أما آن الأوان لكينيا بأن تنسحب؟

إن التدخل الكيني في جنوب الصومال الذي فرض عنوة بقوة السلاح في عهد حكومة الشيخ شريف شيخ أحمد لم يكن مرحبا به في أيّ وقت من الأوقات، لأنه يحمل في طيّاته أهدافا استرتيجية، أقلّها الإستئثار بالموارد الطبيعية في جوبا السفلى، وفي حدها الأقصى فصل إقليم جوبا السفلى عن الصومال. وهي متواطئة في هذا الصدد مع الشركات العالمية البترولية، ولاسيما (إيني) الإيطالية و(ألف) الفرنسية وغيرها من الشركات الأمريكية التي حرّضت على هذا العدوان ودفعت ثمنه مقدما ولا تزال تقوم بدفع تكاليف هذه الحرب، رغم حلول الأمم المتحدة من خلال (الأميصوم) مؤخرا بالمساهمة المالية للمجهود الحربيّ الكينيّ . وهذه معلومات مؤكدة من أوثق المصادر في أروقة الحكومات الغربية عرفتها من خلال مهماتي الرسمية في وزارة الخارجية.

وهي في مسعاها هذه تحاول أن تحذو حذو إثيوبيا التي نجحت في تحقيق مشروعها التوسعي في الهيمنة التي تجسدت في نهاية المطاف بخلق حقائق سياسية على الأرض بتشكيل كيانات انفصالية أولا بتدشين صوماليلاند ثم بونتلاند، وتستمر العملية في تمزيق البلاد إلى شرذمات قبلية تلبس مسوح الدولة تنتشر على سائر أرجاء الدولة الصومالية. وهذه الخطة ترضي طموحات دول الجوار والشركات البترولية المتعددة الجنسية وشركات الصيد البحري العملاقة الّتي تجد في تفتيت الصومال وضعفه مصدرا للثراء الفاحش الذي لا ينضب.

لكنّ الرياح لا تجري بما تشتهي السفن الكينية. فهي في عنفوان هجمتها لاقتطاع إقليم (جوبالاند)، وفي جشعها لنهب موارد الصومال لم تستطع القضاء على” حركة الشباب” التي تحتضر في الجمهورية، بل أصبحت تعيد إليها الروح بإعطائها مبررا أخلاقيا في معركتها مع كينيا في رفع لواء الوطنية وبالقدرة على تجنيد عناصر جديدة في حربها ضد كينيا مستغلة الأحقاد الناتجة عن اعتداءاتها الوحشية على الأبرياء من الصوماليين.

اكتشفت هذه الحركة ضعف النظام الكيني في علاقته مع كلّ مكونات الدولة الكينية، وفي اقتصادها البالغ الحساسية في اعتماده على السياحة، وفي قدرتها على استنزافها في جبهات متعددة في الساحة الكينية وفي جنوب الصومال، ومدّت جسورها في تحالف حميم مع كلّ الأطراف الكينية المتذمرة، الامر الذي أدّى إلى أن يجد النظام الكيني نفسه محاصرا في جبهات متعددة.

إنّ حادثة المجمع التجاريّ (وسترن جيت) في نيروبي، التي راح ضحيتها ما ينيف عن ستين قتيلا، أظهرت مدى هشاشة نظام الأمن الكيني، وفي عجزه على توفير الأمن لا لأبناء الوطن فحسب، بل لضيوفها الأجانب الذي كان الضحايا أغلبهم منهم.

وتعاقبت سلسلة التفجيرات في نيروبي وممباسا وفي بقاع أخرى في كينيا.

وفي انفعال طائش ينم عن سوء التقدير وفقدان التوازن وفي بحث عن كبش فداء لتغطية عجزها عن السيطرة على الأمن، أخذت قوات الأمن الكينية تطارد الصوماليين جميعا دون استثناء، على أساس أنّ مصدر البلاء يأتي من بينهم، سواء أكانوا مواطنين من الجمهورية أو صوماليين من حاملي الجنسية الكينية، بل امتدت ممارسات القمع ضد المواطنين الكينيين المسلمين، الأمر الذي جعل الإرهابيين يشعرون بالنشوة لإرباكهم خصمهم ومكنهم من تجنيد الناقمين الذي تعرضوا للإضطهاد والتعذيب الكينيّ.

وبعدما كان الصراع منحصرا في نيروبي، امتدت التفجيرات إلى ممباسا. وهنا فلتت الأمور من اليد، إذ أعلنت الدول الغربية قاطبة لرعاياها بعدم الإصطياف في كينيا ولاسيما في ممباسا. بل ذهبت الولايات المتحدة  إلى أبعد مدى من ذلك، بتقليص هيئتها الدبلوماسية في كينيا إلى الحد الأدنى، في بلد يقع في مركز الثقل في سياستها الإفريقية، خشية  تعرضها لاعتداءات  إرهابية.

هذا الموقف يحمل أكثر من دلالة، فالسياحة تمثل مركز الثقل للإقتصاد الكينيّ، فهي تشكل أكثر من 12,5% من الدخل القوميّ، ويعمل فيها ما يقرب من نصف مليون مواطن، كما أنّ الموقف الغربيّ يمثل لطمة قاسية للثقة في النظام  الكينيّ، الأمر الذي دفع الرئيس الكينيّ إلى إطلاق كلمات قاسية ونابية إزاء حلفائه وأصدقائه الغربيين.

ولا تقف خسائر الكينيين عند هذا الحد، فالجيش الكيني المقيم في جوبا السفلى الذي يقدر عدده بأربعة ألف جندي، سقط منهم صريعا في ميدان القتال 800، كما أن ثمانمائة آخرون هربوا من الخدمة العسكرية، ونسبة عالية منهم قدموا للمحاكمة العسكرية بتهمة الفرار من الجندية وتحطيم الروح المعنوية للجيش.

أمام هذه التضحيات الجسيمة، ارتفعت الأصوات في وسائل الإعلام الكينية، ولاسيما من أحزاب المعارضة بأن تدخلهم في الصومال يكلفهم كثيرا، وأنّه آن الأوان للإنسحاب من الصومال.

ومن الأصوات العالية التي ارتفعت احتجاجا على هذه التجاوزات الّتي لا تخدم مصالح كينيا الوطنية، وتتنافى مع قيم التحضر، وتشكل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة التي طالبت السلطات الكينية بوضع حد لهذه الإجراءات التعسفية, وإخلاء سبيل الأبرياء الذين تعرضوا للإضطهاد والعنف  والترحيل.

لقد كلّف الجشع والطمع في نهب موارد الصومال، والحسابات الخاطئة بأن الصومال كالبقرة المحتضرة الّتي تنتظر الذبح كينيا كثيرا.

ترى، هل سيتعظون؟!

أم أنهم في غيهم سيعمهون؟!

تعليق واحد

  1. الزميل والكاتب محمد شريف :
    كينيا ستنسحب أخيراً وهي تجر وراءها الهزائم والخسائر البشرية والمادية لكن الخاسر الأكبر في المعركة الهزلية الغير المتوازنة هم الصوماليون .. لأن بلادنا ينهي أو يكاد ثلث قرن في غمدة السلاح والنار والحديد، مرة مع أمريكا ومرة مع اثيوبيا وأخرى مع كينيا .. ومرات قادمة لا أعلمها ترى من ومتى نفتح الصراع مع غريم أخر قد يهضم قوانا الضعيفة من جديد.

%d مدونون معجبون بهذه: