الوضع الصومالي… نظرة من زاوية معاكسة(3)

الكودار المغيَّبة :

من المعروف لدى الجميع أن هناك حملة شرسة منذ فترة غير قصيرة ضد أصحاب العقول النيرة والمواهب الشابة في الصومال بهدف تغييبهم عن الساحة؛ سواء بالقتل أو التهميش أو التهجير القسري أو غير ذلك من الأساليب المستخدمة لدى المثبطين وضعاف النفوس؛ وذلك على عكس ما يستوجبه الواقع المحلي من ضرورة توفير عناية خاصة للكوادر المؤهلة علميا وعمليا في جميع المجالات؛ حتى وإن أدى الأمر إلى استبقاء القتلة والمجرمين إلى أجل معين؛ بهدف استغلال ما لديهم من مهارات وخبرات عملية؛ في إطار الموازنة بين المصالح والمفاسد في هذه المرحلة الاستثنائية.

و هناك من الكوادر مَن يغيبون أنفسهم طواعية خوفا على مستقبلهم وحياتهم، و هناك آخرون مرضى أو مصابون بالجنون بسبب الإهمال المتعمد، و بعض القلة القليلة الذين نجوا من الحملة المنظمة معقدون نفسيا حسب اعتقاد بعض الخبراء؛ مستدلين بكثرة شكاوى طلبة الجامعات من بعض أساتذتهم ممن ليسوا على المستوى المطلوب من حيث التفاني في العطاء وتقديم خلاصة تجاربهم إلى الطلبة.

وبالطبع، هذا جعل الكثيرين غير قادرين على توريث مهاراتهم للأجيال الصاعدة، ومن هؤلاء من أحاط نفسه بضعفاء انحصرت مهمتهم في التصفيق له تحاشيا من سطوع نجم آخر بجانبه؛ ضمن المساعي الرامية إلى الاستمرار  في التربع على الكرسي لأطول فترة ممكنة.

 مشهد  واقعي

نصحني أحد أصدقائي ذات مرة بألا أظهر قدراتي ومهاراتي – مع تواضعها – لدى مسؤول كنتُ أعمل معه؛ على أساس أنه إذا عرفها يستبعدني تماما، وبعد فترة قصيرة صدقت نبوءة صاحبي، وحدث الذي حذرني منه، والشاهد أن هذا المشهد الواقعي -وغيره كثير- دليل على طغيان الذاتية وضعف الحس الوطني لدى كثيرين ممن سنحت لهم الفرصة بتولي مسؤولية مكاتب هيئات خيرية ودوائر حكومية، والتي تبدو مكاتب عامة في الشكل لا في المضمون بفعل تصرفاتهم غير الحضارية التي يكتشفها الصبيان قبل الكبار.

 غباب تكافؤ الفرص

على الرغم من التجاوز الجزئي لمرحلة الاستهداف الجنوني للكوادر في شتى المجالات بالتصفية الجسدية، إلا أن هناك يأسا كبيرا لدى غالبية النخبة المثقفة بشأن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص كأحد البوابات الرئيسة لتحقيق العدالة الاجتماعية؛ وذلك لغياب سياسة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بالإضافة إلى وجود تقصير في توفير رعاية خاصة للكوادر المؤهلة والموارد البشرية الناشئة وفق متطلبات المرحلة المقبلة بما يحول دون تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات على الأقل.

فرص مواتية

لعل ما قامت به الحكومة الصومالية من استدعاء خبراء وكوادر مؤهلة في المجالات المختلفة أثناء المؤتمرات الوطنية الأخيرة يكون بادرة خير في سبيل الاعتراف المتبادل وتبني النهج القويم لإعادة بناء الوطن بسواعد أبنائه المخلصين، و بالطبع، هذا إجراء يستحق الإشادة به، بغض النظر عن سبل أو أسس اختيار المدعوين، ومدى جدية ما يتردد من أن الحكومة بحاجة إلى التعاون مع الكوادر المدربة والخبراء بشكل مستمر؛ وفق تصريحات المسؤولين التي يصفها البعض بأنها للاستهلاك الإعلامي.

أضف إلى ذلك ما تقرر بشأن رفع ميزانية مشاريع بناء القدرات “capacity building” إلى ٦٠ ٪ من ميزانية مشروع إعادة إعمار الصومال أو قريبا من ذلك وفق مصدر مطلع، وبالتالي نتطلع إلى الوقوف على أقدامنا من جديد، إذا أُحسن التوظيف، وتم استغلال الفرص المواتية دون تمييز أو تثبيط لهمم الكوادر المخلصة.

متطلبات المرحلة

بعيدا عن سياسة التغييب والمجاملات والإرضاءات؛ فإن الأمر يتطلب انطلاقة جماعية تكون مبنية على مبادئ تعزيز التعاون، وتكامل الأدوار، وإعطاء الأولوية للكوادر المحلية، مع ضرورة اقتناع الجميع بوحدة الهدف والمصير، وغير ذلك من متطلبات المرحلة؛ بهدف منح كل ذي حق حقه، وتفعيل الشراكة الوطنية المنشودة، وللحيلولة دون انفراط عقد الوطن من جديد.

%d مدونون معجبون بهذه: