حركة الشباب المجاهدين الصومالية

حركة الشباب الإسلامية أو حركة الشباب المجاهدين الصومالية، التي نفذت الهجوم على مركز تسوق في العاصمة الكينية نيروبي، حركة مرتبطة “بتنظيم القاعدة”. ورغم طرد مسلحيها من معظم مدن الصومال الرئيسية التي كانت تسيطر عليها، ما زالت تشكل تهديدا بينا.

برزت حركة الشباب للمرة الاولى عام 2006 بوصفها تنظيما شبابيا متشددا تابعا لاتحاد المحاكم الاسلامية المنحل الذي كان يقاتل القوات الاثيوبية التي كانت قد دخلت الى الصومال لدعم الحكومة المؤقتة الضعيفة.

وثمة تقارير كثيرة تتحدث عن توافد الجهاديين الاجانب الى الصومال للقتال الى جانب الشباب.

وتفرض حركة الشباب نموذجا متشددا من الشريعة الاسلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك رجم النسوة المتهمات بالزنا حتى الموت وقطع ايدي السراق.

هل يسيطر الشباب على اجزاء واسعة من الصومال؟

بالرغم من فقدانها السيطرة على معظم المدن والبلدات الرئيسية في الصومال، ما زالت الحركة تبسط نفوذها على اجزاء واسعة من المناطق الريفية.

وكان الشباب قد طردوا من العاصمة مقديشو في اغسطس / آب 2011، ومن ميناء كيسمايو المهم في سبتمبر / ايلول 2012.

وكان ميناء كيسمايو يعتبر مكسبا كبيرا بالنسبة للشباب إذ اتاح لهم تجهيز المناطق التي يسيطرون عليها بما تحتاج من مؤن اضافة الى الضرائب التي كانوا يجبونها من السفن التي ترسو في الميناء.

وكانت قوة الاتحاد الافريقي العاملة في الصومال لدعم القوات الحكومية قد وصفت طرد الشباب من مقديشو وكيسمايو بانهما نصران كبيران، ولكن الشباب ما زال بمقدورهم شن الهجمات في مقديشو وغيرها بشكل متواتر.

ويقول المحللون إن حركة الشباب بدأت بالتركيز بشكل متزايد على انتهاج اسلوب حرب العصابات لمواجهة التفوق الذي تتمتع به القوات الافريقية بالعدة والعدد.
ولكن الحركة تتعرض مع ذلك لضغوط من عدة اتجاهات، خصوصا بعد تدخل القوات الكينية في الصومال في عام 2011. ويتهم الكينيون الشباب بخطف السائحين في اراضيهم، وقد تزعمت قواتهم – التي تحارب تحت راية القوة الافريقية – الحملة على الشباب جنوبي الصومال.

في غضون ذلك، توغلت قوات اثيوبية في الصومال من ناحية الغرب وسيطرت على بلدتي بلدوين وبايدوا.

من هو زعيم الشباب؟

يتزعم حركة الشباب احمد عبدي غودان، المعروف ايضا بـ “مختار ابو زبير”، المتحدر من منطقة ارض الصومال الشمالية المنفصلة عن الجسد الصومالي.

وثمة تقارير – ينفيها الشباب بقوة – تتحدث عن ان المسلحين الجنوبيين الذين يشكلون غالبية مسلحي الشباب (الذين تتراوح اعدادهم بين 7 و9 آلاف) بدأوا بتحدي زعامة غودان.

ونادرا ما يظهر غودان في العلن، وكان سلفه معلم آدن حاشي ايرو، قد قتل قي غارة جوية امريكية عام 2008.

ما هي ارتباطات الشباب الخارجية؟

انضمت حركة الشباب الى “تنظيم” القاعدة في فبراير / شباط 2012، وقال غودان في شريط مصور آنئذ إنه “يبايع” أيمن الظواهري زعيم “التنظيم.”

ولكن التنظيمين لهما تاريخ طويل من التعاون، ومن المعروف ان مقاتلين اجانب يحاربون الى جانب المسلحين الصوماليين. وكان مسؤولو الشباب قد صحبوا العام الماضي رجلا يقول إنه من عناصر القاعدة – وهو الامريكي ابو عبدالله المهاجر – لدى قيامه بتوزيع المعونات على المتضررين بالمجاعة في المناطق التي يسيطر عليها الشباب.

ويقول المسؤولون الامريكيون إن الهزائم التي مني بها “تنظيم” القاعدة في افغانستان وباكستان عقب مقتل اسامة بن لادن ستدفع بالمزيد من مسلحيها للجوء الى الصومال.

هل نفذ الشباب هجمات خارج الصومال؟

تقول الحركة إن مسلحيها نفذوا الهجوم على مركز تسوق ويستغيت في نيروبي في الحادي والعشرين من سبتمبر / ايلول، الذي اسفر عن مقتل 68 شخصا على الاقل.

كما كانت الحركة مسؤولة عن الهجوم الانتحاري المزدوج الذي شهدته العاصمة الاوغندية كامبالا عام 2010، والذي اسفر عن مقتل 76 شخصا كانوا يتابعون المباراة النهائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم.

وقالت الحركة إنها هاجمت اوغندا لأن القوات الاوغندية – اضافة الى بورندي – تشكل عماد القوة الافريقية العاملة في الصومال قبل انضمام كينيا الى القوة.

ويقول محللون إن بامكان مسلحي الشباب دخول كينيا والخروج منها دون عقبات. ويقال إن الشباب يستطيعون حتى زيارة نيروبي لتلقي العلاج في مستشفياتها.

ويعتقد ان هجومي 2002 على اهداف اسرائيلية في ميناء مومباسا الكيني قد خطط لهما في الصومال من قبل خلية تابعة للقاعدة، بينما تقول الولايات المتحدة إن عددا من عناصر القاعدة الذين شاركوا في الهجومين على سفارتيها في نيروبي والعاصمة التنزانية دار السلام عام 1998 هربوا الى الصومال.

من اين تحصل حركة الشباب على الدعم؟

تعتبر ارتيريا الداعم للوحيد للشباب في منطقة القرن الافريقي وشرق افريقيا، الا ان الارتيريين ينفون قيامهم بتزويد الحركة بالسلاح.

اما سبب دعم ارتيريا للشباب فهو يتلخص في مجابهة النفوذ الذي تتمتع به عدوتها اللدودة اثيوبيا.

وكانت اثيوبيا – بدعم امريكي – قد غزت الصومال عام 2006 بغية دحر الاسلاميين. وانسحبت القوات الاثيوبية من الصومال عام 2009 بعد ان تكبدت خسائر فادحة.

ولكن الاثيوبيين عاودوا الكرة عام 2011، الا انهم يقولون الآن إنهم سيسلمون المناطق التي يسيطرون عليها للقوة الافريقية.

وماذا عن الحكومة الصومالية؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود استاذ جامعي وناشط سابق انتخب عام 2012 من قبل البرلمان الصومالي الذي كان قد تشكل حديثا بموجب عملية السلام التي رعتها الامم المتحدة.

وفاز شيخ محمود في الانتخابات على الرئيس السابق شيخ شريف شيخ احمد، وهو مقاتل اسلامي سابق تعرضت فترة ولايته التي استمرت ثلاث سنوات لانتقادات من جانب الدول المانحة التي اتهمت ادارته بالفساد.

اما الشباب، فيصفون عملية السلام بأنها مؤامرة خارجية تهدف للسيطرة على الصومال.

مما لا شك فيه ان الكثير من صفات الدولة الفاشلة تنطبق على الصومال، فلم تشهد البلاد حكومة فاعلة منذ اكثر من عشرين عاما تحولت خلالها الى ساحة حرب.

وقد سهل هذا الواقع مهمة حركة الشباب عند اول ظهور لها في الفوز بدعم وتأييد الشعب الصومالي. فقد وعد الشباب الصوماليين بالامن، الامر الذي رحب به الصوماليون ايما ترحيب.

ولكن مصداقية الشباب تأثرت سلبا عندما رفضوا المعونات التي تبرع بها الغرب لمساعدة الصوماليين في التغلب على القحط والمجاعة التي مرت بالبلاد عام 2011.

وتعتنق حركة الشباب المذهب الوهابي، بينما معظم الصوماليين صوفيون. وقد هدم الشباب العديد من المزارات والاضرحة الصوفية مما ادى الى نفور الصوماليين منهم.

وقالت لي فاريل المحللة السابقة في استخبارات الشرطة الاتحادية الأسترالية “إذا أضفت عناصر موالية (جديدة) وأفرعا وتنظيمات تابعة، فإن القاعدة هي الآن أكبر من أي وقت مضى”.

وأوضحت أن السبب في ضم عناصر جديدة بسيط، وهو أن “القاعدة الكلاسيكية”، في وصف للظواهري ورفاقه، لم تنفذ هجوما كبيرا ضد غربيين منذ سنوات.

ولهذا السبب فإن قادة القاعدة يحولون انتباههم إلى وسائل أخرى للحفاظ على وضعهم على الساحة الدولية، ويتبنون موقفا أقل صرامة إزاء شروط تجنيد عناصر جديدة.

شعور “بالنقاء”

شنت حركة الشباب في 21 سبتمبر هجوما على مركز ويستغيت بنيروبي، ما أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصا. وأكدت الطبيعة الوحشية لهذا الهجوم أن القاعدة ستظل حديث الأخبار لبعض الوقت.

من جهة أخرى، سيطرت جماعة تابعة للقاعدة على بلدة حدودية في سوريا، وقادة هذه الجماعة ليسوا الوحيدين الذين يرغبون في حمل لافتة القاعدة.

ويسعى مسلحون في إندونيسيا ودول أخرى إلى جذب انتباه الظواهري. وتشير فيريل “إنهم يلوحون بشكل أساسي بأيديهم الصغيرة ويقولون “من فضلك هل يمكننا الانضمام” للتنظيم.

ولعل السبب وراء رغبة المسلحين في الانضمام للتنظيم لأنهم يعلمون أن تنظيمهم سيتغير من خلال تبعيتهم للقاعدة.

ويتساءل بارنت ما هي أهمية الاسم؟ ويجيب قائلا هناك أهمية كبيرة جدا.

وأوضح بارنت بأن اسم القاعدة بالنسبة للعديد من المسلحين يثير شعورا “بالنقاء”. “إنه يوحي بأنك لست فاسدا، وبأنك شرس”. لكن الانضمام إلى التنظيم ينطوي على عواقب أخرى أيضا.

ويضيف “لديك قدر كبير جدا من الشعبية (بانضمامك للقاعدة)، لكنك تدرك أيضا بأن هذا اللقب قد يؤدي إلى موتك المحتمل”.

ارتباط ايديولوجي

ويشير تقرير من مؤسسة نيو أمريكا فاونديشن البحثية ومقرها واشنطن بأن أكثر من 1600 مسلح في باكستان قتلوا في هجمات بطائرات بدون طيار خلال التسع سنوات الماضية.

وبجانب “العناصر الرئيسية في القاعدة” وهم الظواهري ورفاقه، يضم التنظيم عددا قليلا من العناصر التابعة، حسبما ترى كاثرين زيمرمان من معهد “أمريكان انتربرايس” في ورقة بحثية صدرت في سبتمبر/أيلول.

تضم هذه التنظيمات التابعة للقاعدة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والقاعدة في شبه الجزيرة العربية بالإضافة إلى الشباب.
علاوة على ذلك، فإن القاعدة لديها أنصار ليس لديهم ارتباطات رسمية بالتنظيم.

وكتبت نومان بينوتمان وجوناثان روسل في ورقة بحثية صدرت في سبتمبر/أيلول لمؤسسة “كويليان فاونديشن” البحثية المتخصصة في شؤون مكافحة التطرف ومقرها لندن “هناك أكثر من 100 ألف من المؤيدين حول العالم يشاركون أهداف القاعدة وايديولوجيتها”.

سهل الظواهري أكثر من جهود انضمام الجماعات المسلحة إلى الشبكات التابعة للقاعدة. لكن الانضمام إلى الشبكة لا يزال يستغرق وقتا، على الأقل عام، بحسب فاريل.

وسائل اتصال

يسعى قادة المسلحين إلى إخفاء اتصالاتهم، وهذا قد يعني تحميل وثيقة من خلال قرص الذاكرة الصغيرة وإعطائه لشخص سينقله بعد ذلك إلى أحد الوسطاء في باكستان.

وقال سيث جونز مؤلف كتاب “هانتنج ان ذا شادوز” إن “هذا الشخص سيجب عليه تسليم الوثيقة إلى الظواهري”. وبمجرد تأكيد الاتصال، سيبدأ المسلحون تحديد شكل الشراكة.

ويضيف جونز “يبدأ الحوار بالقضايا الأيديولوجية. يمكنهم أن يتحدثون عن “شرعية الهجمات وأهداف جماعة محددة”.

وفور الاتفاق على البنود، يعلن الظواهري أن التنظيم المسلح أصبح جزءا من القاعدة.

لا تزال القاعدة تشتهر بهجماتها البشعة على محطات مترو الأنفاق ومراكز التسوق وأماكن أخرى. لكن وفي الوقت نفسه، فإن التنظيم لا يزال يجتذب أشخاصا جديدة إلى صفوفه.

ويقول الظواهري إن السلطات الغربية لن تنجح مطلقا في القضاء عليهم، حسبما يرى بارنت. وأوضح أن القاعدة هي أكثر من مجرد تنظيم “إنها فكرة”.

وأردف بارنت “تركزت الجهود على تدمير هيكل (تنظيم القاعدة) بدون معالجة أسباب انضمام الأشخاص” إلى التنظيم.

تشهد قوة القاعدة على جذب أعضاء جدد على القيمة الدائمة، وتظهر التحديات التي يواجهها مسؤولو الغرب في محاولتهم للحد من التهديد الذي تمثله.

وفق الدراسات والابحات والتقارير الصادرة ومنها الصادرة عن الباحت الصومالي محمد الامين الهادي كلها توكد الي ان الصوماليون يدينون بالإسلام منذ القرن الأول للهجرة، بل إن معظمهم يعتقدون مصرين على أن الإسلام وصل إليهم قبل أن يصل إلى المدينة المنورة عبر الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة والمشهورتين في السيرة النبوية. ولعل الصومال من البلاد النادرة التي لا توجد فيها ديانة أخرى غير الإسلام ويتبع الشعب كله مذهبا واحدا هو المذهب الشافعي. وكان التصوف والطرق الصوفية من القادرية والأحمدية وفروعهما هي التصنيفات السائدة أكثر من أي شيء آخر. وحتى عندما بدأت المقاومة ضد الاحتلال الغربي كان علماء الصوفية هم رواد وطليعة الجهاد ضد هذا الاحتلال.

وممن شاع ذكره في هذا المجال المجاهد السيد محمد عبد الله حسن الذي ينتمي إلى الطريقة الصالحية والذي واجه الاستعمار الغربي ممثلا ببريطانيا وإيطاليا، والأفريقي ممثلا بإثيوبيا. وكان ثائرا على الوضع القبلي في الصومال وجعل مرجعيته الدين الإسلامي الذي يجمع الصوماليين ويوحدهم، فقاد حركة تحرر تركت أثرها على الشعب، وما زال الكثير من الحركات يستلهم روحه ويجمع على ريادته. وكان تواصله مع الجزيرة العربية وعلمائها سواء في اليمن أو الحجاز مبعث قوة له ولأتباعه الدراويش. ومنهم أيضا الشيخ حسن برسني في الجنوب الذي قاد ثورة مسلحة ضد الاستعمار الإيطالي، والشيخ عبد الرحمن مرسل، ومعلم أيبكر عبدي غافلي، وشيخ بشير وغيرهم.

وبالرغم من أن هذه الحركات كانت حركات مقاومة في الأساس إلا أنها لم تكن بعيدة عن الفعل السياسي والاجتماعي رغم كون قادتها من رجال التصوف، إلا أن تصوفهم كان بعيدا عن المغالاة والخرافات وهذا ما جرّ عليهم نقمة علماء الصوفية التقليديين الذين وصموهم بكثير من الأوصاف غير اللائقة.

ولكن الحركة الإسلامية المعاصرة بتياراتها المختلفة في الصومال أسست قطيعة بينها وبين هذه الطليعة بنسب متفاوتة. فبدلا من أن تستلهم هذه النخبة من العلماء وأن تربط الشعب بسيرتهم الجهادية العطرة تبنت فهما أو تفسيرا للإسلام مستوردا من خارج البيئة الاجتماعية الصومالية. إذ أن أكثر رموز هذه التيارات وكوادرها الأولى كانوا من الطلبة الذين تخرجوا من الأزهر الشريف والجامعات السعودية ثم الجامعات السودانية، وأصبحت كوادرهم فيما بعد خريجو المعاهد المصرية الأزهرية التي كانت منتشرة في محافظات الصومال.

وبذلك يمكن إرجاع الروافد الأولى لهذه الحركات إلى الحركات الإصلاحية والإحيائية التي عرفت في الوطن العربي ولاسيما في مـصر في المرحلة الأولى خلال التواصل العلمي مع الأزهر في أيام ازدهار حركة الإخوان المسلمين في مـصر، وسفر بعض العلماء إلى مـصر للدراسة في الأزهر الشريف والرجوع منها و التلاقح الثقافي الذي حدث في فترة الاستعمار وما بعدها.

بدأت إرهاصات المد الحركي الإسلامي في الصومال منذ ما قبل الاستقلال بفعل روافد الثقافة الوافدة من مصر والخليج – كما أسلفنا – عبر الطلبة وعلماء الدين الذين درسوا في مصر أمثال الشيخ عبد الغني شيخ أحمد أدم4 والشيخ نور الدين علي علو5 و الشريف محمود عبد الرحمن وآخرين.

ويمكن تصنيف الإسلاميين من حيث التسلسل التاريخي إلى ثلاثة أجيال، فالجيل الأول يمثل جيل الرواد الذي تخرج من الأزهر الشريف أو درس في الحجاز وخاصة في الحلقات العلمية في الحرم المكي، في الفترة التي سبقت الاستقلال، ثم عاد إلي الصومال وعمل في التعليم، أو ساهم في النضال السياسي والكفاح الوطني التي كانت تخوضه جماهير الشعب الصومالي، ومن جيل الرواد الشريف محمود عبد الرحمن، رئيس الرابطة الإسلامية، الذي شارك في النضال السياسي مع حزب وحدة الشباب الصومالي، وقاد حركة جماهيرية ضد كتابة اللغة الصومالية بالحروف اللاتينية وصاحب الشعار المشهور “اللاتين لادين”. وأحمد حسن موسى، مؤسس تنظيم “حزب الله” الذي انبثق عنه فيما بعد حزب الرابطة الوطنية الذي قاد الإقليم الشمالي في الصومال (المحمية البريطانية في صوماليلاند سابقاً) إلى الاستقلال، والشيخ نور الدين علي علو، مؤسس ورئيس “أنصار السنة المحمدية”، وهو أول تنظيم سلفي تأسس في الأراضي الصومالية، وإبراهيم حاشي محمود، الذي أبلى بلاء حسناً من أجل الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للشعب الصومالي، وهو صاحب الشعار المشهور “لغة الصومال لغة القرآن “.

هذا واقتصر دور الجيل الأول من الإسلاميين سواء في جنوب الصومال وشماله، على اتباع الطرق السلمية لمواجهة مخططات الاستعمار من طمس الهوية العربية والإسلامية للمجتمع الصومالي، وذلك من خلال الدروس العلمية والمحاضرات وخطب الجمعة في المساجد، أو المشاركة في المناسبات الوطنية والدينية وإحياؤها والتي تقام في المحافل العامة أو دور الأحزاب السياسية، أو توفير الكتب والمجلات والصحف الصادرة من الوطن العربي وخاصة من مصر التي كانت في تلك الحقبة قبلة للمناضلين من أفريقيا وآسيا من جهة، ومركزاً روحياً وفكرياً للتيارات الإسلامية الناشئة بوجود الأزهر الشريف فيها وكذلك حركة الإخوان المسلمين التي كانت في ريعان شبابها من جهة أخرى.

مثّل جيل الرواد البذرة الأولى للمشروع الإسلامي المعاصر في الصومال، حيث تركت تحركاتهم وجهودهم صدى للأجيال اللاحقة وخاصة الجيل الثاني الذي اتخذ نضال جيل الرواد نبراساً ينير لهم الطريق لتأسيس عمل إسلامي أكثر ترتيباً وأدق تنظيماً.

وبالرغم من أن جيل الرواد ترك منظومة ثقافية فكرية وقدم أطروحات قوية في مجالات التعليم والثقافة والهوية بصورة عامة، والدستور والقوانين، والعلاقات الخارجية للدولة بصورة خاصة، وكانت هذه الأطروحات تتمحور حول التمسك بالهوية العربية الإسلامية للشعب الصومالي، وأسلمة دستور البلاد والقوانين المنبثقة عنه، والحفاظ على علاقات الصومال التاريخية مع الشعوب والدول العربية والإسلامية. وقد كان لهذه الأطروحات أثر واضح في الحياة السياسية والثقافية للدولة، ويكفي المرء مراجعة دستور الصومال عام 1961م، وكذلك الحركة الفكرية والثقافية التي كانت سائدة في الصومال في تلك الحقبة ليرى بصمات هذا الجيل على الحياة السياسية والثقافية في البلاد.

غير أن هذه الجهود بالرغم من أهميتها لتنمية وتأصيل المشروع الإسلامي في الوسط الثقافي والسياسي الصومالي شعبياً ورسمياًً توقفت وانتهت بانتهاء الحقبة الديمقراطية التي انتهت عشية الانقلاب العسكري في 21 أكتوبر 1969م، حيث دخلت الصومال عهداً جديداً شكلاً ومضموناً أثر سلباً من بين ما أثر على المشروع الإسلامي الذي انتقل من العلنية إلى السرية، ومن السلم إلى العنف، ومن التدرج والمرحلية إلى الراديكالية، ومن المواءمة بين المحلي والمستورد، وبين التراث والاجتهادات العصرية، إلى التقليد والانبهار بالتراث والاجتهادات القادمة من الأقطار الإسلامية الأخرى دون تمحيص.

أما الجيل الثاني من الإسلاميين الذي اجتهد في مواصلة المسيرة فقد ظهرت جهوده علناً في أواخر الستينات، ويبدو من هنا أن هناك فترة تداخل بين الجيلين، حيث إن بداية الجيل الثاني عاصرت نهايات جيل الرواد. والطابع المميز للجيل الثاني هو الظهور الواضح للتنظيمات، وبروز أسماء مجموعة من قيادات أو كوادر تنتمي إلي هذه التنظيمات، بينما كان جيل الرواد تطغى فيه الشخصية القيادية على التنظيم وفعله، وكان ينسب الفعل إلي الشخصية القيادية، لكن الأمر قد اختلف في الجيل الثاني حيث أصبح الفعل ينسب إلى التنظيم.

ويبدو أن الجيل الثاني من الإسلاميين واجه تحديات مختلفة عن الجيل الأول كما وجد فرصاً تختلف عن الفرص التي أتيحت للذي سبقه، فالجيل الثاني واجه في غالب أوقاته حكومة عسكرية دكتاتورية اعتقلت الكثير من قياداته وأجبرت الآخرين إلى الفرار الأمر الذي اضطرهم إلى اللجوء إلى طرق سرية للتعبير عن أنفسهم ونشر فكرتهم. وقد أثر هذا الأمر على مسيرة العمل الإسلامي سواء على تشكيلاته الإدارية أو مفاهيمه وأفكاره، إذ أن الذين خرجوا من البلاد عادوا بأفكار وأشكال إدارية جديدة تختلف عما كان سائداً في السابق، ولم تأت طريقة الاستفادة من تجارب الآخرين على شكل إضافة وأخذ الملائم وترك غير الملائم بل جاءت على شكل تقليد أعمى وتشكيلات جديدة لا تمت بصلة إلي التشكيلات العاملة في الساحة حتى وإن كانت ليست هناك فروق تذكر في الشكل أو المضمون، اللهمّ إلا اسم التنظيم وأسماء الشخصيات القيادية، فالوحدة، والجماعة الإسلامية، والإصلاح كانت كلها تنظيمات إسلامية قامت وتأسست على فكر ونهج الإخوان المسلمين، ولم يكن هناك ما يمنع من دمجها وتوحيدها في إطار تنظيمي.

وبالرغم من هذا التحدّي فإن الجيل الثاني وجد تعاطفاً من الحركات الإسلامية والمؤسسات التعليمية في الوطن العربي، حيث كسب معرفة وخبرة في مختلف مجلات الحياة السياسية والاجتماعية.

ومن جهة أخرى فإن هذا الجيل واجه فوضى سياسية واجتماعية ناجمة عن انهيار السلطة المركزية في الصومال، وبالرغم من أن هذا الفراغ شكل فرصة تاريخية للإسلاميين من هذا الجيل إلا أنهم لم يكونوا على مستوى التحدي ولم يتمكنوا من استثمار هذه الفرصة التاريخية، حيث فشلوا في الاتفاق على مشروع يملأ الفراغ ويضع حداً للفوضى، ومن ثم يسمح لكياناتهم بالاستمرارية والعطاء، ومن هنا أصبحوا يدفعون الثمن جراء هذا التقصير فهاهم تتصدع جدرانهم وتقوم تشكيلات جديدة على شكل متوالية هندسية.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي أصبحت الصومال ساحة مفتوحة لكافة التدخلات، مما أثار شكوك ومخاف الغرب من هيمنة الإسلاميين على مقاليد السلطة في الصومال الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلباً – في نظرهم – على المصالح الغربية ومصالح حلفائه في المنطقة، ومن هنا كانت حركة الغرب ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تجاه احتواء الإسلامين قد أخذت طابعين رئيسيين وهما: مواجهة عسكرية مباشرة أو عبر دول الجوار، أو التنسيق والتعاون من خلال توفير دعم لبعض المشاريع التي أقامها الإسلاميون في الصومال، الأمر الأول هو الطريقة التي تعامل بها الغرب مع الاتحاد الإسلامي، واتحاد المحاكم الإسلامية فيما بعد، وحركة الشباب، أما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي تعامل بها الغرب مع قيادة حركة الإصلاح، وتتعامل بها الآن مع الحكومة التي يقودها الإسلامي “المعتدل”. ولكن في واقع الأمر فإن الطريقتين لم تجديا نفعاً ولم تؤديا إلى نتائج ملموسة في الساحة السياسية في الصومال، الأمر الذي يدعو إلى البحث عن بدائل أخرى.
ويمكن تلخيص الأساليب والطرق التي اتبعها الجيل الثاني لتحقيق أهدافها على:-

  1. الدعوة والتعليم والتزكية من خلال الحلقات العلمية والمحاضرات في المساجد والخلاوي والمنازل، ومن خلال الأطر التنظيمية (الأسر، والكتائب)، وذلك في ظل الحكومة العسكرية وبعد انهيارها.
  2. الإغاثة ومساعدة المتضررين بالحروب الأهلية والكوارث من خلال تقديم المعونات الغذائية، وحفر الآبار، وكفالة الأيتام، ودعم الأسر المنتجة، وذلك عبر الدعم الذي كانوا يتلقونه من منظمات أخرى في الوطن العربي ولا سيما الخليج.
  3. الخدمات العامة مثل التعليم والصحة.
  4. المصالحة وإصلاح ذات البين.
  5. الأمن والعدل من خلال المحاكم الشرعية.
  6. المواجهة العسكرية لبعض الأجنحة مع أمراء الحرب وأثيوبيا.

وفي مرحلة الجيل الثاني استولت المحاكم الإسلامية على زمام الأمور في العاصمة الصومالية مقديشو، وتباينت من جديد مواقف التنظيمات الإسلامية بين مؤيد لها ومعارض، كما أنه في خلال هذه الحقبة يتشكل الجيل الثالث من الإسلاميين الذي يمثل قيادة المحاكم الإسلامية في فترة حكمها، وقيادة المقاومة، وتحالف إعادة تحرير الصومال، وأخيراً قيادة الدولة الصومالية، والحديث عن هذا الجيل ودوره يحتاج لفترة من الزمن

في عام 2003 كانت نيروبي تستضيف مؤتمرا صوماليا للمصالحة بإشراف منظمة الإيجاد، وحينها التقي السفير الكيني للصومال ـ وهو من أصل صومالي ـ ببعض الإسلاميين الصوماليين، فشكوا له أنهم غير ممثلين في المؤتمر، وانهم يريدون ان يبعثوا وفدا يمثلهم برئاسة شاب اسمه شريف شيخ أحمد فكان رد السفير : أنتم علماء دين وليس لكم في السياسة مجال، والأحسن لكم أن تتفرغوا للدين فتدعوا للناس وتقرأوا لهم القرآن، فلم يستطع الإسلاميون جوابا…. ولكن في عام 2009 كان هذا السفيرنفسه يستأذن ليدخل علي ذلك الشاب الإسلامي وهو رئيس لجمهورية الصومال.

هذا المشهد يحكي عن الطفرة التي قطعها الإسلاميون في الصومال من الهامش إلي مركز الأحداث، وقد جعله مجموعة من الباحثين الصوماليين من مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية في لندن كمقدمة لتقريرهم الذي كان موضع نقاش في ندوة أقامها معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة مؤخرا، وتكتسب كل من الندوة والتقرير أهميتهما نظرا لقلة المطروح بشأن الصومال باللغة العربية وقلة التوثيق والتدوين في الصومال عموما للتجارب السياسية، ولعل هذا ما يجعل التجارب الفاشلة تعيد نفسها علي حد تعبير الباحث الصومالي الدكتور محمد أحمد شيخ علي رئيس تحرير التقرير، ويكتسب التقرير أهميته أيضا بسبب تزايد الاهتمام بالصومال علي ضوء التطورات المتلاحقة بها، والتي أصبحت تكتسب أهمية بالغة، عقب وصول الإسلاميين إلي السلطة، والاحتلال الأثيوبي للصومال، وبعد أن أصبح الوضع الصومالي مهددا للأمن الإقليمي، بل والعالمي بسبب تصاعد ظاهرة القرصنة، ومخاوف من وجود القاعدة في الاراضي الصومالية.

ويحاول التقرير الإجابة عن تساؤلات مهمة تتعلق بنشأة الإسلاميين في الصومال، وطبيعة تكوينهم، وارتباطاتهم الخارجية، وأسباب الصراع الحالي بين الإسلاميين، الموجودين في السلطة والآخرين بالمعارضة، وما هو مستقبلهم في الحكم، والقوي المرشحة للصعود كبديل لهم.

وعند الحديث عن الإسلاميين في الصومال، فلابد من الوقوف عند الإسلام ذاته الذي يدين به الصوماليون منذ القرن الأول للهجرة، بل إن معظم الصوماليين يصرون ويفخرون بأن الإسلام وصل إلي بلدهم قبل أن يصل إلي المدينة المنورة، عبر الهجرتين الأولي والثانية إلي الحبشة المشهورتين في صدر الإسلام، ولعل الصومال من البلاد النادرة التي لا توجد فيه ديانة أخري غير الإسلام، ويتبع الشعب كله مذهبا واحدا هو المذهب الشافعي، وكان التصوف والطرق الصوفية من القادرية والأحمدية وفروعهما سائدة في الصومال أكثر من أي شيء آخر، وما إن بدأت المقاومة ضد الاحتلال الغربي كان علماء الصوفية هم رواد وطليعة الجهاد ضد هذا الاحتلال، وكان السيد محمد بن عبدالله بن حسن نور عالم صوفي وأحد أبرز المجاهدين في الصومال ضد الإحتلالين البريطاني والإيطالي، ومثله كان الشيخ حسن برسني الذي قاد ثورة مسلحة ضد الاستعمار الإيطالي، والشيخ عبدالرحمن مرسل وغيرهم كثيرون.

وبالرغم من أن هؤلاء الشيوخ قادوا حركات مقاومة في الأساس، إلا أن حركاتهم لم تكن بعيدة عن الفعل السياسي والاجتماعي، رغم أن قادتها من رجال التصوف، غير أن تصوفهم كان بعيدا عن المغالاة والخرافات، مما جر عليهم أحيانا نقمة بعض علماء الصوفيين التقليديين. ويري الأستاذ محمد الأمين محمد الهادي الباحث الصومالي ومدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية أن الحركة الإسلامية المعاصرة في الصومال بتياراتها المختلفة أسست قطيعة بينها وبين هذه الطليعة الإسلامية بنسب مختلفة، فبدلا من أن تستلهم تجربة هذه النخبة من العلماء وأن تربط الشعب بسيرتهم الجهادية، تبنت فهما أو تفسيرا للإسلام مستوردا من خارج البيئة الإجتماعية الصومالية، إذ إن أكثر رموز هذه التيارات وكوادرها الأولي كانوا من الطلاب الذين تخرجوا من الأزهر الشريف والجامعات السعودية ثم الجامعات السودانية. ويمكن تصنيف الإسلاميين في الصومال إلي 3 أجيال، جيل الرواد الذي تخرج من الأزهر أو درس في الحجاز بالحلقات العلمية في الحرم المكي، وقد اقتصر دور هذا الجيل في اتباع الطرق السلمية في مواجهة مخططات الاستعمار لطمس الهوية العربية والإسلامية للمجتمع الصومالي، وذلك من خلال الدروس العلمية والمحاضرات وخطب الجمعة واحياء المناسبات الوطنية والدينية وتوفير الكتب والمجلات الصادرة في الوطن العربي، وقد ترك جيل الرواد هذا منظومة ثقافية فكرية، وقدم أطروحات قوية في مجالات التعليم والثقافة والهوية والدستور والقوانين والعلاقات الخارجية، وكلها تتمحور حول التمسك بالهوية العربية والإسلامية للشعب الصومالي، غير أن هذه الجهود بالرغم من أهميتها انتهت كما يقول محمد الأمين محمد الهادي أو توقفت بانتهاء الحقبة الديمقراطية عشية الانقلاب العسكري في أكتوبر عام 1969، حيث دخلت الصومال عهدا جديدا شكلا ومضمونا أثر سلبا علي المشروع الإسلامي فيها الذي انتقل من العلنية إلي السرية ومن السلم إلي العنف ومن التدرج والمرحلية إلي الراديكالية ومن المواءمة بين المحلي والمستورد، وبين التراث والإجتهادات العصرية، إلي التقليد والانبهار بالتراث والاجتهادات القادمة من الأقطار الأخري دون تمحيص.

وفي أواخر الستينيات ظهر جيل آخر من الإسلاميين في الصومال مغاير للجيل الأول، حيث برزت في هذه الفترة التنظيمات الإسلامية، ومن أبرزها منظمة النهضة وكانت علي ما يبدو متأثرة بفكر حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة الأهل التي بدأت علي شكل طريقة صوفية، وكان هدفها الرئيسي الحفاظ علي السلوكيات وأخلاقيات الشباب في مواجهة الثقافة الوافدة، وعندما اشتدت قبضة السلطة العسكرية تحولت الحركة من العلنية إلي السرية، وانتشرت أفكارها وتعاليمها في أوساط الشباب في المدارس والجامعات وحلقات المساجد، وأدي تشدد السلطة في التعامل مع هذه الجماعة واعتقال قياداتها وكوادرها إلي هجرة كثيرين منهم إلي السعودية والسودان، وإلي بروز تيارات دعوية داخلها، حيث خرجت من رحم هذه الحركة كما يقول الباحث الصومالي محمد الأمين محمد الهادي مجموعتان رئيسيتان، إحداهما بقيت علي الفكر الإخواني، والثانية مجموعة جنحت إلي التشدد والتكفير متأثرة بجماعة التكفير والهجرة في مصر.

ومن بين التنظيمات التي ظهرت في تلك الفترة حركة وحدة الشباب الإسلامي، وقد ظهرت في شمال الصومال كرد فعل لأنشطة منظمة كتائب السلام الأمريكية التي بدأت تنشط في الصومال منذ بداية الستينات واستشعر المثقفون والصوماليون عموما خطر أنشطتها الثقافية والتبشيرية، ونشطت هذه الحركة في الجوانب الفكرية والثقافية والإجتماعية والدعوية، وقد قويت علاقة هذه الحركة بالتيار الإسلامي في الكويت، وبعد الانقلاب العسكري عام 1969وتبنيه للتوجه الاشتراكي اتفقت هذه الحركة مع حركة الأهل في جنوب الصومال علي التوحد، وحدثت مواجهات بين قيادات وكوادر الحركتين والسلطات عام 1975بعد إصداره لقانون الأحوال الشخصية الذي ساوي بين الذكر والأنثي في الميراث، وترتب علي قمع الحركة بروز قيادات جديدة فيها تبنت منهج القطبيين، ووضعوا استراتيجية للمواجهة مع السلطات، والتي تصاعدت ما بين 1976و 1978، وترتب علي القمع الحكومي والانشقاقات في صفوف حركة الأهل في جنوب الصومال تسرب أفكار التشدد والتكفير إلي شباب الوحدة في الشمال أيضا، وانضم أعضاء من الوحدة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين عام 1982، والذي دعمها عبر بعض المؤسسات الخيرية الخليجية.

وقد قامت القيادة الجديدة في الوحدة بمفاوضات مع الجماعة الإسلامية في الجنوب أسفرت عن اندماج بينهما عام 1983باسم “الإتحاد الإسلامي” الذي بدأ يمد علاقاته الخارجية بالحركات الإسلامية، ولا سيما الحركة الإسلامية في السودان بقيادة الدكتور حسن الترابي، ثم ما لبثت أن انشقت الحركتان، وأستأثر بالإتحاد الإسلامي السلفيون، الذين شهدت حركتهم ازدهارا بعد انتشار خريجي المدارس السعودية وعلماء السلفية والدعم الذي يلقونه، رغم مخالفة خطهم للخط الإسلامي العام في المجتمع الصومالي المرتبط أصلا بالطرق الصوفية والمذهب الشافعي. ونشأت في تلك الفترة أيضا حركة الإصلاح الإسلامية عام 1978 من قبل بعض المغتربين الصوماليين في السعودية منطلقة من فكر الإخوان المسلمين، وكانت تهدف كما أعلنت لإقامة دولة اسلامية بالصومال وتوحيد الشعب الصومالي وتوحيد القوميات الإسلامية بالقرن الأفريقي، وحرصت الحركة علي اظهار التمايز بينها وبين السلفيين وخاصة الإتحاد الإسلامي، وكان قد لحق بالسلفية تشويه كبير من جراء مواجهاتها العلنية للعلماء التقليديين والمواجهات الدموية بالمدي داخل المساجد فيما سمي بتحرير المساجد من المبتدعة، وكان من إنجازات حركة الإصلاح انشاء المجلس الصومالي للمصالحة بالتعاون مع زعماء العشائر والعلماء والطبقة المثقفة لنشر ثقافة التسامح وعقد المصالحات بين القبائل. وفي أواخر عام 1990تمت عسكرة الدعوة الإسلامية في الصومال نتيجة عودة عدد قليل من الشباب الصومالي الذي سافر إلي أفغانستان إلي مقديشو، وكانت الحكومة الصومالية تواجه تحديات كبيرة ومعارضة شعبية في الشمال والجنوب، وتمردا عسكريا في كثير من المناطق، وكانت المواجهة مع النظام تأخذ طابعا قبليا، وفكر قادة حركة الإتحاد عن مستقبلهم فجاءهم صوت العائدين من الجهاد الأفغاني بأن عليهم أن يتسلحوا ليجاهدوا وينشئوا الدولة الإسلامية الصومالية، ولم تكن هذه الدعوة تجد في البداية آذانا صاغية، لكن بعد انهيار النظام الصومالي في أوائل عام 1991 وتعرض كثير من الناس في العاصمة مقديشو إلي تصفية قبلية، اضطر الكثير من شباب حركة الإتحاد الإسلامي لحمل السلاح والانخراط مع قبائلهم، وتورطت الحركة في كثير من الحروب والمواجهات منذ سقوط الحكومة الصومالية أساءت إلي سمعتها وتلقت ضربات عسكرية كانت عواقبها تشظيها إلي عدد من الجماعات،

يختلف الباحثون فى التأريخ لأول محاولة لإقامة محكمة إسلامية فى الصومال، فبينما يشير كثيرون إلى ان أول محكمة إسلامية لتطبيق الشريعة بدأت بعد إنهيار نظام سياد برى عام 1991، حيث عمت الفوضى والقتل والنهب والإستيلاء على الممتلكات، يشير آخرون إلى أن بدايتها كانت مع نزوح المواطنين فى المناطق الشمالية إلى القرى والأرياف ثم معسكرات اللاجئين فى شرق أثيوبيا عام 1988، بعد دك المدن من قبل الحكومة المركزية فى حربها مع الحركة الوطنية الصومالية المعارضة، وأن الحركة الوطنية هى التى كانت تقوم بتنفيذ الأحكام .

ويرى الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى مدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية إن المحاكم كانت ضرورة أملتها الظروف أثناء الحرب الأهلية والتشرد .ويضيف:أن هذه المحاكم الإسلامية ظلت تعمل فى المنطقة بعد إعلان إنفصال المناطق الشمالية الغربية من بقية الصومال تحت إسم جمهورية أرض الصومال عام 1991، ثم انحص ر دورها لتصبح كمكاتب تديرها عناصر من الجماعات الإسلامية تختص فى قضايا النزاعات المدنية دون الجنائية، وتترك لأطراف النزاع تنفيذ الحكم الصادر منها، حيث تفتقر إلى سلطة تنفيذية للحكم .

أما المحاكم الإسلامية المعروفة فى الجنوب، والتى تطورت إلى قوة سياسية فى نهاية الأمر فيرى الباحث الصومالى أنه يمكن التأريخ لها بإنهيار الحكم المركزى فى الصومال عام 1991، حيث أسهمت فوضى السلاح كثيرا فى جعل الوضع أكثر تدهورا، ويشير إلى حدثين أسهما فى حدزوث فوضى السلاح وهما أولا هروب كل السجناء والمجرمين، بعد أن هدمت السجون وحطمت من غضبة الشعب، وثانيهما إنتشار السلاح إثر إنفراط عقد الجيش وإلتحاق كل فرد بقبيلته، هذا إلى جانب الأسلحة التى دخلت بها مليشيات الفصائل القبلية مثل المؤتمر الصومالى المتحد تحت قيادة الجنرال عيديد، والتى دربت وسلحت فى أثيوبيا .

وفى هذا الوضع العصيب فكر العقلاء فى المجتمع الصومالى، ولاسيما علماء الدين فى كيفية كبح جماح هذه العصابات، وبدأ التفكير فى إنشاء محاكم إسلامية تعتمد على الفقه الإسلامى ةالحكم بين الناس بالإسلام الذى يتفقون عليه، ولاقت الفكرة رواجا بين الشعب، لكنها لم تجد قبولا من أمراء الحرب، بل واجهوها وعرقلوا مسيرتها بشتى الطرق، إذ رأوها منافسة لقوتهم العسكرية، وقد بدأت التجربة بجنوب الصومال، ثم امتدت إلى المحافظات الأخرى، وتبنت جميع الحركات الإسلامية فى الصومال الفكرة بعد أن لقيت رواجا وقبولا، وروجت لها بشكل أو بآخر بإعتبارها مرحلة من المراحل لغعداد الشعب لتطبيق الشريعة وقبول الحكم الإسلامى الذى تسعى له تلك الجماعات، ولم تلق فكرة المحاكم معارضة حتى من العلماء التقليديين فى الصومال غير المرتبطين بتنظيم معين .

ويمكن القول أن المحاكم الإسلامية فى الصومال مرت بأربع مراحل وفقا للدراسة التى أجراها مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية بلندن، المرحلة الأولى مرحلة البذرة، وتبدأ من إنهيار نظام الحكم فى الصومال عام 1991 وحتى عام 1994، حيث ظهرت دعوات ومحاولات فردية من العلماء بعد إنهيار مصالحة جيبوتى الأولى عام 1991 التى أعقبها قتال مرير بين فصيلى المؤتمر الوطنى الصومالى بقيادة على مهدى والجنرال محمد فارح عيديد، ونتج عن هذه الحرب إنشطار العاصمة إلى شطرين يسيطر على جنوبها عيديد وعلى شمالها على مهدى، وكلاهما يعتمد على عشيرته التى تؤازره .وفى هذه الفترة حاول مجمع علماء الصومال بقيادة الشيخ محمد معلم حسن وهو إخوانى صومالى من إنشاء محكمة لفض النزاعات بالإتفاق مع عدد من العشائر التى تقطن أحد أحياء جنوبى العاصمة، وتم إنشاؤها بالفعل، واتخذت مقرا لها فى مبنى مدرسة جمال عبد الناصر، ولكنها فشلت فى تنفيذ أول حكم صدر منها بجلد شاب وشابة أدينا بإرتكاب أعمال فاضحة، وذلك بعد أن وقف أمامها الجنرال محمد فارح عيديد رئيس المؤتمر الصومالى الموحد، الذى حاصرت ميليشياته مكان تنفيذ العقوبة، وأجبرت المجتمعين من أعضاء المحكمة والحضور على التفرق .

وفى العام التالى 1992 تمكن بعض العلماء من إفتتاح محكمة إسلامية أخرى بحى المدينة جنوبى العاصمة مقديشو بقيادة الشيخ حامد زيار من قيادات الطريقة الأحمدية وأحد الفقهاء المشهورين فى الصومال، وقد انحصرت مهمة هذه المحكمة فى إعادة الأمن والإستقرار فى ذلك الحى الذى كثرت فيه حوادث القتل والنهب والإغتصاب، فبدأ الناس فى ممارسة أنشطتهم اليومية دون خوف من اللصوص وقطاع الطرق، واستمرت هذه المحكمة حتى عام 1999دون أن يلتفت إليها الإعلام .

ثانيا مرحلة التكوين :وتبدأ من أغسطس عام 1994بعد رحيل القوات الأمريكية والقوات الغربية التى جاءت للصومال تحت مظلة الأمم المتحدة، وتم فى هذا العام إنشاء أول محكمة إسلامية فى شمال العاصمة، الذى كانت تسيطر عليه قوات على مهدى، تحت ضغوط من زعماء عشيرته وعلمائها بعد تصاعد موجات النهب والسلب وإزدياد السطو على البيوت وسرقة أموال الناس وإنتشار الجرائم المنظمة، واستعانت المحكمة بالميليشيات التابعة للعشيرة لتبسط نفوذها على شمال العاصمة، واستمرت ثلاث سنوات حتى عام 1997،ونفذت أحكاما كثيرة من حدود الرجم والقصاص وقطع الأيادى، ورغم ماشاب أحكامها من عدم توفر مايجب توفره من المحاكمات العادلة إلا أنها أسهمت فى إستتباب الوضع وبسط الأمن والطمأنينة بين سكان شمال العاصمة، فكان يضرب بها المثل فى الأمان،حتى أن المنظمات العالمية نقلت مكاتبها إلى هذا الشطر من العاصمة بسبب أمنها وإستقرارها، وصاحب ذلك نشاط عمرانى ملحوظ .

واحتذت بهذه المحكمة الكثير من المحافظات فأنشأت محاكم خاصة بها تعتمد أولا وأخيرا على القبيلة الموجودة فى المنطقة ودعمها لها، وشهدت هذه الفترة نشاطا غير مسبوق فى إفتتاح المحاكم الإسلامية فى كافة أنحاء الصومال، ولاسيما فى المحافظات الجنوبية والوسطى، وكان التجار ورجال الأعمال يدعمون هذه المحاكم ماليا، حتى تقوم بواجبها، لما توفره لهم من جو آمن يمكنهم من ممارسة تجارتهم بشكل سليم، وكان القاضى والموظفون فى المحكمة عادة ماينتخبون من نفس القبيلة التى تقطن تلك المنطقة، واستخدمت الميليشيات القبلية فى تنفيذ أحكام القضاء، وأصبح لهم زى خاص ويقومون بدور الشرطة فى المنطقة، لكن زعيم الحرب على مهدى لم يرق له أن تنتقل جميع الصلاحيات لرئيس المحكمة، ويكون ذكره أرفع من إسمه، فنشبت منافسة قوية بينهما عام 1997،وكانت هناك ضغوط دولية على على مهدى للحيلولة دون استمرار عمل المحاكم الإسلامية، حيث عقد اجتماع فى نيروبى بحضور ممثلين للمخابرات الأمريكية طرح فيه قضية تصفية المحاكم الإسلامية، وبعدها بدأ التلاسن فى وسائل الإعلام المحلية بين الزعيمين اللذين يمثلان نفس العشيرة على مهدى وعلى طيرى، ثم تطورت إلى معركة بين ميليشيات المحاكم وميليشيات على مهدى، واستعان مهدى حينها بأثيوبيا لتفكيك الميلشيات التابعة للمحكمة، وتمكن من القضاء عليها، فصارت أثرا بعد عين فى شمال العاصمة، ولكنها استمرت فى الوجود بشكل أضعف وعلى إستحياء فى المحافظات الجنوبية الأخرى .

ثالثا مرحلة النمو والتمدد :بينما كانت فكرة المحكمة الشرعية قد تضاءل دورها أوقضى عليها فى شمال العاصمة مقديشو عام 1997 شهد جنوبها فى نفس العام ولادة أول محكمة بعد عامين من وفاة الجنرال محمد فارح عيديد، الذى عارض طيلة حياته إنشاء محكمة إسلامية فى منطقته، وعندما انتقلت السلطة فى المنطقة إلى ولده حسين عيديد الذى لم يكن يملك قوة وكاريزما والده حدثت خلافات داخل العشيرة، فتدخل على إثرها زعماء وعلماء العشيرة، واقترحوا فكرة الإحتكام إلى الشريعة فى فض المنازعات بين أبناء القبيلة، وهو ماوجد ترحيبا من الجميع، وتتابع إفتتاح المحاكم فى جنوب العاصمة بعدد العشائر القاطنة فيها، حيث لكل عشير محكمة خاصة بها لردع مجرميها من إلحاق الأذى ببقية المواطنين .

ثم تطورت أعمال المحكمة إلى محاربة العصابات الإجرامية وقطاع الطرق بغض النظر عن إنتمائهم العشائرى أو القبلى، وذلك بعد أن قامت المحاكم المختلفة بتنسيق أعمالها، وكون مظلة تضم كافة المحاكم لتنظيم عملياتها الإدارية والأمنية والقضائية، وفى عام 1999سميت هذه المظلة ب”المجلس الأعلى للمحاكم الإسلامية “.

وفى عام 2004 أنشئت محكمة فى حى السى سى شمالى العاصمة، وكان أخطر أحياء العاصمة فى العمليات الإجرامية، بعد حادثة مشهورة تعرض لها طالب من طلاب الشيخ شريف شيخ أحمد فى مدرسة جوبا بحى التوفيق،حيث اختطفته العصابات، فقام الشيخ شريف شخصيا بمهمة البحث عنه والتفاوض مع خاطفيه، وبعد تحريره فكر سكان المنطقة من عشيرة الأبجال بالتنسيق مع علماء العشيرة فى إنشاء محكمة إسلامية لفض المنازعات وتوثيق العقود، وكونوا قوة لتنفيذ أحكامها والقبض على المجرمين، واختاروا الشيخ شريف رئيسا لهذه المحكمة، وخلال وقت قصير أصبح هذا الحى نموذجا فى الأمن والإستقرار، مما دفع الأحياء الأخرى إلى تقليد الفكرة وإنشاء محاكم شبيهة .

ثالثا:مرحلة الإحتواء والإحتضان :بلغت المحاكم الإسلامية أوجها بعد أن شارك الغسلاميون بحضور ملفت فى مؤتمر المصالحة الثالث عشر فى جيبوتى بمدينة عرته عام 2000،حيث استطاع فيه المجتمع المدنى الصومالى أن يكون أعلى صوتا من زعماء الحرب، وتمخضت عن المؤتمر حكومة وحدة وطنية وجد الغلاميون لهم فيها نفوذا بسبب الميثاق الوطنى ذى الطابع الإسلامى الذى اقر فى المؤتمر، ووعد رئيس الحكومة عبد القاسم صلاد حسن بتطبيق الشريعة الغسلامية، كما استطاع العديد من أفراد الحركات الإسلامية الدخول فى البرلمان، ومن بينهم ممثلون من المحاكم الإسلامية، فاعتمدت الحكومة الجديدة على المحاكم الغسلامية التى كانت موجودة فى العاصمة لإنشاء الجهاز القضائى وأدمجت المحاكم تحت وزارة العدل، كما أدمجت ميليشياتها فى قوات الحكومة الوليدة .

ويختلف تقويم المراقبين والباحثين لهذه الخطوة من الحكومة الإنتقالية “حكومة عرتة”وإلى ماكانت تعمد إليه، فهناك من يرى أتها كانت تعمد إلى التخلص من قوة المحاكم عبر دمجها فى الجهاز القضائى وتذويبها فى مؤسسات الدولة، وهناك من يرى أنها كانت تعمد إلى إعتراف بدور الإسلاميين فى السياسة الصومالية وموافقتهم على جهودهم الرامية إلى أسلمة نظام الحكم ولاسيما مسألة تطبيق الشريعة التى يهتم بها الإسلاميون .ويرى الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى أن الحكومة كانت تعرف قوة الإسلاميين فى الشارع الصومالى وخاصة المحاكم الإسلامية، وتعرف كذلك مايحيط بالصومال من مخاوف القوى الكبرى وإتهامهم للإسلاميين بالإرهاب، وربما أراد الرئيس الصومالى وقتها عبد القاسم صلاد حسن أن يؤكد أن الإسلاميين فى الصومال يعملون ضمن الشرعية الحكومية المعترف بها، وبذلك يكون قد احتواهم واحتضنهم .

ويضيف :انه بسبب الضعف الذى اعترى حكومة عبد القاسم صلاد والضغوط والمؤامرات التى حاكتها أثيوبيا بالتنسيق مع أمراء الحرب ضدها تعرقلت مسيرتها فلم تتمكن من بسط سيطرتها على جميع المناطق، إلى أن إنتهت فترتها الإنتقالية وهى ثلاث سنوات فى أواخر عام 2003، وكانت الحجة الكبيرة التى ترددها أثيوبيا وأمريكا وكذلك زعماء الحرب هى أن هذه الحكومة يسيطر عليها الإرهابيون والمقصود بهم الإسلاميون، فبرز فى العاصمة فراغ أمنى لضعف الحكومة وإنشغال أكثر السياسيين بالمؤتمر الذى بدأ فى نيروبى عام 2002 واستمر حتى عام 2004،وتزايدت ظاهرة إختطاف العصابات للمواطنين وطلب الفدية مقابل إطلاق سراحهم، ولم يكن هناك بديل يملأ الفراغ ويحد من مشكلة الإختطاف سوى المحاكم الإسلامية، فتمت عودتها الثالثة، ولاسيما بعد أن تم تشكيل الحكومة التى انبثق عنها مؤتمر نيروبى مدعومة من أثيوبيا العدو الناريخى للصومالى، ومكونة من أمراء الحرب، فضلا عن أنها لم تستطع القيام بدورها وظلت فى حالة شلل لما يقرب من العامين، وفى هذه الفترة تأسس إتحاد المحاكم الإسلامية الذى إختير الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا له، وذلك فى عام 2005، حركة الإسلاميين الصوماليين إلى أن وصلوا إلى سدة الحكم.

نجحت المحاكم خلال فترة حكمها القصيرة فى :

  • نشر الأمن
  • هزيمة أمراء الحرب
  • إقامة العدل ورد المظالم
  • جولات تفاوض مع الحكومة برعاية الجامعة العربية
  • نفى صلتها بالقاعدة وطالبان
  • إزالة أكوام القمامة المتراكمة فى شوارع مقديشو
  • إعادة فتح الميناء والمطار الدوليين
  • إصلاح وترميم المبانى الحكومية ومراكز الشرطة

وفشلت المحاكم فى :

  • محاولات فرض مفاهيمها المتشددة للدين بالقوة
  • حظر الفنون والغناء والموسيقى ومشاهدة الأفلام
  • منع مشاهدة كأس العالم
  • منع بعض الموالد الصوفية
  • إنزال العلم الصومالى عند إستيلائهم على كسمايو وقتل 18 أسيرا جريحا
  • الإخفاق فى وضع برنامج سياسى أو إقتصادى ..وكانت الإرتجالية سيدة الموقف
  • استهانت بقوة أثيوبيا العسكرية فدحرت فى أسبوعين
  • التصريحات المضادة من قياداتها أرسلت رسائل سلبية للداخل والخارج
  • الخلاف الأيدولوجى بين المتشددين والمعتدلين وإنعدام الخبرة أضعفاها
  • قصور معيب فى فهم الواقع الدولى والإقليمى

بدأ الإهتمام الغربى بالمحاكم الإسلامية فى عام 1994،حيث استرعت إنتباه المتابعين للشأن الصومالى، بعد أن أثبتت قدرتها الفائقة على إعادة الأمن فى شمال العاصمة الصومالية مقديشو، وبدأت الإشارات إلى أهمية دورها والخوف من تنامى قوتها وإستغلالها من قبل القوى الإسلامية لإثبات جدارتها بالحكم، ويقول الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى مدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية : أن أثيوبيا هى التى غذت هذه المخاوف، وسعت إلى تضخيم خطر المحاكم الإسلامية وخطورة دورها، وربطت بينها وبين حركة الإتحاد الإسلامى التى حاربتها فى الأوجادين وداخل الصومال، إلى أن تمكنت من إقناع أمريكا بوضعها تحت قائمة المنظمات الإرهابية فى العالم، وكانت الهجمات الإرهابية التى لحقت بالسفارات الأمريكية فى نيروبى ودار السلام أيضا قد ساهمت بشكل جدى فى وضع الإتحاد الإسلامى ضمن اللائحة الأمريكية للتنظيمات الإرهابية.

ونظرا لدور المحاكم فى استتباب الأمن فى المناطق التى توجد فيها وإلتفاف الشعب الصومالى وزعماء العشائر حولها لم يكن من الممكن ضربها مباشرة بسهولة، فبدأ التعرف بهم عن كثب من قبل الإتحاد الأوروبى، الذين التقى ممثله بمسئولى المحاكم واستمع إليهم، وأخبرهم أن المجتمع الدولى لايريد التدخل فى شئونهم الدينية، ووعدهم بأنه سيبلغ تقريرا عن جهودهم إلى الجهات الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الصومالى، وطمأنهم بنفى أن يكون من ضمن الإتفاقية المبرمة بين أثيوبيا وحسين عيديد مايشير إلى الهجوم على المحاكم والقضاء عليها.

وفى هذا الوقت إزداد إهتمام الدراسات الغربية بدور المحاكم ومستقبلها فى الصومال، وخاصة بعد الدور الذى لعبته الحركات الإسلامية فى مؤتمر عرتة، ولم يغب فى التقارير التى كانت تصدرها الأمم المتحدة الحديث المتوجس عن دور المحاكم الإسلامية وإمكانية إتخاذ الإسلاميين من هذه المحاكم مطية للوصول إلى الحكم، وتابع المراقبون الغربيون المتوجسون خوفا من اى دور إسلامى سياسى فى الصومال مسيرة المحاكم الإسلامية إلى جانب دراستهم للإسلاميين فى الصومال بشكل عام، وقد وضعوا فى الحسبان إستيلاء الإسلاميين على الشأن السياسى الصومالى عن طريق المحاكم الشرعية، ولكنهم استبعدوا أن يتمكن هؤلاء من الإنفراد بالحكم، وفى تحليله لسيناريوهات ماستؤؤل إليه الأمور بعد إنتها الفترة الإنتقالية لحكومة عرتة التى رأسها عبد القاسم صلاد حسن وضع كين منخاوس خبير الشئون الصومالية “سيناريو الإسلاميين”، وأشار إلى إمكانية إستخدام المحاكم الإسلامية سلطة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن ونفوذهم فى الحكومة الإنتقالية، ولكنه استبعد أن يسيطر الإسلاميون على الحكم فى الصومال، مرجعا ذلك إلى طبيعة الثقافة الصومالية، التى لاترضى بالتطبيق الصارم للشريعة حسب رايه، ولعلم الإسلاميين بأن ذلك من شأنه أن يتسبب فى تدخل أثيوبى مباشر فى الشئون الصومالية، لما ستراه من تهديد لمصالحها، ورأى فى تحليله أن الإسلاميين رغم إختلافهم وتبايناتهم يتبعون إستراتيجية مشتركة طويلة الأجل لصالح إعداد المجتمع الصومالى لتقبل حكومة إسلامية فى نهاية المطاف، وإذا صح هذا الهدف فإن الإسلاميين سيستمرون فى تفضيل العمل تحت غطاء إدارات علمانية بدلا من التحدى السافر لها.

وكثفت الولايات المتحدة وأثيوبيا رصدها للمحاكم الإسلامية وتحركاتها وتطورها من قوة تقليدية قبلية إلى قوة ذات خطاب عابر لمعادلة القبيلة التى تحكم السياسة الصومالية، ولاسيما حين لاحظت أن الأشخاص الذين تتهمهم بالإرهاب وبالخصوص أولئك الذين كانوا قادة الإتحاد الإسلامى من قبل إندمجوا إندماجا عضويا مع المحاكم الإسلامية أو دخلوا العمل فى المجال المدنى بكثافة، وهو المجال الأكثر تاثيرا على المجتمع وأكثر كسبا لجموع الشعب، وكان قد بدا ملحوظا بعد تأسيس مجلس إتحاد المحاكم الإسلامية الذى ضم 11 محكمة من بين 14 كانت موجودة فى العاصمة مقديشو أن المحاكم فى سبيلها لأن تصبح قوة سياسية خارج إطار القبيلة التى ترعرعت فيها وكانت محكومة بتوازناتها، ويمكن فى أى وقت أن تثور عليها، حيث أصبح للمحاكم كيان مستقل وإدارة تنسق بينها ولاتخضع لسلطة القبيلة، وهنا أحس المتوجسون من المشروع الإسلامى بالخطر الداهم فبدأوا خطواتهم وإستعداداتهم لوضع هذا المشروع ضمن خطتهم لمحاربة الإرهاب.

ورغم الأخطاء الكبيرة التى تؤخذ على المحاكم الإسلامية خلال فترة حكمها القصير التى تبلغ ستة أشهر، فإنه يحسب لها أنها إستطاعت إعادة الطمأنينة للمواطنين الصوماليين فأمنوا على أنفسهم وأموالهم، بعد أن بسطت نفوذها وسيطرتها الكاملة على معظم محافظات جنوب الصومال، والتى كانت تسيطر عليها فى السابق الميلشيات القبلية أو العصابات التابعة لأمراء الحرب فى مقديشو، إما لقطع الطرق أو الجباية أو تحصيل الإتاوات من العربات والناس، فعادت حركة المرور فى مقديشو إلى طبيعتها خلال فترة حكم المحاكم، ودبت الحياة فى شوارع ومناطق كانت مهجورة لأنها كانت مأوى للعصابات ومعاقل للمجرمين، كما تمكنت المحاكم من إعادة الثقة بالنفس لدى قطاعات واسعة من الصوماليين والإيمان بقدرتهم على تحقيق الأمن والسلام والتنمية دون مساعدة من أحد، ورفع هذا من طموحات الشعب الصومالى الذى بدأ يستعيد بعض أمجاده، وركز على عوامل وحدته، وكتب الكثير من الصوماليين قصائد تمجيد للوطنية والهوية الإسلامية والعربية ونبذ العنصرية والقبلية، ولقيت خطوات المحاكم برد المظالم ترحيبا شعبيا كبيرا، وأدى إلى وقوف كثير من المستضعفين معها.

وقد حرصت قيادات المحاكم الإسلامية على إخفاء رغبتها فى الوصول إلى الحكم، وكانوا يؤكدون فى أحاديثهم للإعلام على أن مهمتهم التى جاءوا من أجلها هى إقامة العدل والنظام ورد المظالم، وبجانب ذلك إعترفت المحاكم الإسلامية بالحكومة الإنتقالية ودعتها إلى الحوار والتفاوض فى جولات ثلاث فى الخرطوم برعاية الجامعة العربية عام 2006،وخارجيا حرصت قيادات المحاكم على النأى بنفسها عن الإرتباط بأى تنظيم خارجى، فنفوا علاقتهم يطالبان والقاعدة، بل ورد الشيخ شريف بنفسه عندما أصدر اسامة بن لادن شريطا يحاول فيه ربط مايحدث فى الصومال بتنظيمه، وحرصوا حرصا شديدا على نفى أن تكون الصومال ملاذا للإرهابيين، بل سنوا قانونا يساعدهم على معرفة هوية كل أجنبى يدخل البلاد ووجهته ومهمته، وحاولت بكل جهدها أن تعيد القضية الصومالية إلى محيطها العربى والإسلامى وتخرجها من يد أثيوبيا والإيجاد والغرب، ولكن الأنظمة العربية وفقا للباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى: لم تتلقفها ولم تتفهمها بل توجست منها، خوفا من أن تكون عاملا لإيقاظ القوى المعارضة الداخلية فى بلدانها، ويقول الباحث الصومالى: من إيجابيات المحاكم الإسلامية خلال فترة حكمها أنها قامت بفتح وتشغيل مطار وميناء مقديشو الدوليين، بعد أن كانا مغلقين منذ إنسحاب القوات الأمريكية من الصومال عام 1995بسبب النزاع على إدارتهما بين أمراء الحرب، وأنها قامت بترميمهما وجعلهما صالحين للعمل، فأصبح كل منهما مفتوحا أمام الرحلات الدولية والملاحة العالمية، ويضيف :أن المحاكم نجحت كذلك من الناحية الإغاثية أثناء الفيضانات وفى إزالة الأكوام المتراكمة من القمامة فى شوار مقديشو ومن إصلاح وترميم المبانى الحكومية ومراكز الشرطة، وساعدها فى كل ماقامت به من إنجازات فى فترة حكمها الوجيزة التى لاتتعدى ستة أشهر رغم المصاعب والمخاطر والتهديدات التى كانت تواجهها داخليا وخارجيا وخلافا لما كان عليه حال الحكومات السابقة لها أنها كانت تحظى بدعم الشعب، وتحمل رسالة روحية أخلاقية، إضافة إلى إخلاص عدد من قيادتها.

ورغم هذه النجاحات التى حققتها المحاكم فقد كان لها العديد من الإخفاقات، فقد فشلت المحاكم فى التعامل مع الطبقات الإجتماعية المختلفة التى تشكل المجتمع الصومالى، فقد حاولت بعض عناصرها أن تفرض بعض مفاهيمها المتشددة للدين بالقوة مما سبب للمحاكم سمعة سيئة فى العالم، وحاولت بعض الدوائر الغربية والمعادين لها فى الصومال وخارجها إستغلال ذلك لتصويرها كنظام همجى غير واقعى أوطالبانى النزعة، ويقول الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى: أن هذه الممارسات كانت فى معظم الأحيان ترتكبها مجموعات وعناصر حركة شباب المجاهدين فى المحاكم، وعلى سبيل المثال لا الحصر قامت هذه العناصر بحظر الفنون والغناء والموسيقى وإغلاق بعض البيوت التى تعرض فيها الأفلام وتسمى مجازا بالسينما، كما قامت بمنع مشاهدة كأس العالم، وفرضت فهمها للدين فى بعض لمناطق بشكل متعسف جدا أغضب المجتمع، كما حدث فى مدينة براوة، حيث قامت بمهاجمة أكبر مولد صوفى للشيخ نورين بن أحمد صابر وهو من علماء وفقهاء القرن الثامن عشر، فضربوا الناس وفرقوهم بالقوة وصادروا المولد الكهربائى للمسجد وبعثروا الأطعمة التى توزع للزوار، وهددوا القائمين على المولد من إقامته ثانية، ولكن عندما وصل ذلك لقيادات المحاكم أبدوا اسفهم واعتذروا وأكدوا انهم لم يصدروا أوامر بذلك وسمحوا للناس بمواصلة المولد، وكانت هناك موالد تقام فى مناطق اخرى دون أن تعترض عليها المحاكم، بل وتقدم الشيخ شريف بعضها، وهذا يدل على أنه لم تكن هناك سياسة واحدة متبعة فى معظم القضايا، وانها كانت تعتمد على مزاج وفهم الإدارة القائمة فى هذه المدينة أو تلك.

ويرى الباحث الصومالى محمد الأمين محمد الهادى : أن من الخطايا التى إقترفتها عناصر المحاكم الإسلامية أنها أنزلت العلم الصومالى عندما استولت المحاكم على كسمايو، ورفعوا راية سوداء مكتوب فى وسطها كلمة التوحيد، وكانت هذه الراية غريبة على الصوماليين، فانتشر الخبر وظن الناس أن المحاكم ضد العلم وضد الوطنية الصومالية، وفى كسمايو أيضا قامت هذه العناصر بقتل 18 أسيرا جريحا من أسرى المعارك التى خاضوها ضد حاكم كسمايو قبل المحاكم برى هيرالى، حيث قتلوهم وهم راقدون فى المستشفى فى مدينة بؤالى، وأثارت هذه القضية ضجة كبيرة، ووعدت المحاكم بمعاقبة مقترفى هذه الجريمة البشعة، ولكن لم يسمع أحد أنهم فتحوا تحقيقا أو عاقبوا أحدا عليها، وتم التركيز على هذه الأخطاء فى الإعلام الغربى لتصوير المحاكم بصورة همجية بربرية.

ومن الناحية السياسية :أجمع الكثيرون ممن كتبوا عن المحاكم سواء من الموالين أو المعارضين لها أنها فشلت فى وضع سياسة أو برنامج سياسى يعبر عن إستراتيجية سياسية موحدة تنطلق منها، ولذلك كانت الإرتجالية هى سيد الموقف، ولولا أن الشعب كان يثق بها ثقة كبيرة لفشلت منذ أو يوم من حكمها، وكانت هذه الإرتجالية واضحة فى فوضى التصريحات التى تصدر من قادة المحاكم من الصف الأول والثانى، ولم يعين ناطق رسمى بإسمها بحيث تكون التصريحات موحدة، فكان كل واحد من قادتها يرى لنفسه الحق فى أن يصرح بما يشاء وقتما يشاء دون الرجوع إلى القيادة، مما خلق إضطرابا فى المواقف فى الكثير من القضايا الداخلية والخارجية، ففى نفس الوقت الذى كان يتحدث فيه الشيخ شريف أنه لن يهاجم المناطق الآمنة التى تقع تحت سلطة صومالى لاند أو بونت لاند، كانت هناك تصريحات مضادة من الشيخ حسن تركى ويوسف إندعدى، وكان الشيخ شريف يصرح أيضا أن المحاكم لاتريد فرض حكم إسلامى وأنه سيترك الشعب يختار النظام الذى يحكمه بينما كان الشيخ حسن طاهر أويس يؤكد أنهم يسعون إلى إنشاء دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية فى الصومال، وحينما كان يؤكد البعض من المعتدلين أنهم لايسعون إلى مهاجمة دول الجوار وأنهم يحترمون الحدود القائمة وأن كل مايهمهم هو إستعادة بلدهم الصومال، كانت قيادات حركة شباب المجاهدين أمثال آدم حاشى عير ومختار روبو يؤكدون أنهم يريدون توحيد المسلمين فى القرن الأفريقى فى دولة إسلامية جديدة، وهذا ماجعل الرسائل المرسلة إلى الخارج والداخل غير واضحة ومتناقضة وتنذر بالخطر حينا وتبعث الطمأنينة حينا.

وكانت خطوة التوسع العسكرى والوصول إلى مشارف بيداوا رسالة إلى الحكومة الإنتقالية بأن الخناق بدأ يضيق عليها، ورسالة أيضا إلى من يدعمها فى الخارج وهى أثيوبيا، وقد أدت هذه السياسة إلى نتائج عكسية إذ عجلت من الخطوات الأثيوبية لممارسة الإحتلال المباشر، بعد أن تأكدت أن قوات المحاكم على وشك أن تتبتلع حليفتها الحكومة الإنتقالية.

ومن الناحية الإدارية أخفقت المحاكم الإسلامية فى إنشاء إدارة مدنية للعاصمة مقديشو التى هى أول ماسيطرت عليها، وقد ذكر أحد قيادات المحاكم أنهم كانوا يؤجلون ذلك بسبب خشيتهم أن ينظر الناس إلى قبيلة من سيعين فى هذا المنصب، وأنهم كانوا يدرسون إسناد المهمة إلى رجل من الأقليات وليس ممن ينتمون إلى القبائل الكبيرة المتصارعة داخل العاصمة، وكانت الفوضى الإدارية ملحوظة حتى داخل المحاكم نفسها، ففى كثير من الأحيان من الممكن أن ترفض مجموعة من الشباب الأغرار مايصدر من أوامر من قيادة المحاكم أو تنفذ سياسات لم تستشر فيها أحدا، كما لم تقم المحاكم بالإستفادة من الكوادر السياسية والعسكرية والإقتصادية والإدارية الموجودة داخل الصومال مع إستعدادهم للعمل معها، وفسر بعض المراقبين ذلك بأن هناك عناصر من المحاكم حالت دون ذلك خوفا على مشروعها أن يغير مساره أو يستولى عليه آخرون.

ومن الناحية العسكرية ظنت مجموعات من المحاكم الإسلامية أن الإنتصارات التى حققتها ضد أمراء الحرب يمكن أن تتحقق حتى مع أثيوبيا، وأغرتها نشوة النصر فاستخفت بالقوة العسكرية لأثيوبيا، وكانت تصدر إشارات مقلقة من قبل بعض المتشددين داخل المحاكم توحى بأنها تشكل خطرا على أثيوبيا، ولم يكن قد سجل للمحاكم الإسلامية أثناء معاركها مع أمراء الحرب، وكان مؤكدا طبقا لذلك ونظرا للدعم الشعبى الذى اكتسبته أنه كان بإمكانها إبتلاع الحكومة والإدارات المحلية فى بونت لاند وصومالى لاند، وقد بدأت الأرض تهتز تحت اقدام هذه السلطات فأحست بالخطر أمام تقدم المحاكم الإسلامية، ولذلك زاد إرتماؤها فى حضن أثيوبيا، لكن الفشل العسكرى للمحاكم وعدم التخطيط والإرتجالية بدأت تتضح عندما ووجهت قواتها بالقوات الأثيوبية الغازية، التى لم تأخذ أكثر من أسبوعين لدحر قوات المحاكم من جميع البلدات والمحافظات التى استولت عليها ودخول العاصمة مقديشو بعد هروب قادة المحاكم إلى كسمايو، وتعقبهم على مشارف الحدود الكينية.

ومن الناحية الإقتصادية :فشلت المحاكم الإسلامية رغم نجاحها فى إعادة فتح المطار والميناء الدوليين من وضع سياسة إقتصادية ولو مبدئية ولم تتخذ خطوات لإنشاء نظام الجمارك على البضائع التى تدخل البلاد وفرض الضرائب على التجارة الداخلية، وكان هذا سيساعدها على توفير الكثير من الخدمات للشعب، وكذلك فى توفير رواتب للعاملين بها.

ويرى تقرير لمركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية أن معظم الإخفاقات والأخطاء التى كانت تقع فيها المحاكم الإسلامية تعود إلى الأسباب التالية:

  1. الخلاف الأيدولوجى بين مكونات المحاكم الإسلامية، وهو الذى انسحب على كثير من آدائها على جميع المستويات، وكان هم القيادة هو عدم إغضاب أى مكون من هذه المكونات، حتى لاينفرط عقدها، وهى التى كانت تواجه تحديات خارجية وداخلية .
  2. إنعدام الخبرة السياسية والإدارية لدى الكثير ممن كانوا يعملون ضمن المحاكم الإسلامية، وكانت فى بعض الأحيان تصل إلى حد السذاجة .
  3. رؤية الأشياء من زاوية واحدة، أو الرؤية ذات البعد الواحد، فلم يضعوا فى الحسبان ماتريده القوة الخارجية، بل وضعوا نصب أعينهم مايريدون هم تحقيقه فقط، وكان هناك قصور معيب فى فهم الواقع الدولى والإقليمى والتوازنات التى تحكم العلاقات الدولية، فكانت رؤيتهم رؤية قاصرة وذات بعد واحد .
  4. الخوف على المشروع جنى كثيرا على المشروع نفسه، فالقائمون عليه لم يكونوا على مستوى الحدث الذى تصدروا له، وخوفهم من أن يسيطر عليه المستغلون والنفعيون حرمهم من الإستعانة بخبرتهم .
  5. كان واضحا للمتابعين والمراقبين أن هناك تجاذبا بين تيارين رئيسيين فى داخل المحاكم الإسلامية، تيار يمثل طرفا متشددا ذا فكر سلفى جهادى يسعى إلى توسيع دائرة الحرب داخليا وخارجيا، وتيار يمثل الأطراف الساعية إلى الإصلاح الداخلى مع جميع شرائح المجتمع وإنجاح المشروع الإسلامى عبر الحوار والتصالح مع جميع الأطراف بمافيها الحكومة ودول الجوار والمجتمع الدولى، ويضع أولوياته فى إنتشال الشعب مما أوقعته فيه قوى الشر الداخلية والخارجية، ولكن التصعيد الخارجى والجهل الداخلى جعل التيار المتشدد يصعد صوته وتعلو نبرته، ويقوم بتصرفات شنيعة فى الداخل فتكالبت عليه القوى الداخلية والخارجية مستعينة ببعضها البعض

وناقست تقارير مجموعات الازمة الدولية الاوضاع واستناذ الي ماقام بها الباحت صادق ابو السعود من عملية تترجمة لتلك التقارير قام مركز القدس للدراسات السياسية بنشرها حيت اكدت تلك التقارير الي إن الحرب الأهلية الصومالية الطويلة الأمد وقلة المؤسسات المركزية الحاكمة في الصومال يشكلان تحدياً حقيقياً للأمن الدولي، حيث أستغل الإرهابيون انهيار الدولة في مُهاجمة الدول المجاورة ونقل العملاء والمعدات والتجهيزات العسكرية عبر الحدود مع الصومال إلى الدول المجاورة. وتعتبر الصومال الآن بمثابة ملجأ لأعضاء تنظيم القاعدة الذي قصف المصيف الكيني في عام 2002. وحاول إسقاط الطائرة الاسرائيلية، ومنذ عام 2003م تم الكثير من عمليات قتل للصوماليين والأجانب من قبل المتطرفين الاسلاميين، وفيما إذا أرادت الحكومات مواجهة الإرهاب المحدود ولكنهُ على درجة كبيرة من الحقيقية الذي يمثلهُ الإرهابيون في الصومال أو خارجها فإن على هذه الحكومات أن تقترب بصورة أكبر من الأولويات الصومالية المتمثلة بإعادة السلام، وشرعية الحكومة، وتقديم الخدمات الضرورية، مع ضرورة التوضيح أن أعمال مكافحة الإرهاب لا تستهدف عموم الشعب الصومالي وإنما إعداد صغيرة من الإرهابيين وأغلبهم من الأجانب، وعموماً فإن الصوماليين يظهرون القليل من الاهتمام لمفهوم “الجهاد الإسلامي” وهناك أغلبية صومالية معارضة لهذا التوجه، وقد فشلت حركات المليشيا الصومالية في اكتساب الدعم الشعبي الواسع لها وهناك عداء كبير لها،كما إن الميزة الأكثر بروزاً في هذا السياق هي ان التعصب الإسلامي هناك أصبح متجدداً بصورة أكبر وذلك لوجود أرض خصبة لنموه وذلك حسب تقديرات الأوساط التقليدية.

وعلى الرغم مما سبق ذكرهُ، ومنذ انهيار الدولة في عام 1991م ظهرت العديد من الحركات الإصلاحية الإسلامية في الصومال كان البعض منها متأثراً ومدعوماً من بعض المصالح الأجنبية، ولكن الأغلبية الساحقة كانت حركات سلمية معارضة لظاهرة التطرف الأيديولوجي، وكانت المجموعات الكبرى في هذا الإطار تتمثل بشكل خاص في “جماعة التبليغ، والسلفية الجهادية، والتي تمارس نشاط تبليغ الدعوة مستهدفة كذلك قيادات المسلمين المتساهلين وهدايتهم إلى طريق الإيمان الحقيقي، وهناك مجموعات أخرى ولكنها أصغر من الأولى ويشمل ذلك “حركة الإصلاح، ومجمع علماء الإسلام” وهي حركات ناشطة سياسية ولكنها ليست متطرفة وهي بالأحرى تناضل من أجل مستقبل الصومال ونظامه السياسي، وهناك مجموعات إصلاحية أصغر من المجاهدين مثل الاتحاد الإسلامي” وهي حركة باعتبار المنحلة الآن. ومجموعة جديدة اخرى لا تحمل اسماً وقد تمت مواجهتها من قبل “ادن هاش ايرو”.

وهناك كيانات إسلامية أخرى أصولها وبرامج أعمالها على درجة اكبر من التعقيد، منها “الشريعة” والتي انتشرت عبر جنوب الصومال خلال العقد الماضي، قامت في الأساس، وبشكل جوهري على أسس عشائرية وكانت تهدف إلى إرساء الأمن والنظام في مجتمع غابت عنهُ الدولة، كما جرت محاولات لتوحيد وتنسيق نظام المحاكم، على أية حال كان الجزء الكبير من عملها تحركه الدوافع السياسية، كما أن بعض المحاكم سرقت من قبل زعماء “الجهاد” إن مثل هذا التعاون بالاشتراك مع مصادر التمويل المستقلة قد سمح للمحاكم لأن تعمل باستقلالية أكثر عن العشائر، ومنذ بدايات عام 2005م فإن جدول أعمال محاكم الشريعة السياسي والاجتماعي في مقديشو فيه الكثير من العدوانية.

إن نمو المحاكم، والمنظمات الخيرية، والأعمال التجارية ذات الطبيعة الإسلامية أثارت الكثير من المخاوف لدى بعض الدوائر من محاولة تحويل الصومال إلى دولة إسلامية. وفي الواقع فإن الناشطين الإسلاميين ذو طبيعة متنوعة وتتميز بالكثير من المنافسة والتناقض على حساب التعاون فيما بينها، مما جعل وجود مؤامرة واسعة أمراً غير قابل للتصديق.

لقد فشل التطرف الإسلامي في السيطرة بصورة أكبر على مقاليد الأمور في الصومال وذلك بسبب المقاومة الصومالية لهذا الاتجاه وليس عبر الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب،كما إن الأغلبية الساحقة من الصوماليين تفضل وجود حكومة ديمقراطية والتي تعتمد بشكل كبير على الدين الإسلامي وذلك كما استمرت عليه الأمور وزاولوهُ لقرون باعتدال وتحمل واحترام للاختلاف في الممارسة الدينية، وفي النهاية ليس هناك طريقة أفضل من مواجهة المجاهدين عبر مساعدة الصوماليين في إدراك ورؤية هذه الحكومة.

وذلك بالطبع من السهل قوله أكثر من القيام به، وخاصة إذا علمنا أن العديد من التجارب والمجادلات على مدار الخمسة عشرة سنة الماضية لبناء الدولة الصومالية قد انتهت بالفشل الذريع ويبدو أن الحكومة الانتقالية الفيدرالية التي تم تشكيلها في شهر تشرين الأول من عام 2004م تعيد مرة أخرى نفس الأخطاء التي ارتكبت في السابق ويجب على الشركاء الدوليين مقاومة الإغراء في دعم بعض أطراف الحكومة الانتقالية الفدرالية المنقسمين على حساب الأطراف الأخرى وبدلاً من ذلك عليهم إعادة الحياة إلى الدستور الفدرالي وإحياء البرلمان المنحل وإنشاء حكومة وحدة وطنية شاملة، وما لم يتوفر لديهم الاستعداد للموافقة على هذا التحدي المعقد فقد يستمرون بتحقيق الانتصارات في معاركهم ضد الإرهاب في القرن الإفريقي وفي الوقت الذي يخسرون فيه معركتهم الكبرى.

إسلاميـو الصومـال

– النشاط الإسلامي في التاريخ الصومالي:

لقد زاول الصوماليون الإسلام لأكثر من 1000 سنة وذلك منذ وصول الدين الإسلامي للقرن الإفريقي من شبه الجزيرة العربية قبل القرن التاسع. مرتبطاً أيضاً وبشكل وثيق بالأساطير التي تستند إلى الطابع القبلي هناك. ويتبع معظم الصوماليين المذهب الشافعي والذي يتميز بتبجيل وتقديس الأولياء بما في ذلك أسلاف العديد من العشائر الصومالية والتي هيمنت عليها تقليدياً الطرق الصوفية اللاسياسية ومع هذا فقد انتهجت بعض فرق الصوفية طريق المقاومة للقوى الاستعمارية وقد شهدت حقبة الستينات وعياً إسلامياً متزايداً ولقد تتوج ذلك بتشكيل “الشباب الإسلامي، وجماعة أهل الإسلام والمعروفة جيداً باسم الأهلي “وقد تأثرت هاتين الجماعتين بأفكار جماعة الاخوان المسلمين المصرية حيث سعتا لتطبيق المبادئ الإسلامية في سياق دولة الصومال المستقلة والحديثة، وفي عام 1969م قام الجنرال سياد بري” بانقلاب عسكري ليبدأ معهُ عصر “الاشتراكية العلمية” وبدأت محاولات النظام في التواؤم مع والسيطرة على التأثيرات الإسلامية في المجتمع الصومالي، وفي عام 1975م أثار التشريع العائلي الجديد جدلاً واسع النطاق في وسط الزعماء الدينيين وكان رد النظام قاسياً اذ قام بإعدام عشرة من الشيوخ البارزين وسجن العشرات. مما أجبر بعض الجماعات الإسلامية مثل “الأهلي المحظور ,والوحدة” الى اللجوء للعمل السري، كما أدت حملة النظام الصومالي إلى هرب العديد من الزعماء الصوماليين إلى الخارج والانضمام إلى الأعداد المتزايدة من الصوماليين في الشتات والذين هاجروا إلى الدول الخليجية على أمل منهم باستغلال مرحلة ازدهار النفط.

وفي السنوات التالية أصبح العديد من الصوماليين الذي يعيشون في المنفى على علاقة وثيقة ومباشرة مع جماعة الأخوان المسلمين وتبنوا منهجيتها السياسية والبعض الآخر أصبح على علاقة مع السلفية المحافظة والتيارات المسلحة والمرتبطة بالجهاد في أفغانستان أبان الغزو السوفيتي. لقد دفعت الحكومة الصومالية دون أن تقصد في اتجاه تطور الحركة الإسلامية الصومالية الموجودة في الصومال وذلك على الرغم الحظر الحكومي، فقد تطورت العقائد بشكل حاسم ولو أن ذلك ينطبق بصورة أكبر على الحركة الإسلامية الصومالية الموجودة في الخارج، علماً بأن جزءاً من عملية التطور جاء بشكل عشوائي ومرتبطاً في ظاهرة العولمة، وقد حاولت الحكومة بشكل او بآخر منع المنشورات الأجنبية والأدبيات الدينية بالإضافة إلى أن بعض المجموعات الإسلامية مع محافظتها على وضعها المنزوي قليلاً إلا أنها بقيت تمارس أعمالها من خلال أنصارها من الطلاب في الجامعة الوطنية والكليات والمدارس الثانوية حين ضغط هؤلاء باتجاه الفصل ما بين الجنسين والضغط على الطالبات كي يرتدين الحجاب، وقيام أعداد صغيرة من الإسلاميين بممارسة الفنون القتالية في ساحات اللعب في الكليات تحت أنظار زملائهم من الطلاب، وتجدر الإشارة أن مثل هذه النشاطات قد جذبت انتباه النظام حيث تم اختراق العديد من هذه المجموعات بعملاء الأجهزة الأمنية الحكومية ولكن مع هذا فقد واجهت الحكومة تمرداً واسع النطاق شمل أجزاء مختلفة من البلاد، وقد افتقرت تلك المواجهة أيضاً إلى الحافز القوي من طرف الحكومة في الدخول في مجابهة مع الإسلاميين.

ومع انهيار الحكومة في 1991م عرف الإسلاميون حرية لم يسبق لها مثيل من قبل، وخاصة في ظل الظهور المفاجئ والمحير للعديد من الجمعيات الإسلامية وأفادت جميعاً بأنها تمثل مذهباً دينياً منفصلاً والقاسم المشترك ما بين هذه الجمعيات كان يتمثل في الرغبة في إيجاد الشكل الأصيل للحكم الإسلامي في الصومال. وإلى حد ما يمكن القول بأن الاختلافات ما بين المجموعات الإسلامية الصومالية كانت مذهبية، فقد قاومت التيارات التقليدية ما اعتبرته انتهاكاً من قبل أصحاب الأفكار الإصلاحية الغريبة عن معايير التفكير الإسلامي، حيث حصلت هناك بعض المصادمات ما بين أصحاب الفكر المتحرر نسبياً للمنتمين للإخوان المسلمين وما بين المجموعات السلفية المحافظة التي رفضت من صفوفها كل من كان له نشاط سياسي أو عسكري.

إن مثل هذه الامتيازات لا تمثل فقط إلا جزءاً من الصورة، وكما ذكر العالم الفرنسي “رولاند مارشال” بأن العديد من الصوماليين يشتركون في نفس نقاط المرجعية الثقافية، مثل محمد بن عبد الوهاب، وحسن ألبنا، وسيد قطب.

لذلك ليس هناك من حدود مذهبية أو أيديولوجية واضحة بينهم، وكما كان بالإمكان انتقال المتعاطفين مع هذه الحركات من مجموعة إلى أخرى, الأمر الذي من شأنه أن يساعد في توضيح عدد تلك المجموعات والاختلافات فيما بينها على القضايا الدنيوية مثل الوضوء والسن المناسب للزواج وهكذا دواليك، وكانت ممارسة الطقوس الدينية مثار نزاع وخلاف وبصورة أكبر من أمور العقيدة نفسها.

والجدل المهم في تمييز الجماعة عن الأخرى كان يتمثل في طبيعة شخصية القيادة وفي بعض الحالات عبر جداول الأعمال لحلفائهم من خارج الصومال، وفي هذا السياق كان سلوك الجماعات الإسلامية يختلف قليلاً عن الفئات العلمانية والفئات السياسية العلنية والتنافس فيما بينها لحل الفراغ الناجم عن انهيار السلطة الذي فكك الدولة، وقد تعاونت الجماعات قليلاً فيما بينها من خلال الدخول بتحالفات انتهازية وقصيرة الأجل وصراعها فيما بعد وانشقاقها والذي كان في أغلب الأحيان يدخل في اطار النزاع العشائري، كما كان بالإمكان تمييز المجموعة عن الأخرى في الحرية النسبية لحركة الأعضاء من جماعة إلى أخرى. وعلى الرغم من هذه الديناميكية الطاردة مركزياً فإن بعض المراقبين للمشهد الصومالي يعتقدون بأنهم قد حددوا معالم مؤامرة كبرى حيث تقوم كل مجموعة إسلامية بالدور المخصص لها من الناحية التربوية أو الأيديولوجية أو السياسية أو العسكرية. وفي قلب هذا التحالف قيل بأنه يوجد المجاهدون والإرهابيين وهو الفصل الصومالي لشبكة القاعدة العالمية وكما هو الحال في الأماكن الأخرى من العالم الإسلامي هناك ثلاث تيارات رئيسية تحكم النشاط الإسلامي في الصومال وهي تبليغ الدعوة، والنشاط العدائي “العسكري” والسياسي، وعلى الرغم من الاتصال وأحياناً التعاون الضمني ما بين هذه المجموعات فإن سلوك الجماعات الإسلامية في الصومال كان يتميز بالمنافسة والاختلاف بصورة أقل عما هو عليه الحال في الخلاف ما بين المجموعات السياسية، فهم لا يتمتعون بنظرة واحدة فيما يتعلق بمعاداتهم للغرب أو لجيران الصومال، وهناك أقلية صغيرة فقط ارتبطت بالعنف الإرهابي.

الإسـلام المجاهــد:

يتضمن الإسلام المجاهد الناشطين الملتزمين بأعمال العنف لأن ذلك حسب اعتقادهم يدخل في باب الدفاع عن دار الإسلام وأحياناً يأتي ذلك أيضاً ضمن معتقد توسيع تلك الدار. وتجدر الإشارة أن تلك المنطقة من العالم ومن الناحية التاريخية خاضعة للحكم الإسلامي وتجمعاً للمؤمنين ضد الكفار. وفي الصومال يمكن القول بان “الجهاد” يُعتبر أقلية مكروهة وقد شهدت خطوطه حالة من عدم الثبات حيث مرت في مراحل عديدة من المد والجزر على مر السنين السابقة.

الاتحـاد الإسلامـي:

وبعد مرور أقل من أسبوعين على أحداث 11/سبتمبر/2001 وقع الرئيس جورج الابن مرسوما تنفيذياً يحمل الرقم 13224 حجز فيه على ممتلكات وأصول /27منظمة وأفراد ارتبطوا بالإرهاب كانت العاشرة في الترتيب على قائمة الحجز منظمة صومالية بالكاد معروفة تسمى الاتحاد الإسلامي، ويعتقد بأن معظم المعلومات المعروفة عن هذه المنظمة تستند على الشائعات والتخمينات والمعلومات المضللة، وتتمثل ذلك واضحاً في تحديد الحركة التنظيمية والعملياتية والتي كانت غامضة بصورة كبيرة واختلفت فيها أراء الخبراء ليس فقط على صعيد تسميتها ضمن المجموعات المتصلة بالإرهاب الدوليّ ولكن أيضاً على صعيد فيما إذا كانت هذه المنظمة موجودة أصلاً أم لا، وفي حديث العديد من الصوماليين وعدد من مسئولي أجهزة المخابرات الأجنبية لمجموعة الأزمات الدولية عن المنظمة المذكورة أنها أما منظمة خاملة وغير عاملة أو أنها قد حلت ولم يعد لها وجود، وبعض المصادر الأخرى بما فيها تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لعام 2005 والصادر في شهر آذار والذي يصف هذه المنظمة وليس فقط أنها منظمة سليمة نشطة وإنما أيضاً مسئولة عن التخطيط للفوضى وأنها تشرف على الأقل على “15 معسكراً” للتدريب وتسعى للحصول على الأسلحة في محاولة للسيطرة النهائية على الشعب الصومالي وأرض الصومال.

وفي الحقيقة لم يبدأ الاتحاد الإسلامي كمنظمة مجاهدة، وقد بدأت بالاعتناق التدريجي للتطرف والعمل المسلح والذي أثبت أنهُ كان قضية خلافية قادت إلى التدمير الذاتي للمنظمة ومنذ تشكيلها في مطلع الثمانينات إلى أن بلغت القمة في عام 1992م فشلت الحركة في إنجاز هدفها في إقامة إمارة سلفية تشمل كل الصومال الأمر الذي من شأنهُ ان قاد إلى هبوط تلقائي وثابت في أسهمها، ومع حلول عام 2005م زال الاتحاد وبشكل جوهري من الوجود وبقي هناك بعض الأفراد والذين توجهوا لإنشاء شبكة جهادية جديدة وقاسية وعلى علاقة مع تنظيم القاعدة ودون أن يكون لهم أهداف سياسية واضحة.

وفي رد فعل متصاعد وفعال على “الاتحاد الإسلامي” وإرثهُ والذي يجب أن يخضع للتدقيق والتحليل المحايد، فإن القسم التالي يعطي تفصيلاً شاملاً عن الاتحاد الإسلامي منذ لحظاته الأولى حتى هذه اللحظة وذلك يتضمن الأيام التي كان فيها فاعلاً الى ان حل:

1. العصـر الذهبـي:

على الرغم من رقابة نظام سياد بري الصارمة للأجواء الاجتماعية والدينية إلا أن “السلفية” استطاعت وبثبات من أن تنمو ويزداد عدد أعضائها في فترة السبعينات حيث ظهر أحد أهم مراكز السلفية وأكثرها نجاحاً في إحدى ضواحي العاصمة مقديشو وهي منطقة “الهندي” واعتبرت “الجماعة الإسلامية “نفسها جماعة سلفية تركز على عناصر “تنقية الإيمان” وكما يذكر أحد أعضائها السابقين الذي قال “لم يكن لها علاقة بالسياسة، وعملها يتركز على الدعوة “وأصبح العديد من رجال الدين في “منطقة الهندي” مشهورين بدروس تفسير القرآن بعد أداء صلاة المغرب وغالباً ما كانت هذه المساجد حيث كانت تعقد الدروس ممتلئة بالمصلين، وكان لدى الحركة السلفية مراكز أيضاً في مسجدي “بكاراه، ولافوين” وكان من أئمة هذه المساجد البارزين الشيخ “ظاهر أندهابر، والشيخ عبد الله علي هناشي” والشيخ “عبد القادر الجعامي” والذين أصبحوا في السنوات اللاحقة قاعدة الاتحاد الاسلامي.

وفي أوائل الثمانينات طورت قيادة الحماية علاقاتها مع جماعة إسلامية “تدعى وحدة الشباب الإسلامية”، والتي كانت معروفة في الأجزاء الشمالية من الصومال والتي كانت تتمتع بشعبية في وسط المدرسين وطلاب الثانوية في “هرجيسيا، وبورو” وبالرغم من أن هذه الجماعة في جوهرها تتبع وجهة النظر الوهابية “والوحدة” إلا أنها كانت تتأثر بجماعة الأخوان المسلمين أيضاً وخاصة في تأكيدها على التعليم وتعزيز الأدوار الاجتماعية العامة للنساء، وكان من بين رجال الدين القادة “الشيخ علي وارسيم”، الذي جاء من بلدة بورو في شمال الصومال والذي تعلم في السعودية والمعروف بلقب “كيبس دون” وكان شبيها بنظرائه من “الجماعة الإسلامية” والذي استمر في سعيه لأن يكون إحدى الشخصيات الرئيسية في “الاتحاد” وجاء اندماج المنظمتين في وقت ما بين 1982 – 1984 يظهر بالاسم الجديد “الاتحاد الإسلامي”، وتحت هذا الاسم فقدت الجماعتين شهرتهما، على أية حال فقد احتفظت الجماعتان بهوياتهما التنظيمية، ومع نهاية الثمانينات ظهرت جماعة “الوحدة” مرة أخرى ولكن في هذه المرة كان ظهورها واضحاً على أساس كونها كيان شمالي، وتجدر الإشارة هنا إلى بقاء بعض الأعضاء واحتفاظهم بالانتساب إلى “الاتحاد” كان منهم الشيخ “علي وارسيم”.

وفي مقديشو سرعان ما بدأ “الاتحاد الإسلامي” في لفت الانتباه لشعبيته المتزايدة ورسالته المتطرفة الجديدة وكان يمكن رؤية ذلك من خلال الزيادة الكبيرة في عدد أعضائها لتشمل الكليات والطلاب في المدارس الثانوية وكليات وأقسام الجامعة الوطنية الصومالية، ودون شك فقد كان أعضاء الاتحاد على درجة عالية من التنظيم والمثابرة في جهودهم المتعلقة بتجنيد الأعضاء الجدد وشمل ذلك عمل قادة الطلاب والمتفوقين الأكاديميين في ممرات غرف التدريس والمقاهي ما بين المحاضرات وبعد انتهاء الصفوف الدراسية.

لقد شكل طرح “الاتحاد الإسلامي” القائم على فكرة الإسلام لا يمكن فصله عن السياسة تحدياً جريئاً للنظام وخاصة أن “ثورة” سياد بري قد بدأت مرحلة أفولها. وفي قول لأحد المراقبين للأوضاع في ذلك الوقت لمجموعة الأزمات الدولية:

ولقد عرض الاتحاد بديلاً عن الديمقراطية الشيوعية والدساتير التي من صنع الإنسان من خلال تطبيق القرآن والسنة في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والمفاهيم الحياتية الأخرى.

كما شكل “الاتحاد الإسلامي” أيضاً تحدياً لنظام الصوفية في الصومال من خلال السخرية بالتأكيدات الصوفية على الجوانب الروحانية فقط والاستخفاف ببعض ممارستهم التقليدية الغير إسلامية، بالمقابل شجب زعماء الصوفية ممارسات “الاتحاد” واعتبروها شكل من “أشكال البدعة” ونعتوا الحركة باسم “السروريين” نسبة للشيخ. “محمد زين العابدين سرور” وهو أحد المنشقين السعوديين المتدينين الذي طرد من المملكة السعودية لتعاليمه المتطرفة على أي الأحوال فقد كان أعضاء “الاتحاد” فخورين بانتسابهم للشيخ “سرور”. ومع قبيل نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي بدأت الخلافات ما بين الصوفيين والسروريين تطفو إلى السطح وبدأت بالخروج من الجوامع إلى الشوارع واشتباك أعضاء الحركتين من الشباب بالسكاكين والعصي وأحياناً ما كانت تودي بحياة البعض منهم.

ومع نهاية حقبة الثمانينات جاء تأثير “الاتحاد السريع لا لينعكس فقط من خلال مذهبه الديني وإنما أيضاً من خلال احتجاجه على طبيعة النظام القائم التي تتسم بالوحشية، وفي مساجد مقديشو ظهر بعض وعاظ “الاتحاد الإسلامي” الذين سخروا من النظام الدكتاتوري ومن مظاهر الحصانة التي يتباهى بها النظام، وكان من هؤلاء الوعاظ الشيخ “عبد الله علي الهاشي”، كما توفرت خطب هؤلاء الوعاظ في محلات بيع أشرطة التسجيلات في محلات المتعاطفين معهم من الشعب الصومالي، واكتسب هؤلاء الوعاظ ومحاضراتهم نفوذاً كبيراً في أوساط الكليات والمدارس جعل معها دعوة الصوفية لهم وتشويه صورتهم بأنهم من مختلقي البدعة، دون أي تأثير يذكر، وقد ترجم قادة الاتحاد هذا النمو المتصاعد لحركتهم بأنهُ جاء كتأكيد على أنهم وجدوا الطريق السماوية الحقيقية وأن عملهم اكتسب مباركة السماء، لقد كانت هذه المرحلة وكما أشار إليها البعض بأنها مثلت العصر الذهبي للاتحاد.

2. من الدعوة الى الجهاد: معركة أراري:

ومع نهاية عقد الثمانينات تجمعت وتآمرت الأحداث لتضع حداً لهذا العصر الذهبي وتحويل حركة “الاتحاد” إلى حركة مجاهدة، ولقد كان نظام سياد بري” على حافة الانهيار وكانت المنطقة الواقعة في شمال غرب الصومال تعاني من حرب أهلية طاحنة اتسمت بالوحشية وأجبرت أغلب السكان على الهرب واللجوء إلى شرق إثيوبيا، وكان من بين هؤلاء أعضاء الاتحاد بما فيهم الشيخ “وارسيم”حيث ساهم هؤلاء في الجهود الإنسانية لكفاح أقربائهم ضد النظام، وفي جنوب الصومال هددت المجموعات المتمردة هناك بالزحف باتجاه العاصمة مقديشو والسيطرة عليها، وقد جوبه زعماء “الاتحاد” بالقرارات الصعبة المتعلقة بمكان حركتهم في النظام المستقبلي للصومال، ومع أواخر التسعينات عاد للصومال نصف دزينة من المحاربين الصوماليين الذين كانوا يحاربون في أفغانستان محضرين معهم رغبتهم في الجهاد المسلح، وقوبلت جهودهم بالبداية في إقناع “الاتحاد” بحمل السلاح كبقية الأطراف المتمردة الأخرى بالشك والرفض الأولي ولكن مع نهاية السنة كانت مشاورات الحركة الداخلية قد أخذتها الأحداث.

وفي الثلاثين من كانون الأول لعام 1990م، بدأت معركة مقديشو تأخذ طابعاً جدياً وفي أواخر كانون الثاني ترك الرئيس الصومالي “سياد بري” العاصمة مقديشو وكان ذلك بمثابة الإعلان عن نهاية النظام. وبدأ المقاتلون من “المؤتمر الصومالي الموحد” والذي يعودون في غالبيتهم إلى عشيرة “هاوايي” والذين بدئوا في عقاب العشائر التي كانت تتعامل مع النظام السابق وكانت النتيجة من وراء ذلك النزوح بشكل جماعي وبشكل رئيسي لعشيرة “الدارود” والتي نزحت باتجاه بلدة “كيسمايو” في جنوب الصومال وهي ميناء استراتيجي والبوابة لوادي “جوباً” الخصيب.

وسرعان ما أُجبر أعضاء عشيرة الدارود المنتمين للاتحاد الإسلامي على الخدمة العسكرية للدفاع عن “كيسمايو” حيث وعد بعض كبار العشيرة هناك بإعلان الإمارة الإسلامية وذلك كبديل عن دعم الإسلاميين العسكري حيث قاموا في البداية باحتلال مجتمع عسكري يعرف “جولوادي” يقع بالقرب من المدخل الشمالي للمدينة وبعد أسابيع فقط من هذه الحادثة أي في شهر نيسان 1991م دحرت جيوش “المؤتمر الصومالي المتحد” بقيادة الجنرال محمد فرح عديد الذي قاتل بضرواة قوات الدارود الرئيسية في بلدة “افجويي” الاستراتيجية الأمر الذي ترك بلدة “كيسمايو” وبشكل خطير دون وجود الدفاعات المناسبة عنها، قامت على أثرها أعداد من مليشيات الاتحاد الإسلامي لا تتجاوز أعدادها 300 بالتجمع بالقرب من “أراري” حيث يقع جسراً استراتيجي يبعد 60كم إلى الشمال من “كيسمايو” على الطريق إلى مقديشو.

إن الفرصة بحدوث المعركة قد هدد بتقسيم الاتحاد، فمن جهة قد رحبت عناصر المليشيا التي يقودها “فرح حسان” ونائبهُ “عبد الله ربيع كاهين” بنظرة الجهاد المسلحة ولكن بعض القادة المحافظين قاوموا هذه النظرة والقائمة على تحويلهم الى فصيل مسلح، وقام أحد الأعضاء البارزين في جماعة الدارود وهو الشيخ عبد القادر الجماعي بزيارة للمعسكر وحاول دون نتيجة أن يقنع أفراد المليشيات المسلحة منهم على الانسحاب إلى “دوبلي” باتجاه الحدود الكينية وذلك لتفادي كارثة عسكرية وعندما فشل في عملية الإقناع وإصرار المليشيات على المقاومة، عاد الشيخ في النهاية إلى بيته في شمال شرق الصومال.

وقبل أن يشن عدوانه أعطى الجنرال محمد فرح عيديد الفرصة الأخيرة للمليشيات في “كيسمايو” ليتجنب المعركة وقام لأجل ذلك بإرسال وفد لفرض التفاوض بقيادة العقيد السابق في الجيش “حسن ظاهر عويس” حيث اقترح عقد صفقة معهم في حال بقاء الإسلاميين في المعسكر أثناء تقدم القوات إلى كيسمايو فإن قوات “المؤتمر الصومالي الموحد” تضمن أمانهم وتتركهم وشأنهم دون أن تتدخل بهم وعندما رفض مقاتلي الاتحاد هذه الشروط اختار “حسن عويس” الانضمام إليهم وترك باقي الوفد يعود إلى عيديد صفر اليدين، وفي انضمام عويس إلى مقاتلي “الاتحاد الإسلامي” فازت المليشيات بمنشق منهم وفي المعركة التي جرت فيما بعد،والتي ترتب عليها اندحار وهزيمة مليشيات الاتحاد وبسيطرة عيديد على “كيسمايو” وقام المقاتلون بتحميل جرحاهم باتجاه الشمال إلى حيث يقع ميناء “بوساسو” أما باقي المقاتلين فقد توجهوا أولاً إلى “راسل كاميوني” حيث قاموا هناك وبشكل سريع بتأسيس معسكر لهم، ولكن نزاعاتهم مع السكان المحليين دفعت المليشيات للتحرك من جديد إلى “دوبلي” وإنشاء معسكر جديد لهم هناك وإعادة تنظيم أنفسهم لكن الخلافات مع السكان المحليين دفعتهم مرة أخرى لمغادرة المنطقة والارتحال إلى منطقة “أوغادين” المسكونة من الإثيوبيين والصوماليين والالتحاق برفاقهم من الجرحى هناك في منطقة “بوساسو” بالقرب من رأس الصومال الشمالي الشرقي، كما توجهت مجموعة ثالثة شمالاً على طول الخط الساحلي للانضمام إلى الوجود المتنامي “للاتحاد الإسلامي” في البلدة الواقع عليها ميناء “ماركا”.

إن معركة “كيسمايو” كانت بمثابة هزيمة عسكرية لقوات “الاتحاد الإسلامي” ولكنها في نفس الوقت كانت نصراً سياسياً حاسماً للجناح العسكري في المنظمة حين اقتنعت أعداد كبيرة من الأعضاء أن نجاح المهمة الدينية “للاتحاد” وبقائه مرهونة فقط بحملة للسلاح. والفصل القادم لن يكون للدعوة ولكن للجهاد.

3. نحو الإمارة الإسلامية “الجزء الأول”:

بعد انهيار نظام “سياد بري” وقع شمال شرق الصومال تحت سيطرة “جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” والذي جاء أعضائها من عشيرة “المجارتين” وهي إحدى الافخاد في عشيرة “الدارود” والذين قتل وهجر منهم الآلاف عند سيطرة “عيديد” على بلدة “كيسمايو” حيث اشتركت أيضاً “قوات جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” في قتال دام ضد قوات “عيديد” في منطقة “موداج” بالوسط وكان مركز إدارة الجبهة في بلدة “بوساسوا” وهي ميناء وتتسم بالجفاف والحرارة الشديدة وفي عام 1991م بدأت هناك بقايا قوات “الاتحاد” بالتلاشي.

وبمباركة ضمينة من رئيس “جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” تولى الجنرال “محمد ابشير موسى” قيادة المنشآت الإستراتيجية الموجودة في المنطقة الشمالية الشرقية ويشمل ذلك مستشفى وميناء ” بِوساسو” وأقاموا قاعدة كبيرة بالقرب من “قاوه” والتي تبعد ما يقارب 20كم إلى الغرب من “بوساسو” وتم بناء هذه القاعدة على غرار قواعد التدريب في أفغانستان كما أصبحت هذه القاعدة وبشكل سريع محور نشاط “الاتحاد الإسلامي”. ومع أواسط عام 1991م، كان هناك ما يقارب 1000 عنصراً من مليشيات الاتحاد تتمركز بالمنطقة.

وفيما بدأ أنهُ محاولة لاستعادة السلطة من المليشيات العسكرية من جديد ففي حزيران 1991م دعت قيادة الاتحاد لمؤتمرها الرئيسي الأول منذ انهيار نظام “سياد بري” وبرئاسة الشيخ “على وارسيم” حيث انتقد في هذا المؤتمر قادة قوات معركة “أراري” لعصيانهم الأوامر وبالتالي الهزيمة الكارثية التي تلقوها على اثر ذلك، وكانت النتيجة الرئيسية الصادرة عن الاجتماع تكمن في تعزيز وإعادة هيكلة الحركة إلى خمسة أقسام وشملت ما يلي:

رئيس الحركة.ورئيس جناحها السياسي الشيخ “علي وارسيم”،أما نائبه فكان “حسن طاهر عويس”.وهو أيضاً المسئول عن الجناح العسكري أما الدعوة فكانت من مسئولية “عبد القادر الجماعي” والذي فشل فيما سبق بإقناع المسلحين في الاتحاد بالتخلي عن السلاح في معركة “اراري” والحقيقتان الباقيتان والمتعلقة بالإغاثة والإدارة والتي تتعلق بإدارة المصادر المالية والمادية “للاتحاد” والتي في جزء كبير منها تأتي من رسوم ميناء “بوساسو” وبشكل أكبر من التبرعات القادمة من المصادر الأجنبية والتي تشمل سواء بعلمهم أو بدونه – من المنظمة الخيرية السعودية “ورابطة العالم الإسلامية الدولية”، وطبقاً لمصادر جيبوتي الحكومية فإن كلتا المنظمتين كان يمثلها في جيبوتي القريبة من الصومال المواطن السعودي المعروف بـ “عبد الرحمن القائدي”، الذي تدرب في أفغانستان وفي بعض الاعتبارات ترى انه كان يخدم كضابط في المخابرات السعودية، ووفقاً لأحد المصادر في “بوساسو” تحدث عن زيارات القائدي” المنظمة لقاعدة الاتحاد الإسلامي في “قاو” وأنهُ كان المصدر الأساسيّ لتمويل “الاتحاد”.

إن تواجد الاتحاد الإسلامي في الشمال الشرقي للصومال أصبح على نحو متزايد شبيه بالدولة ضمن “الدولة الإقليمية لجبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية “الأمر الذي ساعد في توتر العلاقة ما بين الطرفين. وفي كانون الثاني من عام 1992م قام بعض أفراد المليشيا المسلحة والتي ترتدي زي الاتحاد الرسمي بإطلاق النار على مجموعة من عمال الإغاثة في مقهى بالقرب من فندق “جايتي بوساسو” مما أدى إلى مقتل الطبيبة الاجنبية، “مارتينا بامبولوفا” والتي تعمل مع منظمة اليونيسيف وجرح اثنين من زملائها، وبعد أقل من شهر على هذا الحادث قامت المليشيات المسلحة للاتحاد الإسلامي ايضا بمهاجمة مركز شرطة “بوساسو” حيث يعتقل أحد أفرادها من الجنوب، وفي عملية تحرير زميلهم قتل وجرح عدد من الشرطة ومقتل امرأة محلية وجرح العديد من المارة الذين كانوا بالمكان، مما حدا بزعماء العشائر وقادة جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” بمناقشة الضرورة بحل “الاتحاد الإسلامي”.

وفي منتصف شهر حزيران من عام 1992م اجتمعت القيادة العُليا “لجبهة الإنقاذ” في “جاروي” وكان على راس جدول الأعمال الطلب من رئيس لجنة الدفاع العقيد “عبد الإله يوسف” بأن تعود السيطرة على ميناء “بوساسو” إلى جبهة الإنقاذ” وفي صبيحة يوم 19 حزيران قامت القوات الموالية للاتحاد بإغلاق الطرق المؤدية إلى ومن البلدة والسيطرة على مجمع عسكري في أطراف البلدة حيث كانت قيادة جبهة الإنقاذ تعقد اجتماعها، وفي نفس الوقت قاموا بمهاجمة ثلاث مواقع في كافة أنحاء المنطقة الشمالية الشرقية بما في ذلك “بوساسو” ومع وجود قيادة جبهة الإنقاذ والبلدات الاستراتيجية في قبضتهم أعلنوا إدارة إسلامية جديدة للشمال الشرقي, ولكن إمارة الاتحاد الإسلامية كانت قصيرة الأجل، حيث قامت المليشيات المسلحة “التابعة لجبهة الإنقاذ” تساندها “عشائر المجارتين” المحلية بالرد على مليشيات الاتحاد وقتل زعمائهم ودحر الاتحاد الاسلامي من جديد والمليشيات التابعة له، وغادروا مع عوائلهم في أرتال طويلة عدت بالآلاف من الذين بقوا على قيد الحياة وتوجهوا إلى ملاجئ آمنة في المناطق الجبلية إلى الغرب من “بوساسو” حيث تسكن عشيرة “وارسينجيلي” ومع حلول السادس والعشرين من حزيران 1992م، قتل ما يزيد عن الستمائة من مليشيات الاتحاد الإسلامي، وبذلك لم يبقى أحد من مقاتلي الاتحاد في المناطق التي تخضع لنفوذ جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية في المنطقة الشمالية الشرقية.

واستقر الإسلاميون في البداية وبشكل أولي في منطقة “سناليد” الجبلية والتي تتمتع بوفرة المياه ودفاعات طبيعية جيدة وقد كافحت قوات “جبهة الإنقاذ” لما يزيد عن الثلاث أشهر ودون نجاح لتبعدهم عن ذلك المكان، وفي هذه الأثناء عقد زعماء الاتحاد الإسلامي مفاوضات مع شيوخ “الوارسينجيلي” في جيبوتي المجاورة وذلك بهدف ضمان المرور الأمن “للاتحاد” لمناطق أكثر أمناً وبالمقابل عرض الشيخ “أحمد بن محمد هودان” ممثل الاتحاد في دبي ترك أسلحة الاتحاد الثقيلة برعاية “الوارسينجيلي” ولكنه بعد المشاورات لقادة عشيرة “الوارسينجيلي” لم يتم الموافقة على طلب “الاتحاد الإسلامي” بالمرور الأمن الأمر الذي أغضب “ابن هودان” وحذر بأن مقاتلي الاتحاد في كافة أنحاء الصومال سيتجمعون لمساعدة إخوانهم وقد كان محقاً إذ وبدعم من المقاتلين الداخلين حديثاً من منطقة “لاس أنانود” والمواقع الأخرى تمكن المجاهدون من السيطرة على ميناء بلدة “لاس كوراي” وتم تعيين العقيد حسان ظاهر عويس قائدا للحامية الجديدة.

بالإضافة إلى كون “لاس كوراي” ميناء بعيد يستخدم لأغراض الصيد على البحر الأحمر فإنهُ يمتلك ايضا بعض المميزات منها سهولة الدخول والخروج إلى اليمن والخليج العربي، ولكنهُ في المقابل كان بعيداً عن المثالية ليكون موقعاً دائماً، وحتى إن حسان عويص وبعض مقاتليه بدؤوا بالزواج من البنات المحليات بالإضافة الى أن قيادة الحركة وضعت في الاعتبار كيفية نقل المجموعة إلى منطقة أكثر أمناً، وفي نفس الوقت استمر كبار “الوارسينجيلي” وعشائر “اسحق” المجاورة بممارسة ضغوطها ومن خلال القنوات المختلفة وذلك لإقناع الإسلاميين بالانتقال، وعندما رفض “عويس” دعوات الانتقال تم تغييرهُ ومن الواضح أن ذلك قد جاء بناء على أوامر من الشيخ “علي وارسيم” بشخصية أكثر واقعية وترتبط بعلاقات أقرب مع السكان المحليين وتزويدهم بالوقود من قبل قادة “لاس كوراي” وأخيرا صعد أفراد مليشيات الاتحاد إلى عرباتهم ومع عوائلهم، مغادرين الى الجنوب عبر الحدود الى إثيوبيا، وترافق انسحاب الحركة من لاس كوراي بالمزيد من التشتيت والتقسيم وفقدان الاتجاه، وطبقاً لأحد المتعاطفين السابقين “إن الحركة قد استنفذت وسائل الحياة، وبعد هذه المهزلة مباشرة استبدل الشيخ “علي وارسيم” كقائد للحركة بالشيخ محمد عيسى، وهو من عشيرة “ابجال” وهي إحدى ألافخاد الثانوية في عشيرة “الهاواي” في “مقديشو” وتجدر الإشارة أن العديد من أعضاء الاتحاد قد عاد إلى بيوتهم وانتموا إلى مجموعات دينية أخرى، وقيام البعض، منهم بإيجاد عمله الخاص أو باتجاه البعض للعمل مع المنظمات الغير حكومية، وتوجه مجموعات كبيرة وخاصة أعضاء في عشيرة الدارود إلى الجنوب باتجاه “إثيوبيا” حيث عمل البعض منهم هناك مع أقربائه ضد السيطرة الأثيوبية، والبقية عادت إلى الصومال واستقرت في وادي جوباً، بالإضافة إلى مجموعة واحدة بقيادة “حسان تركي” أوجدت لنفسها مكانا بالقرب من “كيسمايو” في القرية الساحلية “رأس كاميوني” ووجود أخر أكبر في منطقة “جيدو” بالقرب من الحدود الإثيوبية وهنا حاول الاتحاد مرة أخرى ايجاد الإدارة الإسلامية.

4. نحو الإمارة الإسلامية: الجزء الثاني:

في البداية قام الاتحاد الإسلامي وفي آب/1992م بإيجاد موطئ له في “لوق” وهي البلدة الرئيسية في منطقة “جيدو” وعلى مدار السنوات القليلة القادمة برزت كقوة عسكرية وسياسية أساسية في جيدو” ويعود الفضل “للاتحاد” في فرض سلطة القانون في بيئة كانت تعم بالفوضى ومنعت الإدارة الجديدة المدنيين من حمل السلاح، ونتيجة لضمانها الإجراءات الأمنية استطاعت أن تقنع المنظمات الغير حكومية والدول المانحة من تنفيذ بعض المشاريع في تلك المنطقة، وقد وصف “كين فخاوس” المتخصص بالشؤون الصومالية الوضع قائلاً:

لقد كانت “لوك” بإدارة الإسلاميين تتسم بالصرامة الشديدة فقد كانت الرابطة الإسلامية تمارس سلطة عامة بموجب السلطة الممنوحة لها من مجلس المقاطعة المعين من قبل الرابطة الإسلامية والتي كانت تشرف على ادارة الأمور هناك بشكل يومي، وطبقت العدالة من خلال إنشائها للمحكمة الشرعية بالاستناد على القانون الإسلامي بدلاً من القوانين العشائرية المألوفة، وكان هذا أيضاً بند العقوبات بما في ذلك عقوبة البتر والتي ليست مألوفة إطلاقاً في الصومال، ومع ذلك فرضتها بعض المحاكم الإسلامية الأخرى لاسيما في شمال الصومال، وكانت قوات الشرطة تتألف من المليشيات الإسلامية، وبشكل منفصل عن قوات الأمن، كما حرمت هذه المحاكم استهلاك القات، وهناك عادة شعبية أخرى تم فرض الخطر عليها وهي زراعة التبغ، وفرض لبس البرقع للنساء، وتوفير التعليم المجاني في المدارس وبالطبع كانت مناهج التعليم باللغة العربية وذات توجهات إسلامية وبعيدة عن أي توجه علماني.

استطاعت إدارة الاتحاد أن تنتشر بسرعة وتمتد إلى بلدات حدودية أخرى “بالو، دولو، هاوا” حيث أُعجبت الشرطة الكينية والسلطات العسكرية بمدى التحسن في الأوضاع الأمنية، ولكن تجدر الإشارة أن ذلك لم يترجم لمزيد من الشعبية للاتحاد في صفوف الناس، إذا أن التطبيق الصارم لقوانين الشريعة، ومنها بصفة خاصة منع تداول القات كان مكروهاً من الناس بالإضافة إلى تصرفات مليشيات الاتحاد حيث كان العديد منهم معني بصورة أكبر بتقاضي رواتبهم من بناء المدينة الإسلامية الفاضلة.

كما أن تأثير الاتحاد في الشمال الشرقي للصومال وضعهُ في حالة نزاع مع “جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” لذلك فإن تواجد الاتحاد في “جيدو” آثار العداء مع الجبهة الوطنية الصومالية وهي مجموعة سياسية عسكرية في إطار عشيرة “ماريهان”، وقد وجدت هذه الحركة حليفاً جيداً في الحكومة الإثيوبية والتي كانت ترغب ولفترة طويلة التخلص من وجود “الاتحاد الإسلامي” في المنطقة الخامسة” المسكونة من الصوماليين في إثيوبيا، وفي اتصالات الجبهة الوطنية الصومالية مع أديس أبابا اتهمت الاتحاد بإنشاء معسكرات بالقرب من “لوق، آرمو” وذلك لتدريب المليشيات الإسلامية القادمة من الصومال، وإثيوبيا، وإرتريا، وكينيا وأوغندا، ويشمل ذلك التدريب على الأسلحة الخفيفة، وحرب العصابات، والعمليات الانتحارية، والألغام والمتفجرات والتجسس والتموين، وطبقاً لمصادر “الجبهة الوطنية الصومالية” فإن هذه المعسكرات كانت تتلقى دعماً جزئياً من منظمة إسلامية غير حكومية مقرها في “دبلن” وهي “وكالة الرحمة الدولية للإغاثة” وعلى الرغم من أن اتهامات “الجبهة الوطنية” كانت لها دوافع سياسية إلا أن الأحداث اللاحقة أكدت أن وكالة الرحمة، كانت على علاقة مع تنظيم القاعدة.

الشبكـة العالميـة:

إن حملة الاتحاد الاستراتيجية لاختراق الجاليات الصومالية في الشتات اعتمدت بشكل أساسي على الشبكات الإقليمية والدولية والتي كانت على درجة عالية من التنظيم، حيث تمكن أعضاء الاتحاد من السفر ما بين كينيا والصومال وأماكن أخرى في المنطقة، وفي الفترة الواقعة في أوائل التسعينات استطاع ممثلو الحركة في أوغندا، والسودان، والإمارات العربية المتحدة، وإيطاليا، والسويد وكندا من نشر مآثرها وما حققهُ في صحف صادرة بالغتين الصومالية والعربية بالإضافة إلى أشرطة الفيديو عن المعارك التي كان أعضاء “الاتحاد” يخوضها استخدم هذا جيداً في عملية جمع التبرعات لصالح الحركة.

وفي كينيا وطبقاً للمصادر الأمنية فإن “الاتحاد” استطاع أن يوجد لنفسه بنية تحتية كبيرة لاستخدامها في أغراض جمع التبرعات والاتصال مع الجالية الصومالية في نيروبي ومومباسا والمحافظة الشمالية الشرقية المجاورة للصومال، وكما هو الحال مع نظرائهم في الصومال استطاع أعضاء الاتحاد الكينيين من الترويج لنموذج متطرف عن الإسلام مستوحية أفكارها من المذهب الوهابي، وكانت هذه المجموعة قد ارتبطت بصلة دقيقة ولفترة طويلة من الوقت بجامع “استليغ” الواقع في إحدى ضواحي نيروبي وفي الشارع السادس المسمى “السلام عليكم”. والذي قيل بأنه كان أحياناً يعمل في ميدان جمع التبرعات “للاتحاد” وهناك أحد قادة الاتحاد الإسلامي” من الكينيين والملقب “بقولسون” والذي قُتل على أحد الحواجز المقامة على الطرق في أواسط عام 1992م عندما كان في زيارة للصومال، وهناك أيضاً “عدنان جاروين” وهو صاحب فندق رمضان في محافظة استليج التابعة لنيروبي والذي مات في منطقة “الواق” في الصومال على أية حال لم يعد “الاتحاد الإسلامي” يتمتع بالقوة والنشاط في كينيا، و طبقاً لأكثر المراقبين بأن التأثير العام له قد خف بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة. وقد اخبر أحد الأعضاء البارزين في الجالية الصومالية الكينية مجموعة الأزمات الدولية عن الاتحاد الإسلامي قائلاً:

“لقد أصبحوا غير موثوقين، لقد خاب أمل الناس بهم، ولم يكونوا أقوياء مثلما كانوا يقولون، إن تعبير “الاتحاد” الآن يحمل وصمة عار” ولكن لا يوجد هناك طريقة يمكن من خلالها التأكد دون أدنى شك بأن خلايا المنظمة الكينية التابعة للاتحاد قد حلت أو تركت عقيدة الجماعة القائمة على عمل المليشيات الفدائية.

وقد كان للاتحاد أيضاً تواجد هادئ ولمدة طويلة في جيبوتي ففي عام 1992م عملت الخلايا كنقطة اتصال رئيسية في سلسلة تأمين الدعم المالي واللوجستي للمنظمة والتي عملت بصورة مباشرة مع خبيرها المالي السعودي عبد الرحمن القائدي. وتعترف الحكومة الجيبوتية، بتواجد أعضاء الاتحاد على أراضيها ولكنها في نفس الوقت تعتقد أن الحركة لم تعد نشطة كما كانت عليه الأمور في أوائل التسعينات وطبقاً لأحد المسؤولين العسكريين الفرنسيين الكبار ان “الاتحاد الإسلامي” في جيبوتي والذي قال عنهم “أنهم هادئون”، وهناك تفسير واحد لسكون “الاتحاد” والذي قد يكون موقف الحكومة المرتاح نسبياً، ووفقاً لأحد المسؤولين في جيبوتي والذي قال “نحاول إشغالهم” وسبب أخر لسكونهم سواء في جيبوتي أو في أي مكان أخر هو أن أعضاء الاتحاد قد أصبح لهم اهتمامات أخرى.

6. من الجهاد للإرهاب:

لقد ظهر الجهاد الأكثر فتكاً للاتحاد الإسلامي في غرب الصومال في إثيوبيا حين برز الكفاح المسلح للحركة ضد السيطرة الإثيوبية على الأراضي التي يسكنها الصوماليين في الشرق والتي تتوجت في سلسلة من الهجمات الإرهابية في أديس أبابا و “دير داوة”.

لقد قسم الصراع الأوروبي المستعمرات الأفريقية في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر الصومال إلى خمس سلطات قضائية سياسية، فقد وقعت أوجادين، وهود، والمنطقة الاحتياط تحت سيطرة “الإمبراطور الإثيوبي منليك”، ومنذ ذلك الحين تحلم الأجيال الصومالية التحررية بتوحيد كامل الأمة الصومالية تحت علم واحد، ويشيرون إلى المناطق التي تسيطر عليها إثيوبيا “بالصومال الغربية” ومنذ استقلال الصومال في عام، 1960م أرادت حركات التحرر أن تطيح بالسيادة الإثيوبية على هذه المنطقة.

وفي عام 1990م وربما بصورة مبكرة أكثر من هذا التاريخ بدأ الاتحاد الإسلامي في الصومال الغربية بالتحريض والدعوة لتحرير أوجادين، وكباقي المجموعات الفدائية الأخرى في المنطقة فقد اكتسبت أعضائها من القبائل التابعة لعشيرة الدارود ومن خلال الرؤيا في توحيد كافة الأراضي الصومالية ضمن حكومة واحدة، ولكن وعلى خلاف قوات المقاومة الأخرى فإن أهداف الاتحاد شملت إقامة نظام إسلامي سياسي بالاستناد على القرآن والسنة النبوية، وقد وصف الاتحاد نفسه على أنهُ المقدمة للدعوة والجهاد واختيار طريق الكفاح لتحرير المسلمين من الاضطهاد المسيحي.

وفي عام 1991م، وعندما قامت جبهة الشعب الإثيوبي الديمقراطية الثورية بإسقاط نظام الدكتاتور منغيستو هيلا مريام” أنضم الاتحاد إلى باقي الشرائح في المجتمع الإثيوبي للاستفادة من الحريات السياسية الجديدة وتم تسجيله كحزب سياسي رسمي وتمتع قادته بحرية الاجتماع وإبداء أراهم في أجهزة الإعلام ولكن الاتحاد واصل جهودهُ في تطوير جناحه العسكري من خلال بناء أسطول من العربات ذات الدفع الرباعي والمثبت عليها البندقية المعروفة باسم “التكنيكال” بالإضافة أيضاً إلى المحافظة على وسائل التدريب والمنشئات المتعلقة بهذا الغرض في أماكن مختلفة من “أوجادين” ويشمل ذلك “ادهي أدهية، ساجاج، فيق”، وقد أعلن مقاتلو الاتحاد عن وجودهم في كافة أنحاء المنطقة من خلال الأعمال الفدائية المتزايدة، الأمر الذي قاد إلى توتر العلاقة وبسرعة ما بين الاتحاد و جبهة الشعب الإثيوبي الديمقراطية الثورية والتي قامت بمهاجمة معسكر تابع للاتحاد والمعروف باسم طارق بن زياد وقتلت عدداً من قياداته. وفي أواخر 1992م، اعترضت القوات الحكومية الإثيوبية من المجاهدين المتطرفين بالقرب من منطقة “بوهودل” عند عبورهم الحدود بعد انسحابهم من “لاس كوراي”، وفي أواخر عام 1993م، وبدايات عام 1994م، قامت إثيوبيا بتنفيذ هجمات جوية وأرضية على طول الحدود الصومالية ضد قوات “الاتحاد “حين صرح ناطق رسمي باسم الاتحاد بأن القوات الأمريكية كانت مشتركة في تنفيذ تلك الغارات، وفي كانون الأول من عام 1994م، بدأ الضغط العسكري الإثيوبي يؤتي ثماره عند وافق الاتحاد على الاجتماع مع ممثلين من جبهة الشعب الإثيوبي الديمقراطية الثورية لعقد مباحثات سلام في قابرى دهاهر” وهي بلدة صغيرة في وسط أو جادين وقد مثل الإسلاميين نائب الرئيس عبد الإله عمر، وقد كانت المطالب الأساسية “لجبهة الشعب” والتي جاءت عبر الاتصال مع شيوخ العشائر والتي تمثلت بنزع سلاح الاتحاد وقطع كافة الصلات مع حركة “الاتحاد” بالصومال أو في أي مكان آخر والموافقة على تسليم أسلحتهم لشيوخ العشائر وليس لجبهة الشعب وفي آذار 1995م، انهارت المحادثات واستؤنفت الاعتداءات وبشكل منقطع ما بين الطرفين. وقد بشر انهيار المحادثات في مرحلة جديدة من حملة الاتحاد ضد الحكم الإثيوبي في أيار 1995م، ثم تنفيذ هجوم بالقنابل اليدوية في أحد الأسواق المفتوحة في “ديرداو” وهي ثاني أكبر المدن الإثيوبية، وقد أودى الهجوم بحياة خمسة عشر شخصاً وأدانت بعد ذلك محكمة أثيوبية ثمانية أشخاص جميعهم أعضاء بالاتحاد وبعد أقل من سنة على الهجوم الأول انفجرت عبوات ناسفة في فندقين في أديس أبابا ودير داوا مخلفة ورائها سبعة قتلى وثلاثة وعشرين جريحا وقد أعلن الناطق الرسمي باسم الاتحاد من مقديشو المسئولية عن العملية.

وفي تموز 1996م، نجا وزير النقل والاتصالات الإثيوبي عبد المجيد حسين وهو من أصول صومالية من محاولة لاغتياله عند تعرضه لإطلاق النار حال وصوله إلى مكتبة، وأعلن ناطق باسم الاتحاد من مقديشو المسئولية عن العلمية،وكان الاتحاد في كل مرة يعلن مسؤوليته عن العمليات ولكن في هذه المرة وطبقاً لمصادر قريبة من التحقيق كان لدى الحكومة الإثيوبية، أدلتها الخاصة.

وطبقاً لأحد المسئولين الإثيوبيين الذين اشتركوا في هذه القضية فإن قائد الخلية الذي تدرب في أفغانستان والذي استسلم في النهاية قد زود الحكومة بمعلومات مهمة عن الأعضاء الآخرين بالخلية قادت إلى المزيد من الإعتقالات وتوجيه التهم، وبقي عضو واحد من المجموعة طليقاً دون أن تتمكن السلطات من إلقاء القبض عليه وهو مساعد سابق في الجيش الصومالي وعرفت عليه الحكومة الإثيوبية فقط باسم “حسان باري”.

لقد صممت إدريس أبابا على إزالة الاتحاد واقتلاعه من جذوره ففي 9 آب 1996م، الحكومة الإثيوبية بهجوميين على قواعد الاتحاد عبر الحدود مع الصومال في “لوق، باولوهاوا” استخدم في الهجوميين سلاح المدفعية والمروحيات والمشاة، وطبقاً لمصادر مستقلة فإن الخسائر المترتبة عن الهجوميين كانت قليلة نسبياً وانحصر الدمار في بعض البنايات الإدارية وبشكل رئيسي مركز الشرطة على أية حال يمكن القول أن القوات الإثيوبية قد فشلت في تحقيق الهدف الرئيسي من الهجوم على “لوق” وخاصة بعد الإخفاق في إيجاد وتحطيم القيادات الأصولية المتطرفة التي اختفت، وفي كانون الثاني 1997م عادت القوات الإثيوبية مرة أخرى للهجوم وهي على ما يبدو مصممه على إنهاء ما بدأته في مرحلة سابقة، وقتل وجرح خلال هذه الحملة العديد من الإسلاميين والأجانب وتفكيك المعسكرات وكان ذلك بمثابة الإعلان عن انتهاء الحملة الإرهابية القصيرة الأجل في إثيوبيا ورسمياً على الأقل فإن الاتحاد الإسلامي في كل من الصومال وإثيوبيا قد زال من الوجود.

7. سنوات أفول نجم الاتحاد الإسلامي:

كافح بعض قادة الاتحاد للمحافظة على بقاء الحركة أثر الهجمات الإثيوبية. ففي العاشر من أب لعام 1996م أي في اليوم التالي للهجوم الإثيوبي الأول على “لوق” أدان حسان ظاهر عويس الهجمات والتي نسبها للتحالف الإثيوبي الأمريكي بقيادة العملاء في “الجبهة الصومالية الوطنية”، ووفقاً لعويس فإن الهجوم استهدف وبشكل متعمد الأحياء المدنية والأسواق في “لوق، وباولوزاو”، كما اعتبر عويس الولايات المتحدة العدو الأول للمسلمين متهماً حكومتها بالسعي لإخضاع كامل القرن الإفريقي لسلطتها وجعلها قاعدة مسيحية، وذلك في محاولة فاشلة من عويس لتدويل النزاع من خلال دعوته للمسلمين لإظهار التضامن مع الاتحاد بمقاومة العدوان الأمريكي وإرسال المساعدات لهم لإخوانهم الصوماليين، وقد أصدر بيانه باسم منظمة مجهولة دعاها “جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة”.

إن إعادة تسمية الاتحاد الإسلامي “بالاسم الجديد” الاعتصام بالكتاب والسنة، كان من الواضح أنها مبادرة جديدة لإعادة توحيد صفوف الجماعة مرة أخرى وإنعاشها من جديد وبعد هزيمتها الساحقة في عام 1992م، على يد “جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية” عاد الرئيس السابق للاتحاد “الشيخ على وارسيم” إلى بلدته الأصلية “بورو” وأعاد اتصاله مع حركة شباب الوحدة التي واصلت الازدهار في أرض الصومال، وفي هذه المرة جاء إعلانهُ عن الشراكة الجديدة لينجم عنها الإعلان عن “التجمع الإسلامي للإنقاذ” ومن خلال الشيخ علي احتفظ التجمع بالعلاقات مع الحركات الإسلامية في كافة أنحاء الصومال ويقال أنهُ في عام 1996م، انضم ثانية إلى حسن ظاهر وأتباعه لتشكيل “الاعتصام بالكتاب والسنة”.

ومن المحتمل جداً أن تغيير الاسم جاء بنية التحرر من الضغط العسكري الإثيوبي الكبير الذي كان على “الاتحاد الإسلامي” وفي أواسط عام 1997، وفي مقابلة مع مجلة أسترالية، تحدث “نضال الإسلام” وهو الناطق الرسمي للاتحاد في منطقة أو جادين والذي واصل استخدام اسم “الاتحاد الإسلامي” والذي بدا متلهفاً في المقابلة للتمييز ما بين حركته والتي دعاها “الاعتصام بالكتاب والسنة” وعلى نفس النمط سار الشيخ “محمد عيسى” وهو رئيس سابق لكل من “الاتحاد والاعتصام” والذي أعلن وبشكل يفتقر إلى الدقة بأن مقاتلي الاتحاد داخل إثيوبيا كانوا بشكل خاص من “المنطقة الخامسة”

وفي الوقت الذي حاول فيه الاتحاد تغيير اسمه إلى “الاعتصام” كان الهيكل العسكري والإداري للاتحاد قد انهار والقيادة تعيش في حالة من الفوضى وتكشف المراسلات الداخلية في ذلك الوقت مدى الضيق والإحباط الذي أحاط بزعماء الاتحاد على أثر هزيمتهم الساحقة على يد القوات الإثيوبية، وفي شهر آب من عام 1998م، وقع الاعتصام “اتفاقية تعاون مع خصمه السابق “الجبهة الوطنية الصومالية” وبعد شهرين من هذا التاريخ فشل زعيم “جيدو”، “الشيخ محمد معلم النور” بإقامة السلام المطلوب مع أديس أبابا، ومن هنا جاءت المحاولة لتغيير الاسم والتي مثلت فشلت ذريعاً بكل ما تعنيه الكلمة، وما يؤكد هذا السياق أن القليل الصوماليين والأجانب قد سمعوا باسم الاعتصام مرة أخرى، بينما بقى اسم الاتحاد قيد التداول.

وتجدر الإشارة إلى أن الآراء منقسمة وبشدة حول فيما إذا لا زال الاتحاد موجوداً أم لا وفيما إذا لا زال موجوداً فبأي شكل أو صيغة، وقد أخبر أحد زعماء جماعة مقديشو مجموعة الأزمات الدولية حول الاتحاد حيث قال “لقد أدركوا بأن إستراتجيتهم كانت غير ناجحة وعديمة الفعالية فقاموا بتفكيك أنفسهم، وفي دراسة للعالم الإثيوبي صدرت في عام 2002م، يصف فيها “الاتحاد بأنهُ قوة سياسية وتجارية رئيسية في الصومال وأن الحركة تتميز بوجود عدد من الزعماء المشهورين وفي عام 2001م أعلنت الولايات المتحدة “الاتحاد” أنهُ من المجموعات المرتبطة بالإرهاب الدولي، كما تحدث مؤخراً في نيسان 2004م، أحد المسئولين الأمريكيين لمجموعة الأزمات الدولية عن حركة الاتحاد واصفاً إياها بأنها أحد وكلاء القاعدة وذلك على الرغم من عدم وجود إجماع داخل الإدارة الأمريكية في هذا السياق، كما أن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة والمسئول عن توثيق انتهاكات حظر التسلح في الصومال يصف “الاتحاد الإسلامي” بأنهُ قوة عسكرية وتجارية هامة.

ويتناول البعض الأخر، وبشكل مقنع وجهة نظر مجموعة الأزمات الدولية في هذا السياق والقائمة على أساس أن الاتحاد أصبح قوة في عداد المنتهية وهامشية هذا إذا لم يحل فعلاً. وفي هذا الإطار تحدث لمجموعة الأزمات الدولية، أحد المستشارين المقربين من الرئيس الجيبوتي “إسماعيل عمر جولة” لمجموعة الأزمات الدولية.

حيث قال:

لقد تواجد الاتحاد الإسلامي الذي شكل في وقت من الأوقات قوة سياسية ولكنهم كشفوا أوراقهم مبكراً بأنهم يسعون وراء السلطة، ولذلك لم يتمكنوا من البقاء ولكن لا زال هناك بعض الأفراد يلبسون عباءة الاتحاد، ونحن نراهم كذرات موزعة في المنطقة ويمكن لنا اعتقالهم بسهولة شديدة, إن قرار حل الاتحاد لا يعني بالضرورة اختفائهم بشكل كلي، وكما عبر عن ذلك أحد المسئولين الأمريكان بأن “الاتحاد الإسلامي” قد تحول من كونهُ اسماً إلى صفة وبعبارات أخرى قد تحول من منظمة إلى فكرة فزعماء الاتحاد مثل الشيخ عبد القادر الجعامي في جاروي والشيخ ظاهر في “بوساسو” والشيخ علي وارسيم في “بورو”، والشيخ محمد عيسى قد عادوا جميعاً إلى جاليات كرجال دين سلفيين ويحظون بكافة الاحترام واستمروا مع معتقداتهم في كونهم مصدراً للإلهام والتأثير في صفوف إتباعهم.

كما دخل العديد من خريجي حركة “الاتحاد” في مواقع الخدمة العامة وهي مواقع مرئية كزعماء دينيون وقضاة وشيوخ ورجال أعمال والقليل منهم فقط بقي ملتزماً بأجندة ثورية مرتبطة بالقتال مثل حسن ظاهر عويس، وحسن تركي.

ب. المجاهـدون الجـدد:

وفي عام 2003م، ظهرت أدلة جديدة على ظهور جماعة جديدة مستقلة وتتسم بالقوة، وكان أكثر الشخصيات المعروفة فيها هو قائد المليشيات الشاب “أدن حاشي فرح أيرو”. وقد تمركزت هذه الجماعة في مقديشو ولم يكن لها أي اسم معروف أو أي اجندة سياسية ومن المحتمل أن أعضائها يعدون بالعشرات.

ومنذ شهر أب من عام 2003م ارتبط اسم جماعة “أيرو” بمقتل أربعة من عمال المساعدات الخارجية وقتل ما يزيد عن الدزينة من الصوماليين والذين يعتقد بأنهم يعملون مع شبكات مكافحة الإرهاب الغربية، ومن منظور “ايرو” فمن المحتمل أن قتل ضباط مكافحة الإرهاب الصوماليين مبرر كلياً: فهم متعاونون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإسلام ولذلك يمكن قتلهم بشكل شرعي ودفاعاً عن النفس وفي وضع كان من الصعب على “ايرو” تبرير مشاركته المزعومة بمقتل عبد القادر يحيى علي وهو أحد ناشطي السلام الصوماليين البارزين، حيث اضطر “ايرو” أن يعلن للملأ عدم مسئوليته عن حادث القتل.

ويمكن اعتبار ان “ادن ايرو” نفسه أحد منتجات الاتحاد فهو محمي من نائب الرئيس السابق والقائد العسكري للاتحاد “حسن ظاهر عويس، وقد ورث انتساب مرشده للقاعدة، ويقال بأن المجاهد الشاب قد تدرب في أفغانستان قبل الاحتلال الأمريكي لها في 2001م، وأن أعضاء مليشياته العسكرية لهم صلات القاعدة في مقديشو، وبشكل خاص مع زعيم الشبكة الإرهابية لعمليات أفريقيا الشرقية والمعروف باسم “طارق عبد الله” والمعروف أيضاً باسم “أبو طلحة السوداني”، وفي تموز 2005م، ومباشرة بعد مقتل “يحيى” فقد تم تعيين “أدن أيرو” قائداً لمحكمة المليشيا ومن المؤكد تقريباً أن مثل هذا القرار يحتاج إلى موافقة “حسن ظاهر عويس”.

إن عمر “أدن ايرو” الصغير والذي يعتقد بأنهُ ما بين 28 – 30 سنة وقلة مؤهلاته الدينية يجعلان زعامته للمجموعة المجاهدة الجديدة أمراً بعيداً الاحتمال، إن التحقيقات المستمرة في حالات القتل التي جرت في منطقة “أرض الصومال” أقنعت المصادر الأمنية بأنهُ يتسلم أوامرهُ من أحد مقاتلي الحرب الأفغانية وأحد المشاركين في القاعدة المدعو “أحمد عبدي جودان” وأحد زعماء الاتحاد الإسلامي السابقين المعروف “بإبراهيم الأفغاني” علما أن كلا المذكورين مواطنين في “ارض الصومال” وفي الحقيقة بدأت المزيد من المعلومات تأخذ طريقها إلى النور حول المجاهدين الجدد، وهم لا يتشابهون كثيراً بالمراتب المتسلسلة في المنظمات فهي تتألف من مكون واحد وبشكل رئيسي من مواطني “ارض الصومال” وهدفهم زعزعة الاستقرار هناك.

وفي العاصمة الصومالية مقديشو أصبح المجاهدون الجدد يشكلون طرفاً جديداً وخطيراً في المعادلة الصومالية، كما أن تعيين أيرو قائدا للمليشيات التابعة للمحاكم الشرعية شأنهُ أن يوجد صلة غير مستقرة ومزعجة بين المجاهدين الإسلاميين ونظام المحاكم الإسلامية وحركة الاتحاد السابقة والممثلة في شخصية “عويس” وكما أن إشارات الدعم للمليشيات الفدائية التابعة “لايرو” من قبل رجل الأعمال “ابوكار عمر اداني” في عززت من المفهوم بأن المجاهدين لم يعودوا معزولين كما كان عليه الحال من قبل، أو أن ذلك أيضاً قد أتاح أمامهم المجال للتعبير عن أنفسهم بجرأة أكبر من قبل.

وبالنسبة للدول المجاورة للصومال والقوى الغربية المعنية فإن الوجه الجهاديّ الجديد للصومال لا يشبه كثيراً عما كانت عليه الأوضاع في ظل وجود “الاتحاد” في فترة التسعينات أو العديد من الحركات المتطرفة المحلية والتي كانت متأثرة بالقاعدة إن تبني الجهاد الجديد في الصومال لهياكل تنظيمية ووسائل غير تقليدية في العمل قد يشكلان في النهاية خطراً أعظم على الأمن الدولي والإقليمي وبصورة أكبر عما كان يمثله “الاتحاد الإسلامي” العجوز وقد جرت محاولات لتفكيك شبكة “ايرو” وتحطيمها واعتقال المجاهدين الأجانب إلا أن تلك المحاولات قد فشلت وخاصة أن هؤلاء قد تمتعوا بحماية “عويس” والأعضاء والآخرين الأقوياء من عشيرة “هبر جيدير اير”، كما أن أي عمل سيتم اتخاذه ضد “ايرو” ستعتبرهُ بأنهُ تهديد لمصالحها ولن تنظر إليه على أنهُ ضربة ضد التطرف وفيما لم يتم إقناع عشيرة “هبر” والعشائر الأخرى ذات الأوضاع المماثلة بأن مصالحهم تكمن في التخلص من المتطرفين المتواجدين في صفوفها، فإن المجاهدين سيستمرون بالتمتع بحصانة نسبية الأمر الذي قد يبعث إلى تصديق المخاوف الأجنبية والمبالغ بها بشكل كبير من تحويل الصومال إلى ظاهرة طالبانية جديدة.

ج. التكفيـر والهجـرة:

إن حركة التكفير والهجرة قد تم تشكيلها أصلاً في مصر على أثر حرب عام 1967م بين العرب وإسرائيل وتحت اسم الجماعة الإسلامية بقيادة مصطفى شكري عضو جماعة الإخوان المسلمين المصرية والذي اكتسب آراءهُ الثورية من خلال كتابات سيد قطب وتجربته الشخصية أثناء فترة اعتقاله في السجون المصرية، إن حركة التكفير والهجرة المصرية كانت مسئولة عن اختطاف وقتل أحد الوزراء السابقين في الحكومة المصرية، وقد حوكم شكري فيما بعد وتم إعدامه، ولكن المليشيات العسكرية استوحت أفكار التكفير والهجرة بما فيهم النائب الحالي لأسامة بن لادن الدكتور أيمن الظواهري. والذي ارتبط اسمه بالعنف والتطرف منذ ذلك الحين.

وقليلة جداً هي المعلومات المعروفة عن تنظيم التكفير والهجرة الصومالي باستثناء أن حضور هذا التنظيم قد بدأ مع انهيار نظام سياد بري، وذلك عندما ظهرت تجمعات صغيرة للتكفير، في مقديشو، وبوساسو وعدد من البلدات الأخرى، واتصف عملهم بدرجة من السرية، وتجنبوا الاتصالات الغير ضرورية مع الأطراف الصومالية الأخرى، ولا يوجد لهذا التنظيم صلات معروفة بحركة “الاتحاد الإسلامي” أو المجموعات الجهادية الأخرى.

كما أنهُ لا يوجد له سجل معروف بالعنف. ومع هذا يصف بعض المراقبين حركة التكفير والهجرة الصومالية بأنها أكثر المجموعات المتطرفة الموجودة ضمن “الاتحاد ويزعمون أن لديها معسكرات للتدريب الإرهابي في منطقة “رأس كامبوني” بزعامة حسن تركي، وفي حديث لأحد أعضاء الإصلاح لمجموعة الأزمات الدولية واصفا فيه “التكفير والهجرة” بأنها مجموعة مخلصة حقيقية وأنها لا تعتبرهم مسلمين حقيقيين.

وفي أواسط عام 2005م، وردت تقارير في أجهزة الإعلام الكينية مفادها أن المخابرات الأمريكية والكينية استطاعت أن تحدد معالم تحالف إرهابي بين حركة “التكفير والهجرة” وتنظيم القاعدة، وتنظيم أبو مصعب الزرقاوِيّ في العراق ويعمل هؤلاء ما بين الصومال وكينيا, وليس فقط أن التقارير كانت غير قابلة للتصديق ولكنهم أيضاً استشهدوا ببعض المصادر القريبة من حكومة الصومال الاتحادية الانتقالية والتي غالباً ما بالغت بالتهديدات الإرهابية.

وذلك للحصول على المساعدات الأجنبية، بالإضافة إلى أن التحقيقات التي أجرتها مجموعة الأزمات الدولية كانت غير قادرة على تثبت هذه التقارير، ويمكن القول أن التشويش الذي أحاط بحركة “التكفير والهجرة” ويمكن فهمه وإدراكه، وخاصة أن هناك غموضاً يحيط بمسألة العضوية من الجماعة وأهدافها ومعتقداتها الأمر الذي ترك الحركة تتأرجح في ميدان التخمينات والإشاعات وعلاوة على ذلك فقد تكون الحركة مثل الحركة الأصلية التي نشأت في مصر، فمن المحتمل جداً بأن أعضاء الجماعة لا يشيرون إلى أنفسهم أنهم تكفيريين أو يعرفون أنفسهم بمثل هذا التعبير لأن مثل هذا التعبير “التكفير” يرتبط بنظام المعتقد والسلوك الإسلامي “لأن التكفير هي ممارسة إسلامية لإدانة الكفار أو الآثمين” وبصورة أكبر من قضية الانتماء إلى جماعة معينة، لذا فمن المعقول جداً أن بعض الأعضاء في المنظمات الأخرى يشتركون معاً في المعتقدات التكفيرية، إن المعلومات القليلة جداً والمعروفة عن حركة “التكفير والهجرة” الصومالية وارتباطها بعقيدة التطرف والشخصية العنيفة تستدعي بحثاً أخر يركز عليها ويراقبها عن كثب.

* الإسـلام السياسـي:

طالما أن الإسلام يهتم أصلاً بأمور الحكم فإن كافة الأشكال الناجمة عنهُ تأخذ بشكل أو بأخر وإلى مدى معين الطابع السياسي، وفي هذا الجزء المتركز على الحركات الصومالية والتي بدرجة أو بأخرى تعطي الأولوية وبشكل واضح السياسي على الهداية الدينية، وتسعى للسلطة من خلال المعاني السياسية وبصورة أكبر من الاعتماد على معاني ووسائل العنف، وتنظيم نفسها وبشكل نموذجي على أنها أحزاب سياسية.

* حركـة الإصـلاح:

تعتبر حركة الإصلاح من أكثر الحركات جدلاً في الصومال بعد حركة الاتحاد حيث تستمد رؤيتها من جماعة الأخوان المسلمين والتي تمتع بوجود قوي في مصر والأردن جماعة وأجزاء عديدة من العالم العربي، وتضم حركة الإصلاح في عضويتها العديد من المهنيين والطلاب وتتبنى الحركة مفهوم الإصلاح الإسلامي وذلك لمواجهة تحديات العام الحديث.

لقد تشكلت حركة الإصلاح وظهرت للوجود في عام 1978م، وتميزت بنموها البطيء خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي، وتجنبت وجود هيكل رسمي لها وذلك لصالح إطلاق شبكة لها وهي أشبه ما تكون إلى النوادي، وشملت العديد من الشخصيات البارزة أمثال الشيخ محمد جارياري والدكتور علي الشيخ والدكتور إبراهيم الدسوقي، وخلال الفترة الأولى من عمر تشكيل الحركة التزمت بالسرية وذلك للطبيعة القمعية لنظام الرئيس السابق سياد بري، ولكن مع انهيار النظام في عام 1991م، بدأت الحركة العمل بصورة علنية كما أن قيادات الحركة الرئيسية اليوم لا تحاول أن تخفي نفسها فالشيخ زعيم الحركة الدكتور علي هو رئيس لجامعة مقديشو، وعبد الرحمن باديوحو نائب الرئيس والدكتور إبراهيم الدسوقي بمنصب الأمين العام، وخلال حقبة التسعينات من القرن الماضي كرست حركة الإصلاح جل وقتها للنشاطات الإنسانية والخدمات الاجتماعية الإسلامية، واليوم تعتبر مساهمتها الأكبر كانت في حقل التعليم.

فقد لعب زعماؤهاُ أدوار رئيسية في “منظمة شبكة التعليم الصومالية” الرسمية والخاصة بالإضافة إلى دورهم في تأسيس جامعة مقديشو وهي إحدى المؤسسات الأربع للتعليم في المدينة ما بعد المرحلة الثانوية، وعلى رغم من إشارتهم الدائمة لاستقلالية هذه المؤسسات، وأنها ليست للإصلاح وتجرد الإشارة بأن شبكة التعليم الخاصة الرسمية في المدارس الصومالية توفر التعليم الأكثر من 120 ألف طالب في مقديشو لوحدها، وجامعة مقديشو والتي تصف نفسها بأنها مؤسسة لا تقوم على الطائفية وتشرف على تعليم آلاف الطلاب في سبع كليات أربعة منها تدرس بشكل أساسي باللغة الإنجليزية وثلاثة في اللغة العربية، وفي النهاية تتوقع إدارة الجامعة وعلى وجه التقريب أن حوالي 70% من المواد الدراسية يتم تدريسها باللغة الإنجليزية كما أن هناك نسبة كبيرة ومهمة من الطالبات يدرسن في الجامعة.

1. الديمقراطية الإسلامية:

ويركز أن العديد من الصوماليين والحكومات المعنية كانوا متخوفين من سيطرة الإسلاميين على السلطة في الصومال الأمر الذي يمكن له أن يتطور بسرعة إلى دولة إسلامية استبدادية أو في مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات الدولية مع بعض قادة “حركة الإصلاح” حيث بدأ هؤلاء الزعماء متلهفين لوضع حد لهذه المخاوف من خلال رفضهم لاستخدام العنف لتحقيق أهدافهم السياسية وأعلنوا أيضاً عن إيمانهم العميق بالوسائل الديمقراطية نحن لا نؤمن باستخدام القوة من قبل مجموعة واحدة أو أفراد باسم الدين، أن السلطة للناس . . . نحن مسلمين ويجب المحافظة على قيمنا وحمايتها من خلال وجود الدولة الديمقراطية، كما أننا نعارض أي شكل من أشكال الاستبداد بالسلطة والدكتاتورية سواء كان ذلك بواسطة الدين أو بغيره، ونحن نؤمن بقوة الناس في انتخاب حكامهم، والسيطرة عليهم وتغييرهم، وكما نؤمن أيضاً بالتعددية والحرية وتناوب السلطة.

وتظهر حركة الإصلاح في العديد من النواحي المهمة من خلال ممارستها للقيم التي تنادي بها، حين يشهد الزعماء الصوماليين التقليديين بسلوك الحركة السلمي والتسامح.

ويبرز هذا السياق في حديث لمجموعة الأزمات أدلى به أحد شيوخ الحركة الصوفية التقليدية في مقديشو حيث يقول إن حركة الإصلاح حركة غير مسلحة، ولا تحرض على العنف، ولدينا شكوك طفيفة فقط تجاههم، وعندنا بعض الاختلافات معهم، ولكن المجموعات الجديدة هي الأقرب إلينا.

إن الهيكل الداخلي لحركة الإصلاح والموجود حالياً يعمل ضمن سياق ديمقراطي ويتجلى ذلك واضحاً من خلال انتخاب “المجلس الأعلى” الذي يتم انتخابه من قبل مجلس الشورى لخمس سنوات والمحددة بفترتين فقط، والحركة الآن في فترة القيادة “الثالثة” منذ أن استهلت عملها.

على أية حال لقد أخفقت مؤهلات الحركة الديمقراطية حتى الآن في ترجمة هذه المؤهلات إلى حقيقة دعم الرأي العام الواسع لها، وفي الواقع فهي لازالت منظمة صغيرة نسبياً يهيمن عليها نخبة من أصحاب التعليم العالي في المدن، وأبناء الطبقة المتوسطة، وتجارب الاغتراب الشاملة والغريبة على أكثر الصوماليين، وفي حديث لأحد المراقبين القريبين من الحركة لمجموعة الأزمات الدولية حيث قال “كي تكون في الدائرة الداخلية لحركة الإصلاح يجب أن تكون غنياً ومتعلماً وذلك من أجل تتوفر الإرادة لديهم للحديث معك.

ويزعم النقاد أيضاً بأن هناك تميزاً على صعيد قيادة الحركة، فهي توصف بأنهُ مسيطرة عليها بصورة شديدة من قبل عشيرة “الشيخال” وهي عشيرة صغيرة تنحدر من عشيرة “الهاواي” وعلى وجه الخصوص عشيرة “القطب” ويدحض قادة الجماعة هذه المزاعم والادعاءات ويؤكدون بان الحركة تستند على مبادئ محددة ومجموعة من المعايير لاختيار أعضائها وانتخاب قيادتها، وعلى أية حال يبدو واضحاً أن المنظمة لا زالت بعيدة عن الفرصة التي قد تمكنها من تطبيق مبادئها السياسية على الصعيد الوطني.

2. وجهـان لعملـة واحـدة:

ففي شباط من عام 2005م، أوقفت قوات الشرطة الكينية في المحافظة الشمالية الشرقية عربة قد عبرت الحدود مؤخراً من الصومال، وطبقاً للتقارير الإخبارية فإن راكبي السيارة كانوا صوماليان وسوداني، وقد وجد في حوزتهم دليل للتدريب على استخدام المتفجرات، وكراريس تحتفل باغتيال الصحفي البريطاني في مقديشو والذي قتل قبل أسابيع من ذلك التاريخ، بالإضافة إلى وجود أدبيات تنظيمية تدلل على وجود ما يربطهم بالخلية الإرهابية المعروفة باسم “الإصلاح”، وقد أطلق فيما بعد سراح اثنين من راكبي السيارة ولكن الحادثة أفادت في التأكيد على الفهم المنتشر بين قطاعات وسعة من الناس تصف “الإصلاح” بأنها مجموعة متطرفة ومنحازة إلى صفوف حركة “الاتحاد الإسلامي” وهناك العديد من الصوماليين والمحليين الأجانب خصوصاً في الأجهزة الأمنية ينظرون لحركة “الإصلاح بعين الريبة، والشك ويعتقد البعض منهم أن اسمي الإصلاح والاتحاد هي لعنوان واحد ولنفس المنظمة، وأن العلاقة ما بين هاتين الحركتين هي أقرب ما تكون أشبه بالعلاقة ما بين الشين فين والجيش الجمهوري الأيرلندي، ويدعي مسئولية المخابرات الإثيوبية في حديثهم مع مجموعة الأزمات الدولية إن حركة الإصلاح هي بمثابة القيادة الأيديولوجية بينما يشكل الاتحاد الإسلامي الجناح العسكري. ويصادق مسئولو الأمن في جيبوتي على وجهة النظر هذه حيث يقولون: إن الإصلاح، والاتحاد عبارة عن حزب سياسي ومن الصعب التمييز بينهما، فالاتحاد يميل بصورة أكبر للاتجاه السلفي الوهابي وله تكتيك أخر وهو تعديل المذهب الوهابي كي يكون مقبولاً من الصوماليين.

وعلى أية حال هناك الكثير للحديث عنهُ هذا السياق، ففي الحقيقة إن الاتحاد يعتبر منافساً لحركة الإصلاح أكثر منه شريكاً، فكلا الحركتين غير متوافقتين فكرياً ولهما تاريخ من الخصومة المتبادلة إن الاختلافات فيما بينهما تأخذ حيزاً كبيراً فيما يتعلق بتفسيراتهما المتباعدة للدين الإسلامي، حيث يعتبر قادة الإصلاح السلفية أنها تقليد ديني يستوحي الاتحاد منه سياقاته الدينية ليكون ما هو عليه من التطرف والانطوائية التي تسيطر على معتقداته، وإن الورقة الصادرة مؤخراً لأحد قادة الإصلاح واصفا فيها الاتحاد، والتكفير والهجرة بأنهما جماعتان متطرفتان وأن المسلحين الثوريون لديهم يؤمنون بالحصرية، والحكم المطلق أو كما وصفهم أحد أعضاء “الإصلاح” باستخفاف لمجموعة الأزمات الدولية “الله أكبر مع البندقية”.

وفي التأكيدات لبعض القادة السابقين أدلوا بها لمجموعات الأزمات الدولية هناك اختلافات جذرية بين الإصلاح والاتحاد والشيء والوحيد المشترك بيننا هو أن كلانا صوماليين، ومسلمين، ونحن في الإصلاح قد يأتي وقت نفضل فيه العيش في دولة علمانية ديمقراطية بدلاً من أن تكون في ظل دكتاتورية دينية للاتحاد.

إن الاختلافات بين الحركتين ظهرت للجمهور في أواسط التسعينات حين اشتبكت المجموعتان أثر اقتراح سوداني بتنظيم ثورة إسلامية، وفي منتصف عام 1992م، عندما حاول الاتحاد السيطرة على الشمال الشرقي للصومال بعيداً عن “الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال حيث أصدرت الإصلاح في حينه بياناً في مقديشو تنتقد فيه ضمنياً الاتحاد وتدعو إلى وضع نهاية للنزاع، وفي كانون الأول من عام 1992م، عاد التوتر مرة أخرى ليشوب العلاقة ما بين الإصلاح والاتحاد على أثر مبادرة سودانية أخرى، وإلى ان وصلت فيها الأمور بينهما حد التمزق، حيث اجتمعت أربع مجموعات إسلامية صومالية في الخرطوم للتنسيق في الرد على التدخل الأمريكي في الصومال، وطبقاً “للدسوقي”، فإن حركة الإصلاح اعترضت على مشاركة حركة الاتحاد الإسلامي على اعتبار أن التحالف الإسلامي يجب أن لا يكون لديه مقاومة شعبية مسلحة حيث قال: لقد أخبرت المؤتمر أن الاتحاد مكانه ليس هنا، أن الاتحاد يقع في خانة “الفئات المسلحة”.

وعندما اخفق المؤتمر في التوصل إلى اتفاق، وجه حسن الترابي اللوم لحركة الإصلاح لفشل المؤتمر والذي كان في جانبها المرشد العقائدي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم.

وفي عام، 1999م،تم توجيه الدعوة للدسوقي “لإلقاء محاضرة لدى المنظمات الغير حكومية الصومالية في مقديشو تتعلق بحقوق الإنسان من المنظور الإسلامي، وفي محاولة منهُ لتفسير التنوع في رؤية الفقه الإسلامي لمثل هذه القضايا أشار أن بعض الإسلاميين قد جادلوا في حقوق النساء السياسية وأنها مساوية للرجال، وأن الاستناد على دية المرأة نصف دية الرجل هو استناد ضعيف، ويتذكر قادة الإصلاح في محاضرة مماثلة “وربما تكون نفس المحاضرة” عندما تحدث الدسوقي حول حقوق الزواج حيث قال: على الرغم من السابقة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عند زواجه في عمر ما قبل سن المراهقة فإن الدسوقي نفسه لا يقبل مثل هذه الممارسة شخصياً ويعتقد أن ذلك يعتبر إخلالاً بحقوق النساء، وعلى أثر هذه التصريحات شجب أعضاء “الاتحاد” موقف الدسوقي ونعتوه بالكافر الذي يروج للقيم الإمبريالية الغربية ووصفوه بأنه “سلمان رشدي الصومالي” وهددوا بقتله وهو منذ ذلك الحين قد ضاعف من إجراءاته الأمنية الوقائية في مقديشو، وقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة في هذه الخلافات الأيديولوجية ما بين الطرفين مع تحول المنافسة التي كانت سائدة فيما بينهما في البداية إلى عداوة متبادلة، حتى أنهم لا يجلسون سوية وكثيراً ما يتبادلون الاتهامات والمشادات الكلامية، وتحدث أحد المسئولين الكبار في المنظمات الغير حكومية في مقديشو لمجموعة الأزمات الدولية قائلا: إن حركة الاتحاد تقول عن حركة الإصلاح أنها تعطي نموذجاً سيئاً عن الإسلام وتتهم حركة الإصلاح الاتحاد بنفس التهمة ويقولون عنهم أنهم ليسوا بأفضل من قطاع الطرق.

3. العلاقات الدولية والحرب على الإرهاب:

وبصورة أكبر من الحركات الإسلامية الصومالية الأخرى ظهرت حركة الإصلاح تواقة لبناء العلاقات الجيدة مع الدول المجاورة والغرب، وكان قادة المنظمة متحمسون بصورة خاصة للتعايش السلمي مع إثيوبيا والتي ترى في حركة الإصلاح مجموعة متطرفة وتعزو حركة الإصلاح هذا الموقف الإثيوبي المعادي منها إلى مؤسسة “TNU” :

لم يكن لدي إثيوبيا قبل عملية “آرتا” أي شعور معادي تجاه حركة الإصلاح ولكن الصورة بعد تلك العملية تم تشويهها حيث عارضت حركة الإصلاح “TNU” ونحن في حركة الإصلاح أصبحنا ضحية لذلك الموقف، ونحن مسرورين للدستور الإثيوبي الجديد والذي منح الحقوق للصوماليين والمجموعات الأخرى.

ولقد ذهبت حركة الإصلاح إلى أبعد من هذا في جهودها لبناء جسور من التعامل مع الولايات المتحدة في عام 2002م، وتمثل ذلك في وصول الوفد الأمريكي الأول منذ أحداث 11/ سبتمبر/ إلى مقديشو، قدم الإصلاح لاجتماع القمة بعلم يحمل صورة الهلال والعلم الأمريكي كان قد سرقهُ اللصوص من السفارة الأمريكية عند إخلائها في عام 1991م، وتم تقديمه هدية رمزية، وفي الحقيقة كان عليهم تعقب المسروقات وشراءها من تاجر في سوق “بكاره” وعلى اثر ذلك قامت الولايات المتحدة بالمقابل بتقديم بعض الدعم لجامعة مقديشو.

وعلى الرغم من هذا فإن زعماء الإصلاح ينتقدون وبشدة الجهود الأمريكية في مكافحة الإرهاب، وكما قال أحدهم في نيسان 2004م، “نحتاج إلى إيجاد الأرضية المشتركة، وقد نوافق على أننا لسنا بحاجة إلى الإرهابيين ولكن نحن بحاجة للاتفاق على نظرة مشتركة”، وقد خاب أمر حركة الإصلاح على وجه الخصوص بالاعتماد الأمريكي على قادة المليشيات في المشاركة في جهودها لمكافحة الإرهاب ومناقشة الدعم لعملية السلام ومسالة الحكم الجيد والسليم في الصومال وأن ذلك سيأتي بنتائج إيجابية على المدى البعيد.

وعلى الرغم من المشاعر المعادية تجاه “السلفية” فإن ما يتعلق في حركة الإصلاح الانشغال الأمريكي بهذه المجموعة قد يأتي بنتائج عكسية لدى العديد من الناس يفيد بأن السلفية هي شيء جيد وذلك بسبب استهداف الولايات المتحدة للحركة السلفية .

ودون شك فإن الدول المجاورة للصومال وأعضاء المجتمع الدولي سيحكمون على حركة الإصلاح من خلال أعمالها وبصورة أكبر من أقوالها وبهذا الأجراء فإن محاولة اعتبارها منظمة متطرفة تبدو في غير مكانها، ومع أن حركة الإصلاح ليست الممثل الرئيسي للإسلام السائد في الصومال على الإطلاق ولكنها قد تلعب دوراً معتدلاً في التأثير في وسط الجالية الإسلامية الصومالية وشريكاً محتملاً لمكافحة الإرهاب.

ب. أهل السنـة والجماعـة:

تجمع هذه الحركة في صفوفها قادة الحركة الصوفية التقليدية في الصومال وذلك في محاولة لمقاومة انتهاكات المجموعات الإسلامية الإصلاحية، وقد نشأت هذه المجموعة في عام 1991م، كفرع من”المجمع” وذلك ردا على طلب الجنرال محمد فرح عيديد للتعاون، وفي الوقت الذي قاوم فيه بعض زعماء “المجمع” ما أدركوه على أنهُ مبادرة سياسية، فقد شعر البعض الأخر بأن الإجراءات الاستثنائية تتطلب الدفاع عن الممارسات الإسلامية الصومالية التقليدية من تلك الممارسات القادمة من الخارج، وعلى وجه الخصوص الانتهاكات الإسلامية منها، على أية حال إن الولاء السياسي الملحوظ ل”اهل السنة والجماعة” والذي قد نظر إليه من وعلى نحو واسع من قبل الزعماء الدينيين أنه لم يكن في مكانه المناسب، وعلى الرغم من الشعبية الأولية في “بنادير” وبصورة أقل قليلا في “شابيلي” ففي النهاية كان هناك خسارة في التأثير لصالح الحركات الإسلامية الأفضل والأكثر تمويلاً، كما أن “عيديد” نفسه قد غير الولاءات بعد ذلك وربط نفسه حركة الاتحاد في مواجهة القوات الأمريكية وبقيت “أهل السنة والجماعة” حركة نشيطة، ونتيجة لاعتباراتها الخاصة استمرت حركة “أهل السنة والجماعة” في تمويل القيادة الموحدة للطرق الصوفية وبشكل رئيسي تلك الموجودة في جنوب الصومال، ولكن هذه الحركة بقيت معروفة على نطاق ضيق لغاية عام 2002م، وذلك عندما أعادت ترتيب صفوفها وخرجت تحت مظلة سياسية حديثة خلقت فيها حوافز سياسية “للشيوخ” للانضمام إليها واستطاعت أيضاً أن تعتنق التفسيرات التقليدية للإسلام، وطبقاً لمصادر قيادة “أهل السنة والجماعة” فإن النشاط الأكثر أهمية بالنسبة للحركة التي انبعثت من جديد هو التبشير برسالة السلام التي دعا إليها الإسلام بالإضافة إلى الطعن بشرعية المعتقدات والأرضية السياسية التي يستند عليها تنظيم الاتحاد الإسلامي وباقي الحركات المتطرفة الأخرى. وعلى خلفية هذه القاعدة بدأت قيادة المجموعة بلعب دور نشيط في محادثات السلام الصومالية التي جرت في كينيا، حين قامت بحملة قوية ضد إدارة المجموعات الإسلامية الإصلاحية والذين فسروا الدين بصورة خاطئة بالإضافة إلى علاقاتهم بالشبكة الدولية للإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن إتباع مثل هذه التكتيكات الانتهازية الواضحة من قبل حركة “أهل السنة والجماعة” والتي قد تحمل معها المخاطرة بمصداقية الحركة واعتمادها كمنبر لممارسة المعتقدات الإسلامية في الصومال.

ج. مجمع علماء الإسلام الصومالي:

ومباشرة بعد سقوط نظام “سياد بري” في شباط/1991م، قامت مجموعة مؤلفة من حوالي الثلاثين من علماء الدين الإسلامي بالدعوة للاجتماع فيما بينهم ومناقشة كيفية تعبئة الفراغ الناجم عن سقوط النظام كانت النتيجة تشكيل قوة من المليشيات أطلق عليها اسم الهور سيد” والتي كانت أعمالها الأولية منصبة على توفير الأمن في بعض أحياء العاصمة الصومالية وبعض المحاكم الشرعية والتي كانت في أطوار نشأتها الأولى آنذاك، ومن الممكن أيضاً أنها حاولت تثبيت سلطة بعض الجهات مثل “المجلس الإسلامي الأعلى” وذلك كان ناجما عن إحساسهم بالتحدي القائم لسلطتهم ولكن سرعان ما أجهض قادة المجموعة هذه المبادرة لكن ذلك كان في النهاية بمثابة الأساس لظهور الحركة التي أصبح اسمها فيما بعد “مجمع علماء الإسلام”. وخلال أشهر قام زعماء مجموعات المقاومة في جنوب الصومال الجنرال “محمد عيديد” علماً بأنهُ من كان الشخصيات القوية والذي قرر على ما يبدو أن مقاتلي الاتحاد يشكلون تهديداً أخطر من التهديد الذي تشكله مجموعة بسيطة من العلماء الإسلاميين حيث أراد الدخول في تحالف مع “مجمع علماء الإسلام” والذي عملت مفاتحاته بالوحدة مع “المجمع” دوراً كبيراً في شقها ما بين الذين رفضوا عرض عيديد بالوحدة مع المحافظة على الاسم وما بين أولئك الذين اشنقوا عن الجماعة ليشكلوا جماعة “أهل السنة والجماعة” وكان الهدف المعلن “للمجمع” يتمثل في الحفاظ على الفهم الصحيح والممارسة السلمية للإسلام وذلك من خلال إيجاد حكومة صومالية تحكم بموجب المذهب الشافعي، وفي أوائل التسعينات شارك “المجمع” في مبادرات السلام المختلفة بما في ذلك جهود الوساطة للمبعوث الأمريكي “روبرت أوكلي” في عام 1992م، ومنذ ذلك الحين ركز “المجمع” بصورة أكبر على الأعمال المتعلقة بالقضايا الاجتماعية الأساسية مثل التعليم الديني، توفير الخدمات المتعلقة بالخطبة والزواج، وفي عام 2001م، توفي “رئيس المجمع الشيخ محمد حسن” واختير مكانهُ “الشيخ أحمد عبد الديهوسو” والذي ترأس اللجنة التنفيذية للمجمع والممثلون من أحد عشر عضواً، كان العديد منهم رجال الدين الذين خدموا في المساجد الحكومية أبان عهد النظام السابق.ويتوقع أن تعداد “المجمع” يتراوح ما بين 200 – 300 من الزعماء الدينيين يغطون أغلب المناطق والعشائر في الصومال.

وعلى الرغم من أن “المجمع” بقي بعيداً عن السياسة والتزامه الظاهر بمفاهيم الشريعة ودعمه للمحاكم الشرعية في مقديشو، والذي قد ترجم أحياناً بأنهُ دعم للتطرف الإسلامي وخاصة أن المحاكم ترتبط بقيادة المليشيات، ويتحدث في هذا السياق المحلل الإثيوبي “ميدهان تاديس” من خلال عرضه للمثال التالي: “إذ يبدو من خلاله إن قادة بعض الفصائل الصومالية يقبلون بوصف “المجمع” على أنه مجموعة متطرفة “وعلى نفس النمط خطابات المجموعة، والتي يمكن أحياناً أن تكون فيها نزعة للقتال أو الدعوة للعنف، فعلى سبيل المثال ادان الشيخ “احمد الديهيسو” جولات الرقابة الجوية فوق مقديشو حيث يعتقد أغلب الصوماليين بأن الطيران الأمريكي هو من يقوم بهذه الجولات: “لو كان لدينا القوة لإسقاط هذه الطائرات لأسقطناها لأنها تتجول دون أية تخويل، ولكن بما أننا لا نستطيع فاننا ستحتفظ بذلك في قلوبنا إلى أن يحين وقت الانتقام”.

على أية حال فقد تجلى غضب الشيخ “أحمد” واضحاً وردده العديد من سكان مقديشو في مقابلاتهم مع مجموعة الأزمة الدولية، وذلك حين قامت الطائرات الأمريكية في أواسط عام 1993م، بتوجيه ضربات جوية للعاصمة مقديشو متسببة في مقتل المئات من المدنيين وأحداث الدمار في أجزاء عديدة من المدينة، وبدلاً من التحريض لأعضائه للجهاد ضد الغرب، دافع “المجمع” عن صداقته بالدول المجاورة وأنهُ في ظل الظروف الصحيحة يجب التعاون مع الولايات المتحدة في أهدافها لمكافحة الإرهاب، وإذا ما تواجد الإرهابيون في الصومال فإن ذلك يعود إلى غياب الحكومة وفي حديث لقائد “المجمع” للأزمات الدولية قال: إن الولايات المتحدة تمتلك الحق في البحث عنهم “الإرهابيون” لكنهم يجب أن يكونوا متأكدين فنحن لا نتمنى أن يلحق الأذى بأي شخص، ولا الولايات المتحدة أو أي بلد أخر، في المقابل لا نريدهم أن يلحقوا الأذى بنا، ونحن نفهم المشاعر الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر ولكنهم في نفس الوقت يجب أن يميزوا ما بين الجناة الحقيقيين الذين قاموا بهذا الفعل وما بين الصوماليين العاديين الذين يكافحون من أجل البقاء.

وحتى الآن لا يوجد هناك أي دليل ظهر يؤكد أن “مجمع علماء الإسلام”، في غير الصورة التي يظهر عليها الآن والتي هي عبارة عن جمعية لعلماء المذهب الشافعي، وقد صمم هذا “المجمع” لتأكيد سلطتهم الدينية وتأمين مصالح أعضائهم وتوظيفهم ضمن حكومة الصومال المستقبلية.

4. نشاط تبليغ الدعـوة:

يتجنب الناشطين في هذا المجال وبشكل ملحوظ إلى اي إشارة سياسية لنشاطاتهم فهم لا يسعون وراء أية سلطة سياسية ولا يصفون مجموعاتهم كأحزاب سياسية، ومثل هذه المجموعات ليست بالضرورة أن تكون دون أهداف سياسية, فهم في الوقت يسعون للتأثير على أصحاب السلطة بدلاً من تأمين السلطة لأنفسهم، ويميلون إلى رفض السياسات الحزبية، والانتخابات والأشكال الأخرى من الإجراءات السياسية وذلك لمصلحة مهمتهم الدينية المتعلقة بالإرشاد والدعوة، كما أن نشاطات التبليغ لديهم تتركز في الأساس على تحويل المسلمين من كونهم كذلك من الناحية الاسمية إلى الإيمان والممارسة الإسلامية الصحيحة وتتضمن الأمثلة الرئيسية على النشاط التبليغي في إتباع جماعة التبليغ وأتباع السلفية الجديدة.

أ. أنصار السنـة:

كانت هذه الحركة عبارة عن إحدى النتائج للانقسامات الداخلية في حركة “الاتحاد الإسلامي”. لقد شكلت معركة “اراري” التي جرت في نيسان 1991م، العملية العسكرية الأولى للاتحاد الإسلامي، والتي انبثق عنها اتجاهين في الحركة تمثل الأول في دعم المجاهدين في تصميمهم القائم على عسكرة الحركة أما الاتجاه الثاني فقد تمثل في الانطباع من أن الاتحاد قد وضع مصالح عشيرة “الدارود” المدافعون عن “كيسمايو” فوق مصالح عشيرة”هاواي” والتي تنحدر منها قوات الجنرال “عيديد” ومع هذه التطورات انفصلت مجموعة من رجال الدين كانت بشكل رئيسي من “الهاواي” لتشكيل جماعتهم الخاصة أسموها باسم “أنصار السنة” والتي اتخذت من العاصمة مقديشو مقراً لها وتألفت من مجموعة من زعماء الدين الوهابيين بقيادة الشيخ “حسن الآسو” والذي كان من الواعظين لرسالة الاتحاد الإسلامي في فترة ما قبل الحرب في مسجد “لافويين” وطبقاً لأحد المصادر فإن العديد من أعضاء الجماعة كانوا على علاقات تجارية مع السعودية ومستفيدين من المساعدات التي توزعها المؤسسات السعودية لتشجيعهم على تبني الطراز الديني الوهابي بالتصرف واللباس على حد سواء ولقد استمرت حياة هذه الجماعة لفترة قصيرة، ففي خلال بضعة شهور ترك زعماء هذه الجماعة المشروع لصالح مجموعة سلفية أخرى عرفت باسم “الجماعة” والتي بدأت بشجب وإدانة الاتحاد الإسلامي ويعود بعض أفراد “أنصار السنة” إلى قبيلة ابجال وهي فخد من عشيرة “الهاواي” ومع حلول عام 1993م، انتقل العديد من هؤلاء إلى تيار “موسى سودي يلاهو” زعيم فصيل “ابجال” في محافظة المدينة في مقديشو حيث قاموا بتأسيس المحكمة الإسلامية الأولى في المدينة. ويعتبر الشيخ “عليّ واجيس” أحد مؤسسي هذه المجموعة في تشكيل حركة أنصار السنة وحلها على حد سواء، وينظر إليه اليوم كأحد الشخصيات البارزة في الحركة السلفية الجهادية والتي ظهرت للوجود بعد 11 سبتمبر، وظهر أيضاً كأحد الناقدين البارزين للاتحاد ويعتبره بعض المراقبين أحد الأسباب في تجسيد حالة التوتر العقائدية بين حركتي “السلفية الجديدة”، و “السلفية الجهادية.

ب. جماعـة التبليـغ:

كان ظهور هذه الجماعة في البداية في 1926م، في الهند كحركة أصولية تهدف للحفاظ على مظاهر الإيمان في صفوف الأقلية الهندية المسلمة، وامتدت هذه الحركة لتغطي كافة أنحاء العالم وفي صفوفها الملايين من الإتباع يتوزعون على مائة دولة تقريباً بما فيها الصومال، حيث يتوقع هؤلاء أن ينجزوا مسئوليتهم الرئيسية المتمثلة بالدعوة، وهي غالبا ما تأخذ طابع السفر ضمن مجموعات صغيرة ومتعددة الجنسيات إلى الدول المختلفة بهدف تبليغ أصول الدعوة، وفي الصومال فمن المحتمل أن هذه الحركة من أكبر الحركات في عدد الإتباع فهي تملك أكبر المساجد ومراكز التعليم ولكنها معروفة بشكل رئيسي بأنها من جماعات الصوفية.

وتنظم جماعة التبليغ عادة عدة اجتماعات في الصومال وجيبوتي وتتميز بحضور جيد، وتهدف هذه الاجتماعات إلى بحث القضايا البارزة بحضور الآلاف من المشاركين، ففي الاجتماع الذي جرى في مقديشو في نيسان 2004م، في مسجد “هوري وا” حيث اجتذب هذا الاجتماع ما بين سبعة آلاف الى عشرة آلاف من المشاركين وقد وصف هذا الاجتماع أحد قادة الفصائل في مقديشو والذي يتمتع بصلات وثيقة مع مخابرات الولايات المتحدة بأنهُ “اجتماع للإرهابيين” ولكن هذا الاجتماع على الأرجح كان أحد الاجتماعات الروتينية للتبليغ ومن المحتمل أن يكون قد شارك فيه عدد ضئيل من المتطرفين وعلى نفس النمط كان مؤتمر “التبليغ” في “هارجيسيا” والذي استمر للفترة من 15 – 18 أيلول 2002 والذي حضره ما يقارب 7000 صومالي و 300 من الأجانب كانوا بشكل أساسي من جيبوتي، إثيوبيا، اليمن، وكان أيضاً بعض الحضور من الباكستان، وأفغانستان، وكينيا، و أرتريا، وقطر والسودان وجنوب أفريقيا، حيث جرى ذلك الاجتماع في إحدى مساجد التبليغ الواقع في شرق “هارجيسيا” والوحيد القادر على استضافة وتنظيم مثل هذا الحدث، وتولى إجراءات الإشراف على المؤتمر قائد التبليغ في “ارض الصومال” الشيخ “إسماعيل محمد”، حيث جاء بعد البيان الافتتاحي كلمة الشيخ “علي وارسيم”، وقد شملت نتائج المؤتمر الالتزام بمواجهة الديمقراطية الغربية العلمانية، ومتابعة التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الإسلامية والتضامن ما بين المسلمين ويجدر التنويه أن عدد الأعضاء الكبير في صفوف جماعة التبليغ وشعبيتها الواسعة ونشاطاتها على صعيد تبيلغ الدعوة جعلها بالتأكيد عرضة لبعض الانتهاكات على هذا الصعيد، ففي الصومال لوحدها يوجد هناك بين 500 – 700 من الشيوخ الأجانب يرتبط العديد منهم بجماعة التبليغ وهم على الأغلب من أصول عربية ولكن ذلك لا يمنع وجود البعض من أصول أفغانية وباكستانية وشيشانية والعديد من الجنسيات الأخرى.ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن جماعة التبليغ تفتقر إلى الآلية التي يمكن من خلالها التدقيق في العضوية وفيما كان للعضو الجديد أي نشاطات جهادية سابقة، وهي تفتقر أيضاً للوسائل المناسبة للرد على ادعاءات البعض واتهامها بإثارة العنف والتطرف ويتحدث الخبير والمستشار الاستراتيجي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شؤون الإرهاب أن مؤسسات التبليغ كانت ومنذ فترة طويلة تشارك في تجنيد المجاهدين ويرتبون سفرهم لمناطق الحرب، كما كانوا يدعون باستمرار لدعم أُسامة بن لادن، وفي مكتب حركة التبليغ الموجود بالقرب من باكو عاصمة اذريبجان والذي كان يرأسهُ أحد الصوماليين، حيث كان هذا المكتب يقوم بمساعدة إرسال المجاهدين للقتال في الشيشان، كما قيل أيضاً بأن الأمريكي “جون والكر ليند” والذي كان في صفوف “حركة طالبان” الأفغانية قد تم تنظيمه من قبل جماعة التبليغ قبل سفره إلى أفغانستان، بالإضافة إلى ان هناك ما يدعو للقلق بأن بعض أعضاء التبليغ في القرن الأفريقي قد ارسوا القواعد لأجندات المجموعات المتطرفة، هذا عدا عن إمكانية اختراقهم من بعض العناصر المتطرفة واتخاذ جماعة التبليغ كغطاء لاتصالاتهم وتحركاتهم، وفي هذا السياق أخبر جنرال سابق في أجهزة الأمن الصومالية مجموعة الأزمات الدولية “إن جماعة التبليغ كجماعة لا يوجد من ورائها أي تهديد، فهم فقط يعززون التوجهات الدينية، ولكن وبعد أحداث 11 سبتمبر ونتيجة لخوف حركة “الاتحاد الإسلامي” الناجم عن تلك الأحداث فقد حاولوا الاختلاط والاندماج في حركة التبليغ والجماعات الأُخرى ومن هنا جاءت الزيادة في التدقيق والفحص من قبل أجهزة الأمن في هوية “حركة التبليغ” فهم على سبيل المثال في “بونتلاد” يتم استجوابهم بشكل دوري من قبل ضباط الهجرة هناك،وفي أغلب الأحيان باستنساخ جوازات سفرهم لدى دوائر المخابرات، وفي شهر أب 2003، قامت دائرة المخابرات في “بونتلاند” باحتجاز مجموعة من الباكستانيين من جماعة التبليغ ولكنها لم تجد أية دلائل تثير الشبهة حولهم سوى أنهم مجموعة تقوم بتبليغ الدعوة وأجبرت على إطلاق سراحهم فيما بعد.

وفي “ارض الصومال” تبرز المخاوف من إمكانية اختراق صفوف جماعة التبليغ من قبل العناصر، وتحولت هذه المخاوف إلى حقيقة عند اكتشاف أن أحد المجاهدين الذين قاموا بقتل أحد عمال المساعدات الأجانب كان في السابق أحد تلاميذ مدارس التبليغ في مقديشو بالإضافة إلى أن العديد من عناصر نفس المجموعة المجاهدة والذين ألقي القبض عليهم في أيلول 2005م، بعد معركة مع قوات الأمن الصومالية قد زعم أنهُ تم تجنيدهم من خلال شبكات حركة التبليغ، ومع معطيات حجم الحركة وعدم التجانس في العضوية ورسالة الجماعة الأصولية فمع هذا كلهُ ليس من الدهشة بمكان ظهور مثل هذا الترابط المتطرف على أية حال فالإزعاج الأكبر يأتي من فشل قيادة حركة التبليغ الصومالية في تحمل مسئولياتها المتعلقة في هذه الإشكاليات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار حدوث ذلك.

5. الخدمات الإسلامية:المحاكم، ومنظمات العمل الخيري، والتجارة:

وفي محاولة لإعادة الأمن الذي انهار مع سقوط الدولة الصومالية في 1991م، كان من الضرورة بمكان خصخصة بعض الخدمات التي كانت تؤديها الحكومة سابقاً، مثل إمدادات المياه والرعاية الصحية والتعليم والنقل والاتصالات والخدمات المالية، من هنا جاءت المنظمات الخيرية والتجارية وذات الطابع الإسلامي لتصبح من بين أكثر المنظمات فعالية في تقديم الخدمات للمواطنين، ففي غالبية أنحاء الجنوب الصومالي لعبت المحاكم الإسلامية دوراً رئيسياً في إرساء الاستقرار بعد سنوات من الفوضى، وفي نظر بعض المراقبين يرون أن الخدمات الإسلامية وتعزيز وتحسين وسائل الحياة ما هي الا جزء من الاستراتيجية للمجموعات الإسلامية لتولي السلطة، كما أن بعض المجموعات الإسلامية بما فيها حركة “الاتحاد الإسلامي” قد سعت في الحقيقة لتحقيق مثل هذه الأهداف، وتجدر الإشارة أن غالبية الوكالات الإسلامية قد عكست ردود أفعال واقعية لانهيار الدولة وخاصة في ظل غياب البدائل.

أ. المحاكــم:

إن الارتفاع الثابت في عدد المحاكم الشرعية في أغلب أجزاء جنوب الصومال يعتبر دليلاً واضحاً على التأثير الزاحف للمجموعات الإسلامية، على أية حال فإن هذه المحاكم لا تؤخذ على أنها جاءت من إنتاج إسلامي صرف ففي الحقيقة كان تأثير المجموعات الإسلامية في هذا السياق بصورة أقل من عاملين صوماليين شائعين هما: العشيرة والدين الإسلامي وكانت السلطة التي استثمرت في هذه المحاكم جاءت من خلال قرارات شيوخ الأنساب والذين يعود إليهم بشكل أساسي إيجاد هذه المؤسسات ومع ذلك فهي اعتمدت بشكل أولي على القوانين المشتقة من الأعراف الصومالية وتطبيق أحكام الشريعة وخاصة في ظل غياب أي نظام قانوني أخر بعد انهيار الدولة، إذ كان هناك القليل من القضاة والمحامين والذين ترك معظمهم البلاد نتيجة ما آلت إليه الأحداث، وهذا بدوره قد حدد السلطة القضائية لكل محكمة وحسب ما ينص عليه قانون العشائر بالإضافة إلى العقوبات الإسلامية والتي تعرف بإقامة “الحدود” على أن العقوبات التي تتناقض مع قوانين العشائر كان من النادر تطبيقها، وعلى الرغم من هذا فإن هذه المحاكم قد شكلت الأرضية للمجموعات الإسلامية والتي سارعت لاستغلال الظاهرة.

وفي مقديشو فقد تم في البداية إيجاد المحاكم الإسلامية في محافظة “المدينة” من قبل الأعضاء السابقين في حركة “الاتحاد الإسلامي” والذي انشقوا عنه ليشكلوا جماعة “انصار السنة” في عام 1993م، وفي السنة التالية قام الشيخ المتزمت “علي الظهيري” والذي دارت حوله الشكوك بأن لديه اتصالات مع “الاتحاد” بتولي رئاسة مؤسسة المحاكم الإسلامية في شمال مقديشو حيث تمتع بسمعة سيئة على هذا الصعيد وتطبيقه للعديد من الأحكام المتشددة بما في ذلك بتر اليد والتي ظهرت في افلام للصحافة الدولية، علماً بأن “عليّ الظهيريّ” كان من قبيلة “ابجال” وهي احدى الافخاذ من عشيرة “الهاواي” وكانت المحاكم الخاضعة لسلطته تتمتع بسلطة قضائية فقط في وسط قبيلة “ابجال” وهي الأكثر سكاناً في شمال مقديشو، وسرعان ما بدأت معارضة علينه لتطبيق مثل هذه الحدود وعلى الرغم من هذا يمكن القول أن المحاكم الإسلامية استطاعت أن تحدث تحسنا مثيراً في الوضع الأمني، ونتيجة للمخاوف لدى القادة السياسيين في قبيلة “ابجال” من التأثير المتزايد للشيخ “على الظهيري” والأجندة الإسلامية المحافظة قاموا في شباط 1998م، بحل هذه المحاكم.

إن الفعالية التي تميزت بها المحاكم الإسلامية في “ابجال” لم تمر دون ان تلاحظها بعض التجمعات الأخرى التي بدأت محاكاة ذلك النموذج من المحاكم، وطبقاً لرئيس محكمة الشريعة في مقديشو المسماة “سيسي” أن تشكيل المحاكم جاء بالأساس لتوفير الأمن ومكان للناس يستطيعوا الذهاب إليه للحصول على العدالة المنشودة، فكانت أفضل الحلول في ايجاد مثل هذه المحاكم، وفي عام 1996م، قامت عشيرة “زوادل” من “بلدوين” بايجاد محكمة تقوم على أساس أحكام الشريعة الإسلامية وفي نفس السنة تم ايجاد العديد من المحاكم الشرعية بالاستناد على العشائر في مقديشو، وفي عام 1998م، كان الشيخ “حسن ظاهر عويس” الشخصية الرئيسية في مؤسسة المحاكم القائمة على أحكام الشريعة في غرب مقديشو المعروفة “افك الحلاني” واخرى في “ماركا”، وهي البلدة الرئيسية في منطقة شابيلي السفلى” وفي ظل غياب قوات الشرطة، تمتعت كل محكمة بميلشياتها المسلحة الخاصة بها، والتي كان يدفع لها عادة من رجال الأعمال الموجودين بالعشيرة، وبالمقارنة مع العشائر المختلفة وقوات الفصائل المختلفة في العاصمة الصومالية التي تعمها الفوضى فإن هذه المحاكم قد اكتسبت سمعة في حسن الانضباط والتصرف الجيد، حتى في صفوف أكثر المنتقدين لهذه المحاكم نالت الاحترام والتقدير، وفي حديث لأحد أعضاء الجماعات الإسلامية والتي ليس لديها ارتباط بهذه المحاكم للأزمات الدولية قال “أنهم لا يمضغون القات ولا يغتصبون وهم أكثر انضباطاً”.

* مجلس تطبيق الشريعة 2003 – 2000:

وكما هو معروف فإن كل محكمة كان لديها سلطة قضائية فقط على أعضاء العشيرة، ومن هذا المنطلق وفي مدينة كبيرة ومتباينة مثل مقديشو أصبح واضحاً ضرورة التنسيق فيما بين هذه المحاكم، من هنا وفي أوائل عام 2000م، أخذت مجموعة من زعماء المحاكم المبادرة لتشكيل “مجلس تطبيق الشريعة” وذلك في محاولة لتوحيد جهود المحاكم المختلفة، وبلغ عدد الجمعية العامة للمجلس 63 عضواً والذي انتخبوا بدورهم الشيخ “عليّ الظهيريّ” رئيساً للمجلس والشيخ “حسن ظهير عويس” أميناً عاماً.

واشتملت الوظائف الأساسية للمجلس على تبادل السجناء والعمليات العرضية المشتركة للمسلحين، كما أن المجلس كان بمثابة العربة السياسية لطموحات “عويس” وأعضاء المحاكم الآخرين، وعندما عادت الحكومة الوطنية الانتقالية الى مقديشو قادمة من جيبوتي في سبتمبر 2000م، لم يهدر المجلس الوقت للإعلان عن مطالبه.

وعلى الرغم من أن المجلس كان يمثل فقط بعض العشائر في المنطقة الا إن القوة الجماعية للمحاكم ودرجة نفوذها كان هائلاً: فقد امتد تأثير هذه المحاكم في كافة أنحاء مقديشو تقريباً ليشمل أيضاً “منطقة شابللي السفلي” كما أن المليشيات التابعة لها عدت بالآلاف وقد سيطروا على العديد من المحاكم الرئيسية والسجون بما في ذلك مجمع “عويس” في “افكا هالاني” والتي هي أكثر شبهاً بالمعسكر منها بالمحكمة وتعج بالعربات المسلحة والقليل من الناس ابدوا وشاركوا في النظرة الدينية المتزمتة للمحاكم ولكنها استطاعت أن تكتسب شعبية كبيرة لقدرتها الملحوظة في توفير الأمن.

بينما تناقش بعض أعضاء الحكومة الوطنية الانتقالية حول ماهية هذه المحاكم وأنهُ من الضرورة بمكان استيعاب هذه المحاكم ضمن النظام القضائي الجديد، بينما ناقش البعض الأخر في نظرة أكثر انتقائية بالاستناد على المؤهلات والاستحقاقات، وفي النهاية تم حل هذا الخلاف لمصلحة إجراء الفحوص اللازمة للتأكد من مقدرة القضاة الأمر الذي رفضهُ العديد منهم، ولكن القرار بإجراء الفحوص كان له القليل من التأثير لأن الحكومة الوطنية المؤقتة لم تمارس مهامها الادارية أبداً، ومع انتهاء فترة الوصاية والتفويض في عام 2003م، انزلقت الحكومة في ما أشبه الى حالة قريبة من الترابط مع مجلس تطبيق الشريعة.

2. المجلس الأعلى للمحاكم الإسلامية الصومالية:

وفي عام 2004م، تم تأسيس اتحاد جديد لمحاكم الشريعة الإسلامية في مقديشو وأطلق عليه “المجلس الأعلى للمحاكم الإسلامية الصومالية”، وذلك من خلال مشاركة رؤساء عشرة محاكم أو من خلال تسمية من يمثلهم وانتخب أعضاء المجلس الشيخ “شريف الشيخ أحمد “رئيساً وهو أحد رجال الدين الذين كان على علاقة سابقة في رابطة الصوفية التقليدية والتي كان يطلق عليها “أهل السنة والجماعة” وقد لعب الشيخ “شريف أحمد” دوراً أساسياً في تأسيس النظام القضائي في منطقة “شابللي الوسطى” كما أن العديد من الأعضاء والآخرين قد مثلوا منظمة الشافعية التقليدية المسماة “بالمجمع” وقبل تعينيه رئيساً للمجلس الأعلى كان “الشيخ شريف” أحد المساعدين الرئيسيين لمحمد ظهيري” أحد قادة الفصائل في “مجلس المصالحة وإعادة البناء الصومالي” المدعوم من إثيوبيا.

وفي ظل قيادة المجلس الجديد وبالتعاون مع “لجان مراقبة الجوار” التطوعية شهدت المحاكم توسعاً لم يسبق له مثيل. وفي شهر أيار 2004م، حيث أعيد تأسيس “5 محاكم للشريعة” في مقديشو وذلك بهدف المساهمة في نسبة المليشيات المسلحة في إطار الإدارة المشتركة لها، ووفقاً للمقابلات كان يتوجب على كل محكمة أن تساهم بثمانين مسلحاً وذلك لإيجاد أربعمائة من المسلحين الأقوياء للمحاكم المشتركة، وفي نفس الوقت قررت كل محكمة بأن تحافظ على وجود 40 من المسلحين كاحتياط لديها بالإضافة إلى موافقة كل محكمة في المساهمة من 3 – 5 عربات عسكرية وكان ذلك من شأنهُ أن يوفر للمحاكم المشتركة قوة أمنية أولية تتألف من 19 مركبة عسكرية، ومنذ ذلك الحين وأعداد محاكم الشريعة الإسلامية في نمو وازدياد. وفي الوقت الحاضر هناك أحد عشرة محكمة مختلفة تنتشر في كافة أرجاء المدينة.

إن وعد هذه المحاكم في فرض النظام وتوفير الأمن للصوماليين عبر المنظور الديني، وقد لعبت عضويتهم المتباينة واختلاف مؤيديهم دور مهماً في فشل كافة المحاولات لإلحاق هذا النظام بالتطرف أو الاعتدال أو أي اتجاه آخر، وفي الحقيقة لقد كانت هذه المحاولات عقيمة في هذا السياق، وفي الواقع فإن المحاكم كانت عبارة عن تحالف معقد للمصالح، فهو اتحاد لتقارب المصالح وهناك محكمات فقط هما “أفكاً هلاني” شيركولا” واللتان كانت لهما ارتباطات ثابتة بالقتال والآخرين بما في ذلك “زرايالي التوفيق” قد ظهرت لتقدم شكلا من أشكال التوازن مع تأثير التطرف.

3. المجابهة والاختيار:

وقبيل نهاية عام 2004م، بدت الأمور وكأن المجلس يعاني من بعض التوتر، فقد شاركت مليشيات المحكمة في عدة صدامات مسلحة عنيفة والتي نظر إليها ببساطة على أنها فصيل آخر يشارك في الفوضى السياسية الموجودة في المدينة، بالإضافة إلى محكمتين وهن من أقل المحاكم أيدولوجية، محكمة زريالي وهي تمثل أحد افخاد عشائر “موروسادي” ومحكمة “التوفيق” وتمثل أحد أفخاذ عشيرة “الوائيسلي”، حيث بدأت هاتان المحكمتان بالتأكيد على استقلالية أكبر، وحتى في موطن “عويس” والمحكمة الموجودة “افكاهلاني” بقيادة قائد المليشيا “هرسي لوجيي” حيث قيل بأن السلطة بدأت بالانتقال بعيداً عن المجاهدين وأن المحكمة قد تحملت الكثير من المصاعب لأن تنأى بنفسها عن مجموعة المليشيا المسلحة التي يقودها “ادن هاشي ايرو” وقد توجه “عويس” إلى المنطقة التي ولد وعاش فيها وهي منطقة “جلجدود” وذلك لإنشاء سلسلة جديدة من المحاكم في موطنه وبين أقربائه، وفي مطلع عام 2005م، وبعد أن تخلى عن أي دور له في نظام محاكم الشريعة في مقديشو، أعلن عن أن منطقة “جلجدود”آمنة لبدء عمليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الغير حكومية.

إن تشكيل الحكومة الاتحادية الانتقالية في شهر تشرين الأول من عام 2004م، قد أعطى حياة جديدة إلى نظام المحاكم في مقديشو، لقد كانت معاداة الإسلاميين وتكفير المتشددين الموجودين في قيادة نظام المحاكم جزءا من أوراق اعتماد الرئيس المؤقت “عبد الإله يوسف”، بينما علاقته الوثيقة في الحكومة الإثيوبية عرضت للإسلاميين تلطيف وتسهيل الأمور أمام تحشيد المزيد من الدعم لهم، إن خطط الرئيس المؤقت عبد الإله يوسف “في جلب القوات الأجنبية للصومال خصوصاً من الدول المجاورة بما في ذلك إثيوبيا قد دفع بالمحاكم الى الدخول في تحالف تكتيكي مع الزعماء الإسلاميين الآخرين والمنافسين السياسيين للرئيس المؤقت والوقوميين الصوماليين، مما دفع مؤيدي الحكومة الاتحادية الانتقالية والعديد من المراقبين الإعلاميين إلى وصف معارضي خطة الانتشار بالمتطرفين وذلك تلميحا منهم إلى “نظام المحاكم” حيث اعتبرت هذا النظام بأنهُ مسيطر عليه من قبل الأعضاء السابقين في “الاتحاد الإسلامي” والمجموعات المجاهدة الأخرى، ولكن موقف نظام المحاكم تمكن أن يجد له صدى واسع في قطاعات كبيرة من الرأي العام في جنوب الصومال، وسكان مقديشو الذين خرجوا في مظاهرات جماهيرية حاشدة مثلت قطاعات كبيرة من المجتمع، وفي حديث لأحد الموظفين الشباب لمجموعة الأزمات الدولية حيث قال:

“من المنظور الإثيوبي فإنها ستكون حرباً ما بين إثيوبيا والإسلاميين “الأخوان” ولكن بالنسبة لنا نحن الصوماليين فإنها ليست بتلك البساطة، فأنا سأحارب جنبا إلى جنب مع أي طرف سيحارب إثيوبيا . . . الناس لا تريد الانضمام إلى الإسلاميين، ولكن إذا ما وصلت الأمور إلى هذا الحد كيف يمكن لك أن ترفض مثل هذا التحالف، ولن يكون مهماً حينها من يمضغ القات من الذي لا يمضغ إذا ما لاح العدو بالأُفق”.

ويظهر أن زعماء المحاكم الآخرين قد بدئوا تدريجياً بتبني وجهات نظر تميل بصورة أكبر للقتل، ولا يمكن أن يعزي هذا فقط إلى تأثير “عويس” وحدهُ فعلى سبيل المثال وفي 31 كانون الأول عام 2004م، أصدر المجلس الأعلى قراراً مفاده إن الاحتفال بالسنة الجديدة هو مخالفة ستعرض صاحبها إلى عقوبة الموت على أرضية أن هذا الحدث لم يقر كعطلة إسلامية وفي مقابلة لاحقة مع مجموعة الأزمات الدولية، وضع رئيس المجلس بأنهُ لا يمكن تطبيق العقوبة إلا بعد اجراءات صحيحة ومستحقة، وقد وقف بجانب القرار، وقد ناقشت قيادة المحاكم أيضاً قضية المشتبه بهم بالإرهاب وفيما إذا تواجدوا على الأراضي الصومالية يجب محاكمتهم من قبل المحاكم الصومالية بدلاً من تسليمهم للدول والتي قد يكونوا مارسوا جرائم ضدها ويمكن اعتبار هذا الموقف شبيهاً بموقف حركة طالبان المتعلق بأُسامة بن لادن.

وفي تموز من عام 2005م، قبل “نظام المحاكم” تعين “ادن هاش ايرو” قائد المليشيات “لافكاً هلاني” دون أي بادرة احتجاج، وذلك على الرغم من موقف الإدانة والشجب له ولمجموعته في وقت سابق لم يتجاوز الشهور لقيامه بتدنيس المقبرة الإيطالية، وفي تشرين الثاني من عام 2005م، قامت عدة مليشيات مسلحة تابعة لعدة محاكم لإغلاق دور السينما في شمال مقديشو والتي اتهمت بعرض الأفلام الغربية والهندية اللاأخلاقية، وقد أدت هذه الهجمات إلى اشتباكات عنيفة مما أوقع عشرات الإصابات.

وعلى الرغم من تأثير الأقليات المتطرفة، إلا أن أكثر المحاكم تسعى بشكل رئيسي لإيجاد أهداف أكثر واقعية وذلك بدلاً من فرض الأجندة الإسلامية على الحكومة الصومالية الجديدة، حيث يبدو أن الأغلبية ترغب باستيعابها ضمن أي إطار للنظام القضائي المستقبلي على أية حال ففي الوقت الذي تكتسب فيه المحاكم المزيد من الثقة والتأثير والمصادر فليس من المستبعد عن التصديق أن يبدءوا بالدعوة والدفاع عن أجندة أكثر أيديولوجية، حيث ودون شك سيقوم “نظام المحاكم” بتعريف عناصر الجهاد الإسلامي”.

ب. المنظمات الخيرية:

في ظل الدكتاتورية السابقة لنظام بري كانت المنظمات الخيرية الإسلامية خاضعة لنفس القيود التي كانت تخضع لها المنظمات التغير حكومية، وبعد انهيار النظام وبداية الأزمة الإنسانية في أوائل التسعينات شهدت المنظمات والمؤسسات الخيرية الإسلامية المحلية منها والأجنبية توسعاً ملحوظاً.

وفي قراءة لنتائج لدى الدراسات الحديثة التي خصصت لدراسة هذه الظاهرة والتي تقدر بأن أعداد المنظمات الخيرية في العاصمة مقديشو لوحدها يتجاوز العشرات أهمها “وكالة مسلمي أفريقيا” ومقرها الكويت، يليها “جمعية الهلال الأحمر الإماراتية”، “الرابطة العالمية للشباب المسلم” ومقرها السعودية، وجمعية الإصلاح الخيرية والمرتبطة بحركة الإصلاح ,ورابطة العالم الإسلامي وما يتفرع عنها، منظمة الإغاثة الإسلامية الدولية ومقرها السعودية، الدعوة الإسلامية، ومجتمع الوفاء الخيري وكلاً الأخيرتين، أدرجت على أنها منظمات إرهابية وذلك ضمن تصنيف الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية.

وبعض الجمعيات المذكورة هنا وأخرى لم يرد ذكرها، ارتبطت بالمجموعات الإسلامية العسكرية سواء ما كان منها في داخل الصومال أو خارجه، وكما ذكر في الأعلى كان الاتحاد الإسلامي، ومنظمة الإغاثة الإسلامية الدولية، ووكالة الرحمة الدولية للإغاثة المنحلة الآن، وقد شكلت هذه المنظمات قنوات لدعم “الاتحاد الإسلامي” خلال فترة التسعينات وفي جزء من التحقيق الموسع حول مؤسسة الحرمين الإسلامية وعلاقاتها بالإرهاب فقد حددت الولايات بأن مكاتب المؤسسة في الصومال كان لها علاقات مثيرة بالإرهاب حيث دعت الولايات المتحدة في عام 2003م، الرياض بضرورة تعليق أعمال مكاتب المؤسسة في الصومال واستدعاء طاقمها من هناك، وفي نيسان 2005م، ألقى القبض على أحد موظفي الحرمين في مكتب “بارو” في “ارض الصومال” وذلك لاشتراكه في اغتيال العديد من عمال المساعدات الأجانب.

إن الأغلبية الواسعة من المنظمات الخيرية العاملة في الصومال ليس لديها مثل هذه العلاقات بالتطرف، فهي عبارة عن منظمات غير حكومية خاصة تعمل على توفير الخدمات الأساسية للجمهور، وفي مقديشو لوحدها كانت المنظمات الخيرية أما أن تدير أو تساعد 3 جامعات صومالية مستشفيات، ومدارس لتوفير التعليم لما يزيد عن مائة ألف طالب وطالبة، كما أن العديد من المنظمات الخيرية ساهمت في دعم المناطق الأخرى من الصومال.

إن تعبير “المنظمات الخيرية الإسلامية” يدل على التمييز عن المنظمات الغير حكومية المدعومة من الغرب وهو في الواقع ليس واضحاً جداً، فالعديد من المنظمات الإسلامية الصومالية وببساطة تلتزم بتقديم الخدمات التي تتفق مع معتقداتهم وممارساتهم كمسلمين ولديها القليل من الهواجس والشكوك فيما يتعلق بشراكتها مع المنظمات أو الجهات المانحة الغير إسلامية.

إن المعهد الصومالي للإدارة والتنمية معتمد بشكل كبير كمدرسة للتدريب والتي تتلقى غالبية دعمها من وكالة مسلحي أفريقيا، واعتماد المعهد بشكل كبير على الدعم القادم من المصادر الإسلامية ليس كلياً من اختياره، فقد سعت إدارة المعهد للحصول على الدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وجامعة كاليفورنيا، واليونسكو ولكن إدارة المعهد تلقت إجابات سلبية في هذا السياق وقد اتجهت إدارة المعهد عندما تلقت دعماً من “برنامج الأمم المتحدة للاتحاد” من خلال موافقتها على تزويد المعهد باتصال مع أحد الأقمار الصناعية لطلاب الحاسوب في المعهد، كما كانت إدارة المعهد مسرورة بتنويع مصادر الدعم من خلال المساهمة بتوفير حاسبات إضافية وتجهيز مختبرين جديدين للمعهد وتقاوم إدارة المعهد محاولات السيطرة عليه أو اعتبارها على أي طرف معين “لم يتم إيجاد المعهد بأموال الدعم العربية ولكن من خلال التزام بعض الصوماليين الذي يشعرون بأنهُ مؤسستهم.

ولقد تم تأسيس مستشفى عرفات كمؤسسة للطب الباطني في الوقت الذي ركزت في المستشفيات الأخرى في مقديشو على الجراحة المعالجة إصابات الحرب والجريمة وانعدام الأمن، وقد تم بناء هذا المستشفى في البداية بأموال من بنك التنمية الإسلامي ولكنهُ بقي لثلاث سنوات غير فعال بسبب قلة الموظفين والتمويل حتى تمكنت منظمة صومالية غير حكومية تدعى “زمزم” إقناع طبيب صومالي بارز يعمل في السعودية بالعودة للصومال وإدارة المستشفى وتحسنت حظوظ المستشفى بعودة ذلك الطبيب، وبعيداً عن اكتشاف الصلات بالعالم العربي، فإن ذلك الطبيب قد تعب من كونه طبيباً زائراً في السعودية حيث قال “إن السعوديين يعاملونك كأنهم اشتروك واشتروا خدماتك ولذلك رغبت بالعودة للوطن”.

يمثل كل من مستشفى عرفات ومؤسسة زمزم جمع الدعم من المتبرعين من المصادر الإسلامية والغربية، حين انضم مؤخراً برنامج الأمم المتحدة للإنماء العالم إلى مؤسسة زمزم كأحد المتبرعين لهذه المؤسسة التي تأسست في مقديشو في عام 1992م، حيث نوه مديرها بأنهُ بدين في معظم نجاحه للتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، وقوات الأمم المتحدة في مطلع التسعينات، وقد تم مؤخراً التدقيق في نظامها الإداري ومراجعته المرتبط بتقديم المساعدة من قبل المنظمات الغير حكومية الهولندية.

وفي الحقيقة هناك بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية في الصومال تستغل تقديم الخدمات الاجتماعية كمنبر للهداية، والنشاط السياسي وتعزيز هوية الصومال العربية، ولا شك أن غالبية الصوماليين العاديين يستاءون من مثل هذه النشاطات وينظرون إليها على أنها تدخل ديني وثقافي مناهض لرسائلهم، ولكن يبدو أن العديد من المنظمات الخيرية الإسلامية تفتقر إلى أي أجندة موازية، وتجدر الإشارة إلى أن معظم التعليمات والإرشادات الإسلامية في الصومال إما أن تكون باللغة الصومالية أو الإنجليزية وليست باللغة العربية، وهي تتركز على المهارات الأكاديمية أو المهنية بصورة أكبر منها على التعليم الديني.

وعلى نفس النمط جاء ما تم ملاحظته مؤخراً من الرقابة التي تقوم بها المنظمات الخيرية الإسلامية والتي غالباً ما تركز أعمالها في الصومال على تعزيز التعليم، والنمو,وتمكين النساء، وحيث تشكل النساء جزءاً نسبة هامة من الطلاب في مؤسسات التعليم الإسلامية على جميع المستويات والمراحل التعليمية، وغالبة ما تكون الصفوف مختلطة من الجنسين.

إن التوسع في نشاط المنظمات الخيرية الإسلامية في الصومال والذي شهدته السنوات الأخيرة وبشكل أولي تعبيراً عن الحاجة وتوفير مصادر التمويل، وتعلن غالبية المنظمات الحكومية الإسلامية بأن معتقداتهم وإيمانهم يعرضان سبيلاً للخروج من الأزمة التي غمرت بلادهم لما يقارب خمسة عشر سنة وهم يدركون جيداً طبيعة مهماتهم وأعمالهم في هذا السياق. كما أن النشاط الاجتماعي الإسلامي ليس بالضرورة لآن يكون إشارة على التطرف أو المعاداة للغرب، بل على العكس من ذلك تماماً، فالكثير من مساعي ومحاولات المنظمات الإسلامية الغير حكومية تتسم بالواقعية تجاه الأزمات وترحب بأي بأشكال الدعم كافة.

ج. التجــارة:

إن ظهور الأعمال الحرة في الصومال الموسومة بالطابع الإسلامي كانت سبباً واضحاً للمخاوف التي برزت في بعض الأوساط من أن يتمتع المتطرفون بسيطرة مفرطة على فيما وصفهُ أحد المحللين باقتصاد “السوق السوداء”، وكما أخبر العديد من الصوماليين في مقديشو مجموعة الأزمات الدولية، بأن الإسلاميين “وادادو” قد سيطروا تقريباً على 80% من الاقتصاد.

إن مثل هذه الادعاءات تعتمد بشكل نموذجي على تأثير الأفراد الرئيسيين أو الأعمال التجارية التي يقوم بها القطاع الخاص فيما بعد مرحلة الحرب ولقد استغل أعضاء “الاتحاد” الفرص لتحقيق ثرواتهم الذاتية، حيث لعبت مصادر التمويل الخارجية القادمة من الجمعيات الخيرية الإسلامية دوراً مهماً في عملية الإثراء الذاتي لأعضاء الاتحاد، وخاصة في ظل ظهور بعض شخصيات الاتحاد البارزة على هيئة تجار ورجال أعمال في “بوساسو” فعلى سبيل المثال استطاع أحد الناجين من معركة “الاتحاد” مع قوات “جبهة الإنقاذ الديمقراطية” في عام 1992م، أن يؤسس إحدى أكبر شركات الصومال لتحويل الأموال والذي وضع ممثلا له في نيروبي الناطق السابق باسم الاتحاد في لندن “محمد الشيخ عثمان”، كما اكتسب أيضاً بعض الإسلاميين المهمين إدارة قيادية في مجال العمل التجاري منهم “بكر عمر أداني” وهو شخصية رئيسية في الائتلاف الذي يسيطر على ميناء “المآن” في مقديشو والمعروف أيضاً بآرائه المتطرفة، ودعمه لقضايا المليشيات المسلحة وعلاقاته مع عضو “الاتحاد الإسلامي” “حسن ظاهر عويس” هذا بالإضافة إلى الرئيس السابق لمجموعة شركات البركات الشيخ نور الجمالي، والذي سيرد ذكره فيما حين أنكر الأخير علاقاته بالقاعدة ولكن ينظر إليه وعلى نحو واسع كراعي للمجموعات الإسلامية المحلية.

على أية حال إن وجهات النظر الدينية لرجال الأعمال لاتصل بالضرورة حد المؤامرة الإسلامية، أن العديد من الشركات الصومالية مقرها الآن دولة الإمارات العربية المتحدة وهي إحدى البلدان القليلة جداً التي لازالت تتقبل جواز السفر الصومالي حيث يمكن بناء شركات الاستثمار بشكل سلس وبعيداً عن أشكال التعقيد، وفي داخل الصومال هناك العديد من رجال الأعمال يستعرضون شخصياتهم الدينية ويميلوا إلى استخدام العناصر الدينية في أعمالهم التجارية وذلك كي يغرسوا الثقة في نفوس الزبائن وللتغلب على الانقسامات العشائرية والإقليمية، وقد يعتقد الإسلاميون بأن مجال الأعمال قد يدفع بالقضية الإسلامية للإمام، ومن هنا يعترف العديد من رجال الأعمال الصوماليين بأن الإسلام قد يكون جيداً في هذا الإطار.

1. البركـــات:

إن حالات الغموض التي تندثر بها مؤسسات الأعمال الإسلامية يمكن أن تظهر بصورة واضحة من خلال شركة البركات – وهي عبارة عن شركة صومالية للحوالات المالية اتهمتها الولايات المتحدة بوجود صلات مباشرة لها مع تنظيم القاعدة وقد تأسست هذه الشركة في أوائل التسعينات من قبل أحد المصرفين السابقين وهو “أحمد نور الجمالي”، حيث كانت الشركة بمثابة قناة للتحويلات النقدية ما بين الصوماليين المقيمين في الشتات وأقربائهم في الصومال. وقد وصلت تقديرات أعمال هذه الشركة إلى حوالي 300 مليون دولار سنوياً، وقد سمحت أيضاً لزبائنها بإيداع أموالهم كودائع، وفتح حسابات جارية، كما أن العديد من المنظمات الغير حكومية الدولية، ومؤسسات الأمم المتحدة في الصومال قامت باستخدام الشركة في تحويل عملياتها، وقبل مضي العقد على تأسيسها أصبحت من أبرز الشركات الصومالية على صعيد الحوالات النقدية والاتصالات وهذا كله قد توقف عندما أعلنت الولايات المتحدة في تشرين الثاني 2001م، عن علاقة الشركة بتنظيم القاعدة ووضعت رئيسها “الجمالي” ومديرها الإداري “عبد الإله حسين كاهي” على قائمة الأشخاص المرتبطين بالإرهاب وفي نفس اليوم قامت قوات من الشرطة والأمن بمهاجمة مكاتب الشركة في الإمارات العربية المتحدة، ووفقاً لمصادر واشنطن فإن شركة “البركات” لم تكن لوحدها في هذا المجال وأصبحت الشركة موضعاً للاتهام بتحويل الأموال لشبكات تنظيم القاعدة، في نسبة تصل إلى 25 مليون دولار سنوياً، وقد تم تجميد ممتلكات الشركة بما في ذلك مدخرات الآلاف من الصوماليين، حيث طويت ملفات هذه الشركة.

وتجد الإشارة إلى الحكومة الأمريكية لم تقدم أي دليل عام على يساعد ادعائها ضد الشركة ويرى الكثير من المحللين الصوماليين عن أن الادعاءات الأمريكية مشكوك فيها الأمر الذي يعزز وجهة نظر “البركات” من هذه الأحداث، وطبقاً “للجمالي” فإن مكتب التحقيقات الفدرالي ومحققي الخزانة الأمريكيين قد اجريا تحقيقين شاملين في سجلات مكاتب ومباني الشركة في دبي “لم يجدوا ما يفيد ذهاب الأموال المنظمات الى الإرهابية، ولكننا لا نستطيع أن نمنع شخص ما من تحويل 100ألف دولار أو 15 ألف من مكان لأخر، وقد سمعت فيما بعد أن بعض الأموال استخدمت في الهجوم على مبنى التجارة العالمي قد خرجت من الإمارات ومن خلال بنك أخر، ولو أنها خرجت من خلالنا لكان لديهم قضي.

ووفقاً للجمالي فقد أخذ المحققون نسخ عن كل الوثائق إلى واشنطن وقد وعدوا بالرد خلال 45 يوماً، وأعطوا “البركات” اسماً للاتصال به في وزارة المالية الأمريكية، ولكن الشهور انقضت بدون إجابة كما أن الاتصال معهم في وزارة المالية كان بعيد المنال، لذا قمنا بتوكيل المحامين، اثنان منهم لم يحرزوا أي تقدم والمحامي الثالث اسقط القضية لأن الناس أخبروهُ “هل تعرف ما تقوم به، فمن المحتمل أن يكون لهذه الشركة علاقة بالإرهابيين.

وفي غياب الإجراءات القانونية الشفافة ينظر العديد من الصوماليين إلى الإجراءات ضد شركة البركات على أنها إجراءات تعسفية، وإرهابية ضد المشاريع “السلفية التجارية”، وخاصة أن الشركة قد تبنت سياسات إسلامية محافظة، ولا يوجد هناك عناصر نسائية ضمن طاقم موظفيها، بالإضافة أيضاً إلى عدم وجود حملة للأسهم، وقد كان لدى العديد من الصوماليين الشكوك بأن ما ذكر سابقاً هي ميول سلفية لبعض الذين ارتبطوا “بالاتحاد”، ولكن هناك القليل من الشك بأن هذه الهالة الدينية نفسها كانت مصدرا للثقة بشركة البركات من قبل زبائنها.

2. البضائع المهربة عبر الحدود:

هناك تجارة مريحة أخرى ارتبطت بالأعضاء السابقين في “الاتحاد المتعاطفين معهم هي السلع المهربة عبر الحدود ما بين الصومال وكينيا، وطبقاً للحصار الأمنية الإقليمية، فإن السلع وخصوصاً مادة السكر كانت تستورد عن طريق ميناء “كيسمايو” من قبل اتحاد رجال الأعمال والذي كان يشمل هيئات مالية بارزة تتركز في مقديشو وتدعم القضايا المتعلقة بالجهاد، ويقال بأن البضائع في كيسمايو تعبر إلى كينيا من خلال مخيمين للاجئين هما “ايغو وايجارا” قبل أن يتم شحنها إلى كل من ” جاريسا, واجير، ومقاطعة ايستليغ” في نيروبي، وقد استطاعت المصادر الأمنية الكينية أن تتعرف على عدد من الهيئات الرئيسية في هذه التجارة وأنهم كانوا من أعضاء الاتحاد الإسلامي، ولكنهم كانوا في حالة رض عن هذه التجارة، وأنهم كانوا من أعضاء الاتحاد الإسلامي، ولكنهم كانوا في حالة، رضا عن هذه التجارة ولذلك فضلوا مراقبتها على توقيفها.

على أية حال وفي عام 2003م، فقد كشفت التحقيقات بأن الهجمات الإرهابية التي تم تنفيذها في عام 2002م, والتي استهدفت أحد المنتجعات السياحية والمحاولة الفاشلة لإسقاط الطائرة الإسرائيلية بالقرب من مومباسا، أنها لربما نفذت بأسلحة تم تهريبها عبر الحدود مع الصومال. وعلى أثر تلك الهجمات سعت كينيا وبسرعة إلى طلب المساعدة الأمريكية للقيام بدوريات على حدودها البرية والبحرية، وبدأت بتشديد إجراءاتها في الموانئ والمطارات، ويبدو أن أولى الضحايا لهده السياسية الأمنية هي تجارة التهريب والتي استطاعت أن تغذي بعض الأسواق مثل “استيليغ” بالبضائع المهربة.

الشبكات الإسلامية: التوافق أو المؤامرة:

إن تداخل وتقاطع التعاون من حين لآخر ما بين الشبكات الإسلامية الصومالية إلى حد المشاركة في القيم والأهداف بما في ذلك المجتمع الصومالي الأكثر أصالة، قد دفع بعض المراقبين إلى “التوصيل ما بين النقاط” والاستنتاج بأن لديهم مشروع سياسي مشترك ولكن طبقاً لما ذكر سابقاً فإن إسلاميو الصومال لا يتميزوا على الإطلاق بالاتساق او التوافق، كما أن رواهم للمجتمع أو الدولة الإسلامية متنوعة ومختلفة هذا إن لم تكن متباعدة وبالتأكيد هم يمثلون قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية كامنة مع وجود الإمكانية في تحويل المشهد السياسي سواء عبر المشاركة في الرغبة أو النية للقيام بذلك والتي هي محل شك كبير.

1. المؤامـرة:

ولأي فرد يريد أن يثبت وجود المؤامرة الإسلامية الواسعة للاستيلاء على السلطة في الصومال فإن تشكيل الحكومة الانتقالية في شهر أب من عام 2000م، يوفر الفرصة لذلك، وبالرغم من أن الحكومة الانتقالية لم تتمكن من الخروج من قوقعة عدم التأثير والفائدة، إلا أنها استطاعت أن تؤمن حالة من التقارب تمكنت فيها من الجمع وبطريقة معقدة ما بين المليشيات المسلحة، والمعتدلين، والمصالح التجارية، والشبكات العشائرية.

ومنذ اللحظات الأولى في عمر الحكومة المؤقتة، فإنها اعتبرت منبراً للمجموعات الإسلامية، وقد نوه أحد المراقبين في هذا السياق بأن ربع أعضاء البرلمان الجديد لهم بصورة أو بأخرى علاقة “بحركة الإصلاح” كما أن العشرات لهم علاقة “بالاتحاد الإسلامي” ومع هذا فإن الحكومة ليست لديها أية أجندة إسلامية واضحة وبالنسبة للبعض فإن مجرد وجود هذه المجموعات يُمثل الدَّليل الكافي لاعتبار “الحكومة المؤقتة” بمثابة حكومة للاتحاد حسب ما تحدث به أحد المسئولين الإثيوبيين لمجموعة الأزمات الدولية والذي اعتبرهم أيضاً أنهم “تنظيم القاعدة”. والتقييم الأكثر توازناً للحكومة المؤقتة اعتبرها “حكومة من ورق” وتفتقر إلى القدرة على الحكم، وتؤمن البيئة المناسبة لازدهار حالة الحركة والمجموعات الإرهابية.

إن المهام التي تواجه الإدارة الجديدة كانت من الضخامة بمكان لم تستطيع معه الحكومة المؤقتة مواجهة تلك التحديات، حيث أن البلاد بقيت لما يزيد على العقد من الزمان دون حكومة مركزية والتي ذابت في خليط من الإدارات الإقليمية والإقطاعية والعشائرية والدويلات. كما إن البنية التحتية العامة قد نهبت خلال سنوات الحرب الأهلية، بالإضافة الى أن الإدارات المحلية والفصائل المسلحة قد ادعيا الأحقية على الممتلكات الاستراتيجية مثل الموانئ والمطارات، بالإضافة إلى نشوء جيل كامل دون أن تتوفر له المعرفة أو الحكومة، وعلاوة على ذلك فإن تشكيل “الحكومة الوطنية المؤقتة” جاء على قاعدة عملية سلام كان ينقصها الكثير، وتفتقر إلى دعم عدد من الدوائر السياسية المهمة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة المؤقتة كانت مرئية بشكل دائم في شوارع مقديشو وفي مناطق محددة جداً فقط، ومن أجل أن تثبت سلطتها عملت الحكومة المؤقتة وبشكل سريع على استيعاب “محاكم الشريعة” وذلك من خلال الاقتراح على بعضها بالتحالف ما بين الرئيس عبد القاسم وحسن ظاهر عويس وبعد أحداث 11 سبتمبر كان لاتهام الولايات المتحدة عبد القاسم بوجود صلات له مع هيئات إرهابية مسئولية كبيرة وقد عين الشيخ يوسف المحمي من عويس في مركزه كحاكم لمنطقة “شابللي السفلى” والذي أدار لفترة طويلة نظام المحاكم الإسلامية، كما وضع عبد القاسم أيضاً في وزارة “عبد القادر محمود دهقان”، والذي لديه شهرة في القتال كما أنهُ كان الناطق الرسمي باسم الاتحاد في منتصف التسعينات.

2. القرابــة:

وما ظهر لبعض المراقبين كتحالف ما بين الناشطين الإسلاميين ونظر إليه الآخرون بأن ذلك يأتي في السياقات النمطية المألوفة للسياسة العشائرية، فعبد القاسم، وعويس، والشيخ يوسف، وهؤلاء جميعاً كانوا أعضاء في “حبر الغدير” من عشيرة “أير” حيث كان هؤلاء بمثابة مستشاريه الثقات فمنهم مستشاره العسكري وحلفائه التجاريين الرئيسيين ويملكون أيضاً قصر الرئاسة، ولقد كان 6 من 7 المفوضين الذين تم تعينهم في “شابللي السفلى” يعودون بنسبهم إلى عشيرة “آير” وذلك على الرغم من قلة عدد العشيرة في تلك المنطقة، وفي “جوبا السفلى” فإن المليشيات التي يقودها “يوسف سرار” والتابعة لعشيرة “آير” قد تحالفت مع المليشيات التابعة لعشيرة “ماريهان”لتشكيل ما يعرف بتحالف “وادي جوبا” ومن ثم السيطرة على بلدة كيسمايو” ومينائها الاستراتيجي والعديد من الصوماليين الذين لم يقبلوا بقيادة عبد القاسم للحكومة المؤقتة، والتي مثلت قبل كل شيء عملية السيطرة على الدولة من قبل بعض النخب العشائرية والمهتمة بالمحافظة على فتوحاتها الإقليمية وتعزيز امتيازاتها التجارية.

إن العلاقة ما بين الحكومة الوطنية المؤقتة … والمليشيات المسلحة كانت في أحسن أحوالها، ولا شك أن “عويس” والمجاهدين من إتباعه قد أفادوا من رعاية الحكومة الوطنية لهم ولكنهم أيضاً شكلوا القوة العسكرية الضرورية لممارسة الحكومة الوطنية لسلطتها. ولقد مثلت مغازلة الحكومة الوطنية المؤقتة للإسلاميين نقطة رئيسية لوصف الولايات المتحدة في عام 2004م، لهذه الحكومة بأنها راعية للإرهاب وإن هذا التحرك كان يمكن أن يعني قيود سياسية واقتصادية مدمرة على قيادتها وشركائها التجاريين، وبالرغم من أن الحكومة المؤقتة لم تكن موجودة فإن العلاقة ما بين المجاهدين وصلة القرابة المعتمدة على السياسة لازالت موجودة وسليمة بشكل كبير “فآيرو” ومساعديه من قطاعات واسعة من العشائر الصومالية، ولكن قاعدتهم الأساسية كانت تقع وبشكل كبير في حي “أير” في مقاديشو” ومحكمة “ايفكا هلاني” والتي يعود إليها “ايرو” وهي مؤسسة تابعة لعشيرة “اير” ويجدر التنويه أن البعض من أقارب ايرو يدعمونه والعديد منهم يخشونه ومستآؤون منه، ففي تشرين الثاني من عام 2005م، شجب مجلس محاكم الشريعة تلفزيون وراديو “هورن افريك” وهي مؤسسة اعلامية محترمة يملكها كبار رجال الأعمال المؤثرين من عشيرة “اير” وقد رفع ذلك من شبح المواجهة مع مليشا “ايرو” ولكن اتخاذ أي فعل ضده كان من الممكن أن يشعل فتيل النزاع في إطار العشيرة ومن المحتمل أيضاً أن يجر ذلك النزاع قوى وعشائر أخرى، وقد أدرك “أيرو” وأتباعه من المجاهدين هذه الازدواجية وتمثل ذلك واضحاً في تلاعبهم البارع على أوتار روابط القرابة والتي أصبحت أحد أهم مصادرهم للأمن كما أن العشائر الأخرى تواجه معضلات مماثلة مع زعماء المجاهدين المؤثرين ومن الناحية التاريخية فقد تأثرت وبشدة القبائل الثانوية التابعة لعشيرة “أوجادين” من عمليات الأثيوبية ضد الاتحاد، فقد كان كل من الناطق الرسمي باسم الاتحاد في مقديشو خلال فترة التسعينات “عبد القادر محمد دهقان”، وزعيم المقاومة الشعبية المتنقلة “الرحالة”، في منطقة “جوبا” حسن تركي من نفس العشيرة، ويبدو أن تركي لم تغادره أبدا الفكرة في الجيش الإسلامي المتطرف والذي تجول لفترة تزيد عن العقد من الزمان، في المنطقة الداخلية ما بين “رأس كامبوني” و “بدادهي” مع مجموعة تتألف تقريباً من 200 من المسلحين والذين كانوا بشكل رئيسي من عشيرته “اوجادين”.

ولقد أدت مشاركة المليشيات المسلحة التابعة “لتركي” في مقتل امرأة أمريكية شابة في 1999م، إلى قيام اشتباكات بين قواته والمليشيات المحلية التابعة لعشائر “أوجادين” ولقد كانت عشيرة “الوار سينجيلي” وهي عشيرة فرعية من “ابجال” والتي كان ضمن صفوفها رئيس الوزراء الاتحادي في الحكومة الانتقالية، متلهفة لتقديم نفسها كشريك في الحرب على الإرهاب، بالإضافة إلى كونها إحدى المقربين لحكومة الولايات المتحدة في جهودها لمكافحة الإرهاب، وفي نفس الوقت يعود الشكر إلى رعاية “أبو كر عمر اداني”، ولعدد من المجاهدين في صفوفها “الوار سينجيلي” والتي كانت تعتبر وعلى صعيد واسع بأنها تأتي بالمركز الثاني بعد عشيرة “اير” والتي نمت بشكل كبير خلال 2005م.

إن أكثر العشائر التي تمثل وجه الصومال لديها توترات فيما بينها تختلف في حدتها بدرجة او بأخرى، ولديهم في نفس الوقت الرغبة، في المحافظة على السلام الداخلي والتضامن تجاه التهديدات الخارجية والتي يمكن أن تستغل من قبل المتطرفين الساعين لإيجاد غطاء لحماية أفعالهم. قد يكون كل من “ايرو” و”تركي” ورفاقهم مكروهين من قبل الصوماليين الآخرين والذين لديهم مشاعر مليئة بالخوف من هذين الشخصين، ولكن في النهاية يدرك المذكورين أعلاه بأنهُ يمكن لهم الاعتماد على روابط القرابة لحمايتهم من الاهتمام العدائي للحكومات الأجنبية أو حتى من شركائهم الصوماليين.

3. التوافـــق:

إن المواقف المتناقضة تجاه المجاهدين قد نجم عنها إقترانات غريبة من التوافق ما بين المجموعات المزعومة والغير متوافقة كما إن التحالف ما بين المصالح المختلفة والمتعارضة مع رئيس الحكومة الوطنية المؤقتة “عبد الإله يوسف” هي مثال واضح ورئيسي لم يوحد فقط ولو بشكل مؤقت خصومة السياسيين وإنما وحد أيضاً قطاع واسع من المجموعات الدينية والمدنية المختلفة.

وفي الأسبوع الأخير من أيلول 2005م، عقد في مقديشو الاجتماع الأول حضره حوالي 250 من قادة الصومال الدينيين والمدنيين هناك كما شارك في الاجتماع بعض الأجانب، وهو الاجتماع الأول للاتحاد الصومالي والمجلس الانتقالي، وتضمنت قائمة المشاركين القادة الدينيين التقليديين، وممثلين عن مختلف الجماعات الإسلامية وقادة المجتمع المدني، وبعض الشعراء وعدد من أعضاء البرلمان، وقد ناقش المؤتمر على مدار ثلاثة أيام أسباب انهيار الدولة الصومالية، والعقبات التي تقف أمام أعادتها وكذلك تم مناقشة النموذج الأفضل للحكومة، أما النقاط الأخرى على جدول أعمال المؤتمر فكانت تتضمن تعاريف الإرهاب والإرهابيين وإلى أي مدى يمكن للإسلام أن يساهم في حل الأزمة الصومالية، وفي ختام الاجتماع توصل المشاركين إلى ان السبب في الأزمة الصومالية كان يكمن في الفشل بالتصرف وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والذي قاد إلى الظلم والفساد، والعشائرية، والأمراض الأخرى التي يعاني منها الصومال حالياً، ومن بين القرارات الأربعة عشر التي اتخذها المؤتمر وهو الدعوة إلى عقد مؤتمر للمصالحة في مكان ما في البلاد مع الإنكار لشرعية الحكومة الاتحادية الانتقالية التي شكلت في كينيا عام 2004م، وبالنسبة للعديد من المشاركين كان الهدف من وراء الاجتماع في تقديم إنذار نهائي إلى الفصيلين في الحكومة الاتحادية الانتقالية في أنهم إذا لم يتغلبوا على خلافاتهم وينشئوا حكومة تقدم بالدور المطلوب منها، فإنهم سيواجهون تحدياً كبيراً من العديد من المجموعات المستاءة من الوضع، ولكن المؤتمر أكد أيضا على مكانة الإسلاميين بما فيهم المجاهدين في الاتجاه العام من النشاط المدني في مقديشو، كما اتخذ قرارا في تعزيز دور المحاكم الإسلامية في توفير الأمن، وقبول تعيين “ايرو” كرئيس المليشيات لمحكمة “افكاهلاني” كما تجنب المؤتمر تحميله مسئولية الاغتيالات المتعددة وقضية تدنيس المقبرة الإيطالية وخرج عن المؤتمر أيضاً إعلان يتعلق باستخدام تعبير الإرهاب وأن ذلك جاء لتقويض الإسلام وحرمان الناس من حقوقهم، وتشترك الصومال في الاعتقاد السائد بين الكثير من التجمعات الإسلامية حول العالم في البيانات التي أدلى بها “ظاهر عويس” مؤخراً إلى وسائل الإعلام الدولية، وذلك في رفضه لانتشار أي قوات أجنبية يحفظ السلام على الأراضي الصومالية، ولم يعبر المؤتمر فقط عن وجهة النظر هذه، والتي يؤمن بها غالبية الصومالية وإنما أيضاً امتد ليشمل تأييد الدعوة للجهاد لقتال القوات الأجنبية وجاءت هذه الدعوة من قبل “عويس” في مقابلة صحيفة أجريت معه في الشهر الماضي.

– الخاتمـــة:

إن نمو النشاط الإسلامي في الصومال يترادف مع عدم التطرف أو الاتجاه نحو الإرهاب، فهذا النشاط في كافة أشكاله المختلفة جاء رداً على التحديات المتعددة التي شكلتها الحرب الأهلية الطويلة وانهيار الدولة، وإن التطرف قد تم تبنيه من قبل أقلية صغيرة جداً في محاولة منها لاستغلال نفس الظروف التي سبق ذكرها إن الأغلبية الواسعة من الصوماليين وبما ذلك الناشطين الإسلاميين يرفضون ممارسة التطرف والعنف العشوائي باسم الإسلام. وهذا كله لا يعني أن المصالح الأمنية في الصومال يمكن لها أن تتقدم من خلال المشاركة مع المسلمين “الجيدين” وعزل “السيئين” منهم، وفي هذا الإطار هناك العديد من الصوماليين العاديين، بالإضافة إلى استثناء العديد من الإسلاميين الناشطين والتقليديين من التدخل في شؤون حياتهم، وكذلك الريبة العميقة في نوايا الدول المجاورة، كما أنهم يعارضون وبشكل كبير الحرب في العراق وأفغانستان وينظرون للحرب على الإرهاب كهجوم خفي على معتقداتهم.

وهناك نقطة مهمة تدخل في سياق خدمة الأهداف الدولية في مكافحة الإرهاب والتي تتمثل في دعم فصيل معين في الحكومة الاتحادية الانتقالية، كما كان الحال في الحرب الأفغانية ودعم تحالف الشمال وعكس “الطالبانية” في الصومال, فالأمور هناك تجري بالعكس من ذلك، فالتدخل الحزبي وبهذه الصورة سيخلق قضية مشتركة بين المتطرفين الإسلاميين، والمعتدلين والفصائل السياسية المتنافسة وهذا بدوره سيوسع من دائرة التهديد التي يمثلها “الجهاد” وذلك بدلاً من إزالتها.

إن النجاح في مكافحة التطرف والإرهاب في الصومال يتطلب من الحكومات الأجنبية ترتيب أنفسها إلى حد معين وبما يتوافق مع الاحتياجات والطموحات الصومالية، فالغالبية الصومالية ترى في تأثير الإرهاب صورة باهته بالمقارنة مع التحديات اليومية للبقاء على الحياة في ظل دولتهم المنهارة وبشكل كامل، ومن هذا المنطلق فإن إعادة السلام والحكومة الشرعية العاملة، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن هي من بين الأولويات التي تفوق في أهميتها المخاوف الأمنية الأجنبية، لذلك فإن استراتيجيات مكافحة الإرهاب يجب أن تنسج بشكل يتلائم مع المنظور والمخاوف الصومالية هذا فيما إذا أرادوا النجاح بتلك الجهود المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

ومن بين الأمور الأخرى فذلك يشمل ما يلي:

  • الارتباط النزيه والإيجابي في عملية السلام الصومالية والتي تهدف إلى إبراز المؤسسات الحكومية الشرعية والمسئولة، وهذا على درجة كبيرة من الأهمية وسيكون مقبولاً من قطاعات واسعة من الصوماليين أكثر مما هو للحكومات الإقليمية أو الغربية.
  • القيام بجهود دبلوماسية عامة لتوضيح المخاوف الأمنية الدولية والمصالح والأعمال وتوضيح الأهداف من وراء مبادرات مكافحة الإرهاب، وأن الإرهابيين عبارة عن حفنة من المجرمين والعديد منهم من الأجانب وليسوا صوماليين في الأغلب،
  • المشاركة مع المنظمات الصومالية والقادة وبغض النظر عما إذا كانوا يحملون طابعا إسلاميا أم لا وذلك باستثناء الفصائل المرتبطة بعقائد التعصب أو القتال وبمعنى آخر بعض الرجعيين من رجال الدين السلفيين والمدارس المعنية في هذا السياق أيضاً.
  • المشاركة مع القادة السياسيين والمحترفين، والتجاريين من العشائر والتي تضم في إطارها العناصر الجهادية الهامة، وذلك بهدف تحقيق إرشادهم وتعاونهم في معالجة المشكلة.
  • استثمار الخدمات الاجتماعية وتدريب المحترفين مثل المحامين والقضاة والأطباء والمعلمين وذلك من خلال المؤسسات الموجودة حالياً بما في ذلك الجامعات والكليات والمستشفيات وأينما تسبب إجراءات مكافحة الإرهاب أضرار جانبية لا يمكن تفاديها، وتعزيز الجهود في اتخاذ الإجراءات السريعة للتخفيف من تلك الأضرار، مثل دعم ومساندة المنظمات الغير حكومية في مساعدة الأيتام مثل مؤسسة الحرمين أو بناء قدرات شركة الحوالات المالية وبما يتطابق مع المعايير المالية الدولة في هذا السياق.

لقد اخفق التطرف الإسلامي في بسط سيطرته بصورة كبيرة على مقاليد الأمور في الصومال وذلك بسبب المقاومة الصومالية لهذا الموضوع، وليس بسبب جهود مكافحة الإرهاب الدولية، فالأغلبية الكبيرة من الصوماليين يرغبون بوجود حكومة ديمقراطية، وتعتمد على قاعدة عريضة من التأييد وتعكس الدين الإسلامي كما زاولوهُ لقرون، بتسامح واعتدال واحترام الاختلاف في الالتزام الديني.

2 تعليقان

  1. يا سعادة الكاتب في البداية احييك على تعبك في هذه المقالة ونشرها على شاهد … ولكني اخشى انك لم توفق في كتابتها فهي طويلة للغاية وبها معلومات هامشية غير مفيدة انت لم تدقق في اصل المشكلة الشباب نعم كانوا موجودين منذ زمن طويل ولكنهم لم يكونوا بهذه الفعالية والنفوذ كما هم الان فمثلا عام 2006 كانت هناك 13 عشر مقاطعة في وسط وجنوب الصومال 3 منها فقط في يد الشباب والبقية للمحاكم الاسلامة والتنظيمات الاخرى المعتدلة التي فعلت ما لم يفعله اي من السياسيين الصوماليين الفشلة في نشر الامن و التنمية عندما جاء الاحتلال الاثيوبي واسقط المحاكم الاسلامية استغلت حركة الشباب هذه النكسة ووسعت تنظيمها وانتشرت حتى سيطروا على مقديشو كل هذه السنين ما يدعو للاسف ان الاتوبيان جائوا عام 2006 لتحرير مقديشو وما حرروها بضعة اشهر حتى رجعوا لبلادهم تاركينها للشباب اكتشفنا بعد هذه الفاجعة ان المحاكم الاسلامية تنظيم معتدل بدون اي علاقات مع القاعدة كما كان يروج للعالم من بعض الاشخاص احد اهم رؤساء هذا التظيم هو الشيخ شريف الذي اصبح لاحقا رئيسا للصومال هذا هو السبب في لاستمرار الازمة في الصومال …

    سعيد احمد يبدو انك اخيرا قد قمت بالكشف عن الوانك واجنداتك الجهادية ان كنت مؤيدا للشباب كما يتبين من تعاطفك معهم في مقالاتك فاذهب لكيسمايو وعش معهم كيفما تريد

  2. أولا شكرا للدكتور محمد.
    رغم أنني لم أقرأ المقال كاملا إلا أنني أنتقد الكاتب بما جاء في مقاله من أخطاء كثيرة‘ أذكر منها مثلا ما جاء في كتاباته ” وتفرض حركة الشباب نموذجا متشددا من الشريعة الاسلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك رجم النسوة المتهمات بالزنا حتى الموت وقطع ايدي السراق…..” فوصف الكاتب الرجم وقطع أيدي السراق بالنموذج المتشدد‘ أقول: يا دكتور هذا ليس مما جاءت به هذه الحركة بل هذه حدوده الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه. ويبدو أن الكاتب تأثر بالنموذج التحريري التقييدي الغربي الذي لا يحترم إرادة الأمم ولا تشريعاتهم.
    ورغم أنني لا أٍستطيع أن أحصر كل إنتقاداتي لهذا المقال في تعليق فإنني أذكر كذالك ما قاله الدكتور أن معظم الشعب الصومالي ينتمون للمدهب الصوفي مما أدى إلى نفورهم من حركة الشباب وأقول: أن هذا ليس صحيحا والشعب لا ينتمي معظمه إلى هذا المذهب ولم يعرف الشعب الصومالي يوما بالذي يفر من تطبيق شرائع الإسلام أبدا.
    وأرى أن الكاتب لم يعدل في حق حركة الشباب- رغم اختلافي مع حركة الشباب- فصورها تنظيما بشعا انتهك حسب وصفه حقوق الإنسان في كثير من المواضع آخرها هجوم نيروبي أقول: يا دكتور!!!!! ألم تر ما يفعله الإحتلال الإفريقي في الصومال بأهلنا وبلدنا وكرامتنا؟؟؟؟؟ لماذا فقط تتكلم عن هجمات حركة الشباب؟؟؟ ألا تتكلم عن قصف الإحتلال الإفريقي لسوق بكارى وهدمهم للمساجد واغتصابهم لبنات الأحرار؟؟؟؟؟
    أما حركة الشباب فإنني أرى أنها تنظيم إسلامي تحت التجربة رغم التحديات فإن فشل أو أفرط في التطبيق فإن هذا لا يعني فشل الإسلام بل ذلك فقط فشل الرجال. فمسلم خاطئ أحسن لنا من احتلال يريد الإنتقاص من حرياتنا وكرامة بلدنا.

%d مدونون معجبون بهذه: