الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب(6/ب)

  النرويج  والابتعاد عن إثارة المشاعر المسلمين وغضبهم

ضمن حديثنا -من سلسلة موضوع ” الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب” بحلقته(6/أ)- أشرنا على وجه سرعة وبعجالة شديدة إلى ابتعاد النرويج عن إثارة المشاعر المسلمين وغضبهم، غير أننا تلقينا فيما بعد انتقاذات حادة بصورة أو بأخرى من قبل الزملاء والأصدقاء لعدم موافقتهم على ذلك مع احترام شديد يكنونه لصاحب المقال – أكرمهم الله في الدنيا والآخرة – ورأيت أن النقد الموجه إلى المكتوب كان صائبا وبناءا، بل كان يحمل في طياته الإخلاص والغيرة الشديدة للإسلام وأهله، مع  تعاطف أخوي كبير – حفظهم الله – ورغم تقديري لهذا العطف والرأفة من الأحباب إلا أنني كم كنتُ أتمنى أن يكون هذا النقد مكتوبا ومتصلا بالموضوع في حينه عبر التعليقات المعتادة.

 والحقيقة أنه لا يهمني أن يكون الجواب بلا أو بنعم أكثر مما يهمني الحقيقة والمصداقية بالإضافة إلى الإنصاف والعدالة امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ((المائدة – آية:8)) وما نكتبه ليس وحيا ولا مستمدا من السماء، وإنما إرهاصات وخواطر نحاول أن نكون على مسافة قريبة من الحقيقة حسب ظننا من خلال استخدام الأدوات والأسباب المؤدية إلى ذلك.

ومن خلال قرآءة المشهد النرويجي في العقود الأخيرة ظهر لنا ما ذكرناه سابقا، بدءاً بمؤتمر أوسلو للسلام بين الفلسطينيين  والإسرائيل في عام 1993م؛ حيث حاولت النرويج عدم إساءة  كرامة أبي عمار ياسر عرفات وزمرته المناضلين منذ احتلال أراضيهم، وكانوا ضد هذا الاحتلال الأسرائيلي ومن يسانده من الدول الغربية قاطبة، وذلك من خلال المحادثات السرية والعلنية لكونها المحور الرئيسي والممثل الغربي  في ذلك المؤتمر.

 وتأكيدا لدور النرويج في ذلك الأمر قامت بحماية الإتفاقية في أكثر من لون رغم ما واجهتها من المضايقات من قبل الكتلة اليهودية العالمية لاسيما الجانب المتطرف، والذين كانوا يرون عدم مصافحة والاقتراب من الإرهابيين ومن تلطخت أيديهم بدماء شعب الله المختار، ولكن النرويج استمرت على نهجها وإدارتها في تحقيق السلام العادل المرضي للطرفين، بل ومنحت أبا عمار وشمعون بيريز ميدالية السلام بالتقاسم تشجيعا للمشروع.

وأكثر من ذلك وبالذات عندما حصلت حركة المقاومة الإسلامية المعروفة بحماس على أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني -وهو أحد مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية- فإنّ النرويج كانت الدولة الغربية الوحيدة الداعمة لحكومة الحماس التي انبثقت عن هذه الانتخابات، علما أنّ المجلس تأسس بناءا على إعلان المبادئ واتفاقية أوسلو المذكورة، والموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة دولة إسرائيل.[1]

وأكثر من ذلك قامت النرويج بدعم الحكومة ومساندتها، وتبريرا لموقفها عقب الانتقادات اللاذعة التي تلقت النرويج من قبل المنظمات والدول فإن وزير خارجيتها آنذاك قال قولته المشهورة بأن حكومة الحماس برئاسة السيد إسماعيل هنية أكثر شرعية وقانونية من حكومة النرويج التي كان يترأسها _ وما زال_ ينس استلتنبرغ Jens Stoltenberg ؛ لأن الأصوات التي اختارت السيد إسماعيل هنية كانت أكثر من الأصوات التي اختارت نظيره النرويجي.

 وعند الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة شجبت النرويج شجبا شديد اللهجة وأرسلت إلى غزة طاقما من الأطباء الذين كانوا ينقلون يوميا الأحداث والأوضاع الصحية الأليمة التي أثارت مشاعر الجماهير[2]، وقد اتهمت دولة الإسرائيل بهؤلاء الأطباء بأنهم ضد السامية، وتضامنا لهؤلاء الأطباء استقبل الجماهير النرويجية في المطار بالورود والقبلات والعناق كالأبطال في الإنسانية والحرية بعد عودتهم إلى أرض النرويج [3] .

أما على الصعيد الداخلي كان هناك تحرك إنساني عبر مجلس الصداقة الفلسطيني النرويجي؛ بحيث نظم هذا المجلس مظاهرات عارمة على طول البلاد وعرضها، كما نظم المجلس جمع تبرعات كبيرة على مستوى الوطن ككل[4]، بالإضافة إلى تنظيم رحلة بحرية وإرسال سفينة تحمل مساعدات إنسانية من عاصمة النرويج أوسلو إلى قطاع غزة المحاصر [5].

ورغم أنّ الطاقم الطبي النرويجي عبروا في رسائلهم بطريقة سلمية ومهنية فإنّ تحركاتهم أثارت مشاعر كثيرين من سكان منطقة الإسكندنافية، حتى طلب الشعب السويدي بطرد فرق رياضية إسرائيلية مشاركة في إحدى الدورات الرياضية في السويد[6]، وأكثر من ذلك فإن كوكبة من الأدباء والمثقفين عقدوا ندوات ومؤتمرات تناقش في العدوان الإسرائيلي،  ومن  ذلك ندوة أدبية عقدت في بيت الأدب النرويجي بأوسلو بمشاركة من المثقفين والقانونيين والمهتمين، وقرر هناك ولأول مرة في بلد غربي بأحقية حركة الحماس المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي [7]. ولا يُنسى دعوة القضاة النرويجيين الذين رفعوا إلى المدعي العام في النرويج إلى محاكمة وملاحقة من ارتكب جرائم الحرب من الإسرائليين في غزة، وهذه الخطوة  من هؤلاء القضاة وغيرهم كانت جريئة ولأول مرة في أوربا أيضا [8].

وعند احتلال أمريكان وحلفائهم بأفغانستان والعراق كانت النرويج مع المنطومة الغربية المشاركة في الحلف الأطلسي غير أنّ دورها كان يقتصر على أمور إنسانية ودعم المجتمع المدني، ولكن حين لاحظت النرويج غطرسة الولايات المتحدة وتبجحها في العراق وما جري فيها من انتهاك لحقوق الإنسان سرعان ما انسحبت من الميدان كلية. أما أفغانستان ما زالت مشاركة النرويج في المجال المذكور في دور ضيق في المناطق بعيدة كل البعد عن مناطق المناوشات حتى الآن.

ولما صدر الكاركارتير المسيئ للرسول الأعظم محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – في الدنمارك ثم نقل هذه الإساءة بجريدة نرويجية صغيرة تحت اليمين المتطرف بادرت الحكومة إلى الاعتذار وأغلقت الجريدة رغم أن النرويج لم تتنازل عن حرية القول والصحافة ولكن من باب الابتعاد عن المشاكل واحترام الآخرين،، بل وعملت الحكومة على مستوي المسؤولين الكبار لقاءات مع المسلمين في المجتمع النرويجي، وكذا قيادات دينية أخرى في المملكة، وذلك كله تضامنا مع المسلمين ومقدساتهم.

 و تجدر الإشارة إلى أنه عندما تكررت الإساءة -عبر تعليقات بصفحة من صفحات الشرطة النرويجية في الفيس بوك بواسطة مجهول اخترق الموقع ونقلت إحدى الجرائد الخبر المصور- ندد المسلمون بهذه الإساءة بل ونظمت مظاهرات عارمة تشجب وتندد، وفي أثناء المظاهرة هتف أحد الشباب المسلمين المتحمسين أمام الشاشات بأنه سيحدث في البلاد ما حدث في أمريكا في 11 من سبتمبر 2001م إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ومع ذلك كله لم يقبض على هذا الشخص رغم هذا التهديد وخطورته في الأمن والاستقرار. و وجهت الشرطة العامة الاعتذار الشديد للمسلمين ماذام الشخص استعمل موقعها وقامت بلقاءات مع المراكز الإسلامية تقدم الاعتذار.

وقبل الختام ينبغي أن نشير إلى أن الحكومة النرويجية الحالية تترأسها الأحزاب اليسارية القريبة إلى الأقليات والمجتمعات التعددية، وعلى رأس ذلك حزب العمال ذو الشعبية العريضة في المجتمع النرويجي منذ العقود الماضية.

 ومن هنا لم يكن مستغربا بأن أسندت الحكومة حقيبة وزارة الثقافة – ولأول مرة في التاريخ – إلى سيدة مسلمة تنحذر من أصول باكستانية، وهي السيدة “هادية تاجك” ضمن التشكيلة الوزارية الحالية،  علما أنّ مسؤولية الوزارة تشمل الثقافة والإعلام والرياضة، والأنشطة التطوعية والمجتمعات الدينية والعقدية وغير ذلك.

 وفي الواقع أن هذه الخطوة أثارت على مشاعر كثيرين، وليس فقط لدى اليمين المتطرف، وإنما أيضا على الجانب المسيحي المتدين؛ لأن المجمع الكنسي في البلاد يأتي ضمن تصرفات الوزارة التي تترأسها السيدة هادية المسلمة.

 الهوامش


[1] http://www.aljazeera.net/reportsDP/pages/4e43dbb8-147b-43b4-bbac-e2be38934e0c

 – http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-12-81184.htm

 [2] – http://www.youtube.com/watch?v=Q_U-ZHPN93c

 http://www.youtube.com/watch?v=kqGJytyz7w4

 [3] – http://www.youtube.com/watch?v=ZyFiys8typs

[4] – http://www.youtube.com/watch?v=GfGmX0Ja9yc

 [5] – http://www.youtube.com/watch?v=3pHvKxRm9Gk

[6] – http://www.youtube.com/watch?v=8o2kotm7vZ0

[7] – http://www.youtube.com/watch?v=GfGmX0Ja9yc

[8] – http://www.youtube.com/watch?v=gGPbgp2SseI

%d مدونون معجبون بهذه: