الدولة الصومالية وفقدان البوصلة (1)

 لأكثر من 24 عاما والبحث يجري عن الدولة الصومالية على قدم وساق. مسيرة البحث شملت مرحلة المؤتمرات المصالحة، ومرحلة الحكومات الانتقالية. وأخيرا مرحلة الدولة الرسمية التي خرجت عن الحالة الانتقالية. وكان الجميع ينتظر المرحلة الأخيرة التي تتمتع فيها الدولة الصومالية محليا وعالميا بفرص أكبر وأكثر وأفضل وأهم، و ، و، و،،، ولكن أين ذهبت هذه الفرص، ولمَ تتجه الأمور من سيء إلى أسوأ.؟؟؟ أترك القارئ ولنفسي أيضا في مرات قادمةللإجابة عن هذا السؤال الكبير. ولكنني في هذا المقال أرغب فقط في أن أشير إلى بعض القضايا، من بينها.

1. الإحساس بوجود دولة في الصومال في المجال الأمني مفقود:

الدولة في الصومال مغيبة عن الميدان!!!، مغيبة في خدماتها الأمنية، ناهيك عن غياب خدماتها الأساسية الأخرى في مجالات التعليم والصحة وتوفير المياه الصالحة للشرب وغيرها من الخدمات الضرورية المعروفة. المواطن الصومالي لا يحس بوجود الدولة.! الإحساس بوجود هيبة الدولة يتم شعوره عن طريق رجال الأمن من الشرطة وغيرهم والذين يقومون ببسط الأمن في الشارع وفي داخل المدن وخارجها. كما يتم إحساس الدولة كذلك عن طريق الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين . السؤال هنا، هل رجل الأمن اليوم مثلا يقوم بهذا الدور؟ خذ مثلا حالة الأمن في العاصمة والمناطق المجاورة لها؛ وانظر كيف تتصرف القوات الحكومية وكيف تخرب الأمن بنفسها، وكيف تقيم الحواجز التي تفوق الحصر في الطرق العامة من أجل ابتزاز المواطنين المسافرين بفرض جبايات باهظة غير قانونية عليهم. لقد بثت وسائل الإعلام قبل أيام قليلة مقابلات أجرتها مع بعض تجار المحاصيل الزراعية الذين يوردون الخضراوات والفواكه للعاصمة من إقليم شبيلي السفلى، والذين قالوا إنهم اضطروا إلى وقف النشاط التجاري الذي يمد العاصمة بمستلزماتها من الخضروات والفواكه بسبب عجزهم على دفع الإتاوات التي تفرضها عليهم القوات الحكومية . أين الحكومة الصومالية في ذلك والتي تريد أن تقول للناس إنها موجودة ؟؟؟، كيف يمكن لأي دولة في العالم أن تتصرف قواتها بهذه الطريقة؟؟؟ ما هي شكل هذه الدولة إذا هي لا تدافع ولا تحمي عن حقوق مواطنيها، وكيف يمكن لقوات أي دولة في أي مكان في العالم أن تعرض مصالح مواطنيها للخطر بهذه الطريقة ثم تقول للناس أنها دولة موجودة.!!!!

2. وجود اسم الدولة الصومالية ورسمها مهدد بالتلاشي:

إن وجود اسم الدولة الصومالية اليوم ورسمها في خطر ماحق!!!، ناهيك الحديث عن الوحدة الصومالية وعن سيادة الصومال على شعبه وعلى أراضيه !!! الدولة الصومالية لم يتبق منها إلا الرسم والاسم، والاسم نفسه في خطر!!!. الغريب أن يكون اسم الدولة الصومالية نفسه محل نقاش.!!! فأحيانا نسمع الحكومة الفيدرالية، وأحيانا تسمع الجمهورية الفيدرالية الصومالية. ونسمع كذلك دولة الصومال، ودولة بونت لاند، وجمهورية صومالي لاند ودولة جوبا لاند ودولة جلمدج. وجمهوريات ودول أخرى تقاتل من أجل الميلاد ما أنزل الله بها من سلطان.!!! السؤال هو أي من هؤلاء يمثل دولة للصومال، وأيهم يمثل الشعب الصومالي ككل؟؟؟. سؤال حيرتني وتحير معي آخرين. ما هو هدف هذه الدول وما هي تسمياتها إن لم يكن هذا الهدف إنهاء الوجود الحقيقي للدولة الصومالية

بهذه الطريقة تكون الدولة في الصومال تتجه نحو التلاشي، بعد أن تم تفكيك اسمها والتلاعب برسمها. الناس في الصومال يريدون أن يقيموا قبائل متناحرة ويسمونها بدولة فلان ودولة علان!!! ألا تستحيون.؟ لكن والأدهى والأمر في ذلك: أين دور البرلمان الصومالي في تحديد وتفسير هذه المصطلحات؟؟؟ أيها حلال وأيها حرام، وأي هذه التسميات يصلح للحكومة الاتحادية وأيها يصلح للولايات؟؟؟ بل أين الدستور الذي يقال إنه موجود. ما هو كل هذا اللعب بمصير الدولة الصوماليةأنا لست ضد تكوين دولة صومالية غير مركزية ولكن المرفوض هو أن يتم تفكيك الدولة الصومالية في الظلام الدامس هكذا؟؟؟

3. المفاوضات بين الحكومة الاتحادية وصومالي لاند كيف وإلى أين تسير؟؟؟:

يسمع الجميع من حين لآخر أن هنالك مفاوضات بين الحكومة الاتحادية وصومالي لاند، تعقد هنا وهناك، دون أن يكون هنالك تقييم حقيقي لسير هذه المفاوضات، فلا بحوث ولا دراسات ولا مشاركة كفاءات صومالية، ولا مفوضية مستقلة أو غير مستقلة للمفاوضات. فالشعب وإرادته ونخبه مغيبون عن هذه المفاوضات. ليس هنالك إحاطة بالشعب لما يجري في الساحة من مفاوضات حتى ولو كان ذلك إعلاميا. مفاوضات سرية تجري في جو مظلم. بل إن صومالي لاند تتحدث إعلاميا عن سير هذه المفاوضات أكثر من الحكومة الاتحادية بحيث تحاول أن تقنع مواطنيها وتستثمر تلك المفاوضات لصالح الانفصال بينما الحكومة الاتحادية تحبذ أن تجري المفاوضات في جو من السرية والتعتيم الإعلامي المطبق!!!.

4. الحكومة الصومالية تتصرف وكأنها مسؤولة أمام المجتمع الدولي فقط:

الدولة الصومالية تتصرف اليوم وكأنها مسؤولة أمام المجتمع الدولي وليس أمام الشعب الصومالي، لأنها تأخذ وصفة واجباتها من المجتمع الدولي لا من إرادة ورغبة الشعب الصومالي ولا من مصالحه الحقيقية، بل إن إرادة الشعب الصومالي مغيبة فيما يدور بالبلاد بسبب غياب خارطة صومالية لمواجهة القضايا والتحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والخدمية التي يعاني منها الواقع الصومالي.

السؤال هو من هو صاحب الملكية الذي تنفذ إرادته، لصالح من تعمل الحكومة؟؟. ولصالح من تبذل كل تلك المساعي.؟؟؟. غياب الملكية OWNERSHIP هو المشكلة. وهذا يؤدي إلى عدم تفاعل الشعب مع جهود الحكومة؛ لأنه صار ليس معنيا بكل ما يدور، ولأن الحكومة أصبحت لا تترجم عن إرادة شعبها فيما تقوم به من أعمال…!!!

5. فقدان البوصلة في السياسة الصومالية هو الحقيقة الماثلة

الحكومة الصومالية التي في سدة الحكم مرت بفترتين. في الفترة الأولى بقيادة رئيس الوزراء ساعد شردون يبدو لي أنه كانت لديها رؤية وبرنامج ( البنود الستة التي كانت في برنامج الرئيس أثناء الانتخابات الأخيرة ). ولكن وبسبب التعنت وغياب المرونة وغياب الشورى وضعف الكفاءات فشلت الحكومة في تحقيق تلك البنود مما اضطر الرئيس الصومالي إلى تغيير حكومة ساعد شردون. ولكن الحكومة الصومالية في فترتها الثانية الحالية يبدو لي كمراقب وكأنها تسير خبط عشواء بدون هدي وبدون خطة وبرنامج.

6. أخطاء من الماضي لا زالت مستمرة

· الدولة الصومالية فشلت في تعبئة الشعب الصومالي وفي إيجاد حراك جماهيري موجه نحو تجاوز الأزمة الصومالية. فالناس ينتظرون الحل من العدم، والبلد ينحدر إلى نحو المجهول.

· سياسة الإقصاء والتهميش لا زالت مستمرة للقوى الفاعلة في المجتمع الصومالي.

· تجييش القبيلة وتعبئتها بدل تنافس تيارات سياسية قائمة على المنطق والحجة والبرهان والخطط والبرامج الهادفة.

· لا يوجد نخبة صومالية وكفاءات حقيقية تتصدر المشهد لحل الأزمة الصومالية. بل هنالك انتهازيون في كل مكان. الانتهازية توسعت في كل القطاعات: من قيادات عليا وسياسيين وعسكريين وشيوخ القبائل. هؤلاء الانتهازيون يحكمون البلد بالفساد وبالرشاوي وبشراء الذمم، فمن يدفع أكثر يحكم أكثر. الدولة الصومالية لا تقوم بقيادة نخبة صومالية ذات أمانة وقادرة على تغيير المشهد من السلبي إلى الإيجابي بناء على الرغبة الحقيقية للشعب الصومالي مما يجعل الأزمة الصومالية تطول وتطول دون حل؛ لأن الشعب وإرادته مغيبة.

المطلوب وضع خارطة صومالية تخرج عن رحم مؤتمر حوار وطني صومالي حقيقي جامع يتناول كل القضايا الشائكة في البلاد. بحيث يتمخض المؤتمر عن وصفة طيبة تصطحب معها إرادة الشعب الصومالي لعلاج أمراض البلاد من رأس كمبوني إلى رأس عسير…..ويتم تنفيذ وترجمة توصياته إلى واقع عملي….

وللحديث بقية،،،،،،،،،،،،

والله ولي التوفيق والسداد

%d مدونون معجبون بهذه: