الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب(4)

330260951الإرهاب باسم الدين الإسلامي

وإذا كنا قد ضربنا أمثلة من الإرهاب الأوربي من خلال عناصر المتشدد من اليمين المتطرف، فإننا سوف نشير هنا إلى بعض الجوانب من الإرهاب وأسبابه التي يستخدم باسم الدين الإسلامي، وكذا ممارساته للإقدام على القتل أو التخويف والخطف والتخريب والسلب والترويع بغير سبب مشروع، وهذا لون من ألوان الإرهاب بعينه، كما عرف به الشيخ صالح بن الحميد، إمام وخطيب مسجد الحرم المكي.([i]) والحق أنه لا يخفى على أحد من أن أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من أعمال العنف والتفجيرات في أوروبا كانت صدمة للجميع، وبالأخص المسلمين في الغرب؛ لأن من قام بها كانوا مسلمين ممن يحملون الفكر الجهادي ضد الغرب حسب ما أعلن مرتكبي تلك الأحداث، وكدا حسب ما توصلت إليه الأجهزة الأمنية في تلك البلاد.

 كما أنّ الهجوم والضربة القوية التي تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001م كانت صاعقة للغرب؛ لأنه جاء في قلب القوة العظمى الوحيدة المتبقية بعد انهيار الاتحاد السيوفييتي، وهو ما لم يتصور أحد من قبل حتى اعتقد كثير من الناس في الغرب بأن الحدث يشير إلى بداية الحرب العالمية الثالثة، بل أنّ المؤشرات تنبأت بأنّ شيئا جديدا سوف يبدأ، وقد عجز كثير الوصف والتحليل، وأصبح من العسير تفسير الحدث أو فهمه[1].

وقبل الحديث عن علاقة الإرهاب وأعمال العنف التي ترتكب باسم الدين الإسلامي الحنيف نشير إلى قضية اللجوء والهجرة إلى الغرب أسبابها وكيفية استقبال الغرب لهؤلاء المهاجرين، وهل إذا كان مناخ المهجر شجع أو يشجع بأعمال العنف والإرهاب؟ لأن بعض الطبقة الحاكمة في العالم العربي زعمت أكثر من مرة وما زالت تزعم أن الغرب هو الذي يغذي الإرهاب بل ويشجعه نتيجة عدم استجابة الغرب طلباتهم في تسليم بعض المعارضين السياسيين وغير السياسيين المقيمين في الغرب، وذلك احتراما لقوانينهم والحقوق الإنسانية.  وكم كانت صدمة لدى بعض ساسة العرب حينما رفض الغرب مطالبهم هذه، والمطلوب منهم إسلاميون لهم أفكار وأنشطة تخالف الغرب ولا تمت بأي صلة لهم.

لماذا تستقبل الدول الشمالية النازحين واللاجئين في بلدها؟ (مملكة النرويج نموذجا) :

لأنهم عرفوا ما تعني الهجرة والنزوح؛ حيث  نزح  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حوالي 800 ألف نرويجي إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان اقتصاد النرويج ضعيفـًا وكان يصعـُب العثور على وظائف آنذاك. وراود العديد من الناس حلم بداية حياة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد سمعوا عن وجود فرص عديدة هناك. وعانى الكثير من الناس من صعوبة الحياة في البلد الجديد في بادئ الأمر، ولكن معظمهم حقق النجاح. كما نزح كثير منهم بعد أن استولت ألمانيا على كل أراضي النرويج بقيادة هتلر خلال حربه. والبلدان الأوروبية الأخرى لم تكن أقل محنة من النرويج خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث عانت مرارة الهجرة والحرب والجوع والدمار.

هل يخاف الغرب من المهاجرين واللاجئين؟

الحقيقة أن الغرب لا يخاف كل المهاجرين أو اللاجئين؛ لأن هؤلاء لا يشتركون في اللون والدين والجنس. أما فيما يتعلق بالمسلمين وعلى الرغم من أن أهل الغرب لا يبدون مخاوفهم تجاه الإسلام والمسلمين إلا أنه يظهر لنا حسب التصرفات الغربية بأنهم خائفون من التنظيمات الجهادية، بل أن أغلب الشكوك الغربية تنصب على أولئك الذين عادوا من باكستان وأفغانستان والصومال بعد تلقيهم تدريبات في المعسكرات السرية. ويتخوف محللون استخباراتيون من إمكانية محاولة تلك المجموعات شن هجمات داخل أوروبا مثل المملكة المتحدة أو تسخير تدريباتهم وخبراتهم القتالية السابقة في تجنيد مقاتلين جدد، وفق ما نقلت “التايمز” عن رئيس جهاز الأمن الداخلي MI5، جوناثان إيفانز.([ii])

وأنه يكفينا دليلا على الأحداث الأخيرة قبل أيام معدودة  وفي يوم الأربعاء 22 مايو الجاري التي حدثت في بريطانيا بقتل جندي بريطاني بأبشع صورة على قارعة الطريق في العاصمة لندن على يدي رجلين مسلمين[2].

الغرب ومحاربة الإرهاب ومعالجته

الدول الأوروبية كلها – كغيرها من البلدان – تعاطفت مع أمريكا عندما تعرضت لهجمات مؤلمة في 11سبتمبر عام 2001م، وهذا ليس معناه أن أوروبا أصبحت في حضن الولايات المتحدة في هذا الأمر.  فالدول تختلف سياساتها تجاه محاربة الإرهاب ومعالجته. فمثلا بريطانيا الحليفة الأوروبية الرئيسة لأمريكا رغم أنها كانت طرفا قوياً وأساسياً إلى جانب الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب عقب أحداث 11 سبتمبر، إلا أنها لم تشاطر معها إلى حد بعيد، غير أننا نرى أنها – أي بريطانيا – ضاعفت جهودها في هذا المضمار بعد أن تعرضت مدينة لندن لتفجيرات إرهابية في صيف 2005م .

والمعروف أن المسئولين البريطانيين وجهوا أصابع الاتهام إلى بعض الشبان المسلمين الذين يمارسون أفعال الإجرام تحت مسميات الجهاد والحروب الصليبية، وأن رئيس الوزراء آنذاك “بلير”  كرر في خطابه حول أحداث تفجيرات لندن الحديث عن ضرورة محاربة الأفكار التي تنبت التطرف والإرهاب. وليس معنى ذلك أن بريطانيا لم تحرك ساكنا قبل تلك الأحداث، بل قامت ببعض المحاولات الرامية إلى معالجة ظاهرة الإرهاب وقلع جذوره حتى لا يتكرر ما حدث من أعمال العنف والتخريب.

 ومن بين تلك الإجراءات التي اتخذتها الحكومة البريطانية سلسلة من المقترحات التي أعدتها وزارة الداخلية بالنسبة لقوانين الهجرة والتجنيس، وهي تهدف إلى ضبط الهجرة غير الشرعية والمساعدة على انسجام المهاجرين الجدد في وطنهم الجديد، وذلك من خلال المقترحات التي أعلنها وزير الداخلية البريطاني ديفيد بلنكيت، وفي مقدمة المقترحات المعدة اشتراط إجادة اللغة الإنجليزية لطالبي الهجرة والتجنيس، وفهمهم آليات عمل مؤسسات السلطة البريطانية واستيعابهم مبادئها وأنظمتها المرعية الإجراء.([iii]) أما الدول الشمالية مثل النرويج والسويد وفنلندا فقد كان الأمر مختلفاً قليلاً في بدايات الأمر، بل وحتى بعض الأشخاص المنتمين إلى تنظيم القاعدة في السويد الذين أحصت المخابرات السويدية عددهم بخمس عشر شخصاً لم يجر اعتقالهم رغم أنهم تدربوا في أفغانستان؛ لأنهم لم يخرقوا قوانين البلاد، حسب قول المسئول في المخابرات السويدية.([iv]) كما رفضت النرويج وما زالت ترفض تسليم ملا كريكار مؤسس جماعة أنصار الإسلام المسلحة في كردستان العراق لأمريكا التي حاولت مرارا وتكرارا تسليمه إليها أو إلى السلطات العراقية.

ورغم أن الدول الأوروبية لاسيما الشمالية لم تتأثر بسياسات أمريكا في محاربة الإرهاب إلا أنهم قاموا في الآونة الأخيرة ببعض التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية لتلك الدول مع بعض الأشخاص، والذين تم اشتباههم بأنهم كانوا يجمعون أمولاً لجماعات العنف والقتال في الصومال والعراق وفلسطين مثل تنظيم القاعدة والمحاكم الإسلامية وحركة الحماس.

 وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي أنشئت في أوروبا وحدات التدخل ضد الإرهاب في الدول الأعضاء في المنظومة الأوروبية الموحدة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م. غير أن الأمر تغير فيما بعد، ونظم الاتحاد الأوروبي مؤخراً مؤتمراً حول سبل تعزيز التعاون بين أجهزة مكافحة الإرهاب في الدول الأوروبية، وبحضور قادة وضباط وحدات مكافحة الإرهاب في دول الاتحاد الأوروبي. وخلال هذا المؤتمر وافق البرلمان الأوروبي على تشديد التشريعات الأوروبية، بشكل يسمح بتجريم كل من يقوم بالتحريض العلني على أعمال إرهابية، بما في ذلك عن طريق الانترنت على مستوى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

 وتقول مصادر المؤسسة التشريعية الأوروبية في بروكسيل، إن هناك حرصا من جانب أعضاء البرلمان في كل المناقشات التي تتناول هذا الملف على التأكيد بأهمية تكثيف العمل على محاربة الإرهاب، مع الحفاظ على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين الأوروبيين.

وفيما يبدو من خلال هذا القرار الذي فتح أمام إجراءات جديدة أكثر صرامة وتشددا، والهدف منه تعزيز العمل على مكافحة الإرهاب انطلاقا من مفهوم الوقاية والردع، حسب قول الناطق بالاتحاد.([v]) كما أنه تم إنشاء نظام معلومات شينغين، وهو قاعدة بيانات معقدة تمكّن قوات الشرطة والسلطات القضائية من تبادل المعلومات حول الأشخاص الذين تصدر بحقهم مذكرات توقيف أو طلبات تسليم المطلوبين، والممتلكات المسروقة كالسيارات والأعمال الفنية. وتطور الأمر إلى التعاون بين سلطات تطبيق القانون في السنوات الأخيرة حيث تم إنشاء ما يسمى يروبول (الشرطة الأوروبية)، وهي جهاز أوروبي مقره لاهاي ويعمل فيه موظفو جمارك و قوات شرطة. ويتعامل هذا الجهاز مع مجموعة كبيرة من الجرائم الدولية، ومن بين تلك الجرائم، الإرهاب وتبييض الأموال.([vi])

  الهوامش

 


[1] – Bjårn Kumm: Terrorismens historie. Pp. S. 7

[2] – http://worldnews.nbcnews.com/_news/2013/05/25/18494830-three-more-arrested-in-investigation-of-uk-soldiers-killing?lite

([i])جريدة اليوم السعودية : العدد (10507)، 8 محرم 1423هـ.

([ii]) شبكة CNN القسم العربي http://arabic.cnn.com/2009/middle_east/2/16/somali.terror/index.html.

([iii]) وانظر جريدة الشرق الأوسط، الجمعـة 26 ذو القعـدة 1422 هـ 8 فبراير 2002 العدد 8473.

([iv])http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article= 316330&issueno =9749.

([v]) http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=10908&article=490031&search=تفجيرات%20إرهابية&state=true.

([vi])باسكال فونتين : أوروبة في اثني عشر درساً، تشرين الأول 2006،  المفوضية الأوروبية، بركسل، ص 53.

%d مدونون معجبون بهذه: