مصر في مفترق الطرق

العالم الإسلامي يلتهب من أقصاه إلى أقصاه، حريق هنا ودمار هناك، جثث هناك في الميانمار متكدسة في جنب الجداول والأغادير والطبيعة الجميلة، وقتلى هنا في الصومال في الساحات والطرقات بلا سبب! وملايين فوق التراب مجندلين هناك في سوريا الشام، وآلاف خلف القضبان والزنزانات منهكون في فلسطين وكشمير، والدجلة يبكي بلا أنيس، وبيت الحكمة في الزوراء يندب حظه ويقول وامأموناه! ويا رشيداه! بتراجيديا حزينة وميلودراما مؤلمة، وقاهرة المعز تذرف الدموع لأجل المآسى والغدر.

في هذا الوضع المزري المليء بمهرجانات الموت والبارود وتجمعات الخزي والعار قد يكون التبله وإغلاق قنوات الأخبار والاتصالات الخارجية والداخلية الحل الوحيد لهروب شوك الأيام وغدر القريب قبل البعيد؛ لأن المعرفة تسبب لك الشقاء في بعض الأحيان، وأنا منذ أن بدأت فهم التساؤلات الشائكة وفك طلاسم السياسة ولو في أولى ردهاتها وتعرفت بعض الاستفهامات التي كان أستأذي في اللغة والأدب العربي يتحاشى بصعوبتها ويربأ بها نفسي عن حزنها عندما كنت في الثانوية العامة، ويصور أستاذي المفضل والبارع في التاريخ والمتميز في الجغرافيا أن أبعادها أكثر تعقيدا ويتفلسف عليها ويدور حولها، وأنا لا أجد لحظة من الصفاء العميق بل أعيش كقط حزين وكطفل جريح في مهده بلا أم حنونة ولا أب شفيق.

التمرد الحضارى في منطقتنا والعبودية التي جعلت الإنسان مجرد علبات صوتية ليس لها وقع فعال ومؤثر والأنظمة الاستبدادية التي ينخرها الفساد ودأبت غسل الدماغ وتغيب الوعي يجعل جسدي يتلوى هنا شاحبا، وذاكرتي الرمادية ساهرة في هدأة السحر قرب ضفاف النيل في جنوب الوادي، وقلبي يجول في شمال الوادي حزينا ويرثى لمدينة المآذن، وتفكيري وحبي في وطني الجريح، وفي البال فلسطين وآهات اليتامي ونشيج الباكين وعويل الأرامل عن عدوي لايرعوي ومحتل غاشم، وأنين الشام يلهب الحشا، وبكاء الثكالى في أفغانستان يسبب لي وخز الضمير.

ولا أرى مخرجا آمنا يفضي بنا لفياح التقدم والتطور والانتهاء الفعال للمعاناة، ويوفر في الساحة أبجديات التعايش على قدم المساواة في إطار يرتكز على العدالة والمحاسبة؛ لأنه إن طال عهد الجرح صار صديدا، والشعب مورس ضده أبشع أنواع الظلم، وعاش على حياة ليس فيها سوى الفقر وقلة الكرامة والمهانة؛ فأصبح وديعا طائعا للطغاة وسارقي الحريات، وفقدت القيم بريقها في قوم يتلونون كالحرباء، ويتنصلون عن كل شيء في رمشة العين وبلا خجل ويتناقض كلامهم من ألفه إلى يائه وتتصادم أفعالهم، ويجعلون الكذب مطية لوصول مآربهم، والخداع وسيلة لبلوغ مراميهم، أعمتهم شهوة السلطة، وأبعد الجنون عنهم جادة الحق، وأغرتهم الثروة، يتلمظون للشهرة والنفوذ تلمظ االعطشان بقطرات الماء فدنسوا المقدرات، وباعو القيم، وقفزوا فوق حمى الدين، وأنكرو المعروف، وتسابقوا نحو الرذيلة.

ومن مظاهر تلونهم ونيتهم الخبيثة أنهم يروجون للأشياء مع أنهم لا يؤمنون به كالديمقراطية والحكم الرشيد والاحتكام إلى صناديق الإقتراع ومحاربة كبت الحريات ومصادرة الحقوق وصيانة الدستور وحفظ الشرعية، ولما انقلب السحر على الساحر، و أفرز الصوت بغيرهم كفروا بشعاراتهم، وكشروا الأنياب، و ولّو مرددين لو أنتخب الشعب على رجل من القريتين عظيم! وبدأوا بفعلة أسلافهم الذين كانو يعبدون العجوة ويأكلونها عند الحاجة والفاقة.

الثورات الوليدة لاتصلح في الأمم التي عاشت دهورا في أتون القهر والمعاناة، وفي كنف الخوف والقصص المرعبة والمطاردات السياسية والاعتقالات التعسفية والظلم والإرهاب، ولاتنجح الديمقراطية -رغم عوارها- في المجتمعات البدائية التي دأبت على القمع والإكبات ومصادرة الحقوق والحريات وشربت صنوف الذل ألوانا وأكتوت بنار الدولة البوليسية التي تحبس الأنفاس وتجهض الأمل في رحم الغيب، لأن الثورات في تاريخها الطويل كانت تهدف إلى تغيير الوضع نحو الأفضل وإحلال السلام وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساوة بين البشر وانتهاء الشوفينية البغيضة والتكبر المقيت وكانت تخلق هامشا من الحرية وتوفر جوا من التحرر، ويشعر المجتمع بارتياح كبير في ظلها، ويتنسمون برياح الاستقلال، ويتمتعون الهروب من جميع القيود والحدود، ولم تكن الثورة ترهب الناس وتبشر الجموع إلى الفناء والمصادمة بل كان يتنفس فيها الشعب الذي تكيف مع التكميم، وعاش تحت رحمة الإستبداد وبلع الأفكار قبل أن تخرج من فاه! ولذا كانت الثورة براقة في شكلها، ورنانة في اسمها، وجميلة في صورتها، وخلابة في منظرها ومضمونها .

وبعد تحقيق أهداف الثورة والبلوغ إلى النهايات السعيدة كانت تختلف الردود وتتباين الدروب التي يسلكها الشعب والقادة لنجاح ثوراتهم، وربما يتنكب عن الطريق من صعدت الثورة إلى كرسي الحكم، وتؤثر عليه الخلفيات الأيديولوجية ونمط المعيشة وحتى المعرفة والثقافة، وربما الشعب يتجاوز عن الحدود، وهنا يظهر الفارق ويبرز في الساحة من لم يفكر ولو لتفكير عابر أو تصور ساذج أن يعيش في مثل هذه اللحظة التاريخية؛ فيحاول ممارسةالحرية تحت وطأة عدم ثقة زائدة تهز كيانه وتصورات خاطئة، وقد يرتكب المحظور متذرعا بأنه حر، ويقوم بتخبط ينبع بمراهقة كامنة في فهمه للحرية والديمقراطية ومشاركة الحكم وتداول السلطة وحقوق الإنسان وجدليةالثنائيات المتناقضة من الأغلبية والأقلية والمرأة والرجل والدين واللادين والهمجية ومراعاة القوانين وتكون ردة فعله أكثر من اللازم لجهله الواضح عن المدي المسموح للمرأة وهامش المناروة المتوفر لديه وحدود الحرية التي تحول إلى بغي وعدوان إن تجاوزها، ويتعدي المرء حدود الأدب واللباقة في خضم نشوته وتيهه على مفردات الحرية والخصوصية، وينتهك الحقوق ويخرب البلد في ظل قوانين تحميه ولاتزجره، وديمقراطية طرية وفي طورالتكوين والنماء ولم تظهر معالمها بعد، وقد يتشدق بها ويستخدمها لصالحه ويدندن حولها ويؤمن بها -في الظاهر- كأنها عصى سحرية تقلب الأمر رأسا على عقب وتحول البؤس إلى رخاء والمعاناة إلى سعادة في لمح البصر، ويتجاهل ـ الديمقراطية ـ أنها نمط من الحكم قد لا تصلح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بحكم التاريخ والتراث والقيم والموروثات الحضارية والإنسانية والأيديولوجيا .

ويسعى الجميع مستفيدين الوضع الجديد ومخرجات الثورة إلى إبراز عضلاتهم وربما يشكلون ثورة مضادة لثورة  الأم تمهد إلى العنف وتفرض الشعب سياجا من الحقد والحسد وإراقة الدماء، وتتوحل في الفساد وتكرس الإنقسام وتحرض المجتمع إلى الانقضاض التام على الشرعية ومبادئ الثورة.

وهذا ما يحصل الآن في مصر حيث ينتهك الجميع القوانين ويقفزون فوق الدستور في تواطئ واضح مع القوي الخارجية ومساعدة قوية وغطاء سياسي وأمني يقدمها الجيش للمعارضة التي تقود المتظاهرين والتي تعارض من أجل المعارضة فحسب، وليس من أجل الإصلاح وتحسين مستوى المعيشة وتجميل صورة مصر الخارجية، والشعب الذي يثور من أجل كلمات رنانة وخطب أفلاطونية التي تحول الأشياء إلى قضية زمخشرية بلاغية ويلقي عصي الطاعة إلى مدبري الإنقلاب، وممن يحاول تقسيم كعكعة السلطة والثروة مع العسكر.!

ياسادة ما يجري في مصر ليست ثورة بمعني الكلمة ولا يرتقي حتى إلى المظاهرات الإصلاحية والمسيرات الوطنية التي يشارك فيها وينزل الشعب إلى الشارع بكثافة وبجميع شرائحه وطوائفه، وهذا مما لايحدث في مصر بل المعتصمين في الرابعة العدوية وميدان النهضة وأمام جامعة القاهرة والمناصرين للشرعية أكثر بكثير من المتظاهرين في التحرير.

والعنوان الأنسب لما حدث مصر هو “إنقلاب الأقلية على الأغلبية تحت سوط العسكر ” وكل من يحرف الاسم الحقيقي للحدث أضاف لأبجديات السياسة والمصطلحات العالمية ألفاظا جديدة وكلمات أبدعها وأضاف إلى قامموس البشر.

ومن أغرب المواقف هو الإدعاء الساذج بأن العسكر سيرجع الحكم إلى الشعب وهذا فهم قاصر لمجريات الأحداث وقرآءة الواقع والمشهد الأقوى في الساحة؛ لأن السيناريو الذي تم الإنقلاب عليه يدل بأن خارطة الطريق التي وضعها الجيش لا يطبّق، وأن هذه المرة الجيش سيحكم مصر، وستفتقد المعارضة المدنية حِكمة الرئيس مرسي وجمال المدنية التي دعى إليها، وبالتاكيد لا يجدون من يبسط لهم يد العون والمبادرات الكثيرة والدعوات المتتالية والجلوس حول مائدة المفاوضات، والبحث عن كيفية آمنة تخرج مصر من عنق الزجاجة إلى بر الأمان وشاطئ السعادة، ولكن من يريد الهدم لا يعجبه الشرخ ومن يريد الانفراد بالسلطة والشهرة لا يرضخ لصوت الحكمة ولايرضي عن القسمة والمساواة ومشاركة الحكم، ومن يريد العلمانية لا يرتضي الإسلام دينا وشريعة.

وهكذا وصلت مصر إلى شفير الهاوية، ووقفت في مفترق الطرق، إما إلى العنف والجنوح نحو الدماء والدموع والدمار والتشرد وملأ السجون من الأبرياء وتفشي الفقر والفاقة وارتفاع معدلات البطالة أفقيا أو إما إلى استماع صوت العقل والحكمة واحترام الشرعية ووصول صيغة توافقية ولهجة تصالحية مع كافة الأطراف والقوى السياسية والوطنية وشباب الثورة لتتجاوز مصر الزوبعة المخيفة بسلامة، ولتنتهي مظاهر التمرد والعنف إلى الأبد.

ولكن يبدو أن الأطراف أختارت الحل الأصعب في حياة الشعوب، ويبدو أيضا أن صوت العقل لايسمع ضمن هدير الأنانية والكراهية الطافحة على الساحة واختفاء جذوة العقل والتنازلات واحترام الخصوم الذي يحتاج إلى التعقل وتقديم مصلحة الوطن على مصلحة الفرد ورؤية وطنية شامله أساسها أن يقتنع المرء أن الوطن للجميع والمساواة أمام القانون والعدالة والحقوق والواجبات أمر لا بد منه، وأن يبتعد المرء التمادي في المكر السياسي وتجريح الذات والكيد الدبلوماسي والنفاق الذي تزينه الديمقراطية التي لا يؤمن المعارضون مبادئها بل يستخدمونها كقناع يستر شهوة السلطة وحب الرئاسة الموجودة في أفكارهم.

ما يحزنني فعلا هو أن مصر قد رجعت آلاف الخطوات إلى القهقري، ومن يضحك اليوم سيندم غدا؛ لأن سوط العسكر وجلد الكاكي سيطال الجميع، ونياط المارشالات لا تعيد البسمة إلى الوجوه الكالحة بل سوف يتباهى العسكر بإراقة الدماء وسيذيق الشعب طعم اغتصاب الشرعية بلا استثناء، وربما لايرجع الحكم مرة أخرى إلى أحضان المدنيين، لذا كان من الأجدر للجميع السعي نحو وحدة وطنية حقيقية وشراكة على أساس لا غالب ولا مغلوب، والوطن فوق الجميع، والكفاءة والبحث عن سبل تحقق الإجماع وتقريب الوجهات، وتمهد لبلورة أفكار جديدة أساسها مصر للجميع، والاستماع الجيد لأفكار المعارضة والجلوس مع الخصم، ولكن لم تكن هذه الحلول موجودة أو ضربت المعارضة جميع المساعي إلى عرض الحائط متذرعة بقوائم من المطالب لايمكن أن تتحقق ولو في الفترة الرئاسية الحالية لمرسي وإن اجتهد، وكانت تهتف بأصوات تطلب العدالة وتحسين الاقتصاد وكأن العدالة تتحقق بين عشية وضحاها في وطن عانى من ويلات الظلم طيلة عمره، وكأن الاقتصاد المهترئ أصلا يفيق من غيبوبته أقل من رمشة العين، علما بأن الاقتصاد الذي كان يترنح  نصف قرن لا يرجع حيويته ونشاطه بسرعة مطلقة.

لم تنتظر المعارضة انتهاء فترة الرئيس، ولم تستمع إلى مبادراته ونداءاته الوطنية، ولم تمهل حتى يطبق رؤيته وأفكاره ويحول مشروعه الانتخابي إلى تطبيق وعمل يساهم في تحريك عجلة مصر إلى الأمام، بل كانوا يغدرون مصر، ويلعبون بنار العسكر الذي لا يحرق أصابعهم في هذه المرة، بل سيحرق جسمهم الكامل.

%d مدونون معجبون بهذه: