قراءة تلخيصية لرسالة “مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان”(1-5)

توطئة[1]:

الحمد الله ثم الصلاة على نبيه محمد وآله الكرام وصحابته الذين ناصروه وآزروه في السراء والضراء، وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة ورعاية حقوق الإنسان، ويتبيّنُ ذلك في حروب المشركين والملحدين والإمبراطوريات العظمى والفتوحات المتلاحقة في تاريخ الإسلام.

يُعتبر تعريف الرسائل الجامعية ضروري جداً؛ لأنه عمل يُشكل استكمالاً للعمل التوثيقي الهادف إلى التعريف بالجهود المبذولة داخل الجامعات، والمبادرة إلى التعريف والتوثيق جهد مطلوب، وواجب لازم؛ لأن هذه الرسائل الجامعية يبقى توزيعها محدوداً جداً، والقلة القليلة منها فقط هي التي تجد طريقها إلى المطابع ليتم طبعها ثم توزيعها بشق الأنفس؛ ولأن المادة العلمية في كثير من الأطروحات الجامعية هي ثمرة جهد طويل وجاد يقوم بها الطلبة الباحثون تحت إشراف أساتذتهم المتخصصين في مختلف ضروب المعرفة الجامعية، وهي تُشكل بذلك مراجع قيمة للباحثين خاصة، ولطلاب العلم والمعرفة الإنسانية عموما.

 وإن البحث الأكاديمي في نهاية المطاف هو سمة مُميزة للدراسات الأكاديمية المتقدمة، فهو وثيقة إثبات لقدرة طالب الدراسات العليا في الماجستير أو الدكتوراه، وجواز مروره إلى حقل البحث العلمي ومجتمع العلماء، إذ أن هدف الدراسات العليا هو إتاحة الفرص الأكاديمية للبحث عن الحقيقة العلمية، وإضافة معرفة جديدة لرصيد الإنسانية الفكري، واليوم بين أيدينا واحدة من تلك الرسائل الجامعية المعنونة [مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في حقوق الإنسان] المقدمة من الباحث محمد شيخ أحمد محمد ( محمد حاجي) الصومالي أحد طلاب وثمرة جامعة إفريقيا العالمية كلية الشريعة، وهذا أقل تقدير أستطيع القيام به، وأرجو أن تقوم الجامعة بطباعته ونشره؛ حيث يُسد ثغراً كبيراً في المكتبات الإسلامية خاصة في مجال المقاصدي.

دوافع قراءتي لهذه الرسالة ترجع لأسباب منها:

أولا: عراقة هذه الجامعة عُموما وكُلية الشريعة خصوصا، ودورها العالمي الذي تقوم به؛ حيث أصبحت من أشهر الجامعات السُودانية رغم حداثة عمرها مقارنة بالجامعات الأخرى، وذلك أن أكثر طلابها أجانب ينتمون إلى القارات الخمسة التي تتكون منها العلاقات الدولية.

ثانيا: تشعب موضوع الدراسة – أصول الفقه المقاصدي- الذي يُعتبر من أوسع المواضيع في فروع الشريعة عامة وأصول الفقه خاصة؛ حيث يدخل جميع حياة الإنسان من عقيدة وأخلاق وعبادة ومالية وحرب وسلم، والاقتصاد العالمي وحقوق الإنسان الذي أعطت الشريعة عناية خاصة تفوق جميع المواثيق الدولية.

ثالثا: علاقتي الزمالية بالباحث؛ حيث تعرفت عليه بداية التسعينات من القرن المنصرم وكانت تظهر لباقته ولبيبته ونبوغهُ وذكاؤه الحاد، وحبهُ لهذا العلم الصعب، وآلائه على التقلب في صعابه، وتطلعه إلى الأمام إلى أن وصل إلى هذه الدرجة، ومما يجدر بالإشارة أن رسالة الماجستير للباحث أيضا كانت الموضوع نفسه معنونة بـ: “مقاصد الشريعة العامة عند الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي“([2]). ويُعتبر هذان الإمامان من أقطاب هذا الفن؛ حيث ألف الأول كتابه الشهير”قواعد الأحكام في مصالح الأنام“وهو كتاب فريد في موضعه، وألف الثاني كتابه المعروف: “الموافقات“؛ حيث خصص المجلد الأخير مقاصد الشريعة مما يُثبت الباحث جدارته العلمية في هذا التخصص الدقيق الفريد.

رابعا: علاقتي العلمية القديمة بالمشرف الأساسي: “أ.د.عبد الله الزبير عبد الرحمن” الأمين العام للمجمع الفقهي السوداني([3])؛ حيث يُعتبر من أبرز علماء السودان في هذا التخصص رغم كثرة هدوئه وعدم بروزه للإعلام.

تعرفت عليه حينما كان أستاذاً ومحاضراً بجامعة القُرآن الكريم والعلوم الإسلامية حين إنشائها؛ وذلك في بداية التسعينات عندما كنت طالباً في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة إفريقيا العالمية.

خامسا: أهمية الموضوع؛ حيث يُعالج قضايا الأمة من حوادث ونوازل ومستجدات لم تنص عليها النصوص، وهي من أهم المطلوبات في تحقيقها والعمل بمفرداتها. علما بأن حجم الرسالة كبير؛ حيث يقع أكثر من خمسمائة صفحة، وقراءة مثل هذه الصفحات واستيعابها أمر شاق إن لم يكن مستحيلاً، كما أن طلاب العالم الثالث لا يرغب القراءة لاسيما مثل هذا الحجم، فرأيتُ أنه من الضروري تلخيصها وتمحيصها بثوب جديد يشغف لقراءتها كل من لفت نظره ثم نشرها على المجلات العلمية التي تعتني بهذه الدراسات الجادة حتى تعم الفائدة.

سادسا: حبي لهذا العلم؛ حيث لا يتجزأ عن الفقه المقارن الذي تخصصت به، مع قلة زادي في هذا الفن، ويعود الفضل في ذلك إلى أساتذتي ومشائخي في الحلقات والجامعات؛ الذين غرسوا في قلبي حب هذا العلم، فسهلوا صِعابه ومهدُوا طرقه وحلُوا مُعضلاته وصعابه، وأخص بالشكر المرحوم العلامة الشيخ حسين عبده يوسف المصري، والأستاذ الفاضل الدكتور/سليمان محمد كرم، وقبل كل هؤلاء الأئمة الأجلاء في هذا الفن كالإمام الغزالي والشاطبي والعز بن عبد السلام والآمدي وابن حزم الطاهري، والنسفي، والقرافي، والدبوسي، ومن المعاصرين الشيخ ابن عاشور المالكي الزيتوني، الشيخ محمد أبو زهرة، الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المصري ثم المدني،الشيخ الدكتور وهبة الزُحيلي الأزهري السوري، الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان الأزهري العراقي والشيخ الدكتور علي أحمد الندوي وغيرهم. وهذه خمس حلقات، وهذا قليل من كثير، وستر الله من سترني وأرشدني إلى الصواب، وما توفيقي إلى بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وأرجو أن تعقبه رسائل أخرى.

يتكون البحث من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة وفهارس متنوعة، تعين القارئ كشف ما يريد إطلاعه بسهولة ويسر.

  1. المقدمة: تشمل على كثير من أساسيات البحث وأهمها.
  2. أسئلة البحث: حيث تساءلت الدراسة عددا من الأسئلة منها: ما هي المقاصد، ما طرق معرفتها؟ ما هي مفهوم حقوق إنسان لدى فقهاء الغرب ومفكريه؟، كيف يمكن إبراز عناية الشريعة الإسلامية بالإنسان؟، وهل هناك علاقة بين فقهاء الغرب وفقهاء المقاصدي؟.
  3. أهداف البحث: ويمكن أن نلخصها على الآتي:

أ- استخلاص جملة من المقاصد التي جاءت بها الشريعة الغراء.

ب- دراسة مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الإنسانية ومبادئها العامة وأسرارها التشريعية.

ت- دراسة مقاصد الشريعة الإسلامية المالية وبيان أثرها في رعاية حقوق الإنسان.

 ث- بيان تفوق الشريعة الإسلامية وتميزها في مجال رعاية حقوق الإنسان”ولقد كرمنا بني أدم”.

4- منهج البحث: يتلخص على الآتي:

أ- المنهج التحليلي: وذلك بقراءة النصوص وتحليلها والوقوف على أهدافها ومرامها التشريعية وأسرارها المقاصدية.

ب- المنهج الاستقرائي: وذلك بتتبُع النصوص التشريعية وبيان مقاصدها، والوقوف على آراء الفقهاء القدامى والمعاصرين مع مراعاة الظروف والأعراف والعوائد، والمواثيق الدولية مع ذكر أوجه الاتفاق والاختلاف.

ث- المنهج المقارن: أي مقارنة بين النصوص الشرعية والقانون والفقهاء الدستوريين والمذاهب الفكرية والفقهية.

5. الصعوبات التي واجهت الباحث أثناء إعداد هذه الرسالة: ومن المعلوم سلفا من أراد إنجاز عمل ضخم كمثل هذا المشروع فلا بد وأن يواجه عددا من المتاعب والصعوبات نجملها على ثلاثة نقاط:

  1. طبيعة الموضوع وسعته وتشعبه أفقيا؛ حيث يشمل في فروع العلوم الشريعة المختلفة وفنونها الإنسانية، يشمل مقاصد الشريعة العقائد والأخلاق، والعبادات، ثم توظيفها في رعاية حقوق الإنسان.
  2. قلة المصادر والمراجع العصرية وبين ذلك في الفصل التمهيدي.
  3. أن مثل هذا العمل يحتاج إلى هدوء واستقرار؛ حيث انتدب الباحث إلى جامعة بنادر الناشئة وخاصة كلية الشريعة والقانون؛ حيث كان ممن وضعوا لبناتها المنهجية والإدارية، كما أن الصومال يعاني أزمات داخلية ربع قرن من الزمن.

 الباب الأول: مدخل عام لمقاصد الشريعة الإسلامية، وفيه فصلان، يتضمن الفصل الأول على أربعة مباحث نُجمل دراسته ما يلي:

المبحث الأول: مفهوم المقصد في الاصطلاح اللغوي والفقهي: ناقش مفهوم الشريعة لدى علماء اللغة والفقهاء والأصوليين، من حيث معني الحقيقي والمجازي؛ حيث أن المقاصد جمعت في مدلولها اللغوية واستعمالاتها القُرآنية والنبوية، وتشمل الخير والبر والإحسان والصلاح والمنفعة المحضة والتوسط، والاستقامة، وكلها ألفاظ قرآنية ترمي إلى كرامة الإنسان وأنه مكرم معزز، غضا عن اعتقاداته، كما تشكل كل ما شرعه الله لعباده المؤمنين من أحكام العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات ونظم الحياة وشعبها المختلفة من حرب وسلم والعلاقات الدولية كما بينت ذلك سورة الممتحنة.

المبحث الثاني: أقسام مقاصد الشريعة: تَتَوَزَّع المقاصد الشرعية إلى قسمين: المقاصد العامة، وهي: “المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو مُعظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، والمقاصد الخاصة، واختلف أهل العلم في قِسْمتها؛ لاختلاف الجهات والحيثيات، فمن حيث مرتبتها في القصد، قَسَّمها الشاطبي رحمه الله إلى قسمين:

الأول: المقاصد الأصليّة، وهي: التي لا حَظّ فيها للمُكَلَّف، وهي الضروريات المُعْتبرة في كل مِلّة، وقد تكون: ضرورية عينية، أو ضرورية كفائية، فأما كونها: عينيّة فعلى كل مكلَّف في نفسه، فهو مأمور بحفظ دينه اعتقاداً وعملاً، وبحفظ نفسه قياماً بضرورية حياته، وبحفظ عقله حفظاً لمورد الخطاب من ربه إليه، وبحفظ نسله التفاتاً إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الكون.

ومن حيث كونها اعتبارية أو حقيقية، يمكن إجمالها بالنقاط الآتية حسب الدراسة:

1. مقاصد الشريعة في مجال الفرد.

2. مقاصد الشريعة في مجال الأسرة.

3. علاقة الشريعة في مجال الأمة.

4. مقاصد الشريعة في مجال الإنسانية.

والثاني: المقاصد التابعة، وهي التي رُوعي فيها حظ المكلف، فمن جهتها يَحْصل له مقتضى ما جُبِل عليه؛ من نيل الشهوات، والاستمتاع بالمباحات، وهذا القسم مُكمِّل لما قبله، كما قال الشاطبي رحمه الله: المقاصد التابعة: خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها، ولو شاء الله لكلَّف بها مع الإعراض عن الحظوظ، أو لكلف بها مع سلب الدواعي المجبول عليها؛ لكنه امْتَنَّ على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة الدنيا للآخرة، وجعل الاكتساب لهذه الحظوظ مباحاً لا ممنوعاً، لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة، وأجرى على الدوام مما يَعُدّه العبد مصلحة.

المبحث الثالث: أهمية المقاصد الشريعة الإسلامية: وجعل فيه صلاح هذه الأمة, كما جعله سبحانه وتعالى مُيسراً للعباد دون مشقة ولا حرج، ورخص فيه للناس بما لا يطيقون قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾[سورة البقرة الآية: 286وقال جلّ وعلا: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [سورة المائدة، الآية: 6]؛ وقال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [سورة البقرة، الآية: 185]، فبناء على هذه التوجيهات القرآنية يكمن إجمال أهميتها بالنقاط الآتية:

أولا: أنّ معرفة مقاصد الشريعة سبب في زيادة الإيمان وتقويته، واستمالة القلب وطمأنينته، وبيان ذلك: أن المسلم مأمور باتباع ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، علم الحِكمة والمقصد من ذلك أم لم يعلم، ولكنه حين يقف على المقصد من الأمر الشرعي ويُدركه يزداد إيماناً وتعلُقاً بهذا الدين وتمسُكاً به؛ لأنه يدرك حينئذِ أن هذا الدين جاء بالسعادة في الدنيا والآخرة.

ثانيا: إن في معرفة مقاصد الشريعة تعرفاً على محاسن الشريعة ومزاياها وهو أمر له أهميته في استمالة القلوب ويفتح آفاقاً جديدة في الدعوة إلى الله، لا سيما دعوة أولئك الذين لم يبلغهم الدّين إلا من خلال كتابات مشوهة، وأفكار مضللة، فحين يدركون مقاصد هذا الدين السامية، وأهدافه النبيلة العالية، وما يسعى إليه من سعادة للناس، حين يدركون ذلك، ويعرض لهم الإسلام من خلاله يدركون ضآلة ما هم عليه من أفكار، وحقارة ما يقدسونه من حضارة.

ثالثا: إن في إبراز مقاصد الشريعة وإظهارها، ومدارستها وبحثها، رداً لشبه المغرضين، وتفنيداً لآراء المنحرفين الذين يتهمون الشريعة بالقُصور وعدم الوفاء بحاجات الناس ومتطلباتهم في هذا العصر، ومنْ ثَمّ يُطالبون باستبدالها وإبعادها، فإذا عرضت مقاصدها وما اشتملت عليه من حكم باهر، ومصالح ظاهرة، علم على الحقيقة.

رابعا:إنّ معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية كبرى للمجتهد، فالمجتهد مُحتاج إلى مقاصد الشريعة والاضطلاع عليها، وقد أشار العلماء إلى هذا، فقال السُبكي رحمه الله: “واعلم أن كمال رُتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:

  • التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه.
  • الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.
  • أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حُكماً له في ذلك المحل وإن لم يصرح به، كما أن من عاشر ملكاً؛ ومارس أحواله، وخبر أموره؛ إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرح له به، ولكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية.

 خامسا: أهمية المقاصد في الترجيح بين الأدلة وأنها مترابط في جميع فروع الشريعة والمصادر المعتبرة من تفسير وحديث وشروح فقهية وأصولية، وعلاقة المقاصد بالأدلة ارتباط المقاصد بالأدلة، وحاجة المجتهد إليها وذلك في الأطر الآتية:

(1) إن مقاصد الشريعة في تدوينها وبروزها علماً مُستقلاً قد مرت بثلاث مراحل:

أ- اقترانها بغيرها في كتب التفسير وشروح الأحاديث والكتب الفقهية والأصولية.

ب- تميزها عن غيرها وذلك بتخصيصها بمباحث مستقلة في الكتب الأصولية.

ت- تخصيصها بالتأليف.

(2) إن للشارع مقاصد في تشريع الأحكام، وأن أفعاله معللة بالحكمة والمصلحة سواء
علمنا تلك المقاصد والحكم أم جهلناها، وأن خلاف الأشاعرة والظاهرية في قضية تعليل الأحكام غير صواب ولا عملي؛ حيث تخلوا عنه لا سيما الأشاعرة عند إثبات العلة في القياس والمناسبة وأن الأدلة النقلية والعقلية قد تضافرتا على أن أحكامه تعالى لمقاصد وحكم، ثم ذكر الباحث طرقاً للكشف عن المقاصد عند علماء الأصول وهي:

(1) الاستقراء لنصوص الكتاب والسنّة.

(2) معرفة علل الأمر والنهي بمسلك من مسالك العلة المعروفة عند الأصوليين.

(3) مجرد الأمر والنهي فإن الأمر دليل على طلب الفعل وقصده والنهي دليل على عدم قصده.

(4) معرفة الألفاظ التي يستفاد منها معرفة قصد الشارع كالتعبير بالإِرادة الشرعية، أو أنه خير ومنفعة ونحو ذلك.

(5) سكوت الشارع مع قيام المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم القصد إلى حصول الفعل.

(6) أن كل ما أدى إلى تأكيد المقاصد الأصلية وتقويتها أو توقفت عليه تلك المقاصد فهو مقصود شرعاً.

(7) إن الشريعة جاءت بجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

المبحث الرابع: طرق معرفة مقاصد الشريعة: لا يخفى على أحد عن أهمية معرفة طرق المقاصد والكشف عنها والوقوف على أسرارها وكلياتها وقواعدها، فذكر الباحث طرق ذلك مُستعينا بذلك جهابذة علماء هذا الفن الذين غاصُو في أعماق هذا الفن عرفُوا أسراره منهم العز بن عبد السلام والشاطبي وابن عاشور وتتلخص الدراسة بالآتي:

أولا: العلامة عز بن عبد السلام: يرى أن طرقها تسعة، ولا تتجاوز ذلك، وهي.

  1. الخمسة الأولى تكشف عن المقاصد المتعلقة بمصالح الدارين، وهي أدلة الشرع إجمالاً قائلا:” أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال الصحيح”.
  2. وأما الطرق الأربعة الأخرى هي: الكاشفة بالمصالح الدينوية فقد أجملها بقوله:” ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل وذلك معظم الشرائع”وأن مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها معروفة سلفا بالضرورات والتجارب والعادات والظنون.

ثانيا: الإمام الشاطبي: ذكر ثلاثة اتجاهات في هذا المضمار وهي:

  1. جعل النصوص على الظاهر مطلقا ويمثله الظاهرية.
  2. عكس ذلك وهو عدم الالتفات إلى الظواهر مطلقا، إنما النظر إليها بعد خضوعها للمعاني النظرية ويمثل هذا الاتجاه الباطنية.
  3. الجمع بين ظاهر النصوص ومعانيها؛ بحيث لا يخلّ أحدهما على الآخر ويمثل هذا الرأي جمهور العلماء قاطبة ويجمل ذلك على أربعة اتجاهات هي:

أ- مجرد الأمر والنهي الابتدائي الصريح، والأمر يدل بذاته على قصد الشارع إلى إيقاع الفعل المأمور به، وهو ماكان وسيلة إلى تحقيق مقصد أو هدف أو خادما له مثل قوله تعالى في سورة الجمعة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ رقم الآية : 9-10]

ب – اعتبار علل الأمر والنهي: فإن كانت العلة معلومة لزم اعتبارها، أما إذا لم تكن العلة معلوم معروفة يجب التوقف عن القول بأن الشارع قصد إلى التعدية حتى يبنه الشارع وتعرف عللها من مسائل وقرائن أخرى.

ت‌– – استخراج المقاصد المتبعة الأصلية: أن المقاصد التابعة مثبتة للمقاصد الأصلية ومقوية لحكمها وعللها ومستدعية لطلبها وإقامته لا إسقاطها وهو ما اعتبره الشارع مقصوداً.

ث – السكوت عن الشرع الحكم مع توافر دواعي التشريع، فهذا النوع من السكوت ينزل منزلة النص على أن الشارع يريد الالتزام بما كان معروفا في زمن التشريع من غير زيادة عليه ولا نُقصان، وهذه الأربعة يقصد الشاطبي رحمه الله أنها مسالك التعليل وزيادة التنقيح والتدقيق.

ثالثا: الإمام ابن عاشور: يرى أن معرفة المقاصد هو وجه الاستدلال الذي هو محل اتفاق بين الفقهاء والمجتهدين، وهو الذي يُقلل الاختلاف بين الفقهاء وترك التعصب المذموم، ومع هذا فقد اعتمد على ثلاث طرق في إثبات المقاصد هما:

  1. استقراء الشريعة في مضامينها وتصرفاتها وهي أعظم طرق عنده، وهي استقراء الأحكام المعروفة عللها، واستقراء أدلة الأحكام التي اشتركت في العلة بحيث تُرجح كفة المقاصد؛بأن تلك العلة هي قصد الشارع ومرادها.
  2. أدلة القرآن الواضحة الدلالة التي يضعف احتمالها أن يكون المراد غير ما هو ظاهر وهي دلالة اللغة العربية ومتواتر ألفاظها.
  3. السنة المتواتر وهي نوعين عند علماء الأصول والسنة وهي:

أ – المتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة عملا من النبي صلى الله عليه وسلم فيحصل لهم علم التشريع.

ب – تواتر عملي يحصل لبعض الصحابة من تكرر مشاهدة أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما ثبت بحيث يستخلص من مجموعها مقصدا شرعياً.

ثم ذكر الباحث أوجه الاتفاق والاختلاف بين الأئمة الثلاثة في طرق معرفة المقاصد؛ حيث تشمل عند العز رحمه الله مصادر المعرفة الثلاثة: النقل والعقل والحسّ، أما الشاطبي رحمه الله فقد حصر طرقه الأدلة الشرعية متبعا في ذلك جمهرة العلماء الأصول ناقدا الإمام عز ابن عبد السلام طرقه في معرفة المقاصد، أما محمد بن عاشور فإنه لم يعتبر هذه الطرق إلا ما كان كاشفا عن المقاصد الشرعية عنده.

ذكر الباحث بعد هذا العرض والرحلة الشاقة القول المختار في معرفة طرق المقاصد عند علماء الأصول رحمهم الله متمثلة مفهوم النص وأهميته في الكشف عن المقاصد استقرائه وطرق استفادة المقاصد من النص سواء كانت صريحة في الدلالة أو غير صريحة والمقصود من كله مقصد التيسر ورفع الحرج.

الهوامش


[1] – قراءة تحليلية تلخيصية رسالة دكتوراه بعنوان:

مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في رعاية حقوق الإنسان– دراسة تأصيلية مقارنة”

 الدكتور/يونس عبدلى موسى يحيى(أبو عكرمة)الأستاذ المشارك للفقه

البيانات العامة

أولا: اسم الباحث:محمد شيخ أحمد محمد(محمد حاج).

ثانيا: المشرف على الرسالة:

  • المشرف الأساسي: أ.د.عبد الله الزبير عبد الرحمن، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في السودان.
  •  المشرف المساعد: أ.د.إسماعيل محمد حنفي الحاج ،عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية السابق.

ثالثا: التخصص والكلية، الجامعة:

  • التخصص: الشريعة الإسلامية (الشريعة الإسلامية).
  • الكلية: الشريعة والدراسات الإسلامية.
  • الجامعة: جامعة إفريقيا العالمية – الخرطوم.
  • تاريخ المناقشة: في يوم الخميس 17 رجب 1433هـ، الموافق 7/6/ 2012م.

رابعاً: لجنة المناقشة: تكونت لجنة المناقشة من الأساتذة الآتية أسماؤهم:

  • أ.د.عبد الله الزبير عبد الرحمن، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في السودان.   — رئيساً للجنة.
  • أ.د.إسماعيل محمد حنفي الحاج عضواً .
  • أ.د.معاوية أحمد سيد أحمد، وكيل جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية،        —        مناقشاً خارجياً.
  • د.سليمان محمد كرم (أستاذ مشارك)، منسق الدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مُناقشاً داخلياً.

خامسا: قرار اللجنةأوصت اللجنة في نهاية الجلسة بالآتي:

  • منح الباحث درجة الدكتوراه (بدون التقدير: وهو نظام معمول به في الجامعة حالياً).
  • نشر الرسالة وتبادلها بين الجامعات، كما أوصت اللجنة بطباعة الرسالة (بلغني أن الرسالة طبعت من قبل المجمع الفقهي السوداني، غير أنى لم أقف عليه، وهذه خطوة ايجابية).

سادسا: حجم الدراسة: 509 صفحة بما فيه أساسيات البحث والمقدمة.

سابعا: عدد المراجع والمصادر التي رجع إليها الباحث تصل نحو: 353، ما بين مصادر أصلية ومراجع حديثة معاصرة ودوريات علمية محكمة، ورسائل جامعية غير منشورة.

[2]) ) نوقشت يوم السبت، صفر 1423هـ – الموافق 11/5/2002م.

[3]) ) من مواليد شمالي السودان 1378هـ -1959م، حفظ القُرآن الكريم في الصبي، ثم نال درجة بكالوريوس دراسات إسلامية من كلية القُرآن الكريم بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، بمرتبة الشرف عام 1990م ، ثم ماجستير أصول الفقه ، من كلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإسلامية عام 1994م ، بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعته ونشره ؛ دكتوراه في أصول الفقه ، من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، بالسودان، عام 1998م بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعة ونشر الرسالة والتداول بين الجامعات.وله خبرة طويلة في مجال التدريس منها: (1) مُعيد بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية 1990-1994م، (2) محاضر بنفس الجامعة في قسمي الدعوة وأصول الفقه 1994، (3) محاضر مُتعاون لمادة الثقافة الإسلامية بالمعهد العالي للبصريات بالسودان 1993-1994،(4) مدرس مساعد بجامعة الإيمان بصنعاء من سبتمبر 1994م، كما حاز عدد من الجوائز العلمية منها: (1) الجائزة العلمية الأولى ببحثه المعنون” السّلام في القرآن الكريم: ترجمة صادقة لقيام المجتمع الراشد”عام 1990م، (2)جائزة “الشهيد الزبير للإبداع والتميّز العلمي” عام 2002م في مجال الدراسات الإسلامية وهي أرفع جائزة علمية تقدمها الدولة، ورئيس الجمهورية يسلّمه البراءة العلمية للجائزة (3) نال وسام العلم الذهبي من الدولة بيد رئيس الجمهورية في عام 2002م. وله عدد من المؤلفات منها: (1) “من جوانب التربية في القرآن الكريم”؛ (2) ” مناصحة الحُكام فقهها و طرائقها”؛ (3) “دروس في تزكية النفس”؛ (4) ” من مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ والتطبيق ” ضمن سلسلة كتاب الأمة، العدد ” 56″ بارك الله في بقية عمره.

%d مدونون معجبون بهذه: