الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب (5)

الأسباب ودواعي اللجوء والهجرة إلى بلاد الغرب:

الهجرة والنزوح ليست رحلة سياحية يختارها المرء؛ وإنما تأتي جبرا لا اختيارا، كما أن طريق الهجرة ليس مفروشا بالحرير، ومع ذلك نرى كل يوم من يضطر لهذا الأمر ويسلك طريقها، علما أن الهجرة والنزوح لا يُعلق باللون أو الدين، ولكن لها أسباب وعوامل تجبر الناس على ذلك.

 وإذا نظرنا التقرير الذي صدر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في شهر مارس من عام 2009م نرى أن ما يقدر بنحو 383 ألفا من طالبي اللجوء قدموا طلبات للإقامة في الغرب في عام 2008م، بزيادة قدرها %12 عن عام 2007م؛ حيث فر المزيد من الصوماليين والأفغان من القتال في بلادهم.([i])، ولا شك أنّ هذا العدد تضاعف كثيرا بسبب القلائق والحروب التي حدثت في العالم بعد هذه التواريخ.

 ونحن هنا لانقصد أن نتناول كل ما يتعلق بأمر الهجرة والنزوح كهجرة من يفارق بلده وموطنه بسبب البحث عن حياة أفضل مما هو عليه، وتلك هدفها الاقتصاد والبحث عن رغد العيش. كما أننا لا نقصد هنا حاجة أوروبا المتزايدة إلى الاعتماد على تدفق اليد العاملة الأجنبية المتكاثرة من أجل التعويض عن شعبها المعمر والمتناقص شيئاً فشيئا، وهذا الأمر تريده أوروبا بشروط ([ii]) ، وكذا ليس قصدنا أيضاً من يهاجر لأجل طلب العلم إلى الغرب المتطور تكنولوجيا والبحث العلمي المادي ودروبه؛ ولكننا سوف نسلط الضوء هنا على تلك الهجرات التي سببها من أجل البحث عن مكان آمن؛ حتى يجد أصحابها حماية لحياتهم والأمن والاستقرار  في مستقبلهم.  وبمعنى آخر النزوح الهجرات الاضطرارية.

ولتقييم نظام اللجوء والهجرة في الغرب وبلورته ينبغي أن نعرف أولا الأسباب والدواعي التي بوجه تمنح هذه الدول اللجوء وقبول العيش في بلدانها. ومن خلال تتبع أنظمة اللجوء والهجرة التي وضعت هذه البلاد يتجلى لنا تلك الأسباب مثل أسباب سياسية وإنسانية. وأن الدول الغربية التي تستقبل اللاجئين والنازحين لا يترددون في منح اللجوء والإيواء لكل من يستحق وتنطبق عليه شروط اللاجئ وظروفه وأسبابه. وتفتخر أوروبا بتقاليدها الإنسانية في الترحيب بالأجانب ومنح اللجوء للاجئين الهاربين من الخطر والاضطهاد. وتواجه دول الاتحاد اليوم مسألة ملحة ضاغطة، ألا و هي كيفية التعامل مع العدد المتزايد من المهاجرين، الشرعيين وغير الشرعيين، في منطقة ألغيت الحدود الداخلية فيها.

ولكي يمكن ضبط عمليات اللجوء المتزايدة ومعالجة طلباتهم وفقاً لمبادئ أساسية معترف بها بشكل موحد في كامل الاتحاد  أنشأ الاتحاد الأوروبي الصندوق الأوروبي للاجئين وبموازنة سنوية قدرها 114 مليون يورو، مع هذا التعاون واسع النطاق بين الحكومات الأوروبية لا يزال ينتظر اتباع سياسة أوروبية حقيقية للهجرة واللجوء.([iii]) والسؤال هنا هو: ما اللجوء السياسي؟ ومن يطلق عليه لاجئ سياسي أو من باب لجوء إنساني؟ وهل تعامل الغرب ومعالجته لمشكلة المهاجرين واللاجئين يعتبر مفتاح الإرهاب ويكون سببا لممارسته، أو كون الغرب مد يد العون والمساعدة يعتبر عاملا مشجعا للإرهاب؟. والحديث عن مصطلح اللجوء السياسي وتعريفه أولاً يطلق اللجوء السياسي – حسب القانون الدولي- على الحماية التي تمنحها الدولة فوق أراضيها أو فوق مكان تابع لسلطتها لفرد طلب منها هذه الحماية، والهدف منه هو إنقاذ حياة أشخاص أو حريتهم؛ حيث يعتبرون أنفسهم مهددين في بلادهم. ومعنى ذلك أن كل شخص هجر موطنه الأصلي أو أبعد عنه بوسائل التخويف والإرهاب أو الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو مذهبية ولجأ إلى إقليم دولة أخرى طالباً للحماية أو العيش لحرمانه من العودة إلى وطنه الأصلي يسمى لاجئاً سياسياً في مفهوم القانون الدولي.([iv])

 وهذا الأمر تشترك فيه كل الدول الغربية التي تستقبل اللاجئين والنازحين. وفي ما يتعلق بدول الشمال الأوروبي كدول السويد وفنلندا والنرويج والدنمارك وأيسلندا لها أوضاع متقاربة بالنسبة للتعامل مع المهاجرين واللاجئين، وأنظمتهم في هذا الأمر متشابهة ولهم تعاون كبير في معالجة القضية وانضباطها.

 وإذا نظرنا نظام اللجوء والهجرة في مملكة النرويج التي وضعت هيئة الهجرة والأجانب هنا ومن خلال تتبع ذلك يظهر لنا أنها أعطت فرص اللجوء والهجرة إلى بلادها على أسس إنسانية حسب مبادئها وقيمها. والمعروف أن المرء يحصل القبول على أساس أن يكون الشخص محقا في ذلك بشروط معروفة مثل: لجوء سياسي، وإنساني ولأسباب الحماية وغير ذلك. فمثلا إذا كان الشخص الطالب للجوء ينتمي إلى بلد غير مأمونة العواقب عندئذ يمكن أن يحصل على القبول، وذلك لأسباب الحماية حيث يمنح تصريح الإقامة.

 وتتألف أكبر مجموعات طالبي اللجوء الذين منحوا تصاريح الإقامة في النرويج من الأشخاص الذين تلقوا الموافقة على البقاء لأسباب الحماية. وتمنح مثل تلك الموافقات عادة على شكل تصاريح الإقامة والعمل. ويستمر مفعول التصريح لمدة سنة واحدة للمرة الواحدة قابلة للتجديد. وإذا لم يتمكن الشخص من الحصول على جواز سفر من بلده يمكنه تقديم طلب للحصول على جواز سفر اللاجئين من المحتمل أن يمنح طالب اللجوء تصريح إقامة لأسباب إنسانية. وبإمكان الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية خطيرة في بعض الظروف الحصول على مثل هذه التصاريح. وفي ظروف خاصة تمنح تصاريح الإقامة تلك أيضـًا لاعتبارات تتعلق بالأطفال.

ومن أسباب منح اللجوء أيضا جمع شمل الأسرة؛ حيث يمكن لأحد أفراد الأسرة سواء كان ذكرا أو أنثى تقديم طلب جمع شمل الأسرة مع فرد واحد أو أكثر من أفراد الأسرة ممن يعيشون في النرويج.

 إن جمع شمل الأسرة يعني منح فرد واحد من أفراد الأسرة تصريح للإقامة في النرويج. وتقع مسؤولية طلب جمع شمل الأسرة على فرد الأسرة الذي يرغب في المجيء إلى النرويج أو أفراد الأسرة الذين يرغبون في المجيء إلى النرويج. ويقدم الطلب إلى أقرب سفارة أو بعثة أجنبية. ويقوم الموظفون في البعثة الأجنبية بتقديم المساعدة في تكملة نموذج الطلب. ويشمل جمع شمل الأسرة عادة أفراد الأسرة المقربين كالأطفال الذين تجاوزت أعمارهم الـ 18 عامـًا، والوالدين وآخرين. بإمكان مديرية الهجرة النرويجية (UDI) أو أية بعثة خارجية نرويجية تقديم معلومات إضافية في هذا الشأن.([v])

 ويعني كل ما ذكرناه أنه يحق لطالب اللجوء الحصول على وضعية اللجوء إذا كان يخشى، لأسباب ذات أساس راسخ، مثل أن تضطهده السلطات أو غيرها في بلده. وقد تكون أسباب الاضطهاد مبنية على أسس عرقية أو دينية أو قومية أو بسبب العضوية في فئة اجتماعية معينة أو بسبب قناعات سياسية معينة. والاضطهاد يعني انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو تعديات خطيرة أخرى. والخوف الذي يستند على أساس راسخ يعني وجود خطر حقيقي من وقوع مثل تلك الانتهاكات.

عندما يُمنح الإنسان حق اللجوء فإنه يحصل على حالة اللاجئ ويستلم رخصة الإقامة تصريح عمل. ويستمر مفعول التصريح لمدة سنة للمرة الواحدة ويجب تجديده. ويمنح الشخص وثيقة سفر اللاجئين كذلك والأطفال يحملون وثيقة سفر خاص لهم منفصلة عن أسرهم. وهذه الوثيقة لا تصلح للسفر إلى البلد الأصلي للاجئ، وذلك لأسباب أمنية وحماية لنفسه.

وخلاصة القول في هذا المجال إن كون الغرب مد يد العون والمساعدة للمهاجرين و المتضررين لا يعني في ذلك بأنه قام بتشجيع الإرهاب وترحيب أعمال العنف والتخريب، حتى ولو قام بعض المهاجرين بسوء استخدام تلك الفرص والحقوق كوثائق السفر.

  الهوامش:


([i])انظر اتحاد وكالات الأنباء العربية    tp://www.fananews.com/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=487015&NrIssue=5&NrSection=1.

([ii]) بول أيمز، الخبراء: المستقبل غير واعد، أسوشيايتد براس، 3 أكتوبر 2006، منظمة الهجرة الدولية، التقرير حول الهجرة العالميّة للعام 2005 (منظمة الهجرة الدولية جنيف 2006).

([iii]) باسكال فونتين : أوروبة في اثني عشر درساً، تشرين الأول 2006،  المفوضية الأوروبية، بركسل، ص 53.

([iv]) تعريفات من الموسوعة السياسية ( دنيا الوطن العربي )، http://www.noreldonia.com/vb/showthread.php?t=1922.

([v]) انظرالمزيد عن اللجوء وأسبابه وجمع شمل الأسرة في موقع مديرية الهجرةالنرويجية على الإنترنت وباللغة العربية.http://www.udi.no/templates/TemplatesBlueDesign/Page.aspx?id=4429.

%d مدونون معجبون بهذه: