعكس على الأجواء الأمنية والاقتصادية والتي لا يتحملها الوطن، ويتساءل المواطن البسيط.. هل السياسيون الصوماليون يجيدون فقط فن إنتاج الأزمات بدل حلها، حل الأزمة السياسية يتطلب التفكير الهادئ والتشاور الهادف ولكن إلقاء اللوم على الأفراد والجماعات جزافا لن يأتي بالحل وإنما يطيل من أمد الأزمة، وما يؤسف له أن من يدرك هذه الحقائق قليل جدا مقارنة ممن يتحمس في توزيع الاتهامات يمينا وشمالا ويظن أنه بذلك يحسن صنعا.

السر وراء تحرك النواب

السر وراء تحرك النواب يعد مفاجئا للمتابعين، فبعض مطالب النواب تبدو محقة وبعضها تبدو تعجيزية؛ وهناك عدة أسباب وتخمينات يذكرها المحللون وسأذكر أبرزها وأكثرها منطقية وقربا للواقع:

  • العامل الخارجي حيث أن كثيرا من الدول لها تأثير واضح على الساحة الصومالية وتبحث عن مصالحها التي لا تتقاطع بالضرورة مع المصالح الصومالية.
  • طمع النواب في تولي مناصب كبيرة عند إسقاط الرئيس وتشكيل حكومة جديدة ولا يهمهم مصلحة الوطن فقط يهمهم مصلحتهم الشخصية.
  •  إعفاء مدراء النواحي في محافظة بنادر ( العاصمة مقديشو ) من مناصبهم كان له أثر على بعض النواب؛ حيث فقدوا إمتيازات كانوا يتمتعون بها مع المحافظ والمدراء السابقين.

من يحق له عزل الرئيس ؟

حسب المادة 92 من الدستور الصومالي المؤقت يصبح منصب الرئيس شاغرا إما باستقالته أو إقالته إذا ارتكب الخيانة العظمى أو انتهك الدستور بشكل صارخ، ويحق لثلث أعضاء البرلمان اقتراح عزل الرئيس من منصبه وتدرس المحكمة الدستورية هذا الاقتراح وبعد أن تجيزه المحكمة يتم التصويت على مقترح العزل، ويجب أن ينال ثلثي الأصوات من مجمل أعضاء البرلمان، ويتولى رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية مؤقتا حتى انتخاب رئيس جديد خلال ثلاثين يوما، ويتولى النائب الأول لرئيس البرلمان رئاسة البرلمان مؤقتا.

لماذا الخلاف دائما سيد الموقف ؟

إن نشوب الخلافات وتباين الآراء بين الناس أمر طبيعي ويدل على أجواء صحية للممارسة السياسية ولكن من غير المرغوب فيه تعطيل المسار السياسي أو بالأحرى الخلاف السلبي الذي لا يكون الغرض منه تصحيح الأخطاء وتنقيح الممارسات بحيث يمكن القيام بأي عمل على نحو أفضل مما تم عليه، أي أنه على قاعدة كان بالإمكان أفضل مما كان، والخلاف على هذا الأساس لا يعد عيبا أو نقطة ضعف وإنما يعتبر نقطة قوة وإثراء، وهذا ما صرح به الرئيس مؤخرا أمام البرلمان عندما تناول الخلاف الذي يمكن أن يطرأ بين المسئولين.

يقال أن التاريخ يعيد نفسه فما أشبه الليلة بالبارحة ففي بداية العام 2012 نشرت مقالا في شبكة الشاهد بعنوان : البرلمان الصومالي واللعب في الوقت الضائع عندما أصر بعض النواب على عزل رئيس البرلمان آنذاك شريف حسن شيخ آدم، وهذه الأزمة عطلت الدولة الصومالية وأفقدتها الكثير من الوقت والجهد والمال، وفي النهاية لم يدرك النواب المتسببون في هذه الأزمة مرادهم واستكمل رئيس البرلمان ولايته طبقا لمعاهدة كمبالا التي أصبحت لا بد من زيارتها كلما اشتدت الأزمة في مقديشو. والآن منذ تفجر الأزمة سارع الرئيس الصومالي إلى تنبيه النواب بحل الأزمة بالحوار والتفاهم بدل المواجهة والتصعيد ، واحترام الدستور المؤقت.

المواقف الدولية والإقليمية

التزم المجتمع الدولي الصمت أمام تصعيد بعض النواب ضد الرئيس فعندما سئل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة عن الأزمة نأى بنفسه الخوض فيها معتبرا أنها أزمة داخلية يجب حلها من الداخل، أما الدول فلم يصدر منها أي تعليق حتى الآن سوى اجتماع كمبالا الذي لم يعرف ما دار في أروقته سوى التكهنات والتكهنات المضادة، وحذر النواب المعروفون بمجموعة 5 مايو من تدخل المجتمع الدولي منوهين أن الصومال لم يعد في المرحلة الانتقالية، وأنه قادر على حل أموره بنفسه دون مساعدة الآخرين، وهذا جميل إذا طبق على أرض الواقع.
والحديث مستمر….

%d مدونون معجبون بهذه: