أزمة السياسة في الصومال (1)

تعاني بلادنا من انقسامات حادة وتشرذم وصراعات طال أمدها وإلى الآن لم تستطع البلاد إفراز قيادات قادرة على إخراج الصومال من دوامة العنف والجهل والجوع الثلاثي المرعب، وحتى إذا خرج القائد الملهم فالبيئة السياسية في الصومال لا تساعد على عمله لافتقاره إلى الفريق المساعد؛ ثمة تساؤل يدور في ذهني طوال الفترة الأخيرة.. هل البلاد في أزمة سياسية أم أن السياسة في أزمة في الصومال ؟ لا فرق بين الأمرين عند معظم الناس ولا يتعبون أنفسهم في الخوض في هذه الفلسفة وعناء التفكير فيها؛ لأنهم ينظرون إلى النتيجة وليس الأسباب التي تقف وراء هذه الأزمات المتلاحقة، في هذه السلسلة سأحاول الإجابة على التساؤل المطروح أعلاه، وسأركز على بؤرة المشاكل السياسية في الصومال وعلى خفايا الأمور وخبايا السياسة الصومالية ودهاليزها؛ فمع أن السياسة في أبسط تعريف لها هي فن الممكن؛ ولكننا نرى ونشهد في بلادنا من يسير عكس التيار ويريد أن يجعل المستحيل ممكنا ويبذل كل جهده ويبدد المال ويصر على الخطأ حتى بعد أن بدا له في تعنت غريب في مشهد يجسد العناد السياسي أو الغباء المطلق كما قالت العرب عنزة ولو طارت.

تحول المجتمع الصومالي إلى مجتمع مسيس حتى النخاع؛ فكل الناس تفتي في السياسة ولا تراعي حرمة للمتخصصين في العلوم السياسية فالثقافة السائدة هي أن السياسة يستطيع الكل الخوض فيها؛ حيث يحلم معظم الشعب أن يصبح الرئيس والقائد وبذلك تنال الصومال لقب بلد المليون رئيس، والغريب أن قلة قليلة هي التي ترضى بلقب الشعب أما الغالبية فيسعون وراء السلطة لنيل الثروة، والمشهور عند ميلاد الدولة الصومالية شبه الشعراء والأدباء نيل الاستقلال وبزوغ فجر الحرية بمانديق وهي الناقة الحلوب في مقاربتهم لمفهوم الدولة؛ بينما العالم المتحضر يسعى الناس إلى السياسة لنيل الشرف والهيبة والسمعة، وآفة الآفات زج القبلية في السياسة والمحاصصة المعروفة بقاعدة 4.5 مما زاد الطين بلة، ونتساءل جميعا إلى متى تتحكم في مصائرنا القبلية والفساد المالي.

السياسيون الذين أفرزتهم هذه الظروف لا يتمتعون بالكفاءات المطلوبة من الحنكة والحكمة والحلم والأناة المطلوبة فتجدهم يتصرفون كعامة الناس تحكمهم العاطفة وتتحكم فيهم شهوة السيطرة، ويعانون من نقص الخبرة السياسية؛ فالسياسة مفتاح الحل لكل الأمور العالقة وبدون الوصول إلى صيغة من التفاهم السياسي لن تقوم قائمة لهذه البلاد التي أنهكها الصراع على سراب السلطة على حطام الدولة، وهناك فهم خاطئ عن السياسة حيث الاعتقاد السائد بأن السياسة نجاسة ونخاسة وكذب وخيانة ولف ودوران، وهذا صحيح في جزء من ممارسات الساسة ولكن ليست كل السياسة كذلك حسب مبدأ مكيافيللي أن الغاية تبرر الوسيلة؛ فهناك السياسة الشرعية التي تستند إلى المبادئ الخيرة التي تكون الغاية فيها من نفس الوسيلة .

مع كثرة المشاكل والأزمات والخلافات التي تتصاعد يوما بعد آخر لا يزال الوضع في الصومال يتأرجح بين المد والجزر بين التحسن الجزئي والتدهور الجزئي، بين الأمل والألم، وعندما يتهيأ للمتابع أنه تم إحراز تقدم نحو انتهاء الأزمة تندلع الأزمات بدون سابق إنذار لتمحو صور الإنجار البسيط مما يؤدي إلى التراجع خطوتين إلى الخلف، وهكذا يتكرر المشهد المرة تلو الأخرى. ومن ناحية أخرى يرى بعض من يستشرف المستقبل من مدرسة المتشائمين أن الصومال في طريقها للوقوع في فريسة الوصاية الدولية، وهؤلاء المتشائمون يرون أن لا أمل في القيادات الحالية ويروجون لفكرة إدخال الصومال في محمية دولية ريثما يتم إعداد قادة يستطيعون الاضطلاع على إدارة الدولة والتخلص من هذا الجيل الذي لا أمل فيه.

ومع ذلك يرى معظم المحللين أنه مهما يستجد من وضع أو تحدث من حوادث فإن الوضع سوف لن ينتكس ويرجع إلى أيام الأزمة في بداية التسعينات وبداية الألفية الجديدة؛ وذالك لأن كل المعطيات والمؤشرات تشير أن الشعب مل من الصراع العبثي وعندما تسأل العامة عن الوضع يجيبونك بأن الوضع آخذ في التحسن وتكتشف من محياهم إشراقة الأمل في غد جميل يحمل لهم البشرى لتحقيق آمالهم وتطلعاتهم.

وللحديث بقية.

%d مدونون معجبون بهذه: