قراءة تلخيصية لرسالة “مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان”(2-5)

الفصل الثاني: مدخل عام لحقوق الإنسان في الفكر الإسلامي والغربي،

ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث نلخصها بالآتي:

المبحث الأول: مفهوم حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي والغربي:

قدم الباحث دراسة مُستفيضة حول تعريف الحقوق والإنسان عند علماء اللغة والأصول والفقهاء والقانون وعلماء الغرب وحاول الربط بين التعريفات المتعددة ثم المختارة ويتلخص هذا المبحث على الآتي:

أولا: مفهومه عند الفقهاء: وعرف الإمام زين العابدين بن نُجيم الحق بقوله: ” الحق ما يستحقه الرجل”، وهو تعريف يكتنفه الغموض؛ لأنه لفظ “ما” عام يشمل المنافع والأعيان والحقوق، كما أنه مُبهم وغير واضح.

وعرف أيضا: “الحكم المطابق للواقع ويطلق على الأقــوال والعقائــد والأديـان والمذاهب ويقابله الباطل”،ثم قدم الباحث دراسة مُستفيضة حول تعريف الحقوق والإنسان عند علماء اللغة والأصول والفقهاء والقانون وعلماء الغرب وحاول الربط بين التعريف المتعدد ثم المختار.

 والحق يطلق عند علماء الشريعة كثير من الأمور يشمل حق الله وحق العباد والذي نقصده هنا حق العباد، ومنها:

  1. كل ما يثبت للشخص من حقوق سوء كانت مالية أم غير مالية.
  2. الملك سوء أكان المملوك عقارا أم منقولاً أو منفعة.
  3. الالتزامات التي تترتب على العقد وتتصل تنفيذه كحق المشتري في تسلم المثمن وحق البائع في تسلم الثمن.
  4. الأوصاف الشرعية الاعتبارية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشارع في مقابلة الأعيان والمنافع المملوكة.

ثانيا: عند العلماء المعاصرين:

– عرف الشيخ علي الخفيف رحمه الله الحق بأنه “ما ثبت بإقرار الشارع وأضفى عليه حمايته”.

– عرف العلامة فتحي الدُريني السوري الحق بأنه “اختصاص يُقر به الشرع سلطة على شيء، أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقاً لمصلحة معينة”، مما سبق نلاحظ أن العلماء القدامى اعتمدوا في تعريفاتهم للحق على المعنى اللغوي للحق من حيث الوجوب والإثبات والمطابقة للواقع.

التعريف المختار هو ما ذهب إليه الدُّريني وذلك للأسباب التالية:

 (1) التعريف جامع لجميع أنواع الحق مانعٌ من دخول غيره.

(2) التعريف يشمل جميع الحقوق سواء لله أو للأشخاص الطبيعية والاعتبارية.

(3) قيد الاختصاص بقيد المصلحة وحماية الشرع لهذه المصلحة.

ثالثا: تعريف الحقّ عند علماء القانون: وحاولوا وضع تعريف للحق يُبين ماهيته ويكشف عن حقيقته وقيد ذلك بالمصلحة، والحق بالشيء الثابت، الحق بالاختصاص وهو قريب بما تقدم تعريفه عند علماء الفقه فقالوا:

– الحق: “ميزة أو سُلطة يمنحها القانون لشخص ما ويحميها بطريقة قانونية ويكون لهُ بمقتضاها الحقّ في التصرف مُتسلطاً على مال مُعترف له بصفته مالكاً أو مستحقا له”، ومعني ذلك أن الحق يشمل على الآتى:

  • أن الحق يُعبر عن سلطة يقرها القانون ويحميها.
  • أن الحق يفترض وجود شخص معين يكون صاحبا له (طبيعي- معنوي).
  • الحق يرد على قيمة معينة تكون له ماديا كعقار منقول أو قد يكون عملا كالامتناع عن عمل أو القيام به أو معنويا كالإنتاج الفكري (الملكية الفكرية).
  • يفترض الحق أن يكون لصاحبه سلطة الاستئثار والتسلط على حقه أي حرية التصرف والاستغلال والاستعمال.

أوجه الاتفاق والاختلاف اختلف معنى “الحقّ” في الشريعة والقانون في ثلاثة أمور:

  1. نظرة الإسلام للحقِّ مبنيةٌ على أنه واجبٌ على الغير، بينما نظرة القانون له على أنَّه حقٌّ مستحقٌّ لمباشره.
  2. مبنى الإسلام في نظرته للحقوق هو مصلحة الجماعة، بينما مبنى نظرة القانون هو مصلحة الفرد.

لقد أقر الإسلام هذه الحقوق قبل كل التشريعات الحديثة و منها الدستور الأمريكي لعام 1787 وإعلان حقوق الإنسان و المواطن في فرنسا 1791 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948,و قد اعتبر هذه الحقوق أصيلة و منحة إلهية لا يحق لأي كان الاعتداء عليها أو تعطيلها أو التنازل عنها، وقد عبر القرآن الكريم قائلا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ}[سورة البقرة، الآية: 229]؛لأن مقاصدها تتحق مصالح التي تنظمها عائدة كلها على الإنسان إسعادا في العاجل والآجل.

المبحث الثاني: أسس حقوق الإنسان ومصادره في الفكر الإسلامي والغربي:

بدءً من بزغ فجر الإسلام، كانت المجتمعات البشرية بأسرها تئن تحت وطأة الاستغلال والاستعباد والتبعية والطبقية، ووأد البنات، وافتراس الأقوياء لجهود الضعفاء، وضياع الحُقوق والتنكر لها، ولم يكن في موازين الناس شيء يُسمَّى حقا يقام له وزن أو اعتبار، باستثناء ما كان للأقوياء وكانت شعوب العالم تنظر بلهفة إلى ذلك اليوم الذي تشرق فيه شمس الحرية على هذه الأرض المروية بدموع الحزن والعذاب.

فأخذ الإسلام ينشر نوره، ويعرف الإنسان موقعه في هذا الوجود، ويحدد له حقوقه وواجباته، وينظم علاقاته، فقرر في محكم نصوصه “كرامة الإنسان” وحرم في صريح بيانه الاعتداء على حياته وعرضه وماله، وحرم كلّ شيء ينتقص من قدره، واعتبر كلّ ذلك ظلما، ومن حق المظلوم أن ينال حقه، ولا لوم عليه في ذلك ولا مؤاخذة ولا تثريب قال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنّما السبيل على الّذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم} [سورة الشورى، الآية: ٤١ – ٤٢] فاللوم والمؤاخذة إنّما يقعان على الّذين يظلمون الناس، متجاهلين حقوقهم مختلسين جهودهم.

إنّ الّذين يقومون بإصدار الإعلانات العالمية أو غيرها، هم أناس لهم خلفياتهم الثقافية والحضارية التي ينطلقون منها، ولهم نظرات خاصة ومصالح لا يستطيعون أن ينفلتوا منها، وهم، أن استطاعوا أن ينطلقوا أحياناً انطلاقاً سليماً من الناحية النظرية، فإن هذا الانطلاق لا يلبث أن ينحرف في التطبيق لما تقتضيه مصالحهم.

أما حقوق الإنسان في الإسلام، فهي ربانية المصدر، لأنها مشروعة من الإله فالله تعالى هو المصدر الحقيقي الأمين الحكيم لتشريع الحقوق، وبيان الحقوق، ومنح الحقوق، وبخاصة فإن تشريعه ليس نابعاً من أثرة أو حقد أو كراهية، فالخلق كلهم عياله، وليس تشريعه نابعا من نظرة طبقية أو جهل بحقائق الأشياء، وإنّما هو أرحم بهم من أنفسهم، واعلم بهم وبأحوالهم وبما يصلحهم ويسعدهم حق الإسعاد، ويهديهم حق الهداية، قال تعالى:  {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [سورة يونس الآية: ٣٥ – ٣٦].

كشف الباحث عن المصادر الشرعية للحق: تتألف المصادر الشرعية للحق من أربعة مصادر، هي:

أولا: القرآن الكريم: وهو الأصل الذي تتفرع عنه المصادر الشرعية الأخرى، وهو المصدر الأساسي الذي تستمد منه أحكام الشريعة الإسلاميّة، بما فيها الأحكام المتعلقة بالحقوق والواجبات.

ثانيا السنة النبوية: وهي المصدر الثاني لأحكام الشريعة الإسلاميّة، ومنها الأحكام المتعلقة بالحقوق والواجبات، والسنة النبوية هي الأقوال والأفعال والمواقف والتقريرات التي صدرت عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم ـ، تأكيدا لما جاء في القُرآن الكريم، وتفصيلا وبيانا لإحكامه ومبادئه، والمسلمون ملزمون بالنزول على أحكامها ومبادئها، عملا بنصوص القرآن الكريم، مثل قوله تعالى {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[سورة الحشر الآية: ٧]

ثالثا: الإجماع: وهو القرار الإجماعي الذي صدر عن صحابة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ومثله القرار الإجماعي الذي يصدر عن علماء المسلمين في جيل من الأجيال في ضوء قواعد الشريعة ومبادئها العامة الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة والمسلمون ملزمون بإتباعه، عملا بنصوص القرآن الكريم التي تحذر بشدة من مخالفة سبيل المؤمنين، مثل قوله تعالى:  {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء، الآية: ١١٥].

رابعا: القياس: وهو الرأي الذي يصدر عن مجتهد في فروع الأحكام، انطلاقاً من أحكام أصلية وردت في القرآن والسنة، والقياس أصل شرعي تثبت به الحقوق.

بعد اختتم الباحث في هذا المبحث مصادر الحق قائلا إنّ الرسالة الإسلاميّة التي أنشأت في التاريخ العالمي عهداً جديداً من التحرر، بينت للعالم أجمع طريق التحرر من العبودية والخراب والفقر، وأثبتت عمليا أنها الرسالة الجديرة بتحرير الشعوب في كلّ العصور، بما فيها العصر الحاضر، من الاضطهاد الاستعماري والطبقي والطائفي، والقادرة على إحداث التبديل الجذري الصحيح في حياة الإنسان المعاصر وتحرير الإنسان من ظروفه الكالحة التي أوجدها الاستعماريون في العالم، وفسح المجال إمامه لنقلة إصلاحية في الاجتماع والسياسة والقانون والاقتصاد، وتخليصه من التبعية التي يعيش معها جائعاً فقيراً محروماً، فاقداً لأبسط حقوقه المشروعة من الكرامة والحرية والسلام.

وقد استقر في ضمائر المسلمين وأذهانهم عبر القُرون، أن الحقوق التي نصت عليها الشريعة الإسلاميّة هي حقوق الإنسان التي تتمشى مع مصلحته، وتحقق سعادته وأمنهُ واستقراره وراحته وهي الحقوق التي اختلطت بعقول المسلمين وضمائرهم في قناعة كاملة بأنها من عند اعدل العادلين، ويجدون النزول عليها والتزامها وأداءها لأهلها ناشئاً عن قناعة ورضي وتسليم لله رب العالمين، عملا بالآية الكريمة: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [سورة النساء، الآية:٦٥]، وقد حفلت مصادر الشريعة الإسلاميّة بيان الحقوق وتفصيلها، ونجمل بعض هذه الحقوق فيما يلي:

أولا: كرامة الإنسان وعدم التمييز في الكرامة والحقوق الأساسية بين إنسان وأخر، انطلاقا من قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [سورة الإسراء، الآية: ٧٠].

ثانيا: حرمة العدوان على مال الإنسان ودمه، عملاً بآيات القرآن، مثل:  {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة الأنعام، الآية: ١٥١].

ثالثا: عدم جواز ممارسة الإكراه في معتقدات الإنسان، عملا بالآية الكريمة: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} [سورة البقرة، الآية: ٢٥٦] .

 رابعا: حصانة البيت – المسكن – لحماية الحياة الخاصة، عملا بما جاء في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سورة النور، الآية: ٢٧].

خامسا: التعاون بين الشعوب على ما فيه الخير، وتقديم جميع أنواع البر والمعونة إلى جميع بني الإنسان، دون النظر إلى جنسياتهم أو أديانهم أو أوطانهم، عملاً بالآية الكريمة: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات، الآية: ١٣]، والتطبيق العملي الأولي لتقوى الله هو رعاية الحقوق، وإعطاء كلّ ذي حق حقه والإنسان يقع تحت مراقبة الله عزّ وجلّ.

سادسا التكامل بين أبناء المجتمع في حق كلّ إنسان بالحياة الكريمة، والتحرر من الحاجة والفقر، بفرض حق معلوم في أموال القادرين ليصرف لذوي الحاجة، عملا بالآية الكريمة: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[سورة المعارج، الآية: ٢4-25].

سابعا: احترام العمل الإنساني وتقديره والمكافأة عليه، ولا فرق في ذلك بين عمل الرجل وعمل المرأة قال تعالى{فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره}[سورة الزلزلة، الآية: ٧ – ٨]؛ وقال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيّبةً ولنجزيّنهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}[سورة النحل، الآية: ٩٧].

ثامنا: إيجاب العلم على كلّ مسلم من أجل القضاء على الجهل، وإزالته إزالة الفقر ويشمل ذلك الذكور والإناث ما الكبار والصغار.

تاسعا: حماية الصحّة العامة من الأمراض المعدية، إلى جانب حماية المجتمع من الفقر والجهل، عملاً بقول الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليها، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه”، هل ترى مصلحة أعلى من رعاية إلهية.

ثانيا: الفكر الغربي: المتأمل في المشهد السياسي والثقافي على المستوى العالمي يلاحظ حضوراً قوياً (للدندنة)على حقوق الإنسان، وإبراز الوجه القانوني لهذه الحقوق، وهذا بطبيعة الحال ألقى بظلاله على الحراك الثقافي في مجتمعنا، وأصبح الحديث عن حقوق الإنسان يصدر من المختص وغير المختص! بل صار عند بعض الكُتّاب، ونخشى أن تصبح حقوق الإنسان حديث من لا حديث له، ولا شك أن تناول حقوق الإنسان من أهم الأمور لكن الاعتراض أن يتحدث فيها كل أحد دون علمٍ ولا دراية.

المبحث الثالث: حقوق الإنسان في المواثيق الدولية المعاصرة:

إن أشهر الوثائق السياسية في عالم اليوم “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م.

ولم تصدر هذه الوثيقة من فراغ، فقد سبق للأمريكيين في حرب الاستقلال التي شنوها ضد احتلال بريطانيا لبلادهم، سبق لهم أن أصدروا “إعلان الاستقلال” في يوليه سنة 1776 وضمنوه “أن كل الرجال قد ولدتهم أمهاتهم سواسية”وأشاروا إلى حق الإنسان في الحياة والحرية والمساواة.

 ثم لما كانت الثورة الفرنسية في أغسطس سنة 1789 أصدرت إعلانا لحقوق الإنسان وتضمن “يولد الناس أحرار ومتساوين في الحقوق”.وما لبث هذا الإعلان أن صار ذا شهرة واسعة، وصارت مبادئه من الأصول التي انبنى عليها الفكر السياسي الغربي في العصر الحديث.

وجاء “الإعلان العالمي…” في سنة 1948 مستندا للأصلين السابقين، فكان وثيقة دولية ذات إشعاع على الدساتير والقوانين الوطنية التي تصدر في غالبية الدول. وبعد صدور هذا الإعلان عملت الأمم المتحدة إلى إنجاز مهمة أكثر صعوبة، وهي تحويل مبادئ الإعلان إلى مواد تتضمنها معاهدة دولية تقرر التزام الدول المصدقة على هذه المعاهدة، التزامها قانونا بتطبيق هذه المبادئ أي تحويل المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان إلى أحكام قانونية ملزمة. وأعدت مشروعي اتفاقتين، الأولى تتناول الحقوق المدنية والسياسية والثانية تعالج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي 16 ديسمبر سنة 1966 صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هاتين الاتفاقيتين، ولكن كان تنفيذ كل منهما يتطلب موافقة 35 دولة على الأقل. ولم يتوافر هذا العدد إلا بعد عشر سنوات. في 3 يناير سنة 1976 بالنسبة للاتفاقية الخاصة “بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، وفي 23 مارس سنة 1976 بالنسبة للاتفاقية الخاصة “بالحقوق المدنية والسياسية”.

وتتضمن الاتفاقية المدنية والسياسية حق كل كائن بشري في الحياة والحرية والأمن والحياة الخاصة، وحقه في المحاكمة العادلة. وحمايته من العبودية ومن الاعتقال، وحقه في حرية الفكر والضمير والديانة وممارسة الرأي والتعبير عنه وحقه في التنقل والتجمع. كما تتضمن الاتفاقية الاقتصادية والاجتماعية كفالة الظروف المعيشية الأفضل، وحق الشخص في العمل والأجر العادل وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية له وتشكيل الجمعيات والانضمام لها.. إلخ.

قدم الباحث التصورات الذهنية والمفاهيم المجردة لأسس حقوق الإنسان الغربية هي فكرة القانون الطبيعي التي ظهرت في الفلسفة اليونانية، وانتقلت إلى القانون الروماني، وهي فكرة مفادها: وجود قانون ثابت لا يتغير، يُعد المثل الأعلى الذي يجب أن تنسج على منواله قوانين المجتمع، لأنه قائم على مبادئ لم تؤخذ من تقاليد متواضع عليها ولا من قواعد محدودة في كتاب، بل مصدره الطبيعة ويكشفه العقل، ويكاد القانون الطبيعي الذي يحكم البشر أن يكون في نظر اليونان هو إرادة الآلهة، أو القانون الأخلاقي، الصادر عن إرادة الآلهة، ثم انتقلت فكرة القانون الطبيعي إلى الرومان، وقد صاغ شيشرون خطيب الرومان الشهير فكرة القانون الطبيعي فقرر أنه أساس المبادئ الخلقية والقانونية وأن الناس أمة واحدة يستوي أفرادها في نظر الطبيعة.

وفي القرن السابع عشر ظهر كتاب الفقيه الهولندي جروسيوس 1625م “قانون الحرب والسلام” وقد ذكر فيه تعريف القانون الطبيعي بأنه “قاعدة كشف لنا عنها العقل السليم ويتحتم بمقتضاها أن نحكم على عمل بأنه ظالم أو عادل قدر اتفاقه مع المعقول، ولقد أثرت عن جروسيوس هذا عبارته “لو كان الإله غير موجود لظل القانون الطبيعي في الوجود”ويظهر في هذا نفي الصبغة الإلهية وصبغ القانون بالإنسانية، أو نفي اللاهوت وإبقاء الناسوت، وهذا ظهر في سياق العلمانية والإلحاد الذي تشبعت به أوروبا الحديثة.

وفي العصر الأوروبي الحديث شوهت فكرة القانون الطبيعي من خلال اجتهادات واضطراب المفكرين الأوروبيين، ولعل أبرز مظاهر التشويه هو تقُليص القانون الطبيعي إلى مؤشرات أو مثل عليا يهتدي بها عند عمل القوانين المختلفة، وأخطر من ذلك إدخال عناصر متغيرة في القانون الطبيعي، وفي هذا قتل ووأد لفكرة القانون الثابت (مذهب القانون الطبيعي ذي المضمون المتغير)، وأصبح دوره فقط أنه مرجع يمكن أن يلجأ إليه القاضي إذا لم يجد في القانون الوضعي شيئاً، مع هذا أثمرت فكرة القانون الطبيعي أصولاً فلسفية أخرى مثل “نظرية العقد الاجتماعي.

والمتأمل يجد أن عناصر قوة هذا القانون ووهجه في أوج الفلسفة اليونانية ولا سيما عند سقراط وأفلاطون، ولهذا يظهر للباحث أن ثمة أمر آخر إضافة إلى الفطرة أسهم في القول بهذا القانون وهو أن هذا الأمر من بقايا النبوة التي اندرست، ومن ذلك ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أساطير الفلاسفة اليونان الأوائل مثل فيثاغورس وسُقراط وأفلاطون كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بيده من أصحاب داود وسليمان عليهما السلام، وقد خالف سقراط قومه اليونان في عبادتهم ووثنيتهم ولذلك أعدموه بشرب السم .

أما النقد الموجه لهذا القانون فأولها غموض هذا القانون وعدم تحديده، أدى إلى الاختلاف فيه، وقانون مختلفٌ فيه، كيف يصمد أن يكون أساساً وأصلاً لغيره ؟! ثم إن هذا الغموض والاختلاف فيه يفضي إلى ضعفه وعدم سيادته وبالتالي هضم حقوق الإنسان المبنية على أساس منه، كما يفتقر القانون الطبيعي إلى عنصر الالتزام وعنصر القوة، وما هو إلا مجرد قيد أدبي قد يلتزم واضعو ومشرعو الحقوق وقد لا يلتزمون به.

2 تعليقان

  1. شكرا للأخ الكريم الرسالة تلخيصية كما قلت في المقدمة بدل خمسائة صفحة جعلناها 35 صفحة وهذا ليس بامر هين كما يظن البعض،وقد شاورت مؤلف الرسالة ،وارجو ان لا يظن البعض انها مجرد لصق اخذم منى الكثير من الوقت أما من حيث العنوان فصحيح قراءة رسالة دكتوراه،وشكرا على التنبيه الطيب،ولايضر ان يقرائها غيرى قراءة تمحيصية

  2. مع الإبداع وضد النسخ واللصق

    مع احترامي الشديد لكاتب المقال لكن يعيد الكاتب بنشر رسالة قد تم نشرها سابقا بشكل كتاب أو مذكرة سميها ما شئت. عنوان مقالاتك هو: قرأئة تحليلية لرسالة مقاصد الشريعة، اذا اين التحليل؟.. فهل يعتبر ما بقوم به تحليلا أو نسخ ولصق. سعادة الدكتور بهذه الطريقة تعطل عقلك قبل أن تعطل عقل قراء شبكة الشاهد المحترمين. ياسعادة الدكتور وهبنا الله هذا العقل لكي نفكر به ونضيف الي هذا العالم بشئ جديد أو نعيد صياغة الابداعات السابقة ونعيد انتاجه بشكل جديد لأنه نوع من الإبداع و يمثل أيضا اضافة حقيقية للعالم. يا حبذا يا سعادة الدكتور لو قمت بتحليل الرسالة ويستخلص منها ما يفيذ لقراء الشبكة. فإن لم تجد فيها شيئا جديدا وهدفك هو اجراج الرسالة بشكل مختصر، اذا عدل عنوان مقالاتك بما يفيذ بأنك تقوم باخراج متخصر للرسالة لكي ينتفع بها طلاب العلم في الكليات الشرعية. الشكر موصول لك يا سعادة الدكتور وكثر الله امثالك للأمة الصومالية.

%d مدونون معجبون بهذه: