قراءة تلخيصية لرسالة “مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان”(3-5)

الباب الثاني: مقاصد العقائد وأثرها في رعاية حقوق الإنسان:

يتكون هذا الباب من ثلاثة فصول:

الفصل الأول : مقاصد العقائد وأثرها في رعاية حقوق الإنسان :

ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : تعرض الباحث عن تعريف العقائد : العقائد جمع عقيدة، وتدل مادة “عقد”في اللغة على التصميم والعزم والصلابة والإحكام، أما في الاصطلاح : فهي جملة الأصول والحقائق الكونية التي جاء بها الشرع، ودُعي الإنسان إلى الإيمان بها، وانعقد قلب الإنسان على الجزم بصحتها والقطع بثبوتها وآمن بها إيماناً لا يرقى إليه شك ولا تزعزعه الشبهات.

ثم استعرض الباحث عن الإسهاب الأمور المتعلقة بعلم العقيدة”يطلق عليها عدد من التسميات مثل :

  • الفقه الأكبر : وهو مُصطلح استخدمه الإمام أبو حنيفة رحمه الله، حيث سمَّى كتابه في العقائد بـ”الفقه الأكبر”تمييزاً له عن الأحكام العملية الفقهية التي أطلق عليها “الفقه الأصغر”.
  • علم التوحيد : لأن مسألة توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته، تمثل القضيّة المحورية لجميع مباحثه ومسائله.
  • علم أصول الدين : علم تتأسس عليه وتنبني سائر أحكام الدين وعلومه.
  • علم الكلام : لأنه علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والبراهين الشرعية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف.
  • الإيمان : وهو المصطلح المستخدم في نصوص القرآن والسنة للدلالة على الجانب الاعتقادي من أحكام الدين، ويقصد بها : الأهداف والغايات التي ترمي الأحكام الشرعية إلى تحقيقها في الإيمان بالحقائق الكونية.

أما مقاصد العقائد في الدراسات لمعاصرة : إن سبل معالجة هذه المشكلة يكمن في إحياء الروح المقاصدية وبثها في الدراسات والبحوث العقدية، لكي تستعيد عقائدنا وجهها الحقيقي وتؤدي دورها الحقيقي المنطوب به، وتستعيد موقعها الأساسي في حياتنا وعلومنا وثقافتنا؛ إذ إن كل عقيدة من عقائد الإسلام لها مقصودها الشرعي ابتداءً من : الإيمان بالله، وصفاته وأسمائه الحسنى، ومروراً بالإيمان بالرسل، والملائكة، والقضاء والقدر، وانتهاء إلي الإيمان باليوم الآخر، والجنة، والنار، والصراط، والثواب، والعقاب، ثم ذكر نماذج من البحوث المعاصرة في هذا المضمار فمنها :

 أولا : مقاصد العقائد عند الإمام الغزالي، لمحمد عبدو : فأشار الباحث إلى أن هذه المقاصد تشتمل عددا من الأسرار عند الإمام الغزالي وهي :

  • الكشف عن وجوه أسرار العقائد الشرعية ومقاصدها، والتدليل على حكمها ومعانيها.
  • إن مبنى العقائد جميعاً على رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدين والدنيا.
  • إن معرفة مقاصد العقائد أعلى المعارف وأشرفها، وأن كمال السعادة بقدر معرفة الله تعالى والإطلاع على أسرار الربوبية.
  • إن مقصود الأسماء والصفات عند الغزالي إنما هو التحلي بمعانيها، ونيلها نيل اتصاف، وأما الأفعال فإن الله لم يخلقها عبثا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي المقصود بالخلق.

ثانيا : مقاصد العقائد عند ابن رشد، إسماعيل الحسني تناول هذا الكتاب على جانبين :

  • حقائق الاعتقاد فيرى : أن الربوبية والألوهية، وصفات الله تعالى وتنـزيهه، وخلقه للعالم، وبعثه للرسل، والإيمان بالقضاء والقدر، والعدل الإلهي، كلها اعتقادات دينية إسلامية.
  • مقاصد الشرع، يقول : إن الحاصل من هذا العرض التحليلي لعقائد الدين الإسلامي أننا إزاء أسلوب في بناء حقائق الاعتقاد وبسطها، لا يعتمد ابن رشد في بنائه على مماثلة الشاهد للغائب، لأنه أسلوب المتكلمين، وهو غير صالح في نظره إلا في حالة واحدة، وهي استواء طبيعة الشاهد والغائب.

ثالثا : مـقـاصــد الـعــقـائــد : رياض أدهمي : وهو مقال مختصر مكون من ست صفحات، بعنوان “مقاصد العقائد” دون تقيد بعالم معين ، ويظهر أنه ركز فيه على عرض نماذج من مقاصد العقائد في القرآن الكريم.

المبحث الثاني : نماذج المقاصد العقائد ووسائل تحقيقها : بدأ الباحث حديثه بتعريف الوسائل لغة واصطلاحا وهي الطرق المفضية إلى المقاصد المرعية وتشمل : الأحكام الشرعية والتكليف ولوازم ذلك من : الشروط، والأسباب، وانتفاء الموانع، والرخص، ومن هذه المقاصد :

(1) مقصد الهداية : عبر العلماء عن هذا المقصد بعبارات متعددة، وألفاظ مختلفة منها : هداية الخلق إلى الله، أو التعريف بالصراط المستقيم، والتعليم والإرشاد.

(2) مقصد الابتلاء بتقرير المسؤولية بعد البلاغ المبين : “والابتلاء مقصد كبير يترجح بين القدري والتشريعي أي بين كونه من مقاصد الخلق، أو من مقاصد التشريع، وقد قال بعض العلماء إنه المقصود بالتكليف، أما كونه من مقاصد الخلق فمُصرح به في القرآن قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}، سورة هود الآية : 7 وقال تعالى : {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور}، [سورة الملك، الآية : 1]، لكن الابتلاء يتضمن ابتلاء آخر في التشريع يتمثل في ابتلاء تخيير الله للعبد بين الطريقين : طريق الجنة وطريق النار، بعد بيان عاقبة إتباع كل منهما بالبلاغ المبين، ليتحمل الإنسان مسؤولية قراره باختيار إتباع الصراط المستقيم، أو تنكبه طوعاً؛ وهذا الابتلاء بالإرادة والاختيار هو سر إنسانية الإنسان، ومكمن تمَيُّزه عن غيره من المخلوقات، وهو مناط التكليف الذي يترتب عليه نيل الثواب والعقاب، والنجاح في هذا الابتلاء والاختبار هو أيضاً مفتاح خلافة الإنسان، ومصدر إمامته، وإمامة إبراهيم عليه السلام أوضح مثال قال تعالى : {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين} سورة البقرة الآية : (124)

المبحث الثالث : أثر مقاصد العقائد في رعاية حقوق الإنسان : وفيه عدد من المطالب والمسائل نلخصها بالآتي :

– مقصد التوحيد : أكبر مقاصد العقائد وأهمها على الإطلاق هو تحقيق التوحيد لله تعالى والاعتراف بربوبيته والانقياد لطاعته، وهو مقصد جميع الرسل قال تعالى : {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [سورة الأنبياء، الآية : 8 ] وقد جاء بيان هذا المقصد الأساس والدعوة إليه على لسان معظم الأنبياء، حيث خاطبوا به جماهير أقوامهم وأفرادهم، على اختلاف أجناسهم وانتماءاتهم ومراكزهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

– أثر مقاصد العقائد في رعاية حقوق الإنسان عموماً : إن العقائد الإسلامية ومقاصدها تمثل الأساس الفكري لنظام حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، وهذا الأساس ينتج بطبيعته انعدام الباعث على انتهاك حقوق الإنسان وإضعافه، وإيجاد الحافز لاحترامها طمعاً في رضوان الله وخوفاً من عقابه؛ وذلك أن الإنسان مطلوب منه إتباع الصراط المستقيم، الذي يقتضي المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده التي منحهم إياها وألزم عباده باحترامها وعدم انتهاكها عبادة وتقرباً إليه وطمعاً في ثوابه على ذلك، وخوفاً من بطشه وعقابه عند تعدي حدوده وانتهاك حقوق عباده.

– أثر مقاصد العقائد في حرية العقيدة : هناك عدد من حقوق الإنسان تتصل بمقاصد العقائد بدرجات متفاوتة، أهمها : حق حرية الاعتقاد والتفكير، وحق الدعوة والتبليغ، وحق اللجوء، وحقوق الأقلية الدينية، وحق المشاركة في الحياة العامة. وأهم هذه الحقوق على الإطلاق حرية العقيدة؛ لأنه بمثابة الأساس الذي تنبني عليه سائرها وتتفرع عنه.

-أثر مقاصد العقائد في حرية العقيدة ابتداء : وإذا كان هذا هو مفهوم حرية العقيدة ومكانتها في الإسلام، فقد كان له القدح المعلى في إقرارها، كما كان لتشريعاته ومقاصدها قصب السبق على كل الأنظمة والتشريعات في كفالتها وحمايتها لجميع البشر على نحو ” لم يعرف لها نظير في القارات الخمسة، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة، ومنح مخالفيه في الاعتقاد كل أسباب البقاء والازدهار، مثل ما صنع الإسلام”.

وهكذا يترك الإسلام للإنسان حريته واختياره في العقيدة؛ لأن الإيمان أساسه إقرار القلب وتسليمه، وليس مجرد كلمة تلفظ باللسـان، أو طقوس وحركات تؤدي بالأبدان، بل إن القرآن دعا إلى إعمال العقل، وإجهاد الفكر لمعرفة الحق، والوصول إلى الخالق الواحد الأحد، وحث لذلك على معرفة الحقائق، واكتشاف أسرار الكون، وأرشد إلى الدين الحق وهو دين الفطرة، الذي يرتضيه المنطق الصحيح، وتتقبله الفطرة السليمة، فقال تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم، الآية 30]، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية في هذا الشأن :

أولا : إذ إن من أهم مقاصد الشريعة في العقائد تحرير الإنسان بالتوحيد من العبودية والخضوع لغير الله، وتحريره من الخضوع والعبودية لشهواته وهواه، وجعله خالصاً لله محرراً، وبهذا تتحقق له حرية العقيدة على أكمل وجه وأروع صورة.

ثانيا : مقصد البلاغ المبين؛ الذي يتنافى كلية مع حجر إرادة الإنسان وفرض ما لا يريده ولا يرغب فيه من المعتقدات والتصورات والأفكار والقوانين والأنظمة عليه.

ثالثا : مقصد إقامة الحجة على الناس، يصبح هو الآخر غير ذي جدوى مع سلب الإرادة وحرية الاختيار؛ لأنه يقتضي تحميل الإنسان مسؤولية ما يصدر عنه من قناعات فكرية وتصرفات فعلية تستتبعها مسؤولية كاملة، ولا يتأتى ذلك إلا بتوفير مناخ الاختيار ومساحة للاقتناع فيما يؤمن.

 الفصل الثاني : المقاصد الخلقية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان :

ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث نلخص دراستها ما يلي :

المبحث الأول : تعريف المقاصد الخلقية : قدم الباحث مفهوم المقاصد الخلقية من حيث اللغة واصطلاحها عند علماء القدامى والمعاصرين وهي : “عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية” قال : ” فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً”.

فالخلق إذن عبارة عن خصال نفسية يُعبر عنها السلوك العملي المستمر، ولا بدّ فيه من تحقق جانبين : الجانب النفسي الذي يتضمن الاقتناع والتعلق بالخلق وبقيمته وفائدته وضرورته، والجانب العمليّ الذي هو الترجمة العملية والثمرة الفعلية للإيمان بالخلق ومحبته والرغبة فيه، وبدون تحقق عملي مُستمر تكون الأخلاق مجرد تمنيات وادعاءات، وبدون اقتناع وتعلق نفسي، تكون الأخلاق مجرد تصنع وتظاهر ونفاق.

ثم تطرق الباحث اهتمام العلماء بالمقاصد الخلقية تتمثل أهميتها المحورية في الشريعة، وقد لخص ذلك من أوتي بجوامع الكلم مقاصد البعثة النبوية في تحقيق المقاصد الخلقية بقوله : إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق“.

ولعل ذلك إشارة إلى الآيات القرآنية التي بينت مقاصد البعثة النبوية وتعليم الكتاب والحكمة، وحددت التزكية المقصد المحوري فيها باعتبار أن التعليم من وسائل تحقيق هذا المقصد، قال تعالى : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، سورة آل عمرن : 164. فالدين كله مواقف ومقاصد خلقية في الأساس، ولذلك كانت غايته التزكية، وتعلم العلم غايته العمل الصالح والأخلاق الرفيعة التي توصل إلي مرضاة الله، ثم ذكر الباحث عن اهتمام العلماء بالمقاصد الخلقية قديماً وحديثاً تتمثل :

أولا : اهتمام العلماء القدامى : قسم علماء الأصول المقاصد إلى ثلاثة أقسام، تمثل المقاصد الخلقية أحد هذه الأقسام الثلاثة، وهو المقاصد التحسينية، كما مثل لذلك الغزالي وتبعه في ذلك الشاطبي وسائر الأصوليين رحمهم الله، ومع أن علم الأخلاق أصبح علماً قائماً بذاته مُستقلاً عن علم الفقه وعن علم العقيدة كذلك، وله رجاله ومؤلفاته الخاصة به، فإن المقاصد لم يخل منها علم من العلوم الإسلامية، وإن تركز تناولها في علمي الفقه والأصول، ويتناول علماء كل فن بما يتناسب مع ذلك العلم من مقاصد الشريعة ومغازيها، فالمفسرون يتعرضون إليها في مناسبات مختلفة في كتب التفسير، وعلماء الحديث وشراح كتب السنة في مصنفاتهم، والسياسة الشرعية، ولعلم الأخلاق، ومصنفاتهم حظ وافر في مسيرة علم المقاصد الشرعية، مثله مثل علم الفقه والتفسير والحديث وغيرها من العلوم الإسلامية وأبرز هم العلامة الامام الغزالي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبن الجوزي الحنفي.

ثانياً : اهتمام المعاصرين بالمقاصد الخلقية : لعل الإمام ابن عاشور من أبرز المعاصرين الذين شغلوا بعلم المقاصد، وكانت لهم إضافة حقيقية فيه، بل لعله أول من دعا إلى جعل المقاصد علماً قائماً بذاته مُستقلاً عن علم الأصول، وله أهم مؤلفاته في هذا المضمار : “مقاصد الشريعة الإسلامية”و”أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”، فالكتاب الأول مخصص للمقاصد التشريعية، والثاني مخصص لمقاصد العبادات التي سماها بـ”الديانة”من سياسة النفس وإصلاح الفرد الذي يلتئم منه المجتمع.

وتناول القسم الأول من الكتاب أصول إصلاح الأفراد من : إصلاح الاعتقاد، وإصلاح التفكير، وإصلاح العمل، إيجاد الوازع النفساني. وفي القسم الثاني تناول أصول الإصلاح الاجتماعي لخصها في نوعين :

 الأول : الأسس الخلقية والاجتماعية الضابطة لتصرفات الناس في معاملاتهم، وعمادها : مكارم الأخلاق، العدالة، والإنصاف، والاتحاد والمواساة من تحابب ونصح وحسن معاشرة وسماحة.

الثاني : النظم والقوانين التي بها رعاية الأمة في مرابع الكمال، والذود عنها لأسباب الاختلال، وعمادها : المساواة، والحرية، وتعيين الحقوق، والعدل، ونظام أموال الأمة، والدفاع عن البيضة، وإقامة الحكومة، والسياسة، والاعتدال، والسماحة، وترقية مدارك الأمة رجالاً ونساء، وصيانة نشئها من النقائص، وسياسة الأمم الأخرى، والتسامح والوفاء بالعهد، ونشر الإسلام وحقائقه رجاء تعميمه في البشر، ثم أورد أقوال عدد من العلماء المعاصرين.

المبحث الثاني : المقاصد الخلقية : يتكون هذا المبحث على ثلاثة مطالب : منها مفهوم مقصد التزكية : فمفهوم مقصد التزكية يتضمن معنيين هما : التطهير والتنمية، أو التخلية والتحلية.فالأول يكون بالتطهير من العيوب المعنوية والأدران والآفات النفسيةوالتخلية من الرذائل الخلقية، والتخلص من نوازع الشر في مكامن النفس، والثاني يكون بتنمية المحاسن والفضائل وعناصر الخير فيها بكل ما فيه صفاء النفس وصلاحها وبركتها.فمقاصد التزكية من مقاصد البعثة المحمدية وأركانها الأربعة، وقد جاء القرآن الكريم، محدثا عن ذلك فقال : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سورة الجمعة : الآية : 2] فالآية صريحة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الناس لتزكيتهم، وإذا كانت تلاوة آيات الكتاب وتعليم معانيه وأحكامه وحكمته هي نفسها وسائل ومعابر للتزكية، فالنتيجة أن التزكية هي المعنى الغائي والهدف النهائي للرسل في هذه الحياة الدنيا؛ إذا مقصد التزكية خلاصة المقاصد الدينية وزبدتها، فإن سائر شرائع الدين ومقاصده العقدية منها والخلقية والعبادية، هي في الحقيقة وسائل لتحقيق هذا المقصد الأسمى؛ “إذ كل ما في الإسلام موجه لتحقيق هذا الهدف وهذا المقصد”، لذلك يتحقق مقصد التزكية بالتطبيق العملي والتمثل السلوكي لما شرعه سبحانه من عبادات وقربات، ابتداء من العبادات الإيمانية، كما أن شمول مقصد العدل لجميع مجالات الحياة، فلا ينحصر في مجال التشريع والحكم والقضاء كما هو مشهور ومتعارف وأنشئت من أجله وزارات ومؤسسات عدلية مختلفة، وإنما يشمل أبعاداً كثيرة ومجالات واسعة؛ يتصل فيها عالم الغيب بعالم الشهادة، وترتبط فيها حقوق الله بحقوق الإنسان وحقوق باقي المخلوقات، فالعدل في الأساس مقصد خلقي وفضيلة أخلاقية، يمتد في جذوره وأعماقه إلى العقيدة.

ثم تطرق الباحث الوسائل التي تحقق هذا العدل :

ثالثا : وسائل تحقيق مقصد العدل والإحسان : من أهم وسائل

1) تحقيق مقصد العدل وإشاعته بين الخلائق ترسيخ مفهومه ومعانيه بصفته خلقاً وفضيلة يجب التخلق بها في التعامل مع الله أولاً، ثم مع النفس والأهل والأسرة ثانياً، ثم مع المجتمع والإنسانية كافة في جميع المجالات ثالثاً.

2) اتخاذ كل الوسائل القانونية والإجرائية لتحقيق مقصد العدل في مختلف المجالات، وكما يقول ابن القيم : “إذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العدل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق، وعرف العدل، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذاتها، وإنما المراد غايتها التي هي المقاصد.

– مقصد الإحسان : وإذا كان هذا نموذجاً لمنهج الإسلام وقيمه في التعامل حتى مع البهائم والحيوانات، فكيف بمنهجه وقيمه في التعامل مع الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه؟ لا شك أنه منهج مؤسس على تعامل إحساني رفيع ورقيق، فلا ينظر إلى علاقة المسلم وتعامله مع أخيه في الإسلام أو في الإنسانية أنها مجرد تحصيل خدمات منه، أو توصيله إليه، وإنما هي علاقة جلب صلاح له أو استجلابه منه، ودفع فساد عنه أو استدفاعه به.

-أهمية مقصد الإحسان : الإحسان هو عنوان المقاصد الخلقية وجوهرها، كما هو ظاهر حديث جبريل المشهور، فقد جعله أحد أركان الدين الثلاثة : الإيمان، والإسلام، والإحسان، وهو من أفضل منازل العبودية، قال عنه ابن القيم رحمه الله : “لب الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل، فجميعها منظومة فيها”؛ ولذلك جعله بعض العلماء عنواناً لـ”علم الأخلاق”و”علم التزكية”، فسماه : “علم الإحسان”ويقول الإمام الغزالي في بيان مكانة الإحسان في المعاملة : “وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً، والعدل سبب النجاة فقط، وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال. والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة، وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان، وقد قال الله : {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [سورة القصص، الآية : (77)] وقال سبحانه : {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الأعراف : الآية (56)].

ويتأسس هذا المقصد من وجهين :

الوجه الأول : إسقاط الاستبداد والدخول في المواساة على سواء، وذلك بأن يرى العبد الآخرين مثل نفسه، وكأنهم إخوته أو أبناؤه أو أقرباؤه أو أيتامه، أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندباً أو وجوباً، وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك.

الوجه الثاني : الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ والتنازل عن المصالح؛ وذلك بترك حظ النفس ومنافعها لرعاية حظوظ الآخرين ومصالحهم، اعتماداً على صحة اليقين، وإصابة عين التوكل، وتحمل للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله، وذلك من محامد الأخلاق، وزكيات الأعمال، الثابتة.

المبحث الثالث : أثر المقاصد الخلقية في رعاية حقوق الإنسان : يتكون على مبطلين :

– أثر المقاصد الخلقية في التشريع عموماً : التشريع الإسلامي كله تقنين عملي، وتجسيد سلوكي للمقاصد الخلقية، وقد سبقت الإشارة إلى تلخيص من أوتي جوامع الكلم مقاصد البعثة النبوية في تحقيق المقاصد الخلقية بقوله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“.

– أثر المقاصد الخلقية في رعاية حقوق الإنسان خصوصاً : إن الحركة الحقوقية بحاجة ماسة إلى أن تكون حركة أخلاقية وليس مجرد حركة قانونية ثقافية وفكرية. فبدون أخلاق وبدون تخليق، ستظل حركة حقوق الإنسان دائرة حول المظاهر دون أن تصل إلى المخابر، وستظل تشتغل بالوسائل من غير تقدم في تحقيق المقاصد. وأكثر من ذلك كله، ستظل عرضة للتكييف والتوجيه والتعطيل، بحسب ما يريده أصحاب الغلبة والنفوذ وذوو النـزوات والشهوات، وهذه الحقوق والخصائص ترجع إلي الأمور الآتية :

أولاً : إصلاح الدوافع النفسية قبل إصلاح القوانين : إن من أهم أثر المقاصد الخلقية في رعاية حقوق الإنسان إصلاح الدوافع الإنسانية قبل إصلاح النظم والقوانين البشرية بمقتضى مقصد التزكية الذاتية، وهذا أمر رباني واضح قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [سورة الرعد، الآية : 11].

ثانياً : توطين فضيلة العدل في النفوس : من المعلوم الذي لا يحتاج إلى برهنة أو إثبات أن من أكبر المشكلات والأزمات التي تعاني منها الإنسانية في عالم اليوم، انتشار الظلم، وسيادة الطغيان والجبروت، وغياب معاني العدل والإنصاف، سواء أكان ذلك في نطاق المجتمع الواحد والدولة القطرية وعلاقة الشعوب بحكوماتها أو فيما بين فئاتها وشرائحها المختلفة، أو في العلاقات الدولية والإقليمية بين الشعوب والدول، وهذا واضح في الأزمات الدولية الراهن.

الفصل الثالث : مقاصد العبادات وأثرها في رعاية حقوق الإنسان، وفيه ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : مفهوم مقاصد العبادات وأهميتها : تطرق الباحث في هذا المبحث مفهوم العبادات لغة واصطلاحاً : وهي : تلك الصور المحددة التي رسمها الإسلام للتقرب بها إلى الله تعالى، واتخذها شعائر مميزة له، وعين لها مواقيت ومقادير وكيفيات، لا مجال فيها لتبديل أو تعديل”.ولقد اهتم العلماء بمقاصد العبادات فقد وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصالح الإنسان، وأن الله تعالى غني عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وأن العبادات تعود منافعها للإنسان في كل ركن من أركانها، أو فرع من فروعها، والنصوص الشرعية صريحة في ذلك وكثيرة.

ويظهر من كثير من أحكام العبادات أنها روعيت فيها مقاصدها، فإقبال الإنسان على طعامه حين يحضر، وقضاؤه لحاجته يُقدّم على صلاة الجماعة الواجبة، والطمأنينة في المشي إليها أولى من الإسراع لإدراك ركعة أو ركعتين، ومقصد الاجتماع روعي ولو في تغيير كيفية الصلاة، وعدد ركعاتها في صلاة الخوف. وهذا يتطلب من المربين والمعلمين أن يعتنوا بتعريف الناس بمقاصد العبادات وتجليتها لهم، ويكفي في ذلك ما جاء بنص القرآن والسنة ولا مانع من التمعن في المعاني دون تكلف أو قول بغير علم.

المبحث الثاني : مقاصد العبادات العامة والخاصة : ويشتمل هذا المبحث على مطلبين، لعل من مقاصد العبادات العامة، أو من أهمها على الأقل : التزكية، والتقوى، وترسيخ معاني التوحيد ومداومة ذكر الله في النفوس، والتعارف والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، والتيسير ورفع الحرج، والانضباط واحترام الوقت، بالإضافة إلى مقصد تجسيد المساواة بين الناس، ونيل مرضاة الله والقرب منه في الآخرة، فبدا الباحث المقاصد العامة وهي كثيرة منها :

  • التزكية : هي : تزكية النفوس، وتطهيرها من النقائص، وإعدادها للكمال الإنساني، وتقريبها للملأ الأعلى، وتغذيتها بالمعاني الروحية الطاهرة، كما قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله : “مقصود العبادات كلها التقرب إلى الله عز وجل”.
  • التقوى : وهي جعل النفس وقاية من سخط الله تعالى، وذلك بقمع الهوى، والتقوى هدف مشترك بين جميع العبادات، فإن من مقاصد العبادات المهمة أن يخرج العابد منها بضمير حي وقلب يقظ مدرك للهدف السامي من عبادته.
  • ترسيخ معاني التوحيد ومداومة ذكر الله في النفوس : فمن المقاصد والمصالح التي تحققها العبادات ترسيخ معاني التوحيد في النفوس، وإقامة ذكر الله والمداومة عليه في القلوب، وذلك أن العبادات ما هي إلا تجسيد لحقائق التوحيد، وتطبيق عملي لمعانيه، “أصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، كالإيمان والنطق بالشهادتين، والصلاة والحج وما أشبه ذلك.
  • التيسير ورفع الحرج : شرع الرخص في العبادات لرفع الحرج والمشقة على النفوس، وما ذلك إلا لضعفها، وتشتمل هذه التخفيفات على جميع شؤون الحياة(المشقة تجلب التيسير) وهي قاعدة أصولية معروفة في القواعد الفقهية.

 – مقاصد العبادات الخاصة : المراد بها المقاصد الخاصة ببعض العبادات الكبرى، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحوها، تنفرد بها عن غيرها من الشعائر والعبادات، أو تتجلى فيها أكثر من غيرها فنمثل على الآتي:

  1. مقاصد الصلاة : ومقصودها الأعظم تجديد العهد بالله؛ وقد اشتملت من أعمال القلوب والألسُن والجوارح فرضاً وندباً على ما لم يشتمل عليه غيرها، ونهي فيها عن أعمال وأقوال لم ينه عنها في غيرها؛ كل ذلك ليتوفر المكلف على الإقبال عليها؛ لأن مقصودها تجديد العهد بالله، ولهذا جُى علت لها مواقيت متقاربة، لئلا يبعد عهد العبد بذكر الله.
  2. مقاصد الزكاة : من أهم مقاصد الزكاة تحقيق التكافل والتضامن والعدالة الاجتماعية : إن مدار مقاصد الزكاة على تحقيق العدالة بين الناس وتضامنهم فيما بينهم؛ لأن نزول الأغنياء من مبلغ معلوم زائد عن حاجتهم الأساسية لمن يستحقه من الفقراء فيه تحقيق معنى التضامن الذي أوجبه الله بين المسلمين، قياماً بحق الفقراء، وسد حاجاتهم، وحفظ كرامتهم عن ذل السؤال، فيطهر قلوبهم من الحقد والحسد للأغنياء.
  3. مقاصد الصوم : لخص الإمام العز ابن عبد السلام رحمه الله تعالى مقاصد الصيام بقوله : “للصوم فوائد : رفع الدرجات، وتكفير الذنوب، وكسر الشهوات، وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والزجر عن المعاصي والمخالفات”. تتلخص هذه بالآتي :
  • تحصيل التقوى لتزكية النفس، وهو المقصد العام من تشريع الصيام؛ وذلك بتزكية النفس بطاعة الله فيما أمر، والانتهاء عما نهى، وتدريبها على كمال العبودية لله تعالى بسد مسالك الشيطان بكسر الشهوات، وتربية النفس على الصبر وقوة العزيمة والإرادة، فالصوم جهاد للنفس.
  • توفير الطاعات ومضاعفة المثوبات : بتكثير الصدقات، في شهر الإحسان، وبالإكثار من تلاوة القرآن في شهر القرآن، وقيام الليل، وإفطار الصائم، والاغتنام من ليلة القدر، والدعاء والتضرع، وغير ذلك من أنواع الطاعات والقُربات. 
  • تحصيل الصحة العامة : ومن مقاصد الصيام تحصيل الصحة العامة بجميع معانيها، ففيه صحة بدنية حسية، وفيه صحة روحية معنوية، وفيه صحة فكرية ذهنية، ووهذا واضح في الحديث النبوي : “صوموا تصحوا”..

4. مقاصد الحج : إن في الحج مقاصد عقدية، ومقاصد تشريعية فقهية، وفكرية، واقتصادية، واجتماعية على المستويين الفردي والجماعي، تعود بقائدتها وجدواها على الأمة والمجتمع نجمل على النقاط الآتية :

  • تعظيم شعائر الله وحرماته.
  • وحدة الأمة وتماسكها : فالحج مؤتمر إسلامي عالمي كبير، تتحقق فيه الوحدة في مصدر التلقي، وفي قصد القلب، وعمل الجوارح، وفي الزمان والمكان واللباس والذكر والمناسك، وتذوب فيه فوارق اللغة واللون والإقليم بين المسلمين يمثلون في القارات الخمسة.
  • تأكيد عالمية الرسالة بإحياء المعاني والقيم الحضارية تأكيد لمفهوم الارتباط التاريخي عند المسلمين، يتعرفون فيه على الأرض التي كانت مهد الرسالة؛ وفي المناسك يتذكرون كيف ضحى الأولون من أجل توصيل الرسالة، وكيف يجب على من بعدهم تكملة المسيرة والسير قدما بهذه الدعوة، ومع كل نسك يتذكر الحجيج العبرة من التاريخ، وكأن الحج قراءة عملية للتاريخ.
  • التربية على الأخلاق الحسنة : كظم الغيظ وترك الجدال، والتواضع، والشعور بالمسؤولية وتحمل تبعات الخطأ، والصبر على المصاعب والمشقات، والتوكل، وهو درس مستفاد من السعي بين الصفا والمروة حيث يتذكر الحجيج كيف كانت “هاجَر”عليها السلام تسعى بين الصفا والمروة سبع مرّات بتصميم وثباتٍ وعدم يأس، متخذة في ذلك كل الأسباب، باذلة جُهدًا مضنياً مع توكُّلٍ على الله.
  • رحلة إلى الدار الآخرة : فيه تذكرة باليوم الآخر في مواقف مختلفة تحصل للحاج، منها : خروجه من بلده ومفارقته أهله؛ حيث يذكره ذلك بالفراق حال الخروج من الدنيا. وتجرده من المخيط وترك الزينة يذكر بالكفن وخروج العباد من قبورهم حفاة عراة غُرلاً أمام رب العباد.

5. مقاصد الجهاد : مقاصد الجهاد في الإسلام كثيرة ومتعددة، فأجمل الباحث على النقاط الآتية :

  • جهاد النفس لتزكيتها وعلاجها مما يعترضها من الأمراض الظاهرة والباطنة.
  • الدفاع عن الإسلام ورد الاعتداء الواقع والمتوقع عن المسلمين وديارهم وأموالهم وقيمهم وتراثهم وسائر مكتسبات الأمة، ومواجهة أعداء الذين تسول أنفسهم استعمار البلاد والعباد، ونهب الثروات والمكتسبات.
  • كفالة حرية العقيدة، ونشر الرحمة للعالمين، ومنع الفتنة في الدين، لأن العمل على منع الفتنة أحد مقاصد الدين.
  • نصرة المظلومين وحمايتهم من الطغيان، وإنقاذهم من العدوان، وفي ذلك تضامن على الحرية والعدل، وتعاون على البر والتقوى ومحاربة الفساد في الأرض بجميع أشكاله.
  • الإصلاح لإزالة عوامل التفرق والخلاف الواقع والمتوقع بين المسلمين وفرض السلام الداخلي بالقوة إذا لزم الأمر ذلك.
  • بناء الأمة حضارياً وإنسانياً، وتحقيق ذلك يستلزم رؤية اجتماعية وثقافية واقتصادية، وإدارية وسياسية تبدأ من منطلقات أساسية للوصول إلى البناء الحضاري الإنساني.

البحث الثالث : أثر مقاصد العبادات في رعاية حقوق الإنسان عموماً : يشمل هذا المبحث على مطلبين :

– أثر مقاصد العبادات عموما : إن مقاصد العبادات في مجملها تكميل وتتمة لمقاصد العقائد في تعميق وتجسيد تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وترسيخ المقاصد الخلقية في استكمال معاني الفضيلة، وتجسيد قيم التزكية والتقوى، وتهذيب النفس لتنمية وتقوية البواعث الداخلية والنفسية لرعاية حقوق الله أولاً، ثم رعاية حقوق الإنسان وحمايتها من الانتهاك ثانياً؛ إذ إن الآثار العملية لمقاصد العبادات : التزكية والتقوى، وترسيخ التوحيد والمداومة على ذكر الله، هي امتثال وطاعة أكمل للأوامر والوجبات الشرعية، ووقوف كامل عند حدود الشرع في النهي عن المحرمات والمعاصي.

أثر مقاصد العبادات في التجسيد العملي لحق المساواة بين الناس : إذا كان مقصد المساواة، وحق التساوي بين الناس، أهم مبدأ تقوم عليه فلسفة حقوق الإنسان، وغاية ما يسعى إليه المهتمون بهذا المجال، والشعار الذي ترفعه كل المنظمات والهيئات الدولية على حد سواء، وأهم أهداف التشريعات والإعلانات والمعاهدات المتكاثرة والمتراكمة في هذا الميدان، ولما يتم بعد شيء من هذا أو ذاك يُعتد به على الصعيد العالمي؛ فإن الشريعة الإسلامية بطابعها العملي قد جسدت هذا المقصد من مقاصدها، وهذه القيمة الإنسانية في شعائرها، وعباداتها اليومية والأسبوعية والموسمية والسنوية، تجسيداً حقيقياً عملياً يحس به كل مسلم من قرارة نفسه، وهذه أمثلة من العبادات الكبرى التي تجسد هذا المقصد وهي :

  • تجسيد مقصد المساواة في الصلاة : يظهر تجسيد هذا المقصد في الصلاة من خلال تسوية الصفوف فيها، دون اعتبار لمكانة اجتماعية، أو مركز اقتصادي، أو منصب سياسي، أو غير ذلك من الاعتبارات أو الألقاب التي تفرق بين الناس في مختلف المناسبات والاجتماعات، فكهم أمام الله سواء.
  •  تجسيد مقصد المساواة في الحج : ويظهر التجسيد العملي لهذا المقصد في أروع صوره في مناسك الحج، حيث المساواة بين الناس في كل شيء، حتى في اللباس، فشعائر الحجّ تدعو إلى محو فوارق اللون واللغة والجنس، والحجاج يأتون من كل صوب تجمعهم أخوّةٌ إيمانية صادقة، ووحدة صافيةٌ، ومساواة عادِلة، تذيب بينهم الفوارق العِرقية، وتبدّد كلَّ مظاهر الاعتزاز بالجنس أو اللون، بدءًا من الإحرام حتى لا يكون هنالك تفاضل بين غني وفقير، وعالم وجاهل، وأبيض وأسود، وحاكم ومحكُوم، أمامهم قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [سورة الحجرات، الآية : 13].
  • تجسيد مقصد المساواة في الصيام : وفي الصوم مساواة بين الغني والفقير في تذوق مرارة الجوع والعطش، لتحقيق المواساة، وفي هذا التذكير العملي الذي يدوم شهرًا، ما يدعو إلى التراحم والمواساة والتعاطف بين الأفراد والطبقات بعضهم ببعض في سائر شهور السنة وأيامها، مما يبعث الرحمة والألفة فيما بينهم.

 

%d مدونون معجبون بهذه: