قراءة في مقالات النخب الفكرية لحركة الإصلاح في الصومال

تشهد الحركة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي (الإصلاح) حالةً من التذمر والاستقطاب الفكري؛ نظراً لسيل الكتابات التي تتوزع ما بين مقالات ضافية تشرح كوامن الداء وتحاول جاهدةً وضع رؤية للخروج من المأزق الحركي.

 وبين مقابلات صحفية متعمقة مع رموز دعوية في المنطقة عبروا عن مدى الحرقة والألم الذي يعتصر قلوبهم، فهم يشتكون – كما يقول معظمهم-  من مطرقة تنظيمٍ محلي أدمن الانشقاق، وسندان مكتب للإرشاد لا يعرف التعامل مع الملف الصومالي سوى عن بوابة حركية واحدة.

 فالمتتبع لما يجري داخل منظومة الإخوان في الصومال يرى حالة من الصخب والضجيج على وقع الأحداث المتأخرة، أدت إلى خروج قاعدة شعبية عريضة وكوادر دعوية من عباءة ما بات يُعرف بحركة “الإصلاح – الدم القديم” المرتبطة عضوياً مع تنظيم الدولي للإخوان في مصر، وتكثر في مواقع التواصل الاجتماعي – في موازاة سيل المقالات التي تحمل جميعها طابع النقد-  تغريدات تصطف خلف المعارضة وأخرى مؤيدة، ويجمعهما خيط يُعبر عن حالة الإنفلات التنظيمي والعصيان الحركي كل بطريقته الخاصة.

فمع الضبابية الكثيفة التي تحيط بسماء العمل الإخواني في الصومال منذ تأسيسه عام 1978 وإيثار قادته عدم المشاركة الفاعلة والقوية لمجريات الأحداث في الصومال، ماعدا مشاركات هامشية لا تترجم عن حجم جماعة تتولى ملف العمل الإسلامي بمنطقة القرن الأفريقي.

 برزت على الفور – وبالتحديد-  عاميْ 1983- 1989 اتجاهات فكرية معاكسة متمثلة بتياري ” مجموعة إبراهيم إسحاق” و ” مجموعة التضامن”  الذيْن ظهرا كقوة فكرية تؤمن بفلسفة التغيير السلمي والنهج الوسطي؛ بعيداً عن الجسم الإخواني الكبير الذي يدير عمل أكثر من سبعين دولة متفرقة في العالم، وإن كانت المجموعات المذكورة لا يمكن تصنيفهم خارج دائرة (الأخونة) حيث يؤمنون في كثيرٍ من أدبياتها التنظيمية والفكرية، لكنهم لم يحظوا بالاعتراف الرسمي من قبل مكتب الإرشاد في القاهرة.

بداية الشرارة

لا يخلو أي عمل بشري من خلافات واحتكاكات، فالبشر بطبيعتهم مختلفون في الرؤى والأفكار، والجماعات الإسلامية كغيرهم من البشر يعتريهم النقصان ويجانبهم الصواب.. لكن ما نسعى إليه من خلال هذا المقال هو قراءة كتابات النخب الفكرية لحركة الإصلاح قراءة نقدية متأنية تهدف إلى معرفة الكوامن الحقيقية للأزمة وتحليل نفسيات كتّابها في ظل الظرف الزماني التي تمر بها الحركة.

فنحن أمام مجموعتين إحداهما يمكن اعتبارها  بتيار فكري جارف اتخذ الكتابة وسيلةً للتغيير وتصحيح المسار، ويستقوي بها متى ما سنحت له الفرص (وهم مجموعة التصحيح التي يقودها الشيخ محمد غريري)  في مقابل تيار آخر يتابع المشهد من بعيد دون أن تكون له مساهمات كتابية أو حتى  شفوية لوسائل الإعلام المحلية (وهم جناح الدكتور علي باشا)  ما عدا محاولات مستميتة لضبط الصف خلف الأبواب المغلقة؛ خوفاً من تهدم البنيان.

واكتفت المجموعة الأخيرة بإصدار بيانات مقتضبة للحفاظ على الشرعية المهددة بوجه خصوم يتمتعون برصيد شعبي هائل؛ لأن ثلاثة من مؤسسي الحركة الخمسة يتولون إدارتها، وهو ما يزيد من شراسة المواجهة ويضع الشرعية على المحك.

فمثلاً، تداول أعضاء حركة الإصلاح مطلع شهر نوفمبر عام 2011 مقالة مسربة من قبل الدكتور محمد يوسف (وهو أحد مؤسسي الحركة) حملت عنوان ” اقتراحات حول مسيرة الحركة ” تزامن هذا المنشور؛ نظراً لتوقيتها ونوعية الشخصيات المرسل إليهم – وهم النخب والكوادر ذات التأثير القوي على القاعدة الشعبية-  في وقت اشتد فيه الخلاف الحركي، ولم تعد جميع الحلول لرأب الصدع ممكنة.

فالأمور باتت خارج السيطرة، سعى كل طرف استحواذ أكبر قدرٍ ممكن من الأعضاء بعد خلافات شديدة كادت تعصف بالعمل كله، وإن كان طرف الدكتور علي باشا لم يسع إلى حشد الأعضاء – مثلما فعلتها مجموعة التصحيح-  لمواجهة المخزون البشري المدفوع تحت تأثير المعلومات التي وفّرها جناح التصحيح عن طريق الكتابات أو اللقاءات الحاشدة.

وتناقل الجميع  بصورة فيها نوع من الانتقائية والصفوية عبر عناوين البريد الإلكتروني  مقال الدكتور يوسف الذي تميّز بالبعد المعلوماتي الدقيق، والوصف الحقيقي لما تعانيه الحركة من خلل، مع دغدغة المقال لمشاعر القاعدة الشعبية التي تقبلت توصيات الدكتور يوسف برحابة صدر.

وقد تحدث الدكتور في هذا المقال عن غياب المتابعة الإدارية اللازمة، وعدم دراية القيادة بما يجري حولهم من أحداث، وقال: ( لاحظتُ فقراً معيباً في المعلومات وعدم الدراية في بعض القضايا المهمة ونقصاً شديداً في متابعة الأحداث الجارية لدى هذه القيادات).

واختتم الدكتور بالحديث عن مؤسسات الحركة الذي جرى حولها اللغط ووصف أن السمة الغالبة فيها سلبي ” تفشى فيها المحسوبية حتى إن البعض شكّك في ملكيتها وشخصيتها الاعتبارية” كما أوردها الدكتور في رسالته.

هذه المقالة وغيرها من المقالات شكّلت بداية إرهاصات قوية  لخلافات حركية متجذرة ومتعمقة وفتحت الأبواب على مصراعيها للكتابة المماثلة، والتذمر الواضح من قبل الطرف الآخر الذي عزف – تماما- عن الكتابة حتى للتعبير عن بعض المواقف أو الرد.

 وقد تناول الدكتور يوسف في هذا المقال أبرز التحديات التي يواجهها العمل الإسلامي في المنطقة، وأحدثت كتابته ضجة فكرية؛ لأنها حملت في طياتها مضامين لم يسبق لأحد من الدعاة البارزين في الحركة تناولها أو حتى الإشارة إليها من بعيد.

كتابة جريئة

سبق مقال ” اقتراحات حول مسيرة الحركة”  كتابة جريئة منسوبه للشيخ عيسى أحمد بتاريخ 14/10/2011   – والشيخ عيسى هو عضو مكتب تنفيذ الحركة وعضو مكتب الشورى الحركي من عام 1986- 1996- وقد حمل مقال الشيخ عنوان ” تحرير العقول وتسديد المسار” وهذه الكتابة – برأيي-  هي مما أشعل شرارة الكتابات الحركية ذات الطابع النقدي، وكانت أيضاً حافزاً قوياً للآخرين ليخوضوا في غمار مجالٍ كان من الممنوع تناوله، أو بالأحرى لم يحاول أحد الاقتراب إليه.

ورغم إقدام مجموعة ” التصحيح” لفتح آفاق رحبة للكتابة لم يسبق لهم مثيل في التاريخ الحركي في الصومال لأسباب لسنا بصدد الحديث عنها،  إلا أنهم – مازالوا- يعيشون في عالم فكري ينطلق من ثنائية ضيقة متمثلة بالحركي واللاحركي، والدليل على ذلك اختيارهم في بداية كتاباتهم لمجموعات خاصة عبر الفضاء الإلكتروني الواسع لتحصل على المستجدات الحركية، وما يقوم به طرفهم من أنشطة مختلفة.

أما المجموعة الأخرى التي تخاصمها فكريا داخل تيار الإصلاح في الصومال فكان غير مسموح لهم الحصول على مقالاتهم، وهذه الخطوة هي ” صفوية ضيقة”  تخلق ولاءات متناقضة داخل المنظومة الواحدة، عداك عن خارجه، وهو نمط تعامل متجذر في أدبيات الإخوان في الصومال عموما، كرّستها القيادات السابقة من أجل التفرد بالسلطة وقطع الطريق أمام أي محاولات لتطوير العمل.

لكن الشيخ عيسى أحمد في مقاله السري يستنكر تلك الخطوة قائلا ” احتكار المعلومات أصبح السمة البارزة في الحركة؛ حيث إن بعض المنظرين تعودوا على أن يلقوا مثل هذه العبارات : عليكم أن لا توصلوا المعلومات إلى القاعدة فإنهم لا يستوعبونها فيفتتنون بها، الأمور المالية صعبة فلابد أن تكون محصورة في دائرة ضيقة”.

بعد المفاصلة

وبعد حدوث المفاصلة في الرابع من رمضان عام 2012، أخذت كتابات ” تيار التصحيح ”  طابعاً أكثر انفتاحاً من ذي قبل، ولعل من أهم أسبابها هو تدشينهم لموقع إلكتروني جديد باسم ” الإصلاح اليوم” احتضن هذا الموقع أبرز أقلام تيار التصحيح، وأصبح وسيلة إعلامية للتيار الجديد ينشرون من خلاله مواقفهم وبياناتهم، أضف إلى أجواء الحرية التي تمتع بها جناح التصحيح بعد فك قيودهم الحركية من تيار (علي باشا) الذي كان يقف بالمرصاد كل الكتابات أو حتى المواقف الصريحة  التي صدرت من الطرف الآخر.

ودخلت على خط الكتابة أسماء جديدة منهم الشيخ إسماعيل عبدي هري ( نائب المراقب – سابقاً) والذي كتب مقالات نقدية تفيض عاطفة جياشة وحملت عناوين عريضة كاشفة سلّطت الأضواء على ما جرى داخل كيانهم المتهدم، فمقالاته بمثابة شهادة واقعية تعطي القارئ صورة حقيقية تعكس حجم مشاكل حركة الإصلاح (الدم القديم) فهو أحد نائبيْ المراقب المحسوبيْن على تيار التصحيح.

فمقاله المعنوب بـ ” الإصلاح بين آفاق التصحيح وآفات الجمود” هو أولى مشاركاته الكتابية، وقد تناول المقال عدة محاور مهمة تركّزت على أهمية التصحيح والتغيير، وعدم الانزعاج من مبادرات التصحيح، واختتمها بشهادات صادقة عن واقع تجربته في الحركة.

ثم توالت مقالات الشيخ إسماعيل فكتب بعدها ( هدفنا تصحيح المسار والعودة إلى النهج القويم) و( حركة الإصلاح وتطورات الأزمة الراهنة) و ( دعاة على منهاج النبوة) وهي مقالات دارت كلها في فلك التصحيح كغيره من مقالات بقية كوادر تيار التصحيح.

ومن جانبه لم يكتف الدكتور يوسف بمقاله المنشور على نطاق واسع عبر البريد الإلكتروني، بل ازدادت وتيرة كتابته بعد المفاصلة؛ حيث اتحف موقع الإصلاح اليوم بباقة من المنشورات النقدية كـ ( ملاحظات حول مسيرة الحركة خلال 15 عام الماضية) و ( لا شرعية لبقاء الفساد) و ( الدعوة إلى شباب الحركة) و (الهدم الممنهج) و( من بركات التصحيح) وأغلبها تدور حول خلافات حركية يبحث لها عن حلول، كما يقترح مسارات جديدة للعمل التنظيمي.

ويُلاحظ القارئ أن جل كتابات النخب الفكرية للإصلاح تدور حول الحديث عن خلافات داخلية دون التركيزعلى مقالات وكتابات تفتح المجال للنقد الإيجابي، أو تساهم في تحريك المياه الفكرية الراكدة، كعرض أفكارهم  بقالب نصي جذّاب مع عقد مقارنات فريدة بين الفكر الوسطي وبقية الأفكار الموجودة حالياً على الساحة الصومالية، وتصدير تجربة العمل الإسلامي الصومالي إلى الخارج كغيرها من تجارب تركيا ومصر أو غيرهما من التجارب الفكرية في العالم الإسلامي.

وإذا أقدموا على هذه الخطوة – لاشك- أن الكتابة الفكرية ستجد رواجاً داخل المجتمع الصومالي الذي لم يألف مثل بقية وطننا العربي متابعة مقالات فكرية تمثل عصارة تجارب فكرية من أطراف متناقضة، أو تعالج قضية محلية لكنها تحمل أبعاداً إقليمية؛ لأن الوطن العربي كله جسم واحد، فعندما يعبر راشد الغنوشي عما يجري في تونس عن طريق كتابات أو عبر مقابلات صحفية، فإنه مما لاشك سيكون لخطابه أصداء قوية في بقية العالم الإسلامي، وينبغي لرواد العمل الإسلامي في الصومال أن يكون لهم رؤية خارج الإطار الجغرافي للصومال.

هناك سمة غالبة على كتابات تيار التصحيح في الحركة الإسلامية الصومالية، وهي الكتابة ( التعبوية) الموجهة إلى أحد أطراف معادلة الصراع الحركي في الصومال، وهذا الأسلوب في التعاطي مع الأحداث هو أسلوب محدود التأثير على عكس تبني أسلوب الكتابة المفتوحة للجميع، والتي يتفاعل معها الجميع، الحركي منها وغير الحركي.

تعليق واحد

  1. لقد أجدت في نقدك لكتابات جناح التصحيح، وأجملت في كلامك بأن جل كتاباتهم تركز على النقد الداخل دون عرض أفكارهم على المجتمع، لكنني طالعت مقالة الدكتور محمد يوسف المعنون: “ملاحظات حول سير الحركة 3” حيث بين فيه مقارنات عدة رغم وجود نقد لاذع، فقارن بين: الريادة والتبعية، بين النهج القويم وبين الانحراف، بين الوحدة والانفصال، بين الدنيا ولآخرة، بين الشفافية والغموض، بين الشورى والاستبداد، بين العلم والجهل، بين الجماعة والشللية، فهذه المقارنات يعتبر بلورة أفكار جديدة أهملها الفريق الآخر، لكنها تحتاج إلى تأصيل وتوسيع، كما يحتاج إلى الاستفادة من تجارب الآخرين وعرضها بقالب ينسجم مع الوضعية الصومالية وثقافة مجتمعنا التي تجتاج إلى عرض الأفكار بصورة مبسطة يفهما العقل الصومالي.

%d مدونون معجبون بهذه: