شهر رمـضان الذي أنزل فيه القُـرآن

images (1)هُدى للناس وبيّنات من الهُـدى والفرقان… هُدى للناس في دنياهم وفي أخراهم، هُدى لهم في معادهم ومعاشهم؛ لأنه مدرسة تربوية نفسية واجتماعية لترويض أنفسنا على الصّـبر والتّحمل والعزوف عن الشّهوات المعنوية والحسـية. نصوم عن الطعام والشراب للتعوّد نفوسنا على القُـوة كما قيل في الأثر (اخشـوشنوا فإن النِـعم لاتدوم). وكان السلف يقول: (تخفّـفوا فإن العـقبة كئود، وسفـر اليل لا يُطيقه إلا مُضمر المجاعةالنجائب في الأول وحاملات الزاد في الأخيـر).  ونصوم عن المُحرمات المعنوية من لغو الكلام وفُحش القول وقبيح الأفعال. مادام المعنى الأول للصّوم هو ترك الكلام القبيح (إنـي نذرتُ للرّحمن صَوما..) والصّوم هو الرُّكن الرابع من أركان الإسلام، وهو زكاة البدن التي بها يطهر ويصفو. وفُرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة، وصام رسولُ الله عليه السلام 9 رمضانات. وهو من أعظم شعائر الدين بل هو من الأمور المعروفة من الدين بالضّرورة التى من أنكرها يخرج من الإسلام .

رمضان هو الشَّهر الذي تفتّحتْ فيه السماء لتنُزل نورها إلى الأرض – القرآن، ولتتوحّد موجةُ الخلق كلهم في عبادة ربهم وطاعتهم له، ولرفع شأن أهل الأرض بالقرآن ولتُـقبل أعمالُهم في السماء. فالصّوم يعوّدنا على تقوى الله وحُسن الخلق، فتقوى الله تُصلِح ما بيننا وبين ربنا وتوجب لنا محبة الله، وحُسن الخلق يُصلِح ما بيننا وبين الخلق، وتدعو الناس إلى محبتنا.

والصّوم جُـنة من أمراض الرُوح والقلب والبدن، وله تأثير قوي في حفظ الصحة وإذابة الفضلات وحبس النفس عن تناول الشَّـهوات والمَلذات، وهو يَدخل بجدارة ضمن الأدوية الوقائية الروحانية والطبيعية فصُـوموا تَصـحوا.

 ويكفي رمضان شرفاً وعظمة أنه العبادة الوحيدة التي اختصّ الله بها من دون العبادات الأخرى فالصّـوم لي وأنا أجزي به. والهدف الأساسي من الصّيام هو التقوى: أي أن نخرج من رمضان وقد ازددنا حبا وطاعة لله تعالى (وتزوّدا فإن خير الزّاد التـقوى) فكما أنّ الرياضة الجسمية يظهر أثَرُها على الجسم بعد التدريب والتمارين الشاقة فإنه يجب أن يـظهر أثر طاعة رمضان على سُلوك الانسان المسلم بعد شهر رمضان (يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصياملعـلّـكم تتـقون).  لهذا قال الحق (استعينوا بالصّبـر والصّلاة وإنها لكبيرة…) والمقـصود بالصَّـبر هنا الصّيام؛ لأنه يُربّي ملكة الصبر وقُوة الإرادة لدى الانسان.

 وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

* صوم العوام : وهو الكفّ عن شهوات الطّعام والشراب والنكاح في نهار رمضان…

* وصوم الخواص: وهو الكفّ عن الطعام والشراب والنكاح والجوارح، فتمنع النظر عن الحرام واليد عن البطش والرجل عن السعي للحرام والأذن عن سماع الغيبة…

* وصوم خوّاص الخواص: وهو الكفّ عن كل هذه الشَّهوات مع صيام القلب – أن يتملّك قلبَك حبُ الله تعالى، فلا ترى سواه، وتكره المعصية فلا تفكر فيها، ولا ينشغل قلبُك إلا بالطاعة والذكر. فأي الصّيام تُحب أن يكون صومُك؟.

سُئل الإمام عليّ رضي الله عنه ماهي أحب الأعمال إليك؟ فقال: أحبّ الأعمال إليّ الصّـوم بالصَّـيف والضّـرب بالسـّيف وإكرام الضّـيف. والصوم الحقيقي هو أن تُذكِر نفسك وتُهذب خُلقها بعد رمضان. فرمضان هو شهر معراج الروح وارتفاعها إلى السمّاء وإلى الدّرجات العُـلى ونزول الجسم ونُحوله وضعف ميزانه؛ لأن الإنسان مُكوَن من جسد أرضي خُلق من التراب، ومن روح عُلوية هي من أمر ربنا نفخها الله في الإنسان، وتختلف حاجاتهما بل تتعاكس أحيانا، فما يحبُه الجسد ويستمتع به يكون هلاكاً وقتلا للروح. والعكس صحيح تماما أي أن ما ترتاح له النفس وتسعد به من الروحانيات واللذات المعنوية من الطاعات والأعمال الصالحات تُتعب الجسد وتُرهقه وتُضعفه… لهذا قال المصطفى عليه السلام يامعشر الشباب… ومن لم يستطع فعـليه بالصَـوم فإنه له وِجاء.

والصوم مدرسة عملية للتدريب والتّمرين البدني والنفسي للمؤمن لترتفع نفسه إلى درجات الكمال والسُـموّ، ولتتزوّد لما بعد رمضان من شهور، تماماً كما يُدرّب الجندي الجديدُ على الجلد والقُـوة والصبر والتّحمل ليتهيأ للمهام العظيمة التي تُوكل إليه فيما بعد.

فالوصول إلى الأهداف العليا يتطلب تركَ العوائد: السُـكون إلى الدعة والراحة وتكرار ما ألفه الناس واعتادوه، وقطع العوائق وأنواع المخالفات الظاهرة والباطنة التي تمنع السير إلى الهدف من الشركيات والبدعيات والمعاصي.

 نبي الله يوسف عليه السلام كان يُكثر من الصِّيام وهو أمين خزائن الأرض فقيل له لماذا تُكثر من الصيام وبيدك الخزائن؟ فقال: (أخاف أن أشـبع وأنسى الجـائع).

امتحن أحد الملوك أربعة من الفلاسفة وطلب منهم أن يصف كلُ واحد منهم الدواء الذي لا داء فيه؟ فقال آخرهم: (الدواء الذي لا داء معه: أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه) ومصداق ذلك قول المصطفى (نحن معاشر الأنبياء لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا ما شبعنا…) فقال الجميع صدق! (فالعُقلاء يأكلون ليعيـشوا، ويعيـشون لأهداف سامية، والشَّـهوانيون يعيشون ليأكلوا فقط). وعلى الانسان المُسلم أن يستفيد من تمرين رمضان لتحسين تربيته وتهذيب سُلوكه وتقوية عزيمته، مادام كلُ شيء نفيس وغال يطول طريقه ويَكثر التّعب في تحصيله؛ لأنّ المكارم موصولة بالمكاره، فمن أراد مكرمة صبر على مكروهه.  فالخير عادة والشر لُجاجة.

رمضان ضيف كريم عزيز يحلّ علينا ليرفع درجاتنا، والضيافة تستوجب من المُضيف (إظهار السُّرور للضيف والفرح بقدومه والاعتزاز باستقباله) لأنه لو علم الناس ما في رمضان لتمنّوا أن يكون الدّهر كلُه رمضان. وعلينا أن لا نُظهر أي نوع من أنواع الضَّعف والتبرم منه خاصة أمام غير المسلمين، اعتزّ بدينك، وأظْهر لهم أنك فخور بصومك وطاعتك لله، وأنه صِحيّ للبدن، وأنك تُطيع ربك وتُؤدي واجبك العَـقدي، وقل لهم إنك في نعمة هو يفتقدها ويحتاج إليها لأنه لم يعد يطيع ربه الذي خلقه… والصوم سنة جميع الأنبياء عليهم السلام.

جاء المشركون إلى الخليل إبراهيم عليه السلام، وقالوا له: ألا تحترم وتخاف من آلهتنا عندما تُخالف ديننا وعاداتنا؟ وكان جوابه مُفحماً (…وكيف أخاف ما أشركـتم ولا تخافون أنكم أشركـتم بالله مالم ينزّل به علـيكم سُـلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن…؟؟)

%d مدونون معجبون بهذه: