الشباب الصومالية.. هل تلفظ أنفاسها الأخيرة ؟

Al-Shabaab-Somali-Islamist-Groupمنذ عام 2010 كانت بوادر الانشقاق كامنة في نسيج الحركة بوجود صراع مكتوم بين أمير الحركة أحمد عبده جودانى الملقب بـ (الشيخ مختار أبو زبير)، وبين الشيخ مختار  روبو علي الملقب (أبو منصور) الرجل الثاني في الحركة حول إدارة الحرب ضد قوات الحكومة الصومالية وقوات الاتحاد الإفريقي، وكذلك حول مواقف الحركة السياسية والأيديولوجية تجاه الوضع في الصومال، وكذلك الموقف من مفاوضات التوحيد بين حركة الشباب والحزب الإسلامي الذي كان يتزعمه الشيخ حسن طاهر أويس.

وقد اشتدّ عود الخلاف منذ 6 نيسان/ أبريل الماضي بالتحديد عندما أرسل أحد مؤسسي حركة الشباب ومنظري السلفية الجهادية في الصومال، إبراهيم حاجي ميعاد الملقب (إبراهيم أفغاني)، رسالة مفتوحة إلى زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بعنوان “أنا النذير العريان” مطالبا إياه بالتدخل وإنقاذ الحركة مما أسماه “النفق المظلم” وقد وجه فيها انتقادات لاذعة لأمير الحركة واصفا إياه بـ”دكتاتور” يتهم كل من خالفه في الرأي بالخيانة.

ولم يمض سوى أسبوعين من دعوة الأفغاني تلك حتى نشرت رسالة شبيهة أخرى من قبل الزبير المهاجر ، وهو أحد كبار قادة الحركة الأجانب، تحدث فيها عن إقصاء جودانى للمقاتلين الأجانب واحتقاره لهم. وقد ازداد التوتر عندما ادعى المقاتل المولود بأمريكا عمر حمامي الملقب (أبو منصور الأميركي) على صفحته في “تويتر” بأن أتباع جوداني حاولوا اغتياله.

وفي تطور آخر  بدا وكأنه رد على محاولات جودانى لتصفية أبي المنصور الأمريكي أصدر عدد من أبرز رموز الحركة منهم الأفغاني، والمهاجر، وأبي منصور وحسن طاهر أويس فتوى في 30 نيسان/ أبريل الماضي حذروا فيها جودانى من الإقدام على اغتيال الأمريكي. وفي 7 أيار/ مايو الماضي تناقلت الوسائل الإعلام اغتيال الأمريكي بأمر من جودانى بالرغم من تكذيب الخبر فيما بعد برسالة من الأمريكي نفسه أكد خلالها أنه نجا من محاولة اغتيال ولكنه أصيب بجروح في عنقه خلال المواجهة.

 وتطورت الأمور في الآونة الأخيرة إلى حد الغليان حين نشبت مواجهات عنيفة بين جناح جوداني من جهة والأفغاني وأويس وأبي منصور والأمريكي من جهة أخرى بمدينة براوة الساحلية، مما أدى إلى مقتل عدد غير معروف من الطرفين، منهم الأفغاني وعبد الحميد حاشي عولهايى الملقب بـ (معلم برهان). وحسب مصادر مقربة من عائلتيهما فإنهما اعتقلا وأعدما، غير أن حركة الشباب أكدت على لسان الناطق باسمها عبد العزيز أبو مصعب أن القياديَينِ لم يتم إعدامهما بل قتلا خلال اشتباكات دارت إثر مقاومتهما أمر الاعتقال، كما تمكن الشيخ أويس من الفرار على متن قارب إلى منطقة “هوبيو” حيث سلم نفسه لمسؤولي ولاية “حبين وحيب” وبعد مفاوضات مضنية اقتنع بتسليم نفسه إلى الحكومة الفيدرالية لتضعه فيما بعد في السجن. ولا يعرف حتى الآن مصير كل من فؤاد شنغولى وأبي منصور روبو  والأمريكي، لكن الأرجح أنهم في مناطق ريفية نائية هربا من جوداني الذي يبدو أنه قرر تصفية رفقاء السلاح بدعوى أنهم بغاة يشقون الصف ويخرجون على طاعة الأمير.

 عوامل الانشقاق

يبدو لي أن الانشقاقات الحالية نتيجة طبيعية لأكثر من عامل منها:

أولا: الضربات الموجعة والهزائم المتتالية التي مُنيت بها الحركة في العامين الأخيرين قد خلقت حالة من الارتباك النفسي لدى القادة بعد أن فقدت الحركة عددا من المدن الرئيسة، مثل مقديشو وبيداوة وكسمايو ومركا وجوهر وبلدوين، وانحسار نفوذها في الأرياف والمدن الصغيرة في بعض وسط وجنوب الصومال، وعندما تواجه أي حركة مسلحة هذا القدر من الخسائر المادية والبشرية وتفقد كثيرا من سطوتها، فغالبا ما تصبح عرضة لأزمات داخلية ولتصدعات، وهذا ما يصيب حاليا حركة الشباب.

الثاني: إن الطريقة المتشددة التي انتهجها الحركة في تطبيق الشريعة بفرض أحكام لا يتفق الشعب معهم في طريقة تطبيقها مثل حظر تناول القات وفرض الحجاب، وهدم الأضرحة، وحظر المناسبات الدينية، وطرد هيئات الإغاثة، قد نالت من مصداقية الحركة في أعين الجماهير الصومالية، إضافة إلى التذمر الشعبي من عالمية خطاب حركة الشباب وعزمها على مواصلة القتال؛ لأن الشعب كان ينتظر انفراجا ومصالحة بعد الانسحاب الإثيوبي، ولم يرض أن يكون وقودا لجهاد عالمي غير محسوب النتائج.

الثالث: دموية التعامل مع المخالف في الرأي إلى حد التصفية الجسدية في بعض الأحيان إجهاضا لأي محاولة تهدف لمراجعة المسيرة الجهادية من منظور شرعي، حتى لا يتمكّن الشباب المتحمس من الاستماع لأي رؤية نقدية قد تضع بعض عمليات الحركة في المحك من المنظور الشرعي، وبالتالي إخراج من ينتقد الأمير أو الحركة من الدائرة الإسلامية وتصنيفه كمعاد أو مرتد ولا قيمة لأي نقد أو دعوة للمراجعة والتصحيح إن لم تكن منسجمة مع رغبات الأمير، أوجد قابلية للطاعة العمياء وجيل من دروايش محاربين تحركهم العاطفة الإسلامية أكثر من الضوابط الشرعية.

الرابع: إن الصراع بين جوداني وخصمه قد يكون في مضمونه صراعا سياسيا «بشريا» تختلط فيه المصالح بالرغبات الفردية. فحسن طاهر أويس بعد أن تنازل عن قيادة الحزب الإسلامي لصالح الاندماج مع حركة الشباب كان يتطلع إلى تبوأ مقعد رفيع في الحركة؛ إلا أنه بعد أيام فقط من انضمامه للحركة تبخرت آماله تلك عند أول لقاء جمعه بأمير الحركة جوداني الذي لم يقبل إعطاءه أي منصب رفيع أو أفضلية أخرى سوى كونه أحد “المجاهدين”، وهو ميزة ينالها حتى أصغر الناس في الحركة، وكانت هناك جهود من قبل أبي المنصور وآخرين من قيادي الحركة للتدخل وحل الأمر بهدوء لكن دون جدوى، مما جعل هؤلاء القادة ومعهم أويس يتحينون الفرص المواتية لإعلان الانشقاق، ولا سيما أن هؤلاء القياديين من الرعيل الأول في المسيرة القتالية، فأويس يعتبر نفسه “أمير المجاهدين” في القرن الإفريقي – كما هو عنوان مذكراته المطبوعة – والأفغاني هو من أبرز منظري السلفية الجهادية لكونه شارك في الجهاد الأفغاني في أواخر الثمانينيات وينتمي إلى الجيل الأول من القاعدة.

الخامس: إن سياسة أرض المحروقة التي تبنتها حركة الشباب بمنع أي وجود إسلامي مسلح غيرها، والقضاء على الحزب الإسلامي بعد معارك واغتيالات أجبرت الأخير على الاندماج مع حركة الشباب حفاظا على سلامتهم، والعداء السافر التي تجهر الحركة ضد علماء جماعة الاعتصام السلفية والذي بلغ حد التصفيات الجسدية بسبب تبرؤ المراجع السلفية من نهج الحركة المناقض للسلفية في قضايا عقدية ومنهجية مثل التكفير بالشبهة واستحلال الدماء والأموال بذرائع واهية أدى في النهاية إلى إحداث فجوة كبيرة بين الحركة والعلماء والواجهات الإسلامية الأخرى. ولعل الانشقاق الأخير قد يكون من إفرازات استعداء العلماء والوجهاء من الشعب مما دفع المعتدلين منها إلى إعادة النظر في علاقة الحركة مع الشعب بغية إحداث توازن في العلاقة مع الآخر وتجنب سياسة الاستعداء.

حركة تتبع أخواتها

عودتنا التجارب الجهادية الحديثة دخول المشاريع الجهادية في نفق مظلم تنتهي معه ولأسباب أقل ما يقال عنها : غياب فقه سياسي واضح لديها. ولتوضيح هذه المعضلة نأخد حالتين جهاديتين مختلفتين على سبيل المثال، الحالة الجزائرية والحالة العراقية. فالأولى تمثلت في مقارعة العدو القريب، أي ضد النظام المحلي بصرف النظر عن شرعية مثل هذا الجهاد والآخر تمثل في مقارعة العدو البعيد، أي مواجهة احتلال غاشم استحل بيضة دولة مسلمة. وفي كلتا الحالتين فقد المشروع البوصلة وتحول من مواجهة العدو  إلى مواجهة رفقاء السلاح.

ففي الحالة الجزائرية، يذكر أبو مصعب السوري في كتابه المنشور “مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر 1988 – 1996″ أن إحدى المجموعات قتلت عددا كبيرا من القيادات مثل الشيخ محمد السعيد وعبد الوهاب لعمارة وغيرهم، ولاحقت وعذبت آخرين، وهو أمر اشتهر واعترفت به الجماعة المسلحة في بيانات نشرت في نوافذ إعلامية تمثلها، وقد قدم أبو عبد الرحمن أمين – أمير الجماعة الإسلامية المسلحة – مبرارات لقتلهم بدعوى تحضيرهم للانقلاب على قيادته وبدعوى الحفاظ على الهوية السلفية للجماعة، وأنهم كانوا يحضرون لاتصالات بالحكومة الجائرة للعودة إلى المسار الديمقراطي، وتهم أخرى تمس المنهج… ومن هناك -كما يقول السوري – بدأت حقيقة الانحرافات عن مسار الجماعة تتكشف، مما أدى في النهاية إلى أن تؤول قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة بعد مقتل قياداتها المخلصة الواعية لبعض الجهلة والشاذين فكريا ممن اعتنقوا أفكارا تتراوح بين التكفير والإجرام والجهل ممزوجة ببعض الأفكار ذات الصبغة الجهادية، وذلك بترتيب استخباراتي محكم، مما أودى بها إلى البوار والفشل والتحلل مع أوائل عام 1996م.

وفي الحالة العراقية، تكرر نفس المشهد، حيث قُدمت بعض هذه المبررات مرة أخرى عندما دخلت “دولة العراق الإسلامية” في قتال مع الفصائل الجهادية، بل وقدمت مبررا أسوأ فقد ذهب أتباع القاعدة إلى أبعد من ذلك بتكفير بعض فصائل المقاومة مثل المجلس السياسي للمقاومة العراقية الذي كان يضم الجيش الإسلامي في العراق، جماعة أنصار السنة – الهيئة الشرعية، الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس- العراق).

وجاءت بعدها موجة قتل المشايخ البارزين وأساتذة الجامعات والأطباء ومدراء الدوائر الخدمية وكثير من أهالي السنة في العراق مما أدى إلى انقلاب الحاضنة الشعبية ضد المقاومة بعد أن تمّ “صحونتهم” من قبل الأمريكان، وكان الخاسر الأكبر  في ذلك هو المقاومة العراقية لفقدانها أقوى سبب مادي لبقائها وهو الدعم الشعبي لمشروعها.

 مستقبل الحركة

ومن الواضح أن الصراع الحالي سيؤدي بالحركة في النهاية إلى شبه إفلاس في كل النواحي، وسيجد “الجهاديون” أنفسهم في حلقة مفرغة. صحيح أن جناح الصقور بقيادة جودانى يستعرضون الآن قوتهم بقتل المنشقين لحسم الصراع لصالحهم، لكن يبدو أن المعركة ستطول ولن تمر بسلام دون إضعاف قوة الحركة في كل النواحي على الأقل أو الإنهاء الكلي لوجودها، وذلك لأسباب عدة منها:

أولا: إن أبا منصور الذي يعد رجلا صعب المراس بخبرته القتالية الطويلة يعيد الآن ترتيب صفوف أتباعه في منطقة “باي وبكول” حيث تهيمن عشيرته التي تعتبر من أهم الحاضنات العشائرية المتبقية لمشروع الشباب، ويرجح وقوفها إلى جانب ابنهم الهارب مما يرشح الصراع الدائر إلى مزيد من الاستقطاب والتنافس في أجنحة حركة الشباب ما سيحدث نزيفا في جسم الحركة قد يؤدي بها إلى مثواها الأخير.

وثانيا: كان من أهم عناصر التفوّق العسكري لحركة الشباب وجود مقاتلين أجانب من أصول وجنسيات مختلفة يمتلكون خبرات واسعة، حيث شاركوا في معارك عديدة، سواء في أفغانستان، العراق، البوسنة أو الشيشان أو كشمير، ونقلوا خبراتهم العسكرية إلى الميدان الصومالي، ومع مطاردة الأميركي الذي هو من أهم قادة مقاتلي الأجانب وانضمام كثير منهم معه للقتال حتى النهاية دفاعا عن النفس يبدو أن عنصر المدد الخارجي لحركة الشباب آيل للانقطاع سواء كان على مستوى المدد التمويلي أو البشري ولم يعد ممكنا من الآن فصاعدا تسلل المقاتلين الأجانب ومغامرتهم للمجيء إلى الجبهة الصومالية، وهذا ما من شأنه إضعاف الحركة في المدى القريب.

وثالثا: الصراع الأخير جاء في وقت ينحسر دور الحركة وتزداد عليها الضغوطات العسكرية من كل الجبهات مما سيسهل لخصومها سواء الحكومة والقوات الإفريقية أو المجاميع الصوفية المسلحة شن مزيد من الهجمات على المناطق المتبقية في أيدي الحركة، مستغلين انشغالات قوى الحركة في المواجهات البينية، وهذا السيناريو قد يكون ممكنا إذا ما أظهر جناح الحمائم المنشق من الحركة مزيدا من التحدي والمواجهة عسكريا ضد محاولات الصقور بقيادة أمير الحركة أحمد جوداني لاستئصالهم واستعادة زمام المبادرة.

وفي الأخير، يمكن القول إن الشباب بعد أعوام من السيطرة والسطوة العسكرية في الجنوب الصومالي تمر الآن بأصعب مراحلها، حيث إنها تعاني صراعا داخليا مريرا جاء في الوقت الذي فقدت معظم المواقع والمدن الاستراتيجية التي كانت تسيطر عليها، وتزداد عليها الضغوط العسكرية في كل الجبهات ما قد يؤذن باقتراب أفول نجم الحركة في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: