قراءة تلخيصية لرسالة “مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان”(4-5)

الباب الثالث: المقاصد الإنسانية:

ويتكون من ثلاثة فصول هي:                

الفصل الأول: مقصد حفظ النفس وأثره في رعاية حقوق الإنسان ويشمل هذا الفصل على مبحثين:

المبحث الأول: تعريف مقصد حفظ النفس:

تناول الباحث مفهوم الإنسان من حيث اللغة والاصطلاح الشرعي، ويقصد الحفظ: حفظ النفوس والأرواح من التلف أفرادًا وجماعات؛لأن العالم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصها التي بها بعض قوام العالم، وليس المراد حفظها بالقصاص كما يفهم بعض الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعف أنواع حفظ النفوس؛لأنه تدارك بعد الفوات، بل الحفظ أهمه حفظها عن التلف قبل وقوعه، مثل مقاومة الأمراض السارية؛والتحوّط منها قبل انتشاره بالطرق والسائل المتاحة.

ويرى الباحث أن معنى حفظ النفس باعتباره مقصداً عاماً من مقاصد الشريعة ينبغي أن يكون مُتسعاً لمراتب المقاصد الثلاثة وشاملاً لها؛لأن قصد الشارع في حفظ الأنفس غير محصور في توفير مرتبة الضروريات التي لا يستطيع الإنسان مع الاقتصار عليها أداء مهمة التكليف التي من أجلها خُلق؛لأنه يعيش حينئذ في حرج وضيق، بل إن أحكام الشريعة المتعلقة بمقصد حفظ النفس تتوزع على المراتب الثلاث التي تحدث عنها الباحث في الباب الأول، ثم أورد الباحث التعريف المختار في نظره وهذه صفة جيدة التي تُظهر شخصية الباحث.

المبحث الثاني: وسائل تحقيق مقصد حفظ النفس: المراد بوسائل تحقيق مقصد حفظ النفس الأحكام الشرعية التي تُعنى بطرق إيجاد النفس وتكوينها، ورعايتها ثم تنميتها، ومدِّها بأسباب البقاء والقُوة التي تؤهلها لأداء المهام المنوطة بها، والتشريعات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لتحقيق هذا المقصد بتوفير كل ما من شأنه أن يقيم حياة الإنسان ويديم وجوده على أحسن وجه فهي كثيرة ومُتعددة نلخصها على النحو الآتي:

– تشريع الزواج: أول وسيلة من سائل تحقيق مقصد حفظ النفس هي تشريع الزواج لضمان التناسل وإيجاد النفس، وقد شرع الإسلام الزواج ليكون سبباً لوجود الحياة النظيفة على هذه الأرض، ولضمان بقاء النوع الإنساني واستمراره بأفضل الطرق وأحسن الوسائل، وحرَّم كل السُبل التي تكون سبباً لوجود الإنسان على غير أساس الزواج.

– توفير كفاية النفس من الطعام والشراب واللباس والسكن والصحة: وهذه هي الوسيلة الثانية من وسائل تحقيق مقصد حفظ النفس، فبعد إيجاد النفس بالتناسل لا بدّ من تعهدها بالرعاية والعِناية بتوفير كل مقوّمات حياته، ولهذا أمرت الشريعة الإسلامية بتناول ما تقوم به النفس من أكل وشُرب وعِلاج، وجعلت من الواجبات الشرعية على كل إنسان في حق نفسه أن يتعاطى من المأكل والمشرب والملبس والمسكن ما يحفظ وجوده، على الوجه الذي يكون به قوياً لأداء مهامه في الحياة.

-وسائل المحافظة على مقصد حفظ النفس: والمراد بوسائل المحافظة على مقصد حفظ النفس الأحكام الشرعية التي تُعنى بطرق حِماية النفس وصيانتها من كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تلفها كلاً أو بعَضاً، أو إضعافها من أداء وظيفتها المنوط في حياة الإنسان.

ثم أدرج الباحث عقب هذه النقاط قضية درء المفاسد وجلب المصالح حيث أورد أمثلة تشريعية احترازية كثيرة تشمل على الآتي:

أولاً: التشريعات الاحترازية لتحقيق الأمن الوقائي للنفس: وهذه جُملة تشريعات وقائية تلتقي عند تحقيق هدف واحد هو تحريم الاعتداء على النفس مطلقاً، وتحريم اعتداء الإنسان على غيره، فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية إزهاق الروح بغير وجه حقّ جريمة ضد الإنسانية كلها، كما اعتبرت إنجاءها من الهلاك نعمة على الإنسانية كلها (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) [سورة المائدة، الآية : 32].

أن حياة الإنسان ليست ملكاً خاصاً له، فلا يملك إسقاطه، وهذا أصل عظيم مُستمد من الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة؛ ولهذا حرمت الشريعة الإسلامية اعتداء الإنسان على نفسه بالانتحار ونحوه، أياً كان نوعه، جرحاً أو قتلاً، ومهما كان الباعث عليه؛إذ ليس من حق الإنسان الجناية على نفسه، أو وضع حدٍ لحياته بالقتل، كما يجب تحقيق الأمن الغذائي: بتحريم الخبائث من الأطعمة والأشربة وكل ما يضر النفس، وتحقيق الأمن الصحي بالوقاية من الأمراض السارية والعلاج منها عند الإصابة وهي من الوسائل التي جاءت بها الشريعة في ذلك الوقاية من الأمراض التي تصيب الإنسان فتُضعف قوته، وتعطله عن أداء مهمته، وطلب العلاج منها عند الإصابة بها، فالتوقي من الدّاء كما توقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طاعون عمواس بالشام، فعن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلب العلاج من الأدواء عند الإصابة بها، فقال: “تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وقد أنزل له شفاء إلا هذا الهرم “، بل ذهب بعض أهل العلم أبعد من ذلك فأجازوا على التداوي بالمحرمات، وهي مسالة فقهيّة أصولية قواعدية يُرجع إليها في مظناتها.

ثانيا: تشريع الرخص لتامين الحالات الطارئة: بإباحة المحظورات للضرورة، وتُعرَّف الضرورة عند الفقهاء بأنها بلوغ الإنسان حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو.

ثالثا: تشريع العقوبات الرادعة عند الاعتداء على النفس: وشُرعت العقوبات الرادعة لمن اعتدى على النفس كما فُرض التعويض للمعتدى عليه، والعقوبات التي شُرعت للمحافظة على مقصد حفظ النفس فكثيرة ومتنوعة نذكر بعضا منها:

  • القصاص في القتل العمد: إن أهم العقوبات الشرعية للمحافظة على النفس: القصاص، وهو عقاب للمعتدي يماثل نوع الاعتداء الذي ارتكبه، ابتداء من أخف الجراح إلى الاعتداء بالقتل، قال تعالى: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) [سورة المائدة: الآية (45)] وقد بين القرآن الكريم كيف يكون القصاص من وسائل تحقيق مقصد حفظ النفس، بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [سورة البقرة: الآية: (179)]؛ وذلك أنه إذا علم القاتل أنه إذا قتل سيقتل امتنع وانزجر وخاف، فكان في ذلك حياة للآخرين، كما أن فيه شفاء لغيظ أهل المقتول ومنعا لهم من التشفي والانتقام، وانتشار القتل بين الجانبين (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً ) [سورة الإسراء، الآية: 33].
  • الدية في القتل الخطأ: وقد شرعت الدية بقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [سورة النساء، الآية: 92]، وهي عقوبة رادعة من القتل.
  • حرمان القاتل من الإرث: وذلك معاملة له بنقيض مقصوده من استعجل شيئا قبل أوانه، عوقب بالحرمان منه، بقول النبي صلى الله عليه وسلم “ليس لقاتل ميراث”.
  • حد الحرابة لقطاع الطرق والمستخفين من حرمة النفس البشرية: لعل أجمع الأحكام التي مقصدها حفظ النفس بحفظ الأمن هو الحكم بالعقاب الغليظ لقطاع الطرق والمحاربين المتآمرين على أمن الناس المروعين لهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهو ما جاء في قوله تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [سورة المائدة، الآية: (33)] فالتغليظ في عقوبة هذه الجريمة إنما أحد أسبابه الأساسية ترويع الآمنين الضاربين في الأرض المعمرين فيها بقطع الطريق عليهم؛إذ من شأن هذا الترويع إذا ما فشا في المجتمع أن يقمع النفوس من أن تنطلق في الأرض للتعمير فيها بقطع الطرق عليهم، فعوقب بأشد العقوبات التي تتكافأ فعل جريمته.

 المبحث الثاني: أثر مقصد حفظ النفس في رعاية حقوق الإنسان:

تتعلق بمقصد حفظ النفس عدد من حقوق الإنسان تتمثل في: حق الحياة، وحق الحرية، وحق المساواة، وحق العدالة، وحق الأمان والحماية من التعسف والتعذيب، وحق الإنسان في حماية خصوصياته وحرماته، وحق حرية الارتحال والإقامة، وحق الإنسان في أن ينال ما يكفيه مما يحفظ له حياته من الغذاء واللباس والسكن والرعاية الصحية، وحرمة إفناء النوع البشري، بالإضافة إلى حرمة حقوق الميت، بل حرمة حقوق الحيوان أيضاً من الحقوق التي تتضمن حفظها مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس، وهو ما يعرف حفظ حقوق البرية والبحرية، ولا يقتصر أثر مقصد حفظ النفس في حقوق الإنسان في حال حياته فقط، بل يمتد حفظ حقوقه إلي ما بعد الممات، فيوجب الإسلام احترام الإنسان الميت وتكريمه بالغسل والتكفين والصلاة عليه واحترام جثمانه ودفنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه”، كما له الحق والاحترام بعد الدفن “لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا”، ويحرم نبش قبره إلا لضرورة شرعية مقدرة مع ضوابطها، ويشمل هذا المبحث في مطلبين نلخصها على النحو الآتي.

– أثر مقصد حفظ النفس في رعاية حق الحياة: ولا شك أن حفظ النفس أبلغ في المراد وأوفى في احترام الحياة، كما أن للإنسان حرية التصرف في حياته كيفما شاء ما لم يخالف ضوابط الشريعة في حقه وحق غيره غيره؛ لأن المحافظة على الحياة ليست حقاً للإنسان فقط، بل هي واجبة عليه، وليس من حقه أن يتنازل عنها أو يهدرها أو يفرط فيها، ويشمل حق الحياة ضمن ما يشمله من حقوق الإنسان الأمور الآتية:

  • حق التغذية: هو من الحقوق الشرعية الأولية للإنسان؛إذ من حقه ومن واجبه تناول كل الأطعمة والأشربة التي تتوقف عليها حياته، ويقوى بها جسمه دون أن يكون ما يتغذى به مما يضر أو يقتل أو يفسد وهي من أولويات المصالح الإنسانية التي راعت بها الشريعة القراء
  • حق اللباس: وحق اللباس من مُستلزمات الحياة الإنسانية أيضاً، ومن محاسن الشريعة أنها جاءت داعية إلى منع التعري مع إمكان الستر بما يوافق قصد الشارع ويحقق كرامة الإنسان، وهو من آيات الله التي يتميز بها عن الحيوان، وإن من أتم اللباس ما ستر عامة البدن بل أمر الله عباده التزين به عند أداء العبادات فقال جل وعلا: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) [سورة الأعراف، الآية: (31)].
  • حق السكن: والسكن من مقتضيات الحياة الإنسانية، ولا غناء لأحد عنه، وهو ما جعل امتلاكه أو استئجاره من ضروريات الحياة، إذ لو لم تجز إجارته لكان أكثر الناس مطروحين على الطرقات، متعرضين للآفات من الأمراض، وانكشاف أزواجهم وبناتهم وأمهاتهم وأخواتهم، وغير ذلك مما يلحقهم من الأضرار والمفاسد الناجمة عن انعدام السكن عادة.
  • حق العلاج: والعلاج من الحاجيات الأساسية للحياة الإنسانية، بحيث لو منع استعمال الأدوية وإجراء الفحوصات الطبية والعمليات الجراحية مع الحاجة إليها لتضرر الناس بذلك كثيراً، كما قال العلامة الإمام الجويني رحمه الله: “وأما الأدوية والعقاقير التي تستعمل؛فمنع استعمالها مع مسيس الحاجة إليها يجر ضرراً”.
  • حق الأمن: إذا تقرر أن التغذية المتكاملة والألبسة الواقية والمساكن الكافية والأدوية الصحية قوام الحياة الإنسانية؛ فإن هذه الحياة بحاجة ماسة أيضاً إلى كل ما من شأنه أن يضمن لها الكرامة والحماية والأمن العام من الاعتداء عليه بأي شكل من الأشكال.ثم اختتم الباحث في المطلب الثالث من هذا المبحث حق الحياة في الوثائق والإعلانات الدولية، فشمل على النحو الآتي:

[1] الشرعة الدولية: حرصت الوثائق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان على تقرير حق الحياة، فنص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الثالثة منه على أن: “لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”؛كما نصت المادة السادسة منه على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً”.

[2] الوثائق الإسلامية: نص الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان على هذا الحق في المادة الثانية منه فقال: الحياة هبة الله، وهي مكفولة لكل إنسان، وعلى الأفراد والمجتمعات والدُول حماية هذا الحق من كل اعتداء عليه، ولا يجوز إزهاق روح دون مقتضى شرعي”؛و”يحرم اللجوء إلى وسائل تفضي إلى إفناء الينبوع البشري، كما أن سلامة جسد الإنسان مصانة، ولا يجوز الاعتداء عليها، كما لا يجوز المساس عليها بدون مسوغ وتكفل الدولة حماية لذلك”.

ثم أوضح الباحث أن وجود هذه التشريعات وتلك الوثائق وغيرها من القوانين الوطنية والإقليمية في المنظومة الدّولية الغربية منها والشرقية على المستوى النظري، إلا أن أثر ذلك على مستوى التطبيق والممارسة محدود وقليل بالمقارنة مع حجم الإعلانات والتشريعات الذي قد يجعل الكثيرين أنها مصون ومحافظ عليه لكل الأفراد في دُول العالم الحديث، لكن النظرة الدقيقة لحقائق الأمور تدل على غير ذلك؛ إذ أصبح إهدار حياة الأفراد والمجتمعات تحت ستار الضرورات السياسية أو تلفيق التهم للخصوم، أو بحجة المحافظة على الأمن والنظام العالميين؛ ولذلك كثيراً ما يُقتل الأبرياء جوراً وظلماً وعدواناً لأضعف الحجج، وأسخف المسوغات التي لا يقرها الحس والنقل.

الفصل الثاني: حفظ العقل وأثره في حقوق الإنسان، وفيه مبحثين:

البحث الأول: مقصد حفظ العقل ووسائل تحقيقها والمحافظة عليه، وفيه مطلبان.

تطرق الباحث مفهوم العقل لغة واصطلاحا: وقال إنه اسم مُشترك يُطلق على عدة معانٍ، وأما حفظ العقل فيقصد حفظ عقول الناس من أن يدخل عليه خللٌ؛لأن دخول الخلل على العقل مؤد إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف، ويكتسب مقصد حفظ العقل أهميته، وهو أعظم منحة من رب العالمين للإنسان، ليرشدهُ إلى الخير، ويبعده عن الشرور والفساد، ويكون معه مُرشدًا ومُعينًا كما تقدم، ومن الوسائل اهتمام الشارع بالعقل ما يأتي:

– وسائل المحافظة على مقصد حفظ العقل: وسائل تحقيق مقصد حفظ العقل وتحصيله لا تختلف عنها في مقصد حفظ النفس؛إذ إن وجود العقل لا دخل للإنسان فيه، وإنما هو مجرد جزء من إيجاد النفس، وذلك منحة وهبة من الله الخالق الصنيع، وليس للعقل أحكام خاصة به بالذات، وإنما أحكامه أحكام النفس والجسم عامة.

– الوسائل المادية للمحافظة على العقل: فمن هذه الوسائل والأحكام التي روعيت فيها المحافظة على العقل في المقام الأول المحافظة على العقل وصيانته من كل ما يفسده مادياً، فقد وضعت الشريعة الإسلامية من التشريعات ما يكفل سلامة العقل وحيويته، متخذة في ذلك سبيلين:

الأول: سبيل الإجراءات الوقائية المتمثلة في التحريم المطلق والمنع القاطع من تناول كل المواد التي تضر العقل، أو تضعف إدراكه وحسه، أو تعطيل قدرة التمييز فيه أو إتلافها، أو الحدِّ من القدرات والوظائف العقلية، سواء أكان تناول هذه المواد عن طريق الأكل أو الشرب، أو الحقن بالإبر أو التدخين.

الثاني: الوسائل المعنوية لحفظ العقل: لم يكن اهتمام الأصوليين وعلماء المقاصد كثيراً بالحفظ المعنوي للعقل، بالمقارنة مع اهتمامهم للحفظ المادي له، واقتصروا في الأغلب على التمثيل بتحريم الخمر وملحقاته، وقد بدأ الاهتمام بالحفظ المعنوي للعقل في تنام لدى الفقهاء المعاصرين، وذلك لانتشار الأسباب التي تفسد العقل من مخدرات ونحوه.

البحث الثاني: أثر مقصد حفظ العقل في رعاية حقوق الإنسان:

يتناول هذا المبحث على ثلاثة مطالب تتلخص آثرها المقاصدي بالآتي:

– أثر مقصد حفظ العقل في رعاية حق التربية والتعليم: إذا كان العقل من أهم خصائص الإنسان التي تميز بها عن غيره من الكائنات، وبه كان التكريم والتكليف، وجعلت الشريعة الإسلامية حفظه من مقاصد تشريعها، وكان ذلك الحفظ لن يتأتى، ولا يتحقق ذلك إلا برعاية العقل وتنميته بالعلم والمعرفة؛فإن أول حق للإنسان وأول واجب عليه، يترتب على هذا المقصد هو حق التربية والتعليم وواجب التعلم، وواجب التعلم ثابت لكل إنسان على نفسه أولاً؛إذ أرشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، ومن الحقوق الثابت للطفل على والديه وأولياء أمره داخل الأسرة وخارجها، ثم تتوسع دائرة المسؤولية إلى المجتمع والدولة، عن حفظ وحماية عقل الأمة من أمراض الجهل والتخلف المعرفي؛إذ الجميع مندرج تحت التوجيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”، وهذا أمر مُقرر في نصوص الشريعة، ومن الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تدليل أو إثبات، ثم اختتم الباحث مطلباً حول حق التربية في الوثائق الدولية الغربية والإسلامية فشملت على نقطتين:

الأولى: حق التربية والتعليم في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان: أن حق التعليم واجب ومقرر في الشرع ومقصد من مقاصده، فهو كذلك مركوز في الفطرة الإنسانية السليمة، ومحل إجماع بين الشرائع والنظم والقوانين البشرية، ولذلك جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقرر حق التعليم في المادة السادسة والعشرين منه فقالت: “لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة”، “يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب…”.

الثانية: حق التربية والتعليم في الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان: نصت المادة التاسعة منه على الآتي: “طلب العلم فريضة، والتعليم واجب علي المجتمع والدولة، وعليها تأمين سبله ووسائله وضمان تنوعه بما يحقق مصلحة المجتمع ويتيح للإنسان معرفة دين الإسلام وحقائق الكون وتسخيرها لخير البشرية”، “من حق كل إنسان وعلى مؤسسات التربية والتوجيه المختلفة من الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام وغيرها أن تعمل علي تربية الإنسان دينياً ودنيوياً تربية متكاملة متوازنة تنمي شخصيته وتعزز إيمانه بالله واحترامه للحقوق والواجبات وحمايتها”.كما أعلن على البيانات العالمية الإسلامية لحقوق الإنسان البيان والبيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام ما جاء في المادة الواحدة والعشرين منه على: “أن التربية الصالحة حق الأولاد على الآباء، كما أن البر وإحسان المعاملة حق الآباء على الأولاد، وأن التعليم حق للجميع، وطلب العلم فريضة على الجميع ذكوراً وإناثاً على السواء، وأن التعليم حق لغير المتعلم على المتعلم، وعلى المجتمع توفير فرص متكافئة في التعلم للجميع، ولكل فرد أن يختار ما يلائم مواهبه وقدراته”.

– أثر مقصد حفظ العقل في رعاية حق التفكير وحرية الفكر: تتجلى رعاية الإسلام ومقاصده لحق التفكير من خلال جعل التفكير فريضة دينية وليس مجرد حق، فالإسلام لم يجعل هذه الحرية من المباحات التي يباشرها الإنسان متي شاء، ويتركها متى شاء، بل جعلها حقاً لله على الإنسان، فالمصابون بكسل التفكير، واسترخاء العقل، عصاة في نظر الإسلام، تتفاوت معاصيهم بمقدار ما يترتب عليها من اضطراب الصلات الإنسانية بالله وبالحياة، وتبدأ حرية التفكير، بل واجب التفكير من علاقة المسلم بدينه نفسه، فإن قوام الإسلام ولب رسالته كتاب مفتوح ميسر للذكر، مطلوب من الأمة أن تتدبره وأن تستفيد منه شرائعها جميعاً، وهذه من أهم وظائفها تجاه دستورها، كما بينته الشريعة، واعتنت الوثائق والإعلانات الدولية عن حرية التفكير فقد جاء في المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين…”، كما جاء في المادة التاسعة عشر منه: “لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة”.

– أثر مقصد حفظ العقل في رعاية حق إبداء الرأي وحرية والتعبير: تطرق الباحث مفهوم الحق لغة واصطلاحاً فقال: إن وظيفة التعبير والبيان من أعظم الخصائص والمواهب الفطرية التي ميز الله بها الجنس البشري؛فهي تُشكل جزءاً من هوية الإنسان وماهيته، مما يدل على أهميتها البالغة في حياة المجتمع البشري”، وتجدر بالإشارة أن حرية الرأي ليست منحصرة في رأي يثمره صاحبه ابتداءً بنظره الشخصي، ولكنها تتعدى ذلك إلى رأي يتلقاه الإنسان من غيره، فيعبر عن قبوله واستصوابه أو قبحه.

– أثر مقصد حفظ العقل في رعاية حرية الرأي ومجالاتها: لقد كفل التشريع الإسلامي حق إبداء الرأي وحرية التعبير، وبلغ الاهتمام به إلى درجة اعتداده ضرورة من ضرورات حياة الإنسان، ومقصداً من مقاصد الشريعة، وليس مجرد حق وحرية؛ولأن حق إبداء الرأي وحرية التعبير يُعَدُّ أساساً لكثير من المبادئ والواجبات والحقوق الشرعية، التي لا يمكن تحقيقها دون ضمان هذا الحق وتوفير هذه الحرية، ومن هذه المبادئ والواجبات على سبيل المثال: مبدأ عالمية الإسلام، ومبدأ الشورى، وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالإضافة إلى حرية الاجتهاد والإبداع في البحث العلمي، فهذه أربعة مجالات من أهم مظاهر حق إبداء الرأي وحرية التعبير في التشريع الإسلامي، فمثلا مقصد الشورى يشمل بالآتي:

  • · الوصول إلى الصواب، وهو المقصد الأصلي للشورى.
  • · الخروج من الأهواء والمؤثرات الذاتية؛فالشورى تحرر الإنسان من الأنانية والاستبداد، ومنع الاستبداد والطغيان من أعظم مقاصد الشورى؛إذ الشورى نقيض الاستبداد.
  • · تعليم التواضع، فإن الشورى يعلم التواضع ويُدرب على اكتسابه وممارسته والتطبع به لتحرير النفس من الاستبداد الذي يعلم الطغيان والتجبر.
  • ·إشاعة جو الحرية والمبادرة؛لأن حرية التفكير وحرية التعبير شرط سابق ومصاحب لصحة الشورى الحقيقية وممارستها.
  • · تنمية القُدرة على التفكير والتدبير، فالشورى مدرسة للتربية والتعليم، ومعهد للتدريب والتأهيل، بتراكم فوائدها المعرفية والفكرية والعلمية لدى الأفراد، إذا أشيعت ممارستها في المجتمع ومؤسساته ابتداء من الأسرة وانتهاء بالدولة، وهذه ظاهرة مشورة النبي مع أصحابه في السلم والحرب.
  • ·الألفة والوحدة؛إذ تعطي الشورى أعلى درجات المشروعية والمصداقية للولايات العامة، ولمن يتولونها، ولما يصدر عنها من اجتهادات وقرارات.فالمتدبر يري أن جل هذه المقاصد والوظائف تصب في إرساء دعائم حرية الرأي وتوطيد أركانها، وتنزيل معانيها ومراميها إلى واقع معاش ملمُوس، وخير شاهد على ذلك التطبيقات الكثيرة في السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، فقد كان الخلفاء والحكام يطلبون من الناس إبداء الرأي، ويلتمسون منهم النصح والإرشاد، ويتخذون ذلك ديدنًا لهم بجماعة خاصة، ولعل أروع ذلك اختيار خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أروع تطبيق لحق إبداء الرأي وحرية التعبير، فقد كان ذلك تصويراً لأول مجلس نيابي في الإسلام نوقش فيه اختيار الخليفة.
  • وأن الاجتهاد الفقهي والبحث العلمي، تظهر حرية الرأي جلية بما قرره الإسلام من حق الاجتهاد في أمور الدين والدنيا، وهو بذل الجهد في معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، مع فتح باب الاجتهاد على مصراعيه للعلماء، ولا يكون ذلك إلا عن طريق البحث في الأمور والوقائع والأعمال التي تنظم حياة الناس وترتب شئونهم، ونتيجة للترغيب الكبير في الاجتهاد وإعمال النظر والتفكير في الشريعة فقد ظهر العلماء والفقهاء والمجتهدون في كثرة ليس لها في تاريخ الأنظمة والشرائع نظير.

ولعُلو منزلة حرية الرأي لدى فقهاء الإسلام ظهر في علم الفقه مدرسة تُسمى بـ”مدرسة الرأي”، وفقهاء يطلق عليهم بـ”فقهاء الرأي”، وعلى رأسهم الإمام إبراهيم النخعي، وعن هؤلاء أخذ الإمام أبو حنيفة النعمان وأصحابه في العراق، وقد تخرجوا على يد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

كما أعطي الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان فقال “لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية، “الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة المجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد”.

الفصل الثالث مقاصد الأسرة وفيه فصلين

المبحث الأول: مفهوم مقاصد الأسرة ومقاصدها في الكتابات المقاصدية:

فصل الباحث القول من حيث اللغة والمفهوم الفقهي، فالأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع الإنساني، وهي نواته وعماده؛لأن الإنسان يُولد فيها، وينشأ في أحضانها، ويترعرع في جنباتها، ويتطبع بطباعها، وتنغرس فيه بذور الفضيلة والرذيلة، والاستقامة والانحراف، ثم يخرج إلى المجتمع متأثرًا بأسرته وتربيته الأولى.

وتكوين الأسرة في نظر الإسلام حصر بالزواج الذي يتحقق منه الإنجاب، ومن ثم حرّم الإسلام جميع العلاقات الواهية والإباحية التي كانت منتشرة في الجـاهلية ولا تزال عند بعض المجتمعات الغربية والوثنية، والتي بدأت تعُود إلـى الظهور، مما يثبت الشرع والعقل والواقع والنتائج صحة النظرة الإسلامية وسلامتها.

ذكر الباحث في هذا المبحث جهابذة من العلماء الذين تطرقوا في هذا المجال قديماً وحديثاً، ومن أوائل من تناول مقاصد الأسرة في إطار الحديث عن مقاصد الشريعة من العلماء الإمام الغزالي الشافعي –رحمه الله- في كتابه”الإحياء”، والإمام الشاطبي في”الموافقات”، ومن المعاصرين: الإمام ابن عاشور في “مقاصد الشريعة”، ومن بعده الدكتور جمال الدين في “تفعيل مقاصد الشريعة”، وإليك نبذة موجزة لأهم المقاصد الأُسرية التي توصل إليها هؤلاء العلماء في بحوثهم وهم:

– الإمام الغزالي ومقاصد النكاح: قد تناول الإمام الغزالي للموضوع في سياق رؤيته القائمة على إحياء علوم الدين بإظهار أسرار الأحكام ومقاصدها، في كتابه المعنون بذلك (إحياء علوم الدين) ففي كتاب آداب النكاح منه وهو الكتاب الثاني من ربع العبادات تحدث عن فوائد النكاح، ولخصها في خمس فوائد هي:

[1] تحصيل الولد، واعتبره المقصد الأصلي الذي من أجله شُرع النكاح، والمقصود به إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنسان، وبيّن أن في طلب الذرية قربة من أربعة أوجه، هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة، وهي:

  • ·        موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
  • ·        طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاته.
  • ·        طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.
  • ·        طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله، وقد تواترت النصوص في هذا المضمار.

[2] التحصن عن الشيطان، وكسر التوقان، ودفع غوائل الشهوة، وغض البصر، وحفظ الفرج.

[3]ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة: إراحة للقلب وتقوية له على العبادة، فإن النفس ملول وهي عن الحق نفور؛لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب ويزيل الهموم.

[4]تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة، فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده، إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريق.

[5] مقصد التماسك الاجتماعي: وذلك أن الأسرة في المفهوم الإسلامي ليست شأناً شخصياً يهم أفرادها فحسب، وإنما هي شأن اجتماعي، فينبغي إذن أن تبنى الأحكام الشرعية المنظمة لها على ما يؤدي إلى مقاصدها في المجتمع بالإضافة إلى ما يؤدي إلى مقاصدها في ذاتها.

 [6] مقصد الشهادة على الناس: ويعني ذلك أن الأسرة يجب أن تكون أنموذجاً للتدين الصحيح؛ إذ أن الأسرة الإسلامية أسرة ذات بُعد رساليّ، تشهد بتدينها على أن هذا التدين هو سبب الفلاح، فيقوم ذلك مقام التبليغ.

– الإمام الشاطبي ومقاصد النكاح: ذكر الشاطبي عدداً من مقاصد النكاح أهمها:

[1] التناسل وهو المقصد الأساس.

[2] طلب السكن والارتياح.

[3] الاستمتاع بالحلال من محاسن للنساء والتجمل بمال المرأة.

[4] التحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين.

– الإمام ابن عاشور ومقاصد الأسرة: تناول رحمه الله أربع مراتب:

  [1] إحكام آصرة النكاح.

  [2] إحكام آصرة النسب والقرابة.

  [3] إحكام آصرة الصهر.

طرق انحلال هذه الأواصر الثلاث، والذي مال إليه ابن عاشور أقرب إلي بيان مقاصد الأحكام الفرعية الجزئية في إطار علاقات الأسرة التي عبر عنها بالأواصر الثلاث كما تقدم.

ثم ختم الباحث خلاصة وتحليل عما سبق من الدراسات فقال: بالنظر إلى ما ذكر في هذه الدراسات السابقة من مقاصد الأسرة نجد أن مجموعها نحو عشرين مقصداً على الرغم من التداخل فيما بينها، وتتلخص في: حفظ النسل، وحفظ النسب، والإحصان في تنظيم العلاقة بين الجنسين، وإشباع الغريزة الجنسية، والسكن النفسي، وحفظ التدين في الأسرة، والتماسك الاجتماعي والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، وتفريغ القلب عن تدبير المنزل، وتنظيم الجانب المالي للأسرة، ومجاهدة النفس بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل.

المبحث الثاني: مقصد حفظ النسل وسائل تحقيقه ويضم هذا المبحث على خمسة مطالب: تحدث الباحث عن تعريف النسل وهي: التناسل والتوالد على وجه يُمكن الإنسان من الاستمرار في أداء مهمة الاستخلاف وإعمار الكون؛وذلك أن استمرارية نوع الإنسان لا تتمّ إلاّ بالتزاوج، وإذا كانت أنواع الحيوان تتمّ استمرارية وجودها بمجرّد التزاوج الغريزي المرسل فإنّ الإنسان بالنظر إلى الدور المطلوب منه لا يمكن حفظ نوعه على الوجه الذي يقتضيه ذلك الدور إلاّ من خلال التزاوج الأسري، ومن ثمّة شرّعت الأحكام المتعلّقة بالأسرة قاصدة إلى حفظ النوع الإنساني بما يتلاءم مع الهدف من وجوده ثم ذكر وسائل تحقيق مقصد الحفظ وهي ثلاثة عناصر:

الأول: التناسل في دائرة الأسرة: وذلك ضماناً لاستمرارية النوع الإنساني في الوجود، وقد جاءت أحكام وتوجيهات كثيرة تهدف إلى تحقيقه.

الثاني: حفظ النسب من الاختلاط والتداخل: ومع أن البعض اعتبر حفظ النسب مقصداً مُستقلاً في إطار مقاصد الأسرة، إلا أنه يبدو أن الفصل بينه وبين حفظ النسل في المعنى والمضمون أمر فيه صعوبة إن لم يكن فيه تكلف، وهذا ما جعل علماء الأصول يعبرون عن هذا المقصد تارة بـ”حفظ النسل”وأخرى بـ”حفظ النسب”وما ذاك إلا لشدة التداخل بينهما، ولذلك اختار الباحث اعتبار حفظ النسب من جملة معاني حفظ النسل ومقاصده الفرعية.

الثالث: رعاية الذرية وتربيتها: ويشمل ذلك رعاية وتربية الجوانب النفسية والعقلية والجسمية للأطفال، فرعايتهم من قِبل الأسرة من هذه الجهات كلّها من شأنها أن تثمر نسلا قويّا قادراً على المقاومة من أجل البقاء سواء بالتدبير العقلي أو بالصحّة الجسمية والنفسية، وليس لهذا الدور التربوي أن تقوم به إلاّ الأسرة، إذ غيرها من هيئات المجتمع مثلا لئن كان بإمكانها توفير أسباب الصحّة الجسمية فإنّه ليس بإمكانها توفير أسباب الصحّة النفسية، ولذلك جاء الدين يشرّع أحكاما كثيرة في شأن الأسرة مقصدها تمكين النوع الإنساني من أسباب البقاء بالتربية الأسرية، كأحكام النفقة والحضانة والتعليم والرعاية الصحّية.

ثم تحدث الباحث مقصد أساسي من مقاصد أحكام الشريعة في الأسرة، مقصد الإحصان ووسائل تحقيقه نجملها على الآتي:

– مفهوم مقصد الإحصان: فذكر مفهوم الإحصان من حيث اللغة واصطلاح الأصوليين والفقهاء، وهي: العفة المتناهية، والزواج والحرية من مظانها ووسائلها؛لأن بالزواج تتحقق العفة في الغالب، وفي الحديث النبوي: “إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي”، وكان من شأن الحرائر الترفع والتعفف من الزنا؛إذ كن يعتبرنه من سلوك الإماء الذي لا يليق بمقام الحرائر.

– وسائل تحقيق مقصد الإحصان وغيره: وفي الشريعة أحكام كثيرة جاءت محققة لـمقصد الإحصان، منها: الحض على الزواج، وإباحة التعدد بشروطه، واجتناب العلاقات خارج نطاق الزواج من زنا وشذوذ، ويحقق ذلك على الآتي:

  • إن الله اعتبر الارتباط الأسري ابتداء ميثاقا غليظاً، وهو تعبير يوحي بما ينشأ عن العُشرة الزوجية من التقارب والتمازج بين الزوجين ممّا يجعل الصلة بينهما تبلغ من القوّة والمتانة تقارباً وتآنسا وتحابباً.
  • ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى من أحكام وآداب المعاشرة بالمعروف بين الزوجين وغير ذلك من الأحكام التي تُوَفِّر الجوَّ العائليّ المملوء دفئًا وحنانًا، ومشاعر راقية.
  • بناء أحكام الأسرة على كلّ ما من شأنه غرس أسباب الوئام والمحبة، ونزع أسباب الفرقة والشقاق، بين أطرافها وأعضائها.
  • التوجيه إلى التحرّي في اختيار الزوج تأسيسا على التديّن والكفاءة بصفة أساسية، فقد جاءت النصوص النبوية بشأن اختيار كل من الزوجين على أساس الدين والخلق، واضحة وصريحة، ومحذرة من العواقب الوخيمة في حال تجاهلها، ففي بيان ضرورة اختيار الزوجة بدينها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تنكح المرأة لأربع: لجمالها ولحسبها، ولمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وإلا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.
  •  سيرة الأنبياء والرسل ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بدعوة أقرب الناس إليهم زوجاتهم وأولادهم وسؤال الله الهداية لهم، ولم ينجح بعضهم في ذلك كنوح ولوط، ولكن يبقى المعنى في أهمية التدين في الأسرة واستمرار ذلك جيلاً بعد جيل.
  • ما جاء في التشريع الأسري من أنّ الاستمرارية في الحياة الأسرية أو التوقّف عنها بالانفصال يتوقّف على مدى تطبيق أحكام الشريعة فيها، فإذا ما كانت تلك الأحكام مطبّقة كان ذلك عامل استمرار، وإذا ما أصبحت منتهكة كان ذلك مبرّر انفصال.
  • تأسيس مؤسسة الأسرة ابتداء بناء على رضا الطرفين: فإن الشريعة حكمت في البناء الأسري ابتداء بأن يقوم على قبول الطرفين للاشتراك في هذا البناء؛لأنّ ذلك أدعى إلى أن يلتزم كلّ منهما بمقتضيات الحياة الزوجية من الأحكام، والعكس صحيح؛ولهذا لا يجبر في الإسلام الفتى أو الفتاة على الزواج ممن لا يرغبان فيه، وقد بينت النصوص الشرعية في ذلك.
  • تأبيد مؤسسة الأسرة وديمومتها: وذلك ببنائها على قصد الاستمرار، واستبعاد كل ما من شأنه الإخلال بقصد الشارع في تقوية مؤسسة الأسرة وتماسكها بالديمومة والاستمرار، فمنع الأنكحة الفاسدة المتضمنة لما ينافي هذا المقصد من التوقيت والتأجيل، والمؤذنة بقرب انفراط عقد الأسرة، مثل: نكاح المتعة، نكاح السر ونحوها؛وذلك أن بناء الزواج على الدوام يدعو الزوجين إلى التمسك والتحصن بمؤسسة الأسرة وتقويتها.
  • تأسيس الأسرة وإدارتها في كل مراحلها بإشراف المجتمع وعلى عينه: لضمان التماسك الأسري والمجتمعي متمثلاً في: اشتراط الولي، والشهود، والإعلان، والوليمة، قصد الديمومة في عقد التأسيس، وكلها من مقومات قوة الأسرة وتماسكها.

المبحث الثالث: أثر مقاصد الشريعة في رعاية حقوق مؤسسة الأسرة:

ينظر الإسلام إلى الأسرة على أنها مؤسسة واحدة، مبنية على الحُب والوئام، وإن كانت متعددة الأركان والأعضاء، وملؤها الحب والحنان، والرحمة والمودة، والتعاون والتكامل في الأدوار والوظائف، يتبادر أعضاؤها إلى أداء ما عليهم من مسؤوليات تجاه الآخرين من منظور المسؤولية والتكليف الشرعي، وهذه الواجبات هي في حقيقتها حقوق بقية أطراف المؤسسة، فالزوج عليه واجبات في إطار الأسرة، وهذه الواجبات هي حقوق الزوجة والأبناء وبقية الأقارب والأصهار، والزوجة كذلك عليها واجبات هي عبارة عن حقوق الزوج والأطفال وبقية أعضاء الأسرة، وكذلك الحال في الأبناء والأقارب ومن أثره مقصدين:

الأول: أثر مقاصد الشريعة في رعاية حقوق الآباء والأزواج.

الثاني: أثر مقاصد الشريعة في رعاية حقوق الذرية والأطفال ومن هذه الحقوق حق حسن اختيار الأبوين، وحق إثبات النسب، والتأذين في أذنيه عند الولادة وتحنيكه، والختان والعقيقة وحلق الرأس، وحق الرضاعة والحضانة الآمنة والنفقة، وحسن التربية والتأديب وتعليمه أصول دينه وآدابه، والعدل بين الأبناء، وحق الحفاظ على أمواله.

%d مدونون معجبون بهذه: