الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب (8)

 تعاطي الإرهاب والعنف:

إذا كان البعض يرى بأن الإرهاب وعمليات العنف والقتل من أي طرف كان بسبب العنصرية وتنامي شعور القومية، فإن عالم علم الإجتماع البروفيسور أندرسون Mette Andersson لا يؤيد على ذلك بل ويعلل أسباب الإرهاب بعدم اندماج الإرهابيين بمجتمعهم وليست بتنامي القومية والعنصرية، وحسب رأينا أنه ليس معنى ذلك بأن كل من ارتكب عمليات العنف والقتل تنقصه خبرة الاندماج وحنكة التعايش السلمي مع الآخرين، لأننا رأينا من مارس العنف والقتل هنا وهناك رغم أن له حظ كبير وباع طويل في الاندماج والاختلاط مع ذلك بات من أهل الإرهاب بل ويفتخر بعمله الشنيع رغم بشاعته وخطورته.

 إذا كان هؤلاء من جانب اليمين الأوروبي سواء كان مسيحيا أو غير ذلك فإنهم تلقوا تربية مناسبة لمناخهم الأوروبي وموروثاتهم الثقافية والعقدية، في حين أن أغلب ضررهم أصاب من بني جنسهم أكثر من غيرهم. أما إذا كان هؤلاء من محيط الإسلامي فإن كل من يُعرف بأنهم قادة التطرف والتشدد والذين يشار إليهم بالبنان ينحدرون من مجتمعات ذاب ثقل ثقافي وإرث كبير، وأن أول تنفيذ أعمالهم الإرهابية في أرض الواقع كان في ديارهم ومسقط رؤوسهم، وإن كان فيما بعد تجاوز إلى خارج الحدود بعد أن تطورت الأفكار والأهداف إلى أهداف وأفكار عالمية غير محصورة بحدود معينة.

أسباب التطرف والغلو في المهجر

وإذا حاولنا أن نعرف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى ارتكاب الإرهاب باسم الدين في الغرب نستطيع أن نقسم الأمر إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية. وحينما نتحدث عن العوامل والأسباب الداخلية نعني في ذلك تلك الأسباب والعوامل التي لها صلة مباشرة بالجالية المسلمة فقط دون أن يكون طرف خارجي له تأثيره. من بين ذلك: الجرأة على الفتوى وتعاطيها من غير أهلها رغم قلة العلم الشرعي وعدم أهليته، إذ إن المهجر الإسلامي في الغرب يعاني – كغيره من أماكن أخرى – عدم كفاءة الفتوى حيث يقتحم كثير من الشبان المسلمين في هذا المجال لاسيما الفتوى الفردية؛ مما جعل كثيرا من الشباب مضطرين إلى أخذ المعلومة من مصادر مجهولة وغير دقيقة، وبالتالي حولوا تلك المفاهيم المغلوطة في أرض الواقع.

وهذا الأمر يتحمله في الحقيقة القيادات الإسلامية في الغرب حيث لم يفلحوا في إنشاء مظلة تهيمن على كافة المسلمين وتقوم في مواجهة ظاهرة الفتوى الفردية التي تمس مصالح الأمة ومستقبلها وتصرف المشاعر وتحركها في اتجاهات تسفر عن أعمال تؤثر سلباً على مسارها، على الرغم من محاولة إنشاء هيئة تهيمن على كافة المسلمين في القارة الأوروبية مثل مجلس الإفتاء الأوروبي إلا أن هذا المجلس رغم عراقته ومكانته لدى كثير من المسلمين – وأغلبهم الناطقين بلغة الضاد- ولكنه لم يصبح حتى الآن المرجعية الرسمية في أوساط المجتمع الإسلامي هنا في الغرب. كما أن كثيرا من أعضائه يقيمون خارج البلاد الأوروبية وليسوا أوربيين.

ومن هنا وبسبب فقدان مرجعية حقيقية تكون قبلة للمسلمين في الغرب كافة ترتب على ابتعاد الشباب عن موقع العلماء ودروسهم الدينية، بل يتم طعنهم والتكبر عن مجالسهم العلمية، والدليل على ذلك أن أغلب من يتزعم فئات التطرف والغلو هنا وهناك تبغض أهل العلم ، وهكذا دأب المتطرفين عبر التاريخ الإسلامي، لأن التطرف لم يبدأ حديثا وإنما كان بداياته في زمن الخلفاء الراشدين، بحيث ظهرت فرقة الخوارج التي كفرت الجميع بما في ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الأمر يتشارك فيه المهجر العالم الإسلامي حيث يرفض المتطرفون هيئات الفتوى والإفتاء لعالمنا الإسلامي،كهيئة كبار العلماء في السعودية والأزهر الشريف وغيرها. بل يتهم أهل التطرف العلماء ورجال الإصلاح بالتواطؤ والتملق كما اتهموا الصحابة بمثل ذلك، ما أشبه الليلة بالبارحة. فما بالك إذا كان مثل هؤلاء يزهدون عن المراكز الإسلامية في بلدان غير إسلامية، بل يحاولون إفشالها بالتشكيك والتخريب، متهمين القائمين عليها بالتواطؤ والعمالة والارتباط بالكفار والمشركين. ومن بين الأسباب الداخلية أيضاً الجهل بالدين وعدم وجود قدوة حسنة في الغرب.

ومن الأسباب الخارجية التي ربما تكون سبباً للعمليات الإرهابية والتخريبية في المهجر أسباب وراءها الغرب نفسه بحيث إذا نظرنا إلى بعض تلك الأعمال ومن ارتكبها نرى أن هدفها كان رد فعل لما قام به الغرب. وخير مثال في ذلك ما حدث في هولندا من قتل رجل سينمائي هولندي مشهور Theovan gohg حيث كان سببه انتقام وانتصار للإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم،([i]) رغم أن منفذ الحادثة محمد بويري المغربي لم يكن من الجماعات الإسلامية، بل كان من الشباب المنحلين البعيدين كل البعد عن المساجد والمراكز الإسلامية فضلاً عن الجماعات الجهادية والفكرية، وكان من المواليد في هولندا، ولكن الغيرة الإسلامية والدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل هذا الشاب يتحرك نحو فعلته.

ورغم أنه لا أحد يبرر تلك العملية التي تخالف أدبيات الإسلام وأصوله الفقهية إلا أننا نستطيع القول بأن المبرر الذي اتخذ صاحبه كان ما قام به المخرج السينمائي مع صديقته أيان حرسي علي الصومالية الأصل والتي اضطرت للهروب من هولندا بعد أن تخلى عنها حزبها وأبعد أنصارها السابقين حتى لا تسبب للحكومة مزيدا من أعمال العنف والتخريب. علماً أن كثيراً من المسلمين والمسيحيين اعتبروا أن إنتاج هذا الفيلم يأتي ضمن سلسلة من الهجــمات من قبل بعض الدول الغربية على الدين الإسلامي وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها الرسوم المسيئة للرسول والتي أعادت نشرها صحيفة دانماركية.

وهكذا الغرب، بالأمس القريب كان الحديث مع سلمان رشدي صاحب كتاب آيات شيطانية، والذي استمد منه مسرحية عرضت في الغرب. وهؤلاء يفعلون ذلك – حسب قولهم – من باب حرية القول، ولكن في نفس الوقت ينتهكون حرية ملايين المسلمين، كما قاموا بانتهاك مشاعر ملايين من المسيحيين والمسلمين أيضاً حين تعرضوا للسيد المسيح عليه السلام. وهناك أيضاً أعمال فنية قدمت من قبل غربيين، تتضمن إساءات للسيد المسيح عليه السلام تماماً كما يساء اليوم للدين الإسلامي ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم تحت غطاء حرية التعبير.([ii])

و ما حدث في أسبانيا وبريطانيا يعزى إلى أن الغرب اعتدى على بعض البلدان الإسلامية مثل العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال وغيرها، ومن هنا جاءت الأعمال الإرهابية انتقاما من الغرب فيما فعله في أماكن أخرى. وعلى الرغم من التدخل الأمريكي العسكري واحتلال أراضي المسلمين مع رفض السماح لخمسة ملايين فلسطيني بالتنعم بحياة أفضل قد أشعل الغضب تجاه الغرب – وخاصة أمريكا – وزرع روح الكراهية في نفوس كثير من المسلمين، ومع هذا كله إلا أن ذلك لا يبرر ارتكاب أعمال العنف والتخريب، ولكنه من الأسف الشديد يولد الإرهاب في هذه الظروف كرد فعل لما ارتكب الغرب في أماكن متفرقة.

وقد ندد العلماء و الدعاة العاملون في حقل الدعوة هنا في الغرب بتلك الأعمال، إذ لا يبرر اعتداء الغرب هناك، التفجيرات وقتل الأبرياء والأطفال والنساء والمسالمين في أوطانهم دون أي دليل شرعي وعقلي.([iii])إضافة إلى ذلك أن أفعال بعض الدول الغربية وانتهاك حقوق وحريات المسلمين في أماكن متفرقة من العالم ، مرفوض هنا في الغرب من قبل غالبية الشعوب، ولكن لعبة السياسة ومآرب أخرى تحجم إرادة الشعوب وطموحاتهم.

وثمة سبباً آخر يراه – هذه المرة – بعض الباحثين الغربيين، وهو أن الإرهاب سببه عدم نجاح الغرب في دمج المهاجرين واللاجئين في المجتمع. وهنا يفرق أحد الكتاب الغربيين بين أمريكا وأوروبا. والسيد Gerahad Helskog صاحب كتاب ” Innvandrernes supermakt ” رغم أنه كاتب أوروبي نرويجي إلا أنه يرى أن أوروبا هي السبب الرئيسي في أعمال العنف هنا وهناك بسبب فشلها في ضم المهاجرين واندماجهم بالمجتمع، ومن هنا كان من الطبيعي أن تحصل الفجوة الكبيرة التي نراها اليوم في المجتمعات الأوروبية، وبالتالي أن تقع بعض أعمال العنف من قبل المهاجرين سواء كانوا مسلمين وغير مسلمين.

وخير دليل على ذلك ما شاهدناه في هولندا من قتل مخرج الفيلم الذي أساء للإسلام وكذا التفجيرات العنيفة في أسبانيا وبريطانيا، وكذلك الأحداث الأخيرة في فرنسا التي أهلكت الأخضر واليابس، والتي لعب المهاجرون – وكان غالبيتهم مسلمين – دوراً بارزاً في تنفيذها. أما الولايات المتحدة فإن الكاتب النرويجي يرى أن المهاجرين يحسون بأنهم مواطنون كغيرهم، وبالتالي من الصعب أن يرتكبوا ما يقلق أمن البلاد واستقراره، وحتى لو حصل ما يشبه ذلك فنراه يلوح بالعلم الأمريكي ويفتخر بأمريكيته. وأما أعمال العنف والإرهاب التي أصابت أمريكا في 11 سبتمبر عام 2001م يقول الكاتب إنما كان سببها أوروبا ، لأن الذين ارتكبوه كانوا من ألمانيا وبريطانيا رغم أن أصولهم من أصول شرق أوسطية. ومن هنا يتمسك الكاتب بأن سبب أعمال العنف والإرهاب مرده عدم نجاح الدول الأوروبية في تحسين أوضاع المهاجرين واللاجئين.([iv])

ومع هذا كله من المفيد أن نذكر هنا أن إحدى الباحثات المسلمات في السويد تتساءل- كغيرها من المسلمين في الغرب – ما هي الأسباب التي من أجلها لجأ أهل التطرف والتخريب إلى أعمال الإرهاب. إذا كان هؤلاء فروا من بلدان لم يستطيعوا العيش فيه لأجل المضايقات والتعذيب، في حين أن البلدان الغربية وجدوا فيها تسامحا وترحيبا فلماذا إذاً يستمرون في أعمال التخريب؟. ومن هنا أعتقد أن الفكر المتطرف والغلو لا يتعلق فقط بالمناخ السلمي واللجوء الذي وجدوه، وإنما هو قضية فكرية ومنهجية، وكل من يرفض العلم وأهله مآله إلى التطرف والتخريب، أينما كان، طالما لا يحترم العلم وأهله، إذ العلماء ورثة الأنبياء وحملة رسائل الأنبياء والرسل، ولكن أهل التطرف لا يروق لهم إلا أن يكون بعيدين عن مجالس العلماء والفقهاء، وبالتالي من السهل أن يعتقدوا أفكارا بدعية تخالف ما ذهب إليه سلف هذه الأمة، بل ومحاولاتهم التعامل بنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بمفاهيم لا تتفق وما دهب إليه الأئمة السابقين النابغين بالدين وأصوله.

 الهوامش

 


([i])Gerhard Helskog: Innvandrernes supermakt ( 0slo) 2008 Kagge Forlag As, s.15.

([ii])http://www.iu.edu.sa/erhaabcon/page2.htmlhttp://www.amanjordan.org/anews/wmview.php?ArtID=20548.

([iii]) د. أماني جمال: التحولات الديموقراطية في الشرق الأوسط ، خطوات ظاهرية إلى الأمام وخطوات جوهرية إلى الوراء : الإصلاح الديموقراطي إلى العالم العربي ، ورقة رقم 11 ضمن أورق المؤتمر الدولي السادس للديموقراطيات الجديدة والمستعادة، الدوحة – قطر29 أكتوبر – 1 نوفمبر 2006م ، ص 17.

([iv]) Gerahad Helskog : Innvandrernes supermakt(2008), Oslo, Kagge Forlag As, s.15- 18..

%d مدونون معجبون بهذه: