أزمة السياسة في الصومال (2)

ومن مظاهر أزمة السياسة في الصومال مقارنة الأوضاع في الصومال بالأوضاع في مصر، والدولتان الشقيقتان تتشابهان في الكثير من الملفات وتتشاركان نفس التحديات والمعوقات إلا أن هذا لا يعني تطابق الأوضاع وإسقاط ظروف مصر على الصومال أو العكس، ومن هذا المنطلق فرغم القواسم المشتركة بين الصومال ومصر في الكثير من الملفات ولكن يظل لكل بلد خصوصيته التي تميزه عن الآخر وبالتالي لا يمكن إسقاط ظرف معين في بلد على الآخر، الصومال ليست مصر ومصر ليست الصومال، والرئيس حسن شيخ محمود ليس الرئيس المعزول لمصر السيد مرسي، والجيش المصري ليس كالجيش الصومالي فالجيش المصري مؤسسة عريقة تحكم مصر بشكل مباشر منذ عام 1952م ويمتلك مقومات وإمكانيات هائلة ويحظى برعاية القوى الكبرى في العالم، أما الجيش الصومالي فلا وجود له منذ انهيار الحكومة المركزية في عام 1991م واندلاع الحرب الأهلية التي قضت على مؤسسة الجيش الصومالي وبرزت مؤسسة الجبهات القبلية والمحاصصة القبلية البغيضة التي يعزى إليها تخلف الصومال وعدم لحاقه بالركب الإقليمي وبالتالي لا مجال للمقارنات بين الصومال ومصر لمن يرغب في استدعاء الحالة المصرية في الصومال، صحيح أن الرئيس مرسي انتخب في العام 2012 وكذلك الرئيس حسن شيخ محمود انتخب في 2012 ربما هذا هو التشابه الأكبر بين الوضعين، وما عدا ذلك فمجرد مقارنات يمكن الاستئناس بها ولكن لا يمكن التعويل عليها بأي حال من الحال.

وفي غضون استدعاء هذا السيناريو اجتمع نحو مائة نائب من أعضاء البرلمان في الخامس من شهر مايو 2014 وأصدروا بيانا مكونا من أربعة عشر بندا مطالبين الرئيس بالاستقالة للفشل في إدارة البلاد في الوقت الذي كان الرئيس في جولة خارجية، وعندما علم الرئيس بتحركات أعضاء البرلمان عاد الرئيس إلى البلاد وأعلن أنه يرحب بأي شكل من حرية التعبير عن الفكر سواء من المواطنين أو السياسيين أو النواب؛ فالصومال الجديد يختلف عن الصومال الذي عهده الناس من تكميم الأفواه؛ حيث وصلنا إلى درجة من حرية الكلام بعد سنوات من حكم زياد بري وقمع حركة الشباب؛ ولكنه في الوقت ذاته طالب النواب بأن يكون تعبيرهم عن الرأي في المكان المناسب عن طريق المجالس الدستورية وبالكيفية الأنسب.


من مظاهر أزمة السياسة في الصومال أن هؤلاء النواب هم من انتخبوا الرئيس حسن شيخ محمود في العام 2012 م والآن جزء منهم على الأقل يسعى إلى عزل الرئيس، فالتساؤل المطروح هو هل كانوا مخطئين عندما انتخبوا الرئيس أم أنهم مخطئون الآن، وهل يمكن أن يصلح الرئيس ما أفسده الصوماليون في ربع قرن في سنوات معدودة فهذه مطالب غير منطقية وبعيدة عن الواقع. نعم من حق البرلمان أن يسائل الحكومة ويراقب أدائها ويصدر التشريعات التي تنهض بالوطن من كبوته بناء على تفويض الشعب سلطاته له بحكم تمثيله للشعب، وهذا مرحب به، والبرلمان اتخذ سلسلة قرارات لتصحيح بعض المسارات منها منح الهوية الوطنية التي نالت إشادة الشعب وإصدار قوانين وإقرار بعض مشاريع القرارات المقدمة من الحكومة.


من المفارقات العجيبة في أزمة السياسة بالصومال أن يتقدم 65 نائبا بمشروع سحب الثقة عن وزير الداخلية والشؤون الفدرالية، وعندما تأتي ساعة الحسم بالتصويت لا نجد إلا 18 نائبا يؤيدون المشروع! لا نجد تفسيرا مقنعا لهذا الشيء ويستغرب الشعب أين تبخر العدد الكبير الذي قدم مشروع سحب الثقة ؟ ولماذا قدموا المشروع إذا لم يكونوا متأكدين من مسعاهم؟ أم أن الفلوس تفعل في النفوس فعلها. يجادل البعض أن الأمر لا يعد مسألة مال أو رشوة ومزاد علني والرابح فيه من يدفع أكثر وإنما له علاقة بلعبة السياسة والمصالح المتشابكة بين الفرقاء الأصدقاء، ربما نعم وربما لا، لا نستطيع الجزم بشيء!!!. ويرى المتابعون أن الأجدى للبرلمان أداء مهامه الدستورية بدل اختلاف المشاكل والأزمات السياسية التي لا تسمن ولا تغني ولا يحتاج الصومال إلى مشاكل جديدة وإنما يحتاج إلى حلحلة جملة المشاكل الحالية المتراكمة وأن يتحلوا بالحلم والأناة بدل التعجل والتهور فالاستحقاقات المطلوبة منهم أكبر بكثير من الوقت المتوفر لهم؛ ولهذا ينبغي عليهم استغلال هذه الوقت القليل في الواجبات الدستورية التي من أولها استكمال كتابة الدستور الدائم للجمهورية.

في خضم هذه الأزمة حدث الهجوم على البرلمان الصومالي حيث يقال أن المصائب غالبا ما تجتمع لتزيد من تعقيد الأوضاع التي كانت معقدة أصلا وتفتح باب التكهنات بتورط الطرف الفلاني أو العلاني وهذا كله يصب في فرص استمرار هذه الأزمة بعد أن كانت في طريقها إلى الحل.
والحديث يستمر…

%d مدونون معجبون بهذه: