الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب{9}

تنزيل أوضاع المسلمين بعد 11 من سبتمبر:

كان المسلمون في الغرب يتمتعون بغاية الاحترام والحرية، في كثير من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمثلا في المجال السياسي كانوا يتمتّعون بكامل الحرية والاختيار، سواء الذين يحملون جنسية البلد الغربي الذي يقيمون فيه أو المقيمون إقامة دائمة فيه، بنفس المزايا الدستوريّة والقانونية والحقوق التي يتمتّع بها الإنسان الغربي بالكامل وبدون نقصان.

 ويحق للمسلمين الانضمام إلى أكبر الأحزاب السياسيّة الفاعلة، سواء تلك التي في الحكم أو في المعارضة، كما يحقّ للمسلمين الذين يتمتعّون بحق المواطنة تأسيس أحزاب سياسيّة أو جمعيات ثقافية واجتماعيّة وغيرها، أو تأسيس جرائد ومجلات ووسائل إعلامية مسموعة ومرئية، كل ذلك متاح وتكفله القوانين التي لا تضع أيّ قيد في طريق العمل السياسي أو الإعلامي أو الثقافي.

ولكن الأمر تغير بعد حادثة 11 سبتمبر، حيث تغيرت الديموقراطيات الغربية وحماية حقوق الإنسان بحجة محاربة الإرهاب ومباغتة كل الأخطار الأمنية التي تواجه الغرب من قبل عناصر إسلامية متطرفة.

وأما الجوانب المالية فإن الغرب لم يسلم بعض الأحيان أن تعدى على حقوق المسلمين المالية مجرد أن اشتبه فيهم بالتطرف أو علاقة مع القاعدة حتى ولو كان ذلك الشخص أو الجماعة أو المؤسسة ليس لها علاقة بتلك الجماعات المتطرفة أو الذين يمارسون أعمال العنف باسم الدين والجهاد.

ومن هنا أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بالاشتراك مع وزارة الخزانة البريطانية لائحة جديدة باسم 38 مؤسسة وشخصية طلبت من البنوك الأمريكية والبريطانية تجميد أموالها وأرصدتها، وحظرت على المواطنين التعامل معها بأي شكل من الأشكال.([i])

ومن هنا تحول اقتصاد المسلمين بعد الأحداث إلى اقتصاد حصار، وتوالت عمليات الحظر والتجميد. ولم يخف الغرب هذا الأمر من خلال التصريحات و الخطب التي كانت تؤكد على سياسة تجفيف المنابع المادية، وقامت في ذلك حملات مكثفة ولازالت لمراقبة ومتابعة أي تحويل تشم من خلاله رائحة غير زكية لتمويل الإرهاب والتطرف.

وخير دليل على ذلك تلك الخطب والتصريحات التي ألقاها رئيس وزراء بريطانيا السابق حول أحداث تفجيرات لندن حيث أعاد جون بلير الحديث عن ضرورة محاربة الأفكار التي تنبت التطرف والإرهاب بدل التركيز على محاربة الأشخاص الذين يمارسون أفعال الإجرام تحت مسميات الجهاد والحروب الصليبية والمؤامرات العالمية على الإسلام وأهله.([ii]) أما الخطب والتصريحات التي كان يدليها الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن وزمرته في هذا الشأن فقد كانت أشد حدة وأعنف لهجة من غيره من الغربيين.

وإذا أمعنا النظر في تلك الخطابات والتحضيرات يظهر لنا أن هؤلاء الساسة الغربيين لم يكن أسمى هدفهم البحث عن سبل معالجة التطرف الديني واستئصال شأفته، و إن تخبطهم لدليل على عدم صدقهم بحل المشكلة وإيجاد دواء ناجع للمرض.

ومن هنا تضررت الأقليات المسلمة في الغرب من العمليات الإرهابية، كما تضررت أيضاً من سبل محاربته. ومسئولو المراكز الإسلامية وقادتهم في الغرب لوحوا مراراً وتكراراً على أن أحسن سبل معالجة الإرهاب وأهله مناهضة الفكر بالفكر المضاد ومحاولة الحوار والمناقشة الهادئة حتى تدحض كل الأفكار والاعتقادات المنحرفة التي يتشدق بها من يعتقد بالتطرف. ولأن قادة الجاليات الإسلامية يرون ذلك مرضا سببه الجهل بأصول الدين وقواعده الأصيلة، ويجب إزالته بالطريقة السليمة حتى لا يعود المرض مرة أخرى. ولكن الفكر الغربي لم يكن يريد ذلك، وبعضهم تأخر كثيرا في الوصول إلى نتيجة مفادها أن حرب الأفكار بالأفكار المضادة هو خير وسيلة لوقف النزيف الذي يسببه فكر التطرف المرعب الذي أساء –ويسيء– للإسلام والمسلمين قبل غيرهم.

ورغم أن المجتمعات الغربية حكومات وشعوبا حرصوا على المحافظة على الأمن وعدم إثارة النعرات القومية والدينية إلا أنه تعرض بعض أفراد المسلمين هنا وهناك لاعتداءات متعددة تراوحت بين الشتم والسباب والإهانة والاعتداء اليسير والضرب، وفي حالات نادرة القتل. أحياناً يتم التعرض لحجاب بعض المسلمات بالنزع أو بالإشارة السيئة باليد. كما تعرضت بعض المؤسسات الإسلامية بما فيها المساجد لأذى، ففي ألمانيا وحدها تم دهم أكثر من خمسين مسجداً، بمبررات سخيفة.([iii])

عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية أصيب المسلمون في السويد بارتباك شديد خوفاً على مستقبلهم وعلى وجودهم بشكل عام في السويد، وحتى لا يتفاقم الأمر سارع المسؤولون السويديون في بعث العديد من الرسائل السياسية إلى المسلمين عبر وسائل الإعلام السويدية المرئية والمسموعة والمكتوبة، بل وقاموا بزيارات إلى المساجد والمراكز الإسلامية، وضمنوا بأن القوانين السويدية المركزية تولي الحريات الدينية أهمية كبيرة.([iv]) ومعاناة المسلمين لم تقتصر على ماذكرناه فحسب، وإنما تعدى أيضاً إلى هموم المسلمين وطموحاتهم؛ لأن المسلمين عانوا من أزمة الإرهاب معنوياً؛ حيث أن العمليات الإرهابية شوهت وتشوه سمعة الإسلام وعطلت تقدم الدعوة الإسلامية في ربوع هذه البلاد .

هكذا تحولت أوضاع المسلمين بعد أحداث سبتمبر، ولكن من الغريب أن يقول بعض المثقفين المسلمين أن الحادثة كانت لصالح الإسلام، وكيف يكون القتل وإهلاك الحرث والنسل لصالح الإسلام والمسلمين يا ترى؟ وأي حقبة من حقب تاريخ الإسلام المشرف وانتشاره أصبح العنف والتخريب في صالحه؟ بل إن انتشار الإسلام وذيوع تعاليمه وعقيدته إنما يكون أمرا حتميا؛ لأنه يوافق فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو من عند الله سبحانه وتعالى، وليس غيرها. أما إقبال الناس على قراءة الإسلام ومعرفة تعاليمه بعد الحادثة ليس سببا في ذلك دخولهم في دين الله تعالى. فإثارة الأمر شيء، والاقتناع به شيء آخر.

 

الهوامش

_____________________________________________________

([i]) http://www.albayan-magazine.com/kheri/6.htm

صحيفة الشرق الأوسط – 13/10/2001م.

([ii]) د. عبد الله العوضي: حــرب الأفكـار ، ، وانظر جريدة إيلاف يومية الكترونية ، لندن،الخميس 21/يوليو/2005 http://www.elaph.com/ElaphWeb/NewsPapers/2005/7/77761.htm?sectionarchive=NewsPapers.

([iii]) الدكتور مالك بن إبراهيم الأحمد: المسلمون في الغرب قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر، باحث وأكاديمي.

([iv])يحي أبو زكريا : في مقاله هل تأثرّ مسلمو السويد بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ؟ اقرأ المقال الكامل في http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-102-1794.htm.

%d مدونون معجبون بهذه: